×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الرجعة أو العودة الى الحياة الدنيا بعد الموت / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

مقدمة المركز

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على الحبيب المصطفى وآله الطيبين الطاهرين.

ممّا لا ريب فيه أنَّ صحة الاَحكام والعقائد تتوقف على ورودها في مصادر التشريع الاِسلامي، سيّما ما يتعلق منها بأنباء الغيب وحوادث المستقبل.

والرجعة التي تعدُّ واحدة من أُمور الغيب وأشراط الساعة، استدلّ الاِمامية على صحة الاعتقاد بها بالاَحاديث الصحيحة المتواترة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله المعصومين عليهم السلام المروية في المصادر المعتبرة، فضلاً عن اجماع الطائفة المحقّة على ثبوتها حتى أصبحت من ضروريات المذهب عند جميع الاَعلام المعروفين والمصنفين المشهورين، وهذان الدليلان من أهمّ ما استدلّ به الاِمامية على صحة الاعتقاد بها.

كما استدلوا على إمكانها بالآيات القرآنية الدالة على رجوع أقوام من الاُمم السابقة إلى الحياة الدنيا رغم خروجهم من عالم الاَحياء إلى عالم الموتى، كالذين خرجوا من ديارهم حذر الموت وهم أُلوف، والذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، والذين أخذتهم الصاعقة، وأصحاب الكهف، وذي القرنين وغيرهم، أو الدالة على وقوعها في المستقبل إما نصّاً صريحاً كقوله تعالى: (ويوم نحشر من كلِّ أُمّةٍ فوجاً) الدال على الحشر الخاص قبل يوم القيامة، أو بمعونة الاَحاديث المعتمدة في تفسيرها كقوله تعالى: (وحرام على قريةٍ أهلكناها أنهم لا يرجعون).

ويمكن أن يتجلّى لنا الهدف من هذا الاَمر الخارق الذي أخبر عنه أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام إذا عرفنا أنَّ العدل الاِلهي واسع سعة الرحمة الاِلهية ومطلق لا يحدّه زمان ولا مكان وأنّه أصيل على أحداث الماضي

٦

والحاضر والمستقبل، والرجعة نموذج رائع لتطبيق العدالة الاِلهية، ذلك لاَنّها تعني أنّ الله تعالى يعيد قوماً من الاَموات ممن محض الاِيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، فيديل المحقين من المبطلين عند قيام المهدي من آل محمد عليهم السلام وهو يوم الفتح الذي أخبر عنه تعالى بقوله: (ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين * قُل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون) وفيه يتحقق الوعد الاِلهي بالنصر للاَنبياء والمؤمنين (إنّا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاَشهاد).

ولقد اتّخذت الرجعة وسيلة للطعن والتشنيع على مذهب الاِمامية حتى عدّها بعض المخالفين من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها، مع أنّ الدليل على إمكانها وارد في الكتاب الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل التأويل أو الحمل، ومع أنّها من أشراط الساعة كنزول عيسى عليه السلام وظهور الدجال وخروج السفياني وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين ولا يترتب على اعتقادهم بها أدنى إنكار لاَيّ حكم ضروري من أحكام الاِسلام، وفوق ذلك أنّ الرجعة دليل على القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشور، وهي من الاُمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة كبرى لنبينا وآل بيته المعصومين عليهم السلام.

فمن أجل توضيح مباني هذا الاعتقاد وإزالة اللبس الذي يعتري أذهان البعض حوله، قام مركزنا باصدار هذه الدراسة التي تحتوي على ستة فصول تلمّ بأطراف الموضوع تعريفاً وأدلةً وأحكاماً باعتماد ما ورد في الكتاب العزيز والاَحاديث المستفيضة عن النبي الاَكرم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، نسأل الله تعالى أن ينفع بها.

إنّه ولي التوفيق

مركز الرسالة

٧

المقدِّمة

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على الحبيب المصطفى الاَمين وآله الهداة الميامين وصحبهم المتقين.

وبعد:

إنَّ أنباء الغيب وحوادث المستقبل وما سيقع من الفتن والملاحم وعلامات الظهور وأشراط الساعة وغيرها تعدُّ من المسائل التي أولاها المحدّثون أهمية خاصة، ذلك لاَنّ الكتاب الكريم والسُنّة المباركة يدلان على أنّ الموت ليس هو النتيجة النهائية لرحلة الروح والبدن في هذا الكون، بل هو نافذة تطل على حياة جديدة وعوالم مختلفة (أيَحسَبُ الاِنسانُ أن يُتركَ سُدىً * ألم يَكُ نُطفَةً مِنْ مَنيٍّ يُمنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلقَ فَسَوى* فَجَعَلَ مِنهُ الزَوجَينِ الذَكَرَ والاُنثى * أليسَ ذلكَ بقادرٍ على أن يُحيي الموتى)(١).

روى سعد بن عبدالله الاَشعري بالاسناد عن بريدة الاَسلمي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كيف أنت إذا استيأست أُمتي من المهدي، فيأتيها مثل قرن الشمس، يستبشر به أهل السماء وأهل الاَرض ؟ فقلت: يا رسول الله بعد الموت ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: والله إنّ بعد الموت هدىً وإيماناً ونوراً. قلت:

(١) سورة القيامة ٧٥: ٣٦ ـ ٤٠.

٨

يارسول الله، أي العمرين أطول ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: الآخر بالضعف»(١).

وقال أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: «أيُّها الناس، إنّا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء، لكنكم من دار إلى دار تنقلون، فتزوّدوا لما أنتم صائرون إليه»(٢).

إنَّ اعتقادنا بعودة بعض الناس إلى الحياة بعد الموت لم يكن اعتباطياً، وإنّما كان تبعاً للآثار الصحيحة المتواترة التي حفلت بها كتب أصحابنا، واحتلت مساحة واسعة من أحاديث النبي وعترته الطاهرة عليهم السلام الذين ندين بعصمتهم من الكذب، وعلى هذا إجماعهم، وإجماعهم حجة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(٣).

وقد دلَّ الكتاب الكريم على الحشر الخاص قبل يوم القيامة، وهو عودة بعض الاَموات إلى الحياة في قوله تعالى: (وَيومَ نَحشُرُ مِنْ كُلِّ أُمّةٍ فَوجاً مِمَّنْ يُكَذِّب بآياتِنا فَهُم يُوزَعُونَ)(٤)كما دلَّ على الحشر العام بعد نفخة النشور في نفس السورة بقوله: (وَيومَ يُنفَخُ في الصُورِ فَفَزعَ مَنْ في السَّماواتِ ومَنْ في الاَرضِ) إلى قوله تعالى: (وكلٌّ أتوهُ داخرِينَ)(٥)

(١) بحار الاَنوار، للمجلسي ٥٣: ٦٥ | ٥٦ المكتبة الاِسلامية ـ طهران.

(٢) الاِرشاد، للمفيد ١: ٣٣٨ تحقيق مؤسسة آل البيت عليهم السلام ـ قم.

(٣) سنن الترمذي ـ كتاب المناقب: ٦٦٣ | ٣٧٨٦ و٣٧٨٨ تحقيق أحمد محمد شاكر ـ دار احياء التراث العربي. ومستدرك الحاكم ٣: ١٤٨ حيدر آباد ـ الهند.

(٤) سورة النمل ٢٧: ٨٣.

(٥) سورة النمل ٢٧: ٨٧.

٩

ويستفاد من مجموع الآيتين أنّ يوم الحشر الخاص هو غير يوم النفخ والنشور الذي يحشر فيه الناس جميعاً، وبما أنّه ليس ثمة حشر بعد يوم القيامة بدليل الكتاب والسُنّة، فلا بدَّ أن يكون الحشر الخاص واقعاً قبل يوم القيامة، فهو إذن من العلامات الواقعة بين يدي الساعة، كظهور الدجال وخروج السفياني ونزول عيسى من السماء وطلوع الشمس من مغربها وغيرها من الاَشراط المدلولة بالكتاب والسُنّة.

كما دلَّ الكتاب الكريم على رجعة بعض الناس في الاُمم السابقة إلى الحياة بعد الموت في عدة آيات صريحة لا تقبل التأويل، منها قوله تعالى: (ألَم تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِم وَهُم ألوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لهُم اللهُ مُوتُوا ثم أحياهُم)(١)وهو يدل على إمكان الرجعة في هذه الاُمّة أيضاً لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو أنَّ أحدهم دخل جُحر ضَبّ لدخلتُم»(٢).

وملخص الاعتقاد بالرجعة هو أنّ الله تعالى يعيد في آخر الزمان طائفة من الاَموات إلى الدنيا ممّن محضوا الاِيمان محضاً أو محضوا الكفر محضاً، فينتصر لاَهل الحق من أهل الباطل، وعلى هذا إجماع الشيعة الاِمامية الاثني عشرية، وقد علم دخول المعصوم في هذا الاجماع بورود الاَحاديث المتواترة عن النبي وأهل بيته المعصومين عليهم السلام الدالة على اعتقادهم بصحة الرجعة.

إنَّ الاعتقاد بالرجعة على ما جاء في الروايات عن آل البيت عليهم السلام من

(١) سورة البقرة ٢: ٢٤٣.

(٢) كنز العمال، للمتقي الهندي ١١: ١٣٤ | ٣٠٩٢٤ مؤسسة الرسالة.

١٠

ضروريات المذهب الشيعي، وقد بحث العلماء عن حكم من أنكر شيئاً من الضروريات ـ من أتباع المذهب أو سائر من نطق بالشهادتين ـ في الكتب المتعلّقة بهذا الشأن، الاَمر الذي لسنا الآن بصدد التحقيق عنه في هذه الرسالة.

والاعتقاد بالرجعة من مظاهر الاِيمان بالقدرة الاِلهية، فقد روي أنّ ابن الكوّاء الخارجي سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن الرجعة ـ في حديث طويل ـ قال عليه السلام في آخره: «لا تشكّنَّ يابن الكواء في قدرة الله عزَّ وجلَّ»(١).

وسأل أبو الصباح الاِمام الباقر عن الرجعة، فقال عليه السلام: «تلك القدرة، ولا ينكرها إلاّ القدرية، تلك القدرة فلا تنكرها»(٢)وبمثل ذلك أجاب عليه السلام عبدالرحمن القصير(٣).

إنَّ من يعتقد بأنَّ الله تعالى هو الذي برأ الخلق من العدم إلى حيّز الوجود كيف يشكّ ويتردد في أنّه يعجزه إعادتهم ! ومن قدر على الابتداء فهو على الاِعادة أقدر، قال تعالى: (وَضَرَبَ لنا مَثلاً وَنَسِيَ خَلقَهُ قَالَ مَنْ يُحيِي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحييها الَّذي أنشأها أوّلَ مَرةٍ وهُوَ بِكُلِّ خَلقٍ عَلِيمٌ* الَّذي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشَّجَرِ الاَخضَرِ نَاراً فإذا أنتُم مِنهُ تُوقِدُونَ * أوَلَيسَ الَّذي خَلَقَ السَّماوَاتِ والاَرضَ بقَادِرٍ عَلى أن يخلُقَ مِثلَهُم بَلى وَهُوَ الخَلاّقُ العَلِيمُ * إنَّما أمرُهُ إذا أرادَ شيئاً أنْ يقُولَ لهُ كُنْ فَيَكُونُ)(٤).

(١) بحار الاَنوار ٥٣: ٧٤.

(٢) المصدر السابق: ٧٢ | ٧١.

(٣) المصدر السابق: ٧٤ | ٧٣.

(٤) سورة يس ٣٦: ٧٨ ـ ٨٢.

١١

هذه هي الرجعة التي كثرت التهويلات والتشنيعات على المعتقدين بها حتى عدّوها أسطورة وقولاً بالتناسخ، وأنّ معتقدها خارج عن الاِسلام والدين، وأنّها من مفتريات عبدالله بن سبأ، وما إلى ذلك من التشدّق على مدرسة الاِسلام الاَصيل، إنّنا لا نعطي الحق لمن لا يؤمن برجعة بعض الاَموات إلى الحياة الدنيا بعد الموت لعدم ثبوته عنده، بل عليه أن يبحث ويسأل أهل الذكر وليس من حقّه أن يشنّع على من يقول بذلك لتواتر الاَحاديث وثبوت النصوص عنده، إذ لا حجة للجاهل على العالم.

ويحق لنا في هذا المقام أن نسأل المنكرين لاَنباء الغيب وما يقع في المستقبل، ما الدليل على زعمكم أنّه لا يوجد ثمة عودة إلى الحياة بعد الموت ؟ وما الحجة التي تعزّز ما تذهبون إليه ؟ هل تخلّل أحد منكم في آفاق المستقبل، وسبر أغوارها، ووقف على حقيقة الاَمر ثم عاد وأخبر أنّه لم يجد شيئاً ممّا أخبر به القرآن الكريم والعترة النبوية الطاهرة عليهم السلام ؟

في هذا البحث سنحاول تسليط الضوء على تعريف الرجعة وفقاً لما ورد عن أئمة الاِمامية وعلمائهم، ونسوق الاَدلة التي احتجوا بها لاِثبات صحة الاعتقاد بها من الآيات القرآنية والاَحاديث الشريفة والاجماع وغيرها من القرائن المختلفة، ونبين أيضاً الهدف منها وحكم منكريها، وجملة من احتجاجات العلماء وردودهم على الاشكالات المطروحة حول هذا الموضوع وغيرها إن شاء الله تعالى.

ولله الاَمر من قبل ومن بعد
١٢
١٣

الفصل الاَول
تعريف الرجعة

الرجعة في اللغة

العودة إلى الحياة الدنيا بعد الموت.

قال الجوهري والفيروزآبادي: فلان يؤمن بالرجعة، أي بالرجوع إلى الدنيا بعد الموت(١).

ويُطلق على الرجعة الكرّة أيضاً، وهو من الاَلفاظ المرادفة لها، قال الجوهري: الكرّ: الرجوع، يقال: كرّه وكرّ بنفسه، يتعدّى ولا يتعدّى(٢).

وفي حديث أمير المؤمنين علي عليه السلام: «وإنّي لصاحب الكرّات ودولة الدول»(٣). وجاء في زيارته عليه السلام: «السلام عليك يا صاحب الكرة والرجعة»(٤)‌.

(١) الصحاح ٣: ١٢١٦. والقاموس المحيط ٣: ٢٨.

(٢) الصحاح ٢: ٨٠٥.

(٣) الكافي ١: ١٩٨ | ٣ باب أنّ الاَئمة عليهم السلام هم أركان الاَرض ـ دار الكتب الاِسلامية.

(٤) بحار الاَنوار ١٠٠: ٣٤٩.

١٤

الرجعة عند الشيعة الاِمامية

إنَّ الذي تذهب إليه الاِمامية أخذاً بما جاء عن آل البيت عليهم السلام، هو نفس المعنى المحقّق في اللغة، وهو أنَّ الله تعالى يُعيد قوماً من الاَموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة في صورهم التي كانوا عليها، فيعزّ فريقاً ويذلُّ فريقاً آخر، ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد (عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام) الذي يملأ الاَرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت جوراً وظلماً، ولذلك تعدُّ الرجعة مظهراً يتجلى فيه مقتضى العدل الاِلهي بعقاب المجرمين على نفس الاَرض التي ملأوها ظلماً وعدواناً.

ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الاِيمان، أو من بلغ الغاية من الفساد، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور، وما يستحقونه من الثواب أو العقاب، كما حكى الله تعالى في قرآنه الكريم تمنّي هؤلاء المرتجعين الذين لم يصلحوا بالارتجاع، فنالوا مقت الله، أن يخرجوا ثالثاً لعلهم يصلحون: (قَالُوا رَبنَا أمَّتنَا اثنَتينِ وأحييتَنَا اثنتينِ فاعتَرفنَا بِذُنُوبِنَا فَهَل إلى خُروجٍ مِنْ سَبِيلٍ)(١)ولكن أنّى لهم ذلك وهم في عذاب مقيم ؟

(١) عقائد الاِمامية، للمظفر: ١٠٨ تحقيق مؤسسة البعثة. والآية من سورة غافر ٤٠: ١١.

١٥

الفصل الثاني
إمكان الرجعة وأدلّتها

إمكان الرجعة

إنَّ الرجعة من نوع البعث والمعاد الجسماني، غير أنها بعث موقوت في الدنيا ومحدود كماً وكيفاً، ويحدث قبل يوم القيامة، بينما يُبعث الناس جميعاً يوم القيامة ليلاقوا حسابهم ويبدأوا حياتهم الخالدة، وأهوال يوم القيامة أعجب وأغرب وأمرها أعظم من الرجعة.

وبما أنَّ الرجعة والمعاد ظاهرتان متماثلتان من حيث النوع، فالدليل على إمكان المعاد يمكن أن يقام دليلاً على إمكان الرجعة، والاعتراف بإمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة يترتب عليه الاعتراف بإمكان الرجعة في حياتنا الدنيوية، ولا ريب أنّ جميع المسلمين يعتبرون الاِيمان بالمعاد من أُصول عقيدتهم، إذن فجميعهم يذعنون بإمكانية الرجعة.

يقول السيد المرتضى قدس سره: إعلم أنّ الذي يقوله الاِمامية في الرجعة لا خلاف بين المسلمين ـ بل بين الموحدين ـ في جوازه، وأنّه مقدور لله تعالى، وإنّما الخلاف بينهم في أنّه يوجد لا محالة أو ليس كذلك.

١٦

ولا يخالف في صحة رجعة الاَموات إلاّ خارج عن أقوال أهل التوحيد، لاَنَّ الله تعالى قادر على إيجاد الجواهر بعد إعدامها، وإذا كان عليها قادراً، جاز أن يوجدها متى شاء(١).

فإذا كان إمكان الرجعة أمراً مسلّماً به عند جميع المسلمين ـ حتى قال الآلوسي: وكون الاِحياء بعد الاِماتة والاِرجاع إلى الدنيا من الاُمور المقدورة له عزَّ وجلَّ ممّا لا ينتطح فيه كبشان، إلاّ أنّ الكلام في وقوعه(٢). إذن فلماذا الشكّ والاستغراب لوقوع الرجعة ؟ ولماذا التشنيع والنبز بمن يعتقد بها لورود الاَخبار الصحيحة المتواترة عن أئمة الهدى عليهم السلام بوقوعها ؟

يقول الشيخ محمدرضا المظفر: (لا سبب لاستغراب الرجعة إلاّ أنّها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا الدنيا، ولا نعرف من أسبابها أو موانعها ما يُقرّ بها إلى اعترافنا أو يبعدها، وخيال الاِنسان لا يسهل عليه أن يتقبّل تصديق ما لم يألفه، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول: (مَن يُحيي العِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) فيقال له: (يُحييها الَّذِي أنشَأها أوَلَ مَرةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلقٍ عَلِيمٌ)(٣).

نعم في مثل ذلك، مما لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته، أو نتخيّل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الاِلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الاَموات، كمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى

(١) رسائل الشريف المرتضى ٣: ١٣٥ ـ الدمشقيات ـ دار القرآن الكريم ـ قم.

(٢) روح المعاني ٢٠: ٢٧ دار إحياء التراث العربي ـ بيروت.

(٣) سورة يس ٣٦: ٧٨ ـ ٧٩.

١٧

(وأُبرىءُ الاَكمَهَ والاَبرَصَ وأُحيي المَوتى بإذنِ اللهِ)(١)وكقوله تعالى: (أنَّى يُحيي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مُوتِها فأمَاتَهُ اللهُ مائةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)(٢).

يضاف إلى ذلك أنَّ نفوس الظالمين تأبى إقامة العدل وإحقاق الحق لما اقترفته أيديهم الآثمة من الظلم والجور والمنكرات، والرجعة تنطوي على أمرٍ يحقق العدالة الاِلهية في أرض الواقع بانتصاف الظالم من المظلوم وإدالة أهل الحق من أهل الباطل، ولهذه العلة أبت نفوس المكابرين من أهل الجاهلية الاعتقاد بالمعاد والنشور رغم أنّهم عاينوا المعجزات وضربت لهم الاَمثال الواضحة وأقيمت لهم الدلائل البينة والبراهين الساطعة، لاَنّ قبول هذا الاعتقاد يعني الانصياع للحق والعدل بالوقوف أمام المحكمة الاِلهية الكبرى (يَومَ تَشْهَدُ عَلَيهِم ألسِنَتُهُم وأيديهِم وَأرجُلُهُم بِما كانُوا يَعمَلُونَ)(٣).

أدلة الرجعة

أورد الحر العاملي في الباب الثاني من كتابه (الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) اثني عشر دليلاً على صحة الاعتقاد بالرجعة، وأهم ما استدل به الاِمامية على ذلك هو الاَحاديث الكثيرة المتواترة عن النبي والاَئمة عليهم السلام المروية في الكتب المعتمدة، وإجماع الطائفة المحقة على ثبوت الرجعة حتى أصبحت من ضروريات مذهب الاِمامية عند جميع العلماء المعروفين والمصنفين المشهورين، كما استدلوا أيضاً

(١) سورة آل عمران ٣: ٤٩.

(٢) عقائد الاِمامية، للشيخ المظفر: ١١١ ـ ١١٢. والآية من سورة البقرة ٢: ٢٥٩.

(٣) سورة النور ٢٤: ٢٤.

١٨

بالآيات القرآنية الدالة على وقوع الرجعة في الاُمم السابقة، أو الدالة على وقوعها في المستقبل إما نصاً صريحاً أو بمعونة الاَحاديث المعتمدة الواردة في تفسيرها، وفيما يلي نسوق خمسة أدلة نبدأها بالاَدلة القرآنية:

أولاً: وقوعها في الاُمم السابقة

لقد حدّثنا القرآن الكريم بصريح العبارة وبما لا يقبل التأويل أو الحمل عن رجوع أقوام من الاُمم السابقة إلى الحياة الدنيا رغم ما عرف وثبت من موتهم وخروجهم من الحياة إلى عالم الموتى، فإذا جاز حدوثها في الاَزمنة الغابرة، فلم لا يجوز حدوثها مستقبلاً: (سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنّةِ اللهِ تَبدِيلاً)(١).

روى الشيخ الصدوق بالاِسناد عن الحسن بن الجهم، قال: قال المأمون للرضا عليه السلام: يا أبا الحسن، ما تقول في الرجعة ؟

فقال عليه السلام: «إنّها الحقّ، قد كانت في الاُمم السالفة ونطق بها القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يكون في هذه الاُمّة كل ما كان في الاُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا خرج المهدي من ولدي نزل عيسى بن مريم عليه السلام فصلى خلفه، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنَّ الاِسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، ثم يكون ماذا ؟ قال صلى الله عليه وآله وسلم: ثم يرجع الحقّ إلى أهله»(٢).

وفيما يلي نقرأ ونتأمل الآيات الدالة على إحياء الموتى وحدوث

(١) سورة الاَحزاب ٣٣: ٦٢.

(٢) بحار الاَنوار ٥٣: ٥٩ | ٤٥.

١٩

الرجعة في الاُمم السابقة:

إحياء قوم من بني إسرائيل:

قال تعالى: (ألم تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِم وَهُم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوتِ فَقَالَ لَهُم اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحيَاهُم إنَّ اللهَ لذُو فَضلٍ على النَّاسِ وَلَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لايَشكُرُونَ)(١).

فجميع الروايات الواردة في تفسير هذه الآية المباركة تدل على أنَّ هؤلاء ماتوا مدة طويلة، ثم أحياهم الله تعالى، فرجعوا إلى الدنيا، وعاشوا مدة طويلة.

قال الشيخ الصدوق: كان هؤلاء سبعين ألف بيت، وكان يقع فيهم الطاعون كلّ سنة، فيخرج الاَغنياء لقُوّتهم، ويبقى الفقراء لضعفهم، فيقلّ الطاعون في الذين يخرجون، ويكثر في الذين يقيمون، فيقول الذين يقيمون: لو خرجنا لما أصابنا الطاعون، ويقول الذين خرجوا، لو أقمنا لاَصابنا كما أصابهم.

فأجمعوا على أن يخرجوا جميعاً من ديارهم إذا كان وقت الطاعون، فخرجوا بأجمعهم، فنزلوا على شط البحر، فلمّا وضعوا رحالهم ناداهم الله: موتوا، فماتوا جميعاً، فكنستهم المارّة عن الطريق، فبقوا بذلك ماشاء الله.

ثم مرّ بهم نبيّ من أنبياء بني إسرائيل يقال له أرميا(٢)، فقال: لو شئت

(١) سورة البقرة ٢: ٢٤٣.

(٢) في رواية الشيخ الكليني في الكافي ٨: ١٧٠ | ٢٣٧ عن الاِمام الباقر عليه السلام ورواية السيوطي عن السدّي عن أبي مالك وغيره: يقال له حزقيل.

٢٠