×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين / الصفحات: ٤١ - ٦٠

فهم في مواجهة قول الرسول (ص) في معاوية بن أبي سفيان: " لا أشبع اللهبطنا " (١)..

قالوا: لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي (ص): " اللهم من لعنته أو شتمتهفاجعل ذلك له زكاة ورحمة " (٢)..

وقال ابن كثير: وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه (٣)..

وفي مواجهة قول الرسول (ص): " لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثنى عشرخليفة.. أو لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا " (٤)..

قالوا: الاثنا عشر هم: الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية وابنه يزيد وعبدالملك بن مروان وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز ثم أخذ الأمر فيالانحلال (٥)..

وفي مواجهة قول الرسول (ص) لعلي: " أنت مني بمنزلة هارون من موسىإلا أنه لا نبي بعدي " (٦)..

قالوا: والمستدل بهذا الحديث على أن الخلافة له بعد الرسول الله زائغ عننهج الصواب فإن الخلافة في الأهل لا تقتضي الخلافة في الأمة بعد مماته (٧)..

وفي مواجهة قول الرسول (ص): " ألا وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتابالله عز وجل هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على ضلالةوأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي.. أذكركم الله فيأهل بيتي " (٨)..

(١) رواه مسلم. كتاب البر والصلة. وكان الرسول قد طلب معاوية فاعتذر بسبب الأكل.

(٢) تذكرة الحفاظ ترجمة النسائي..

(٣) البداية والنهاية ح‍ ٨ / ١١٩.

(٤) مسلم. كتاب الإمارة.

(٥) شرح النووي على مسلم..

(٦) البخاري ومسلم باب من فضائل علي..

(٧) شرح مسلم للنووي..

(٨) مسلم. باب من فضائل علي.. ويلاحظ أن التأويل يتركز حول الروايات الخاصة بالإمامعلي وآل البيت..

٤١

قالوا: إن أهل البيت نساء النبي أو بني هاشم أو بني العباس أو قريش وإنالمقصود بالتذكير هنا هو الاحترام والتوقير (١)..

وسوف نعرض لنماذج أخزى من هذه التأويلات ضمن بحوث الكتاب..

(١) أنظر شرح النووي وشرح العقيدة الواسطية لابن تيمية. وفضل آل البيت للمقريزي.

٤٢
٤٣

الرسول
الدور والشخصية

٤٤
٤٥

كيف ينظر الفقهاء إلى شخص الرسول (ص)؟

وكيف يحددون دوره..؟

إن الإجابة إلى هذين السؤالين ترتبط ارتباطا جوهريا بموضوع البحث الذينحن بصدده هنا..

وبالطبع لا بد وأن تكون شخصية الرسول ودوره في منظور الفقهاء تتلاءممع ذلك الكم من الروايات التي يلصقونها به..

ولا بد أن تتوائم مع رواية طوافه على نسائه التسع في ليلة واحدة وبغسلواحد..

ولا بد وأن تتوائم مع مواقف عمر وتدخله في شأن الوحي..

ولا بد أن تتوائم مع إهماله جمع القرآن ووصية أمته قبل وفاته..

ولا بد أن تتوائم مع تبشيره بالظلم وإلزام أمته بقبوله والاستسلام له..

لقد وجد الفقهاء أنفسهم في موقف حرج بين أن يرفضوا هذه الروايات التيتصطدم بالقرآن والعقل وتهين الرسول وتستخف به وتشوه صورته. وبين أن يعطواللرسول شخصيته ودوره كما حدد كتاب الله.

وكان أن اختار الفقهاء الروايات وقبولها. وهذا يعني أنهم لا بد وأن يصيغواشخصية جديدة للرسول تتوائم مع هذه الروايات. ودورا جديدا ينسجم معها..

وهم لم يكن أمامهم بديل سوى هذا..

فهم إن رفضوا الروايات سقط صرحهم وضاعت دنياهم وحلت عليهم لعنةالحكام..

ومن هنا ظهرت فكرة ربط كتاب الله بالسنة. فالسنة وحدها لن تستطيعالصمود والبقاء وتأدية دورها في خدمة الحكام والفقهاء وتخدير المسلمين ما لم

٤٦

ترتبط بالكتاب. فالكتاب هو الذي سوف يضفي عليها القدسية ويربط الناس بهاويرهب الخصوم من محاولة النيل منها والتشكيك فيها..

ومع ظهور هذه الفكرة ظهرت الفتاوي الارهابية التي تهدد كل من تسول لهنفسه محاولة التشكيك في السنة وإضعاف الثقة بها..

حتى أن بعض الفقهاء قال: لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيينوينقد لها ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه وقد روى البخاريعن الزهري قوله: من الله الرسالة. ومن الرسول التبليغ وعلينا التسليم (١)..

ومن لم يسلم لنصوص الكتاب والسنة واعترض عليها بالشكوك والشبهوالتأويلات وادعى أنه يقدم العقل على النقل لم يكن سليم العقيدة (٢)..

وقسم الطحاوي التوحيد إلى قسمين لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما:

توحيد المرسل. وتوحيد متابعة الرسول (٣)..

ويقول ومن لم يسلم للرسول (ص) نقض توحيده. فإنه يقول برأيه وهواهبغير هدى من الله فينقض توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول (٤)..

ويقول ابن تيمية: كلما ظهر الإسلام والإيمان وقوي كانت السنة وأهلهاأظهر وأقوى (٥)..

ويقول: لا ريب أن عمدة كل زنديق ومناطق إبطال أحاديث رسول الله.

(١) أنظر شرح العقيدة الطحاوية ط القاهرة..

وهذه الرواية لا يصح الاستدلال بها هنا فهي ضد ربط الكتاب بالسنة لأنه لا خلاف أنالرسالة من الله والبلاغ من الرسول. والزهري الراوي هو الذي كلف من قبل عبد الملكبن مروان بنشر الروايات في الأمصار وكان ينفق عليه. ويظهر أن الزهري يقصد بالبلاغهنا السنة لا القرآن..

(٢) المرجع السابق..

(٣) المرجع السابق..

(٤) المرجع السابق..

(٥) نقد المنطق..

٤٧

وهذا القدر بعينه هو عين الطعن في نفس النبوة وإن كان يقر بتعظيمهموكمالهم (١)..

إن فقهاء أهل السنة لا يتورعون عن ربط الكتاب بالسنة والدمج بينهما. حتىأنهم اعتبروا طعن في كتاب الله..

وما داموا يتكلمون بلغة الوحيين..

ولغة التوحيدين..

ولغة الكتابين..

فأي مخرج يمكن أن يكون لأولئك الذين يتسلحون بالعقل في مواجهةالروايات؟ وهل هناك مسلم يرفض ما جاء به الرسول (ص)؟

والإجابة بالطبع لا. ولكن الفقهاء أوهموا المسلمين أن من يرفض الأحاديثيرفض ما جاء به الرسول. أي يرفض كتاب الله..

وهذه حيلة لا تنطلي على أصحاب العقول الذين جرمهم الفقهاء وحذرواالمسلمين منهم باعتبارهم من أهل البدع..

إن كل من يستخدم ويميل إلى المنطق والفلسفة وعلم الكلام هومبتدع في نظر الفقهاء.

وقد قال بعضهم: العلم بالكلام هو الجهل بالكلام هو العلم (٢)..

إن مثل هذه التصورات التي يطرحها الفقهاء عن الرسول وأحاديثه فضلا عنكونها مخالفة لنصوص القرآن هي صورة من صور تاليه الرسول ومن يعتقد فيهافقد وقع في عبادة الرجال..

وما دام المسلم لا يرفض الرسول وما جاء به فكيف يضل ويكفر..؟

(١) المرجع السابق.

(٢) أنظر شرح الطحاوية..

٤٨

إن إنكار بعض الأحاديث أو الطعن فيها لا يعني إنكارا أو طعنا في الرسولوإنما يعني الطعن في كلام منسوب للرسول وإنكار نسبته إليه (ص)..

يعني دفاعا عن الدين وعن الرسول..

والفقهاء بموقفهم هذا إنما يكررون نفس موقفهم من المؤولة الذين تصدوالأحاديث الصفات وحملوها على المجاز. فهذا الموقف لم يعجبهم واعتبروه نفيالصفات الله. وأعلنوا حربا شعواء على الفقهاء والإتجاهات الإسلامية التي تتبنىنهج التأويل وتهدف إلى تنزيه الله سبحانه عن مشابهة البشر. وهم هنا يتخذوننفس الموقف من أصحاب العقول الذين يدافعون عن الرسول (ص) وينفون عنه مايشينه أو يشوه صورته..

ليس هناك حرج على فقهاء يؤمنون أن الله سبحانه يظلم العباد وله يد وعينورجل ويضحك ويغار ويهبط ويجلس على العرش..

ليس عليهم حرج أن ينسبون إلى الرسول مشاركة الله في الألوهية ومجامعةالنساء في المحيض والجهل بأحكام الدين والجبن والتطفل والولع بالنساءوخلافه..

ولو كانت السنة بهذه المكانة فلم لم يدونها الرسول وتركها تتبعثر هنا وهناكأكثر من قرن من الزمان (١)..؟

ومثل هذا السؤال يرد عليه ببساطة: إن الرسول مات وترك القرآن مبعثرا فيصدور الرجال ولم يأمر بتدوينه. فكذلك السنة (٢)..

وهذه الإجابة ليست غريبة على قوم يساوون السنة بالقرآن وينسبون للرسولما ينسبون..

(١) هناك من يقول إن السنة دخلت طور الجمع على الزهري الذي يقول: كنا نكره كتابهالعلم - السنة - حتى أكرهنا على ذلك..

وهناك من يقول إن بداية التدوية على يد عمر بن عبد العزيز. وهناك من يقول إنالتدوين بدأ في العصر العباسي وهو الأرجح - على يد مالك بن أنس تلميذ الزهري الذيقام بتأليف الموطأ بتوجيه من أبي جعفر المنصور..

(٢) أنظر فصل الرسول المهمل من هذا الكتاب..

٤٩

إذ كيف يعقل أن يترك الرسول (ص) القرآن مشتتا هنا وهناك في صدورالرجال. إن ذلك يتنافى مع دوره ومهمته كرسول خاتم..

يروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شئ أسمعهمن رسول الله (ص) (فنهتني قريش) (١)..

قالوا: تكتب كل شئ سمعته عن رسول الله. ورسول الله بشر يتكلم فيالغضب والرضا..؟

فأمسكت عن الكتابة. فذكرت ذلك لرسول الله فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال:

" أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق " (٢)..

وهذه الرواية تكشف لنا عدة دلالات هامة:

أولا: أن هناك جبهة كانت تتولى الكتابة عن الرسول..

ثانيا: أن هناك جبهة كانت ضد كتابة كلام الرسول..

ثالثا: أن هناك أمر من الرسول بكتابة كلامه.

رابعا: أن هذه الجبهة تنظر إلى الرسول على أنه صاحب أحوال وذوشخصية متقلبة.

ويروي البخاري أنه لما حضر النبي (ص) - أي في مرض الموت - وفيالبيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. قال (ص): " هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوابعده ". قال عمر: إن النبي - يهجر - وقد غلبه الوجع وعندكم كتاب الله فحسبناكتاب الله واختلف أهل البيت واختصموا وانقسموا إلى حزبين. حزب مع عمر.

وحزب يطالب بكتابة الوصية (٣)..

(١) يقصد بقريش هنا المهاجرين أمثال عمر وطلحة. أبي بكر وسعد وعثمان وكانوا ينكلونجبهة مستقلة في المدينة. ومنع ابن عمرو هنا كان يهدف إلى عدم نشر روايات تمسشخصيات محددة وتفضحها..

(٢) رواه الدرامي وأبو داود وأحمد والحاكم..

(٣) كتاب العلم..

٥٠

ومن هذه الرواية نخرج بما يلي:

أن هناك جبهة ضد الوصية وضد كتابة حديث الرسول..

أن هذه الجبهة بزعامة عمر والمهاجرين..

أن جبهة كتابة الوصية كانت بزعامة علي وتحوي الأنصار.

أن هناك كتابة على عهد رسول الله (١)..

ويروى عن أبي هريرة قوله: ما من أصحاب النبي (ص) أحد أكثر حديثا عنهمني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (٢)..

ومن المعروف أن هناك مجموعة على عهد النبي (ص) كانت تكتب الوحيوعلى رأس هذه المجموعة الإمام علي وابن مسعود وأبي بن كعب (٣)..

وما دام الأمر كذلك فكيف يدعي أن الرسول (ص) مات وترك القرآن غيرمكتوب متفرقا في صدور الرجال كما قال عمر (٤)..

وكيف يدعي أن سنة الرسول لم تكن مدونة في عصره..؟

إن الإجابة على هذا السؤال سوف تتبين لنا إذا استعرضنا حال حديثالرسول في عهد الخلفاء الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان..

تشير الروايات إلى أن الخلفاء الثلاثة عملوا على منع كتابة الحديث فيعهدهم..

يروي ابن سعد: أن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فأنشدالناس أن يأتوه بها فأتوه بها فأمر بإحراقها (٥)..

ويروي الذهبي أن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة النبي (ص) فقال: إنكم

(١) أنظر تفاصيل الخلاف حول وصية الرسول في كتابنا السيف والسياسة..

(٢) البخاري كتاب العلم..

(٣) أنظر كتب تاريخ القرآن..

(٤) أنظر فصل الرسول المهمل..

(٥) طبقات ابن سعد ح‍ ٥ / ١٤٠..

٥١

رسول الله أحاديث تختلفون فيها. والناس بعدكم أشد اختلافا. فلا تحدثوا عنرسول الله شيئا. فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرمواحرامه (١)..

وحبس عمر بعض الصحابة الذين كانوا يروون حديث الرسول (٢)..

أما عثمان فقال: لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به على عهد أبي بكرولا على عهد عمر (٣)..

ويروى أن عثمان حجر على أبي ذر وابن مسعود وعمر وغيرهم منالصحابة وآذاهم واضطهدهم بسبب نشر حديث الرسول ورفض الانصياع لأمرهبعدم التحدث إلى الناس (٤)..

ومن هذه الروايات وغيرها مما لا يتسع المجال لذكره هنا يتبين لنا أنالأحاديث كانت مدونة على عهد الرسول (ص) وكانت متداولة بين الصحابة..

ويتبين لنا أيضا أن هذه الأحاديث كانت تشكل حرجا لعدد من الصحابةخاصة تلك التي تتعلق بسلوك ومواقف المنافقين. وأنه بمجرد أن توفي الرسولعملت جبهة المهاجرين بزعامة عمر على منع نشر الحديث وتداوله وقد كانت لهامحاولات في ذلك أثناء حياة الرسول..

وهناك حقيقة هامة أكدتها الروايات الخاصة بأبي بكر وعمر وهي أن كلاهماأصر على نبذ الأحاديث وحث على التمسك بكتاب الله وحده.

ويبدو هذا بوضوح من خلال قول أبو بكر: بيننا وبينكم كتاب الله..

وقول عمر: حسبنا كتاب الله..

(١) تذكرة الحفاظ ترجمة أبي بكر..

(٢) المرجع السابق. ترجمة عمر. ومن الذين حبسهم عمر بن مسعود وأبا الدرداء..

(٣) منتخب كنز العمال. هامش مسند أحمد ح‍ ٤ / ٦٤..

(٤) أنظر ترجمة عثمان في كتب التاريخ. وانظر سنن الدارمي وطبقات ابن سعد.. وانظرنماذج أخرى من هذه الروايات في تذكرة الحفاظ للذهبي وكتب التراجم.

٥٢

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو موقف الفقهاء من أبي بكر وعمر؟

وهل هذا الموقف من جهتهما يعد بدعة وضلالة..؟

ونحن نجيب بالنيابة عنهم بقولنا: إن أبا بكر وعمر لم يمنعا الحديث كليةوإنما منع الأحاديث التي تشكل خطرا على نهجهما. ويدل على ذلك قول عثمانلا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع به على عهد أبي بكر وعمر..

ويدل عليه أيضا ذلك الحصار الذي فرض على أنصار علي من الصحابةوعلى الأنصار فهؤلاء جميعا كانوا ضد النهج القبلي الذي فرضه الخلفاءالثلاثة (١).

أما في عصر معاوية فقد اختلف الوضع. فقد وجد معاوية نفسه في مواجهةالإمام علي بقدره ومكانته العالية وعلمه المتميز. فكان لا بد له من وسيلة شرعيةيتحصن بها في مواجهته تحقق له التوازن في الصراع الذي دار معه.. فكان أنجمع حوله المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وأبو هريرة وغيرهم وأطلق لهمالعنان ليرووا باسم الرسول ما يدعم خطه ويقوي صرحه ويسد العجز في الميزانالشرعي الذي أوقعه في حرج أمام الإمام علي..

لقد فتح معاوية الأبواب على مصارعها لرواية الأحاديث الذي تدعمه وتحطمن قدر الإمام علي وتشكك في شخصه ونهجه (٢)..

ونتج عن هذا أن فتحت الأبواب على مصارعها أيضا لأعداء الإسلام كييرووا باسم الرسول ويشوهوا صورة الإسلام..

(١) أنظر لنا السيف والسياسة..

(٢) أنظر لنا السيف والسياسة. وانظر أمر معاوية بسبب علي على المنابر وأمره بمنع التحدثفي فضائل علي ومكانته. وأمره بنشر الروايات التي تذمه وتشوه صورته ثم اختراعهالروايات التي ترفع من قدره وتحسن من صورته هو. أنظر كتب التاريخ. وفتح الباريح‍ / ٧ كتاب فضائل الصحابة. باب ذكر معاوية.. وانظر تطهير الجنان واللسان عنخطورة التفوه بثلب معاوية بن أبي سفيان لابن حجر الهيثمي في ذيل الصواعق المحرقةط القاهرة والنظر العواصم من القواصم لأبي بكر بن العربي..

٥٣

برز كعب الأحبار وأخذ عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وعبد الله بن عمرومعاوية وعبد الله بن الزبير وغيرهم (١)..

من هنا كثرت الإسرائيليات وتغلغلت في كتب الأحاديث عن طريق الصحابةالذين عدلهم أهل السنة وحرموا تجريحهم..

وفي وسط هذا المناخ المتناقض والذي يتمثل فيما يلي:

- أحاديث أخذت من لسان النبي (ص) مباشرة انتشرت في حياته وضربت بعدمماته..

- أحاديث تمكن من إنقاذها والاحتفاظ بها قطاع من الصحابة على رأسهم الإمامعلي..

- أحاديث اخترعت في عصر الخلفاء الثلاثة..

- أحاديث اخترعت في عصر معاوية..

- أحاديث أخذت من كعب الأحبار وغيره من العناصر اليهودية والمسيحية التياخترقت صفوف المسلمين..

هذا الكم المتناقض من الأحاديث هو الذي وصل إلى المسلمين في العصرالعباسي ونم عزبلته وانتقاء الأحاديث التي تدعم خط الخلفاء والملوك ومن أقوىالأدلة التي يستند عليها الفقهاء في ربط الكتاب بالسنة وربط السند بالكتاب قولهتعالى:

(وما آتاكم الرسول فخذوه. وما نهاكم عنه فانتهوا.) [ الحشر: ٧ ]..

(ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) [ النساء: ٨٠ ]..

(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا منأنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [ النساء: ٦٥ ]..

(ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا) [ الأحزاب: ٣٧ ]..

إن مثل هذه النصوص وغيرها إن كانت تؤكد شراكة الرسول لله سبحانه فيأمر الحكم والأمر والنهي - وهو ما يريد تأكيده الفقهاء - فهذا هو الكفر بعينه. إذ

(١) أنظر نماذج من هذه الروايات في الفصول القادمة من الكتاب..

٥٤

معني هذا الكلام أن الرسول (ص) يشارك الله سبحانه في خاصية الألوهية. وهذايعني أن الرسول قد منح صفة من صفات الله وأخذ خاصية من خصائصه سبحانه.

وهذا ما قاتله اليهود في عزيز والنصارى في عيسى..

وإذا ما أنكر الفقهاء هذا الادعاء - وهم سوف ينكرونه بالطبع - فإن هذا يعنيأن ربط القرآن حكم الله بحكم الرسول وطاعته بطاعته له مدلول آخر وهو أنالرسول هو الذي ينطق بكلام الله عن طريق الوحي وقد عصم لهذا الغرض فمن ثمهو المصدر الوحيد في الأرض الذي ينطق بكلام الله ويقوم بتبيينه. وهو وفق هذاالتصور حكمه هو حكم الله. وطاعته هي طاعة الله لكونه لا يتكلم ولا يحكم ولايبين إلا وفق ما يرشده الوحي الإلهي. وهذا هو معنى قوله تعالى: (وما ينطق عنالهوى إن هو إلا وحي يوحى) [ النجم ]. وما ينطقه الرسول (ص) ينقسم إلىقسمين:

الأول هو القرآن..

الثاني هو البيان..

وشتان بين القرآن والبيان..

هذا كلام الله..

وهذا كلام الرسول..

نعم إن كلام الرسول منضبط بالوحي ولكن هل هذا يعني أن نساويهبالقرآن؟

والجواب بالطبع لا..

والفقهاء أنفسهم يقرون أن القرآن جاء بطريق التواتر القطعي..

أما السنة فجاءت بطرق أخرى ظنية..

فإذا كان الأمر كذلك. فكيف ربطوا السنة بالكتاب وكفروا منكرها أو رافضبعضها أو المشكك فيها..؟

لقد حسم القرآن بقوله تعالى:

٥٥

(وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتذكرون) [ النحل:

٤٤ ].

إن دور الرسول هو التبيين..

ودور الرسول هو البلاغ..

يقول تعالى: (فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) [ النحل: ٨٢ ].

ويقول: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك..) [ المائدة: ٦٧ ]..

ويقول: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به..) [ إبراهيم: ٥٢ ]..

ليس من حق الرسول الإضافة..

وليس من حقه التشريع..

وليس من حقه الاختلاق..

وليس من حقه الاجتهاد..

وليس من حقه اللهو..

وليس من حقه أن يتسامح في أمر الوحي..

ولا يملك ذلك من الصل. فإنما هو معصوم ومحكوم وفق دائرة التبيينوالتبليغ. إلا أن هذه الدائرة التي حدده الله سبحانه لم تعجب الحكام والكهانوأعداء الإسلام لكونها توصد الأبواب في وجوههم وتحول بينهم بين أن يحرفواهذا الدين ويشوهوه ويخضعوه لأهوائهم ومصالحهم. فمن ثم كانت الحاجة ماسةإلى اختراع كم هائل من الروايات التي تخرج الرسول من هذه الدائرة لتضعه فيدوائر أخرى تتيح لهم استثمار الدين لصالحهم.

ويتحصن الفقهاء في وجوب لزوم السنة برواية منسوبة للرسول تقول: " ألاإني أوتيت الكتاب ومثله معه لا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذاالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه. وما وجدتم فيه من حرام فحرموه " (١)..

وهذه الرواية إنما يعضد بها الفقهاء موقفهم من النصوص القرآنية التي

(١) أبو داود. كتاب السنة.. وانظر سنن ابن ماجة ح‍ ١. باب تعظيم حديث رسل اللهوالتغليظ على من عارضه..

٥٦
٥٧

فمن ثم هو يخضع لقاعدة الأخذ والرد والقبول والرفض. لو أقر الفقهاء بهذالأمكن للإسلام أن يضل على وجهه النقي الصافي كما تركه الرسول. ولأمكنللقرآن أن يلعب دورا فاعلا في حياة المسلمين ذلك الدور الذي سوف يظل مجمدابسبب هذا الكم الهائل من الأحاديث المنسوبة للرسول الذي غطى على القرآنوعزله عن واقع المسلمين..

وبفضل هذه الأحاديث المتناقضة والواهية فتح الباب على مصارعه لأقوالالرجال التي غطت على هذه الأحاديث وأصبحت الأمة تتلقاها بالقبول وتدين بهالا بالأحاديث..

إن السنة ليست سوى تاريخ للرسول (ص) هذا ما يجب أن يعتقدهالمسلمون. والتاريخ يخضع لقواعد البحث والغربلة لكونه نتاج بشري وليس نتاجاإليها يجب علينا التعبد به..

وإذا كان الفقهاء يقرون أن من الفروق بين القرآن والسنة. إن القرآن كلام اللهيجوز التعبد به شرعا بينما السنة ليست كذلك. فما معنى ربطهم السنة بالكتابوإضفاء هذه الحالة المقدسة على الأحاديث وتكفير الرافض لها والمشكك فيها..؟

إن حكم التكفير في ذاته يرتد على الفقهاء الذين تبنوه لكونهم ساووا ما بينالكتاب والسنة واعتبروا منكر السنة كمنكر القرآن..

يرتد عليهم لكونهم أدخلوا الرسول (ص) في دائرة المشاركة مع الله سبحانهفي الألوهية وأعطوه حق التشريع والإضافة على القرآن وهو ما يتنافى مع دورالرسول وشخصيته..

ويروى أن معاذ بن جبل قال: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيهاالقرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحرفيوشك أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتىابتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة " (١)..

(١) أبو داود. كتاب السنة.

٥٨

ويروى أن الرسول (ص) قال: " بلغوا عني ولو آية " (١)..

ويتداول الفقهاء الكثير من الروايات التي تحض على القرآن وضرورة تلاوتهوحفظه وتعلمه (٢)..

وهذه الروايات تشير إلى أن القرآن كان مجموعا ومرفوعا ومتداولا في حياةالرسول (ص)..

ويبدو لنا مما سبق أن الروايات لا تحدد ملامح واضحة لشخصية الرسولودوره..

فهي تصور بالشخصية المتناقضة..

فتارة يأمر بكتابة الأحاديث..

وتارة ينهى عنها..

وتارة أخرى يأمر بالقرآن ويحض عليه..

وتارة يشرك معه أحاديثه..

وهو فوق هذا يضيف أحكاما فوق أحكام القرآن ويجتهد ويخطئ ويتطفلويسحر ويتعدى عليه عمر في أمر الوحي ويعشق النساء ويهمل دوره ورسالته وغيرذلك ما سوف نبين..

ولقد قال سبحانه: (وإنك لعلى خلق عظيم).

وهذا النص القرآني يبدد كل تلك الروايات التي تحط من قدره وتقود فيالنهاية إلى التشكيك في اختياره للرسالة..

تروي عائشة عن الرسول (ص): " كان خلقه القرآن " (٣)..

(١) رواه أحمد والترمذي..

(٢) أنظر نماذج من هذه الروايات في كتاب فضل القرآن بالبخاري وكتاب العلم وانظر سننسنن ابن ماجة وغيرهم من كتب السنن. وانظر لنا كتاب الخدعة..

(٣) مسند أحمد باب ما جاء في خلقه العظيم. وانظر النسائي والترمذي. وطبقات ابن سعدح‍ ١ / ٢٧٣..

٥٩

ويروى عن الرسول قوله: " قيدوا العلم بالكتاب " (١)..

واحتج عمر على الرسول (ص) وهو في مرض الموت يطلب إحضار القلموالقرطاس ليكتب لهم وصيته بقوله: " حسبنا كتاب الله " (٢)..

ومثل هذه الروايات وغيرها التي يتداولها القوم إنما تؤكد أن الرسول (ص)كان منضبطا بالقرآن ولا يخالفه في شئ.

(١) أنظر مستدرك الحاكم والطبراني..

(٢) سوف نعرض لهذه الرواية في باب الرسول المهمل..

٦٠