×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

دلائل الإمامة / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٧ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

تقديم


الحمد لله الذي خلق الإنسان وعلمه البيان، والصلاة والسلام على الحبيبالمصطفى المختار، والأئمة من آله المعصومين الأطهار.

وبعد، قال (سبحانه وتعالى): * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسولوأولي الأمر منكم) * (١).

في هذه الآية الكريمة ثلاث فقرات تنتهي إلى ثلاثة من أصول ديننا الاسلاميالحنيف:

فقوله (تعالى): * (أطيعوا الله) * ينتهي إلى التوحيد.

وقوله: * (وأطيعوا الرسول) * ينتهي إلى النبوة.

وقوله: * (وأولي الأمر منكم) * ينتهي إلى الإمامة.

ولكل واحد منها أدلته وبراهينه.

فالتوحيد، الذي هو الكلمة الأولى على شفاه الأنبياء، واللبنة الأولى في أسالديانات، والأصل الأول في أصول العقيدة، قد تلقى من أفواه الشكاك، وتيه الزنادقةسيولا من الشبهات، والمزاعم الواهيات على مر العصور، ولا يزال، غير أن النصرحليفه على الدوام، فله الحجة الأقوى، وحجتهم داحضة، وله البرهان الثابت وليسلهم سوى زبد يطفو ثم ينجلي ويزول، وقد انتصر للتوحيد كثيرون، ولكن التوحيد

(١) النساء ٤: ٥٩.

٨

منتصر بذاته، فالكون كله شاهد عليه، وحتى خصومه * (سنريهم آياتنا في الآفاقوفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) * (١). وكم هو جميل قول الشاعر:


فيا عجبا كيف يعصى الإلهأم كيف يجحده الجاحد
وفـي كـل شـئ له آيةتـدل عـلى أنه واحد


وأما النبوة، فقد تسالم عليها أهل الديانات قاطبة، فهي مصدرهم وموردهموشرعتهم ومنهلهم، ولكن لم يصف لهم الأمر على هذه الحال، فقد نازعتهم طوائف منسكان الأرض جحدت النبوة ولم تعتقد ضرورتها، ثم إن أهل الأديان تنازعوا فيمابينهم، واختلفوا، فمنهم من توقف على نبي وأنكر غيره، ومنهم من تعداه إلى الذي بعدهثم توقف، ومنهم من آمن بصحة نبوة جميع الأنبياء، وأنها ختمت بالخاتمالمصطفى (صلى الله عليه وآله)، فكان لزاما إذن أن تقام الأدلة والبراهين على إثباتها لتكونراسخة في النفوس رسوخا تطمئن له القلوب بعد إذعان العقول. ومن تلك الدلالاتما تكفل به المولى (جل جلاله)، باعث الأنبياء وناصرهم، وخالق العباد وهاديهم، ومنها ماهو من تكليف العباد أنفسهم في الفكر وإعمال النظر، ولعل أظهر تلك الدلائل:

١ - الوحي: وهو واسطة اتصال الأنبياء بالسماء، وإمدادهم الدائم بمادة النبوة،والوحي على أشكاله المختلفة - من رؤيا صادقة، أو نداء من وراء حجاب، أو نزولالملك - له آثاره الظاهرة التي لا تخفى على العقلاء وإن جحدها غيرهم، إذ سيجدالناس من النبي تشريعا جديدا ونبأ جديدا لم يعرفوه من قبل، ولم يسمعوا بمثله عننبيهم رغم معيشتهم معه ومخالطتهم إياه * (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكمبه فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون) * (٢).

ثم إن في نزول الوحي دلالة أخرى يجدها الناس ظاهرة على النبي أثناء تلقيهالوحي، إذ تمتلكه حالة لم تعرف في غيره على الإطلاق، ولم يعهدها هو نفسه إلا في هذهالأثناء. فمما صح عن نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه كانت تأخذه الغشية عند هبوط

(١) فصلت ٤١: ٥٣.

(٢) يونس ١٠: ١٦.

٩

جبرئيل (عليه السلام) (١).

وفي الحديث المقبول أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أوحي إليه وهو على ناقته فبركتووضعت جرانها (٢).

وروي أنه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإنجبينه ليتفصد عرقا (٣).

وكثرت مشاهداتهم لمثل هذا حتى قال سفهاء المشركين أنه ينتابه تابع منالجن! فبلغ قولهم هذا طبيبا شهيرا عندهم يسمى: ضماد بن ثعلبة، فقال: لو رأيت هذاالرجل لعل الله يشفيه على يدي! فلقيه، فقال: يا محمد، إني ارقي من هذه الريح،فهل لك؟

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلامضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنمحمدا عبده ورسوله: أما بعد " ثم كلمه عن الوحي والنبوة، فقال ضماد: أعد عليكلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه، فقال: أعدها علي، فأعادهن ثالثة، فقال ضماد: والله لقدسمعت قول الكهنة، وسمعت قول السحرة، وسمعت قول الشعراء، فما سمعت مثلهذه الكلمات، والله قد بلغت قاعوس (٤) البحر، فمد يدك أبايعك على الاسلام (٥).

٢ - المعجزة: لا بد للنبي أن يقيم شاهدا على صدق دعواه، وأمانته في تبليغه،ولا بد أن يكون هذا الشاهد مما يعجز غيره عن الاتيان بمثله، أي أنه لا بد أن يكونأمرا خارقا للعادة ولقوانين الطبيعة المألوفة، وهذا هو المعجز.

والمعجز بهذا المعنى لا يتحقق لأحد إلا بتقدير الله (تعالى) وعنايته، والمتتبع لحياةالأنبياء يجدها مليئة بهذه الشواهد، فقد اقترنت العصا بموسى (عليه السلام)، واقترن إحياء

(١) بحار الأنوار ١٨: ٢٦٠.

(٢) المصدر ١٨: ٢٦٣، وجران البعير: مقدم عنقه.

(٣) مناقب ابن شهرآشوب ١: ٤٣، وأفصم: أي أقلع.

(٤) أي قعره الأقصى.

(٥) أسد الغابة ٣: ٤٢، دلائل النبوة ٢: ٢٢٣.

١٠

الموتى بعيسى (عليه السلام)، ونظائرها كثيرة، وإذا كانت نبوة خاتمالأنبياء (صلى الله عليه وآله) قد عززت بالمعجزة الخالدة الكبرى، القرآن الكريم، الذيتحدى ولا يزال ويبقى يتحدى الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله * (فإن لم يستجيبوالكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله) * (١) إذا كان كذلك فليس هو المعجزة الوحيدةله (صلى الله عليه وآله)، بل إن المعاجز قد رافقت حياته الشريفة على امتدادها، فكمحدثتنا الأخبار الصحاح عن نبوع الماء من بين أصابعه المباركة حتى يستقي منهالجيش الكبير ورواحله (٢)، وكم وضع يده الكريمة على طعام قليل فأشبع الجمعالكثير (٣)، وحادثة الهجرة الشهيرة وخروجه من بين رجال العصابة التي أحاطت بدارهعازمة على قتله، ونثره التراب على رؤوسهم وهم لا يبصرون ولا يشعرون به حتىطلع عليهم الصبح (٤)، وأشياء كثيرة امتلأت بها كتب السيرة النبوية المفصلة، فكانتالمعاجز ترافقه شواهد ودلائل على نبوته (صلى الله عليه وآله).

٣ - الاستقامة وسلامة النشأة: لما كان النبي مصدر الهداية، فلا بد أن يكونموضع الطمأنينة التامة، ولا يكون كذلك إلا إذا تميز بالاستقامة والطهر مدة حياتهومنذ نشأته الأولى، فلا يخالطه نقص، ولا يشوب سيرته ذم أو لوم، ولا يدنو منه عملمشوم ولا قول ملوم، مجبول على النزاهة وسلامة النفس وبراءة العرض من الرجسوالدنس، وكأن الصفات الدنيئة تخالف طبعه وتغايره بالكلية، فهو مجبول على الفضيلةومكارم الأخلاق ومعالي الهمم، مسدد في خطاه، متزن في قوله وفعله، وهذه هي العصمةالتي تلطف بها الله (تعالى) على صفوته من خلقه، فاصطنعهم لنفسه، وأحاطهم بعنايته،فنشأوا بعينه ورعايته، مثلا أعلى يجتمع فيه كل محمود من الخصال، ولا يدانيه ما يخدشفي علو منزلته.

(١) هود ١١: ١٤.

(٢) دلائل النبوة ٦: ٧.

(٣) مناقب ابن شهرآشوب ١: ١٢٠ - ١٣٢، دلائل النبوة ٦: ١٠١ - ١٤٩.

(٤) دلائل النبوة ٢: ٤٧٠.

١١

روي عن نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله) في سفره مع عمه أبي طالب إلى الشاموكان يومها صبيا، أنه لقيه بحيرا الراهب وقد تفرس فيه علامات النبوة، فأراد أنيسأله عن أشياء، فقال له: أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك، قالبحيرا هذا مجاراة لقريش في أيمانهم.

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضتكبغضهما شيئا قط (١).

وهكذا نشأ النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله) نشأة لا تعرف إلا الكمال، متنزهاعن كل ما كان يخوض فيه ذلك المجتمع من عادات وممارسات واعتقادات تافهة، بلإنه (صلى الله عليه وآله) قد تنزه حتى عن مباحات الأطعمة التي لا تلائم عظيم منزلته، فقدكان لا يأكل الثوم والبصل كراهة أن توجد رائحتهما في فيه الشريف. فهوإذن (صلى الله عليه وآله) عما هو أشد كراهة منها أشد بعدا، حتى عرف في مجتمع قريش،وفي عنفوان شبابه، بالصادق الأمين، وهذه درجة لا تنال بالتكلف والتمني، ولا تنال إلابسمو لا يضاهى، يشهد له الكبير والصغير كما يشهدون للشمس ارتفاعها في رائعةالنهار. وقد كان لهذه النشأة بعدان:

الأول: أنها الداعي لميل الناس إليه، وتوجههم نحوه هاديا وأسوة ومثلا أعلى.

والثاني: أنها كانت شاهدا لا غنى عنه على صدقه وأمانته، فكانت دليلا ساطعاعلى نبوته.

٤ - السبق في العلم والحكمة: إذ لا يصح أن يلتف الناس حول رجل،ويسلمون إليه قيادهم وهم يجدون من هو أعلم منه، أو أرجح فهما وحكمة ومعرفة فيشؤون الدين والدنيا، وهذه الناحية تكاد تكون بديهية لازمت جميع الأنبياء بينأقوامهم، وهي أشد ما تكون بروزا وظهورا في حياة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم).

٥ - رسالاتهم وآثارهم: أي مضمون وفحوى الرسالة التي يأتي بها النبيويدعو إليها، ثم ما يؤثر عنه من قول وفعل. وهذه قضية لا بد من إعمال الفكر فيها،

(١) إعلام الورى: ١٨.

١٢

لتطمئن النفس من خلال النظر في رسالة النبي وأحاديثه وأمره ونهيه أنه نبي حقا لاينطق عن الهوى، ولأجل بلوغ هذه المعرفة لا بد من معرفة مسبقة بمعنى النبوةوالغرض منها.

فمن كان له معرفة في الفقه مثلا، ثم يرى آثار الشيخ الطوسي، فسوف لايخفى عليه أنه كان فقيها بارعا. من عرف معنى الكلام، ورأي آثار الشريفالمرتضى، أذعن له وأقر بأنه متكلم من الطراز الأول. ومن عرف الشعر، وسمع شيئامن شعر المتنبي، أدرك أنه الشاعر الفحل الذي لا يجارى.

وعلى هذا النحو آمن كثيرون بنبوة الأنبياء، وفيه مع نبيناالأكرم (صلى الله عليه وآله) شواهد كثيرة، منها ما كان من قصة النجاشي ملك الحبشةالعادل بعد ما سمع من جعفر بن أبي طالب (رضي الله عنهما) شيئا عن رسالةالنبي (صلى الله عليه وآله)، مع أنه قد استمع قبله إلى صديقه القديم عمرو بن العاصوهو يملي عليه التصور الجاهلي الجاحد لنبوة نبينا (صلى الله عليه وآله)، فدعا بالمهاجرينمن المسلمين ليمثلوا أمامه، فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم؟

فتكلم جعفر، فقال: أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكلالميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسئ الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف،فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه،فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدقالحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهاناعن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا بالصلاةوالزكاة والصيام. فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحدهفلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا،فعذبونا وفتنونا عن ديننا...

فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به نبيكم شئ؟

قال: نعم.

قال: فاقرأ علي، فقرأ عليه صدر سورة مريم. قالت أم سلمة (رضي الله عنها) وهي

١٣

تروي الحديث: فبكى - والله - النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتىاخضلت مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، فقال النجاشي: إن هذا، والذي جاءبه عيسى، ليخرج من مشكاة واحدة (١).

ولم تنحصر هذه الشواهد بذلك العهد، بل هي مستمرة متصلة إلى يومنا هذا،ونحن نشهد كل حين إيمان العلماء والحكماء من أقطار الدنيا بهذا الدين الحنيف بمجردأن يقفوا عليه وقفة الناظر المتدبر المنصف.

٦ - نص النبي السابق: وهذا الشاهد وإن لم يتضح لنا كونه ظاهرة ملازمةلكل النبوات، غير أنه عندما يتوفر يكون دليلا قويا وحجة قاطعة على نبوة النبياللاحق. ومن هنا احتج القرآن الكريم لنبوة نبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ببشائرالأنبياء السابقين ونصوص كتبهم عليه: * (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذييجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) * (٢). وحكاية عن عيسى (عليه السلام):

* (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) * (٣).

وكان هذا دليلا كافيا لإسلام أسقف الروم الأعظم، وذلك لما بعث رسولالله (صلى الله عليه وآله) دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل قيصر الروم، فاستمع هرقل إلىالكتاب، فقال لدحية: إني لأعلم أن صاحبك نبي مرسل، ولكني أخاف الروم علىنفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى (ضغاطر) الأسقف الأعظم في الروم، واذكر لهأمر صاحبك وانظر ماذا يقول.

فجاءه دحية وأخبره بما جاء به من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لهضغاطر: والله إن صاحبك نبي مرسل نعرفه بصفته، ونجده في كتابنا، ثم أخذ عصاهوخرج على الروم وهم في الكنيسة فقال: يا معشر الروم، قد جاءنا كتاب من أحمديدعونا إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: فوثبوا

(١) إعلام الورى: ٤٤، الكامل في التاريخ ٢: ٨٠.

(٢) الأعراف ٧: ١٥٧.

(٣) الصف ٦١: ٦.

١٤

عليه فقتلوه (رحمه الله) فرجع دحية إلى هرقل وأخبره الخبر، فقال: قد قلت إنا نخافهمعلى أنفسنا (١).

٧ - النسب الرفيع: لم يجعل الله النبوة إلا في رجل ذي شرف ومنعة في قومههي في الذروة، ليكون ذلك داعية لتقبل الناس لشخصه ودعوته وزعامته، وقد جاء فيقصة هرقل بعد أن بلغه كتاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه بعث إلى جماعة من أهلمكة كانوا في تجارة لهم في الشام، وفيهم أبو سفيان، فأجلسه وأجلسهم من خلفه وقاللهم، إني سائله فإن كذب فكذبوه. قال أبو سفيان: لولا أن يؤثر عني الكذب لكذبت،فسأله عن النبي، قال: فصغرت له شأنه، فلم يلتفت إلى قولي، وقال: كيف نسبهفيكم؟ قلت: هو أوسطنا نسبا. قال هرقل: وكذلك الأنبياء (٢).

وهكذا نجد معنى قوله (تعالى): * (الله أعلم حيث يجعل رسالته) * (٣) مجسدا فيخصال نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله) وسائر الأنبياء (عليهم السلام).

وهكذا أحيطت النبوة بهذه الدلائل وغيرها، حتى صارت عقيدة ثابتة راسخةفي قلب كل من آمن بالتوحيد، لا يشك فيها ولا يرتاب.

وأما الإمامة، فقد بقيت عرضة للآراء والأقاويل والتكذيب والتشكيك،فلأجل هذا كانت الكتابة في دلائل الإمامة في غاية الأهمية، إن لم نقل إنها تتقدم فيأهميتها على أي بحث آخر، إذ إن من الواجب أن يدرك المسلمون حقيقة الإمامةوأبعادها، ولو أنهم أدركوا ذلك لأيقنوا أنها من صلب العقيدة، وأنها ضرورة تماماكالنبوة.

قال (تعالى): * (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا) * (٤) قال المفسرون: المرادولنجعلن من أمتك أئمة يهدون بأمرنا (٥).

(١) الكامل في التاريخ ٢: ٢١١.

(٢) المصدر ٢: ٢١١ - ٢١٢.

(٣) الأنعام ٦: ١٢٤.

(٤) السجدة ٣٢: ٢٤.

(٥) الزمخشري ٣: ٥١٦، الرازي ٢٥: ١٨٦، المراغي ٢١: ١١٨، إسماعيل حقي البروسوي ٧: ١٢٦.

١٥

وقال (تعالى): * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاةويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب اللههم الغالبون) * (١).

وقال (تعالى): * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمرمنكم) * (٢).

فالإمامة إذن هي الامتداد الصحيح والضروري للنبوة، وهي حصن الدينوسوره ودعامته التي لا يستقيم إلا بها، وهي زعامة عظمي في أمور الدين والدنيا،وولاية عامة، على كافة الأمة القيام بأمورها والنهوض بأعبائها، وقد أجمعت الأمةعلى وجوب عقدها في كل زمان.

قال الماوردي: عقد الإمامة لمن يقوم بها واجب بالاجماع، وإن شذ عنهالأصم (٣).

وقال أبو الحسن الأشعري: قال الناس كلهم - إلا الأصم -: لا بد من إمام.

وقال الأصم: لو تكاف الناس عن التظالم لاستغنوا عن الإمام (٤).

وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " لا بد للناسمن أمير ": هذا نص صريح منه (عليه السلام) بأن الإمامة واجبة، وقد اختلف الناس في هذهالمسألة فقال المتكلمون: الإمامة واجبة، إلا ما يحكى عن أبي بكر الأصم من قدماءأصحابنا - المعتزلة - أنها غير واجبة إذا تناصفت الأمة ولم تتظالم. وقال المتأخرون منأصحابنا: إن هذا القول منه غير مخالف لما عليه الأمة، لأنه إذا كان لا يجوز في العادةأن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم، فقد قال بوجوب الرئاسة على كلحال (٥).

(١) المائدة ٥: ٥٥ و ٥٦.

(٢) النساء ٤: ٥٩.

(٣) مآثر الإنافة ١: ٢٩، والأصم: هو عبد الرحمن بن كيسان، أبو بكر الأصم، من قدامي المعتزلة.

(٤) مقالات الاسلاميين ٢: ١٣٣.

(٥) شرح نهج البلاغة ٢: ٣٠٧ - ٣٠٨.

١٦

وقال الأسفرائيني: اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أصول من أركانالدين، كل ركن منها يجب على كل عاقل بالغ معرفة حقيقته، ثم ذكر الأركان إلى أنقال: والركن الثاني عشر: إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام،ينصب لهم القضاة والأمناء، ويضبط ثغورهم، ويغزي جيوشهم، ويقسم الفئ بينهم،وينتصف لمظلومهم من ظالمهم (١).

وقالت الإمامية: ليس في الاسلام أمر أهم من تعيين الإمام، وإن الإمام لطفمن الله يجب نصبه تحصيلا للغرض (٢).

ومن هذا يثبت أن إجماعهم على وجوب الإمامة مما لا ريب فيه، ولكن بعد أنتحقق هذا الإجماع افترقوا فيها على فرقتين:

قالت إحداهما: إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار.

وقالت الأخرى: إنها تثبت بالنص والتعيين.

فمن قال بالقول الأول فقد ذهب إلى القول بإمامة كل من صارت إليه الإمامةولو باتفاق جزء من الأمة، إما مطلقا وإما بشرط أن يكون قرشيا، فقالوا بإمامةمعاوية وأولاده، وبعدهم مروان وأولاده ثم بني العباس (٣).

وأما أصحاب القول الثاني، فقد ذهبوا إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نصعلى علي (عليه السلام) بالإمامة من بعده، ثم على أحد عشر من ولده، آخرهم الإمامالمهدي المنتظر (عليهم السلام أجمعين).

وبعد هذا الاختلاف، واختلافات أخرى تشعبت عن الفريقين، صارتالإمامة محل النزاع الأكبر في هذه الأمة حتى قيل: إنه ما سل سيف في الاسلام علىقاعدة دينية كما سل على الإمامة في كل زمان.

فمن هنا أصبح حريا أن تقام عليها الدلائل وتنصب البراهين، فكان ذلك حقا

(١) الفرق بين الفرق: ٣٢٣، ٣٤٩.

(٢) المقالات والفرق: ١٣٩، تجريد الاعتقاد: ٢٢١. ومعنى اللطف: هو ما يقرب المكلف إلى الطاعة ويبعده عنالمعصية.

(٣) الملل والنحل ١: ٣٣ - ٣٤.

١٧

على قدر يوازي قدرها، فأقيمت البراهين وأنشئت الدلائل، ومن هذه الدلائل ما جاءمشتركا بين الفريقين، ومنها ما تميز به كل منهما عن الآخر بحسب ما بينهما من اختلاف.

ولكن حتى هذا القدر المشترك الذي قال به الجميع لا تجده ينطبق على الخلفاء الذينقال الفريق الأول بإمامتهم، فلا يخفى أن الكثير من أولئك الخلفاء قد توصل إلىالخلافة بقوة السيف رغم مخالفة أغلب أبناء هذه الأمة، فلا هو أتى باتفاق الأمةواختيارها ولا باتفاق أصحاب الحل والعقد، ولا بتعيين مباشر بنصالنبي (صلى الله عليه وآله)، كما أن منهم من كان مجاهرا بالفسوق، منتهكا لحدود الله، ميالاإلى المعاصي، محاربا لأولياء الله، وهذه صفات لا ينكرها أحد في خلفاء بني أمية وبنيالعباس، وقليل منها متى وجد في أحدهم فهو كاف لسلب الأهلية عنه، وبطلان خلافته،وهذا قدر لا يختلف عليه المسلمون، إلا من قال بصحة إمامة الفاجر للمؤمن، وهذا قولغريب لا يستقيم مع معنى الاسلام وأهدافه، ولا مع الغرض من بعثة الأنبياء وتبليغهمرسالات ربهم (تعالى).

من هنا إذن حق لنا أن نقتصر على ذكر ما يعتد به من دلائل الإمامة وما يلائمأهداف الشريعة وطبيعتها وبعثة الأنبياء وأهدافها، تاركين الشاذ الغريب لضعفه - أولا -وبغية الاختصار - ثانيا - لأن الذي بين أيدينا هو مقدمة كتاب وليس كتاب.

دلائل الإمامة:

بعد ما ثبت أن الإمامة هي رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا، وأنها امتدادللوجود النبوي المقدس وحفظ لعهده وحماية لأمانته وقيام برسالته، يمكننا أن نقولإن كل ما صح أن يكون دليلا على النبوة صح أن يكون دليلا على الإمامة، فبه تعرف،وبه يقوم الشاهد عليها، فدلائل النبوة هي نفسها دلائل الإمامة ما خلا نزول الوحيالذي هو من شأن الأنبياء وحدهم، ولا وحي بعد خاتم الأنبياء، بالاجماع.

ولكن عندما يختفي هذا الدليل هنا يحل محله دليل آخر، هو من الوحي أيضا،ولكنه وحي إلى النبي يحمل إليه أهم دلائل الإمامة وأول شروطها، وبهذا تكون دلائل

١٨

الإمامة كما يلي:

١ - النص: إن الإمامة منصب إلهي مقدس لا يتحقق لأحد إلا بنص منالله (تعالى)، أو من نبيه المصطفى الذي لا ينطق عن الهوى * (إن هو إلا وحي يوحى) *.

وما كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بعث رحمة للعالمين، وليرفع من بين الناسأسباب الخلاف والفرقة، ويزرع بينهم كل ما من شأنه أن يؤلف بينهم، وينظم أمرهم،ويحفظ فيهم العدل والانصاف، فلا يمكن أن يفارق أمته ويتركها هملا، تتحكم فيهاالآراء والاجتهادات المتباينة، فيعود أمرها فوضى، وكأن نبيا لم يبعث فيها أو كانالله (تعالى) لم يرسل إليهم شريعة واحدة تجمعهم وتنظم أمرهم.

بل إن النبي، الرحمة المهداة، هو أرحم بأمته من أن يتركها هكذا، وهو أحرصعلى رسالته من أن يدعها تحت رحمة آراء شتى واجتهادات متضاربة، بل قد يعد أمركهذا إخلال بالأمانة التي كلف النبي (صلى الله عليه وآله) بأدائها، وتقصير بحق الرسالةالتي بعث لتبليغها، وكل هذا بعيد عن ساحة النبوة كل بعد، فأي مسلم لا يؤمن بأننبينا الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد أدى أمانة ربه أحسن الأداء، وبلغ رسالته أتم تبليغ؟

وأي معنى سيبقى لأداء الأمانة ما لم يستأمن عليها رجلا كفوءا يتولى حمايتهاوإقامة حدودها وتنفيذ أحكامها؟!

ولقد أتم ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أداء لأمانته، فنص على وصيهوخليفته من بعده، وسماه باسمه في غير موضع ومناسبة، ومن ذلك:

أ - الحديث المتواتر في خطبة الغدير الشهيرة، حيث أوقفالنبي (صلى الله عليه وآله) مائة ألف من المسلمين حجوا معه حجة الوداع وعادوا معه، فلمابلغوا غدير خم حيث مفترق طرقهم إلى مواطنهم، نادى مناديه أن يرد المتقدم، وينتظرالمتأخر حتى يلحق، ثم قام فيهم خطيبا وهو آخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام).

فقال: " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " قالوا: بلى. قال: " من كنت مولاه فعليمولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " (١).

(١) سنن الترمذي ٥: ٦٣٣ / ٣٧١٣، سنن ابن ماجة ١: ٤٣ / ١١٦ و ٤٥ / ١٢١، مسند أحمد ١: ٨٤، ١١٩، ١٥٢.

١٩

ب - قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) في الحديث المتفق عليه: " أما ترضىأن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي " (١).

وتكرر منه (صلى الله عليه وآله) التصريح باسم علي (عليه السلام) لخلافته، وأنه أولىالناس بالنبي وبالدين والدولة من بعده، بما فيه الكفاية لمن أراد الاستدلال (٢).

وقبل الحديث النبوي الشريف كانت آيات الكتاب المجيد التي تفيد هذاالمعنى بشكل واضح لا غبار عليه، وأولها: قوله (تعالى): * (إنما وليكم الله ورسوله والذينآمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (٣) ونزولها في علي أمرأجمع عليه أهل التفسير (٤).

ثم جاءت النصوص النبوية الشريفة المتفق على صحتها بحصر عدد الأئمةبعد النبي (صلى الله عليه وآله) باثني عشر إماما، حدا فاصلا وبيانا هاديا لا يترك منفذالاختلاف الآراء وتدخل الاجتهادات، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " الخلفاءبعدي اثنا عشر، كلهم من قريش " (٥).

إذن فقد اجتمعت الأمة على وجوب الإمامة، ثم اجتمعت على أن الخلفاء بعد

(١) ٣٣١ و ٤: ٢٨١، ٣٦٨، ٣٧٠، ٣٧٢ و ٥: ٣٤٧، ٣٦٦، الخصائص للنسائي: ح ٧٨ - ٨٣، المستدرك على الصحيحين٣: ١١٠، ١٣٤، ٣٧١، مصابيح السنة ٤: ١٧٢ / ٤٧٦٧، السيرة الحلبية ٣: ٢٧٤، تاريخ اليعقوبي ٢: ١١٢،تذكرة الحفاظ ١: ١٠، البداية والنهاية ٥: ١٨٣ - ١٨٨ و ٧: ٣٥٩، أسد الغابة ٤: ٢٨، الاستيعاب - بهامشالإصابة - ٣: ٣٦.

(١) صحيح البخاري ٥: ٩٠ / ٢٠٢، صحيح مسلم ٤: ١٨٧٠ / ٣٠ - ٣٢، سنن الترمذي ٥: ٦٣٨ / ٣٧٢٤، سننابن ماجة ١: ٤٣ / ١١٥، مسند أحمد ١: ١٧٣، ١٧٥، ١٨٢، ١٨٤، ٣٣١ و ٣، ٣٣٨، تذكرة الحفاظ ١: ١٠.

(٢) لتتبع المزيد من النصوص راجع: نهج الحق للعلامة الحلي، والغدير للأميني، والخصائص للنسائي، وسائر كتبمناقبه (عليه السلام) وهي كثيرة.

(٣) المائدة ٥: ٥٥.

(٤) انظر: أسباب النزول: ١١٣، تفسير الطبري ٦: ١٨٦، تفسير الرازي ١٢: ٢٦، جامع الأصول ٩:

٤٧٨ / ٦٥٠٣، البداية والنهاية ٧: ٣٧١. وغيرها.

(٥) صحيح البخاري ٩: ١٤٧ / ٧٩ - كتاب الأحكام، باب الاستخلاف، صحيح مسلم ٣: ١٤٥٢ / ٥ - ١٠، إعلامالورى: ٣٨١ - ٣٨٦.

٢٠