×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

موسى وجرى موسى وراءه قد تم بأمر الله وإرادته كي ينزل نص تبرئته ويقطع دابرالإشاعات. وهذا قمة السفه والضلال. إذ فيه مساس بذات الله سبحانه وحكمته.

ولو كان هذا التصور صحيحا فلماذا اعترض موسى على أمر الله وأوسعالحجر ضربا..؟

لقد اعتبر الفقهاء إضافة أبو هريرة على الرواية كنص الرواية وامتداد لها كمافعلوا مع رواية إبراهيم السابقة وعكفوا على تفسيرها. واعتبرها النووي جزء منالرواية وهو ما يظهر من اعتماد إضافته كمعجزة ثانية لموسى.

ويروى عن الرسول (ص) قوله: " جاء ملك الموت إلى موسى (ع) فقالله: أجب ربك. فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجع الملك إلى اللهتعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عيني. فرد الله إليهعينه وقال ارجع إلى عبدي فقل الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك علىمتن ثور فما توارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة. قال - أي موسى - ثم مه.

قال الملك: ثم تموت " (١)..

قال الفقهاء: قوله أرسل ملك الموت إلى موسى في هذا الحديث مناقشاتلبعض الملاحدة وأجوبة عديدة وتوجيهات حسنة للعلماء ومن جملة تلك ما ذكرالقسطلاني: أرسل ملك الموت إلى موسى في صورة آدمي اختبارا وابتلاءا كابتلاءالخليل بالأمر بذبح ولده فلما جاءه ظنه آدميا حقيقة تسور عليه منزلة بغير إذنهليوقع به مكروها. فلما تصور ذلك (ع) صكه أي لطمه على عينه التي ركبت فيالصورة البشرية التي جاء فيها دون الصورة الملكية ففقأها (٢)..

وهذه الرواية لا تقل سخافة عن سابقتها وإن كانت أدهى وأمر إذ تصور نبيالله موسى متحديا لقضاء الله معتديا على رسوله ملك الموت ومحدثا به عاهة. ولايخفى أن الاعتداء على الله هو اعتداء على الله سبحانه. وهو ما نبرأ منه

(١) مسلم كتاب الفضائل. والبخاري كتاب الجنائز.

(٢) مسلم. هامش باب من فضائل موسى..

٣٢١

موسى الرسول المختار ويدفعنا بالتالي إلى الحكم ببطلان مثل هذه الروايات التيتهين الأنبياء وتحط من قدرهم وتشوه صورتهم.

وعلى فرض التسليم بصحة هذه الرواية فإن هذا يعني المساس بذات اللهسبحانه كما هو حال الرواية السابقة. إذ أن الرواية تصور تراجع الله سبحانه عنأمره لملك الموت بقبض موسى بعد ما عاد إليه مصابا وإتاحة الفرصة لموسىليعيش سنوات أخرى ما دام متعلقا بالحياة الدنيا بعدد الشعرات التي يحتويها كفهمن جسد الثور.

ومثل هذا التصور لا يليق بالله سبحانه وهو على هذه الصورة يعد تدليلالموسى المعتدي والرافض لأمر الله..

ومن جانب آخر يمكن الحكم برفض هذه الرواية عقلا لكون ملك الموتذو قوة خارقة لا طاقة للبشر بها ولا يقدر أحد على منعه من قبض روحه. فكيفاستطاع موسى أن يمنعه..؟

وإذا كان الأمر كما يصور الفقهاء من أن ملك الموت جاء إلى موسى فيصورة بشر وتمكن من صده والاعتداء عليه ظنا منه أنه لص فإن هذا يعطي الفرصةللآخرين ليعتدوا عليه ويمنعونه من تنفيذ حكم الله. لأن عقيدة القوم تنص على أنملك الموت كان يأتي إلى بني إسرائيل في صورة آدمي حتى اعتدى عليه موسىفاختفى بعدها..

يروى عن أبي هريرة أيضا: أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا حتى أتىموسى فلطمه ففقأ عينه (١).

ويبدو من هذه الرواية أن أبا هريرة أراد أن يتدارك بها روايته السابقة ويقطعدابر الشك فيها.

- وآخرون:

يروى عن الرسول قوله: " قال سليمان بن داود لأطوفن الليلة على مائة امرأة

(١) أنظر مسند أحمد ح‍ ٢ / ومستدرك الصحيحين ح‍ ٢.

٣٢٢

أو تسع وتسعين كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له الملك: قل إنشاء الله فلم يقل إن شاء الله. فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل.

والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعين " (١)..

ويروى عنه (ص) قال: " قرصت نملة نبيا من الأنبياء فأمر بقرية النملفأحرقت فأوحى الله إليه أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله " (٢)..

قال الفقهاء: قوله لأطوفن أي لأجامعن واللام جواب القسم كأنه قال مثلاو الله لأطوفن. ورواية سبعين امرأة وتسعين امرأة لا تعارضهما ورواية ستين لأنهليس في ذكر القليل نفي الكثير. وتوهم التعارض إنما هو من جهة مفهوم العددوهو غير معمول به عند كثير من الأصوليين. وليس المراد أنه غفل من التفويضإلى الله بقلبه فإن اعتقاد التفويض مستمر له لكنه نسي أن يقصد الاستثناء الذي يرفعحكم اليمين (٣)..

وقالوا حول الرواية الثانية: قوله (ص) أن نملة قرصت. هذا الحديثمحمول على أن شرع ذلك النبي كان فيه جواز قتل النمل وجواز الاحراق بالنارولم يعتب عليه في أهل القتل والاحراق بل في الزيادة على نملة واحدة. وأماشرعنا فلا يجوز الاحراق بالنار للحيوان (٤)..

إن قضية الطواف على النساء التي تنسبها الرواية لسليمان (ع) غير مقبولةعقلا وشأنها شأن روايات الطواف المنسوبة للرسول (ص) وما قيل هناك يقال هنا.

بل إن الرفض هنا له ما يبرره بصورة أكبر. فقد نسب للرسول هناك تسعة نسوة.

بينما نسب لسليمان هنا مائة. وفي رواية ستين. وأخرى سبعين. وأخرى تسعين.

وهو عدد يستحيل عقلا الطواف عليه في ليلة واحدة. كما يستحيل عقلا نسبته لنبيفإن أقل ما ينتج عن رعاية هذا العدد هو إهمال شؤون الدعوة وحتى الوحيوالتفرغ لهن. لن يجدي شيئا إذ أن هذا العدد من المستحيل أنيهيمن عليه رجل واحد.

(١) مسلم كتاب الأيمان. والبخاري كتاب الجهاد وكتاب النكاح.

(٢) البخاري كتاب فضل الجهاد والسير. ومسلم كتاب قتل الحيات.

(٣) مسلم هامش باب الاستثناء كتاب الأيمان.

(٤) مسلم هامش باب النهي عن قتل النمل. كتاب الحيات..

٣٢٣

ولأن الأنبياء ليس لهم شغل سوى الدين والوحي فمن غير الجائز عقلا نسبةالنسيان أو الاهمال لهم في مسألة تتعلق بجوهر دورهم ومهمتهم كما تصور الروايةأن سليمان أهمل نصيحة الملك أو نساها. فهو لا يجوز أن يذكر بذلك منالأصل..

وتبرير الفقهاء لما نسب لسليمان ما زاد الطين إلا بلة إذ أن اختلاف الرواياتفي عدد نسوة سليمان دليل قاطع على ضعف الرواية وبطلانها (١)..

أما رواية النمل فهي من المطاعن التي ألحقها الرواة بالأنبياء وهي امتدادللروايات الأخرى التي قام بتأليفها أبو هريرة. والفقهاء يقرون بأن ذلك النبي ماكان يجب عليه أن يعاقب قرية النمل بأكملها وإنما كان يجب أن يعاقب النملة التيقرصته وحدها. فمن ثم فهو سلوك غير مبرر من نبي وانتقام لا يدل على نفسسوية. ومثل هذا الخلق لا يجوز أن ينسب لنبي مختار فهو يشكك في سلوكهومواقفه ويصفها بالعداونية وعدم الأهلية للقيام بأعباء الرسالة (٢)..

وختاما لهذا الباب نضع أمام القارئ رواية من روايات أبي هريرة شملت آدمونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ثم رسولنا (ص). وهي رواية لا تختلف عنالروايات السابقة في شأن الأنبياء غير أن ما يميزها هو شمولها لهذا العدد منالأنبياء ضمن قضية واحدة هي قضية الشفاعة التي تصور الرواية فرار هؤلاء الأنبياءمنها وإعلانهم صراحة عدم أهليتهم لقيام بها كاشفين عن أخطائهم التي أوجبتغضب الله عليهم مما حط من مكانتهم وقلل من شأنهم أمام الله بما يوجب عدماستحقاقهم للقيام بالشفاعة لأقوامهم الذين لم يجدوا نبيا مؤهلا للقيام بها سوىمحمد (ص) فاندفعوا نحوه فقبل المهمة على الفور..

وما تبرز هذه الرواية هو الحط من قدر الأنبياء ورفع مقام نبينا عليهم حيثتبرز أن كل نبي له سيئة أوجبت الله عليه عدا رسولنا.

كما تبرز هذه الرواية أيضا أن الأنبياء والرسل تخلوا عن أقوامهم ونادوابالنجاة لأنفسهم. وبهذا يكونوا قد تساووا مع أقوامهم..

(١) أنظر هذه الروايات في باب الاستثناء.

(٢) ذكر الترمذي وابن حجر والقسطلاني أن هذا النبي هو موسى. أنظر فتح الباري وإرشادالساري.

٣٢٤

يروى أبو هريرة: أتى رسول الله (ص) بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبهفنهش منها نهشة ثم قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة. وهل تدرون بما ذلك؟

يجمع الناس الأولين و الآخرين في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفدهم البصروتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطبقون ولا يحتملون. فيقولالناس: ألا ترون ما قد بلغكم. ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم. فيقول بعضالناس لبعض عليكم بآدم. فيأتون آدم (ع) فيقولون له أنت أبو البشر خلقك اللهبيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك. اشفع لنا إلى ربك. ألاترى ما نحن فيه. ألا ترى إلى ما قد بلغنا. فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليومغضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته.

نفسي. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون:

يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا. اشفعلنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه. فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليومغضبا لم يغضب قبله مثله. ولن يغضب بعده مثله وأنه قد كانت لي دعوة دعوتهاعلى قومي. نفسي. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتونإبراهيم فيقولون يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض. اشفع لنا إلىربك ألا ترى إلى ما نحن فيه. فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضبا لميغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله. وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات.

نفسي. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى موسى. فيأتون إلى موسىفيقولون يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس اشفع لناإلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه. فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضبقبله مثله ولن يغضب بعده مثله. وإني قد قتلت نفسا لم أؤمر بقتلها. نفسي.

نفسي. نفسي.. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى عيسى. فيأتون عيسى فيقولون: ياعيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهدصبيا اشفع لنا ألا ترى إلى ما نحن فيه. فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليومغضبا لم يغضب قبله مثله. ولن يغضب بعده مثله. ولم يذكر ذنبا. نفسي.

نفسي. نفسي.. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى محمد (ص) فيأتون محمد فيقولونيا محمد. أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما

٣٢٥

تأخر. اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه. فأنطلق فآتي تحت العرش.

فأقع ساجدا لربي عز وجل. ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئالم يفتحه على أحد قبلي. ثم يقال يا محمد ارفع رأسك. سل تعطه واشفع تشفع.

فأرفع رأسي فأقول: أمتي يا رب. أمتي يا رب. فيقال: يا محمد. أدخل من أمتكمن لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة. وهم شركاء الناس فيماسوى ذلك من الأبواب. ثم قال: والذي نفسي بيده إن ما بين المصراعين منمصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى " (١).

إن هذه الرواية تشير إلى أن الأنبياء الخمسة وهم أولو العزم من الرسل أيأصحاب الرسالات الكبرى في التاريخ البشري يشكون في أنفسهم وخلقهمفينسبون لأنفسهم ذنوبا أنزلت عليهم غضب الله وبالتالي أصبحوا لا يضمنون النجاةمن النار ولأجل ذلك تخلوا عن أقوامهم. وهذا يعني التشكيك فيهم.

وهذه أولى النتائج التي تدعونا إلى الشك في الرواية.

النتيجة الثانية هي أن الرواية ذكرت لكل نبي ما أوجب غضب الله عليه عداعيسى فقد لحقه هذا الغضب دون أن تحدد الرواية ذنبه. فهل عجز أبو هريرة عناختراع ذنب لعيسى؟

النتيجة الثالثة أن أقوام الرسل أجمعين بعد أن تخلى منهم رسلهم هرعوانحو محمد (ص). لكن محمد عندما رفع رأسه ليشفع لأمته فقط. وذلكواضح من خلال قوله: " أمتي يا رب ".. فهل غفل أبو هريرة عن سد هذه الثغرةفي الرواية. أم أن أمة محمد هي التي هرعت نحو آدم ثم نوح ثم إبراهيم ثمموسى ثم عيسى..؟

وفي كلتا الحالتين فإن الأمم السابقة لم يتحدد مصيرها من خلال الرواية كمالم يتحدد مصير الأنبياء الخمسة..

وهل يستقيم مثل هذا التصور عن الأنبياء مع تلك الرواية التي جاءت على

(١) البخاري كتاب التفسير. سورة بني إسرائيل..

٣٢٦