×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

زواج المتعة (ج 1) / الصفحات: ٣٦١ - ٣٨٠

يقع الترخيص بها عام الفتح(١).

ونقول:

أولاً:

إن قولهم هذا يسقط ما رووه عن علي (عليه السلام) من أنه قد اعترض على ابن عباس بأنه امرؤ تائه، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نهى عن المتعة يوم خيبر. لأن الاعتراض منه (عليه السلام) إنما يصح دليلاً لهم، لو كان النهي في خيبر للتأبيد، أما إذا كان موقتاً فلابن عباس أن يعترض عليه، بأنه استدلال لا يصح، لأنه كان نهياً تدبيرياً موقتاً، وقد عاد الناس إلى العمل بهذا الزواج، بعد أن انتهى وقت التحريم.

ثانياً:

إن حديث التحريم يوم خيبر ـ لو صح ـ فهو إنما كان مجرد نهي تدبيري لهم عن التزوج بنساء سوف يتركونهن بعد قليل، فلا معنى للزواج بهن ثم تركهن، مع احتمال أن يحدث حمل عند بعضهن فلا يعرف الأب بأن له ابناً، ولا الأم تقدر على الاتصال بأب وليدها لتعرّفه عليه، وتصله به.

ولو أنهم كانوا قد تزوجوا بهن زواجاً دائما، وفي نيتهم الفراق بالطلاق أمام الشهود بعد ساعة مثلاً، ثم يذهبون إلى

(١) راجع: تحريم نكاح المتعة للأهدل ص٣٤١.

٣٦١
بلاد أخرى، فإن النبي سينهاهم عن فعل ذلك حفاظاً على الأولاد الذين قد يولدون من زواج كهذا، وقد تعجز المرأة عن الوصول إلى صاحب النطفة الحقيقي..

حديث التحريم يوم الفتح:

وأما بالنسبة لحديث سبرة الجهني الذي يفيد التحريم يوم الفتح والذي اعتبر البعض روايته هي الأشهر والأصح(١)، وقال الزرقاني والعسقلاني، والنص له: «لا يصح شيء من الروايات بغير علة إلا غزوة الفتح»(٢).

فقد جاء في واحد من نصوصه، كما في صحيح مسلم، وغيره، ما يلي: «حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن الربيع بن سبرة الجهني، عن أبيه سبرة، أنه قال: أذن لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمتعة، فانطلقت أنا ورجل إلى امرأة من بني عامر، كأنها بكرة عيطاء، فعرضنا أنفسنا عليها، فقالت: ما تعطي؟ فقلت ردائي..

(١) شرح الموطأ للزرقاني ج ٣ ص ١٥٣.

(٢) فتح الباري ج ٩ ص ١٤٦ وشرح الموطأ للزرقاني ج ٤ ص ٤٦.

٣٦٢
وقال صاحبي: ردائي. وكان رداء صاحبي أجود من ردائي، وكنت أشب منه، فإذا نظرت إلى رداء صاحبي أعجبها، وإذا نظرت إلي أعجبتها، ثم قالت: أنت ورداؤك يكفيني، فمكثت معها ثلاثاً، ثم ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال من كان عنده شيء مـن هـذه النساء التي يتمتع فليخل سبيلها»(١).

هذا الحديث لا يدل على النسخ:

إن هذا النص إن صح، فهو لا يدل على تحريم زواج المتعة، حيث إن الظاهر هو: أن النبي (صلى الله عليه وآله): قد أمرهم بتخلية سبيل النساء، استعداداً للرحيل، لا أنه قد حرم المتعة عليهم حرمة تشريعية.

(١) راجع: صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣١و ١٣٣، وفتح الملك المعبود ج ٣ ص ٢٢٤، وسنن البيهقي ج ٧ ص ٢٠٢ و ٢٠٣، وأوجز المسالك ج ٩ ص ٤٠٦،، ومسند أحمد ج ٣ ص ٤٠٥، وروايات سبرة حول نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن المتعة يوم الفتح توجد في كتاب التمهيد ج ١٠ ص ١٠٦، والبداية والنهاية ج ٤ ص ١٩٣ عن البخاري، وأشار إليه الترمذي في الجامع الصحيح المطبوع مع تحفة الأحوذي ج ٤ ص ٢٦٨، وكذا في تحفة الأحوذي نفس الجزء، والصفحة عن المنتقى، والتفسير الكبير ج ١٠ ص ٥١، ونصب الراية ج ٣ ص ١٧٧، والمنار في المختار ج ١ ص ٤٦٢، وفقه السنة ج ٤ ص ٤٢ وتحريم نكاح المتعة ص ٥٨ و ٥٩ و ٦١، ومسند الحميدي ج ٢ ص ٣٧٤ ط المكتبة السلفية، وسنن سعيد بن منصور، طبع دار الكتب العلمية ج ١ ص ٢١٧ وراجع ص ٢١٨، وراجع: بجيرمي على الخطيب ج ٣ ص ٣٣٦، ومرقاة المفاتيح ج ٣ ص ٤٢٢ والمبسوط للسرخسي ج ٥ ص ١٥٢.

٣٦٣
ولعل هذا النص هو المعقول من رواية سبرة هذه.. ولا مانع من ذلك، ولا منافاة بينه وبين ما دل على مشروعية المتعة، بقول مطلق، لأنه هو أيضاً دال على حليتها، وبقاء تشريعها إلى ذلك الوقت.

ولكن الظاهر هو أن الرواة قد حرفوا هذه الرواية، وزادوا عليها زيادات أخرى، كما يعلم من مراجعة نصوصها المختلفة في كتب الحديث والرواية.

ولكننا مع ذلك، وأخذاً منا بنظر الاعتبار النصوص الأخرى من روايات سبرة المصرحة بالتحريم، نشير إلى بعض الملاحظات حولها في ضمن النقاط التالية:

تناقضات.. وما أكثرها:

١ ـ إننا بالإضافة إلى جميع ما قدمناه مما يدل على عدم صحة حديث التحريم في سنة الفتح، وإلى ما بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، نقول: إن هذا الحديث لا حجية فيه لما فيه من التناقض والاختلاف الكثير بين نصوصه..

ففي بعضها، وهي في مسلم والبيهقي، ومسند أحمد: أن

٣٦٤
النسخ كان يوم الفتح..

وفي بعض روايات البيهقي، واحمد، وابن ماجة، وعبد الرزاق، وابن حبان، ونصب الراية عنه وعن سنن أبي داود(١) أنه: كان في حجة الوداع.

وفي بعضها: يوم خيبر(٢) وفي بعضها: في عمرة القضاء(٣).

وفي بعضها: لم يعين وقتاً ولا زماناً، وإن كان هذا الأمر لا يتنافى مع أي مما سبقه.

وبعضها يقول: إن الإذن بالمتعة كان بعد خمسة عشر يوماً من دخول مكة(٤).

وبعضها: أذن لهم بها قبل وصولهم، وبالتحديد وهم في

(١) سنن أبي داود ج ١ ص ٢٨٣، وغيره، وراجع: الإحسان ج ٩ ص ٤٥٤ و ٤٥٥ وشرح الموطأ للزرقاني ج ٤ ص ٤٦ والاعتصام بحبل الله المتين ج ٣ ص ٢٠٣ و ٢٠٤، ونيل الأوطار ج ٦ ص ٢٧٤ وسنن ابن ماجة ج ١ص ٦٣١ وسنن الدارمي ص ١٤٠ ومصادر كثيرة جداً تقدمت.

(٢) كنز العمال ج ٢٢ ص ٩٧ عن ابن جرير والاعتصام بحبل الله المتين ج ٢ ص ٢٠٢ وكتاب العلوم لاحمد بن عيسى ص ١١.

(٣) راجع: التمهيد ص ١٠٨ ونيل الأوطار ج ٦ ص ٢٧٢ وشرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ١٨٠.

(٤) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣٢، والمرأة في القرآن والسنة ص ١٨٠، والتفسير الحديث ج ٩ ص ٥٣ عن مسند أحمد.

٣٦٥
عسفان، وأنه حرمها يوم التروية(١).

وفي أخرى: أن ذلك كان حين دخول مكة(٢).

وأما رواية: مكث ما شاء الله(٣).

ورواية: مكث أياماً(٤)، فلا تتنافى مع ما سبق.

وفي بعضها: فلما كان عند الظهر رحت إلى المسجد إلخ..(٥).

وأخرى تقول: إن التحريم كان في الغد(٦).

وفي بعضها: أنه مكث عند صاحبته ثلاثاً، ثم لقي النبي (صلى الله عليه وآله)، فإذا هو يحرمها أشد التحريم(٧).

(١) تحريم نكاح المتعة ص ٥٨ و ٥٩، وفي هامشه عن مسند أحمد حسب ترتيب الساعاتي ج ١٦ ص ١٩٢ و ١٩٣.

(٢) البداية والنهاية ج ٣ ص ١٩٣ و ٣١٨ ومصادر كثيرة تقدمت.

(٣) مسند الحميدي ج ٢ ص ٣٧٤.

(٤) المصدران السابقان.

(٥) تحريم نكاح المتعة ص ٦٠.

(٦) الاعتصام بحبل الله المتين ج ٣ ص ٢٠٣ ومصادر كثيرة أخرى تقدمت.

(٧) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣٣ و ١٣١، وسنن النسائي ج ٦ ص ١٢٧، وسنن سعيد بن منصور ج ١ ص ٢١٧، ومسند أحمد ج ٣ ص ٤٠٥، والتمهيد ج ٩ ص ١٠٨ و ١٠٩، ومعرفة علوم الحديث ص ١٧٦ وغير ذلك مما تقدم.

٣٦٦
وأخرى: أنه (صلى الله عليه وآله) قام بين الركن والمقام.

وأخرى: بين الركن والباب وحرمها هناك(١).

وأخرى: فوجدته قائماً بين الباب وزمزم(٢).

وبعضها: أنه (صلى الله عليه وآله) قام حذاء الكعبة(٣)، وهذه لا تنافي ما تقدم.

وواحدة تقول: إن الذي تمتع بالمرأة قد أعطاها بردين أحمرين(٤).

وأخرى تقول: بل أعطاها برداً واحداً(٥).

وواحدة تدعي: أن رفيق سبرة كان ابن عم له، أو من قومه، كما في صحيح مسلم(٦) وسبرة من جهينة، وجهينة من قضاعة..

(١) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣٢، والمرأة في القرآن والسنة ص ١٨٠، والتفسير الحديث ج ٩ ص ٥٣ ومصادر كثيرة أخرى تقدمت.

(٢) مسند الحميدي ج ٢ ص ٣٧٤.

(٣) تحريم نكاح المتعة ص ٦١.

(٤) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣٣ و ١٣٤.

(٥) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣١ و ١٣٢ و ١٣٣.

(٦) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣٢.

٣٦٧
وأخرى تدعي: أن صاحبه كان من بني سليم، وهم إما بطن من عدنان، أو من قحطان..(١).

وفي بعضها: أن الذي كان معه هو أخوه(٢).

ورواية أخرى: أن المستمتع هو سبرة نفسه، وكان وسيماً، وبرده خلق، أما ابن عمه فكان قريباً من الدمامة وبرده جديد.

ورواية أخرى تقول: إن سبرة كان هو الدميم، والبرد الجديد له، وابن عمه كان جميلاً، وبرده خلق، وان ابن عمه هو الذي استمتع بها وليس سبرة..(٣).

وفي بعضها: أنهما دخلا على المرأة في بيتها، وعرضا عليها الأمر.

وأخرى تقول: أنهما التقيا بها في أسفل مكة أو أعلاها(٤).

هذا، ولا ندري ما معنى هذا الترديد في الرواية الواحدة

(١) راجع جمهرة العرب لابن حزم ص ٢٦١ و ٣٧٩ و ٤٠٨ و ٤٤٤.

(٢) تحريم نكاح المتعة ص ٥٩.

(٣) راجع مسند أحمد ج ٣ ص ٤٠٥، ومجمع الزوائد ج ٤ ص ٢٦٤ وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.

(٤) قد يقال: ان هذا لا يتنافى مع كونهما قد التقيا بها في بيتها الذي كان في أسفل مكة، أو في أعلاها..

٣٦٨
حيث يقول المتحدث عن نفسه وعن رفيقه: أنهما التقيا بالفتاة في أسفل مكة أو أعلاها..(١) ومن عرف له معنى، فلينجدنا، ولسوف نكون له من الشاكرين..

واحتمال أن يكون الترديد: من الراوي عن سبرة، لا من سبرة نفسه، يدفعه سياق الكلام، حيث يتحدث المتكلم عن نفسه، وأنه لو صح ذلك للزم التنبيه عليه كما جرت عادتهم..

٢ ـ.. والأغرب من ذلك أن نجد رواية لسبرة، تحاول أن تنسب التمتع بالمرأة إلى رجل آخر حيث يقول: «إن النبي (صلى الله عليه وآله) رخص في المتعة، فتزوج رجل امرأة، فلما كان بعد ذلك، إذا هو يحرمها أشد التحريم ويقول فيها أشد القول»(٢) فهو إذن لا يدعي ممارسة هذا الفعل، بل يظهر من هذا النص أنه يبعد ذلك عن نفسه..

إلا أن يقال: إنه إنما يريد التعمية على السامع؛ فهو يتحدث عن رجل وامرأة، ويريد نفسه.

(١) صحيح مسلم ج ٤ ص ١٣٢.

(٢) شرح معاني الآثار ج ٣ ص ٢٦.

٣٦٩
وأخيراً.. فلا يسعنا هنا إلا أن نذكّر القارئ الكريم بالمثل الذي يقول: «لا حافظة لكذوب..».

حديث سبرة خبر واحد:

إننا نلاحظ: أنه لم يرو هذه الرواية عن سبرة إلا ولده الربيع، ثم حفيده عبد الملك، إلا ما رواه أبو حنيفة، عن الزهري عن محمد بن عبد الله، عن سبرة(١) وهو أمر ملفت للنظر. وتشاركها في هذه الخصوصية روايات أخرى مما روي عن بعض الصحابة في إثبات النسخ، ولا يثبت النسخ بخبر الواحد لحكم ثابت بنص الكتاب، وبالسنة المتواترة، وبإجماع الأمة، خصوصاً إذا كان مما تعم به البلوى، فكيف إذا تواردت على هذا الخبر العلل والأسقام، وابتلى بالمعارضات في أكثر من اتجاه؟!.

ضعف سند رواية سبرة:

وقد لا يهتم البعض للقدح في سند الرواية من خلال جهالة «سبرة» بن معبد لكونه يرى أن مجرد كونه صحابياً

(١) تحريم نكاح المتعة للمحمدي ص ١٦٦/ ١٦٧.

٣٧٠
يكفي في ثبوت وثاقته، وإن كنا قد أثبتنا نحن عدم كفاية ذلك(١) لكن ولده الربيع بن سبرة ليس من الصحابة، ولم نجد ما يدل على وثاقته، أما حفيده عبد الملك، فالقدح فيه موجود، هذا مع غض النظر عن القدح في بقية رجال السند أيضاً(٢) كما أن مسلما لم ينقل عن الربيع سوى هذه الرواية(٣).

قال ابن القيم: «.. الناس في هذا طائفتان: طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرمها، ونهى عنها، وقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) باتباع ما سنه الخلفاء الراشدون(٤) ولم تر هذه الطائفة تصحيح حديث سبرة بن معبد في تحريم المتعة عام الفتح، فإنه من رواية عبد الملك، بن الربيع، بن سبرة، عن أبيه، عن جده. وقد تكلم

(١) راجع: مقالنا عن الصحابة في كتابنا: دراسات وبحوث في التاريخ والإسلام ج٢.

(٢) راجع: تهذيب التهذيب، وغيره من كتب الرجال.

(٣) رجال صحيح مسلم ج١ ص ٢٠٣.

(٤) قد علق العلامة الأميني في الغدير ج ٣ ص ٣٢٦ و ٣٣٣ على هذا الموضع بعد أن ذكر ما يوجب الشك في صحة هذا الحديث، ما حاصله: أنه لو صح فلا بد أن يكون المقصود هو خلفاؤه الأئمة الاثنا عشر الذين تواتر الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) حولهم، ونص مرات ومرات على أسمائهم وهم الذين: أولهم علي (عليه السلام) وآخرهم المهدي (عج) إذ لو كان المراد بالحديث مطلق من صار خليفة لم يستقم الحديث لا سيما بملاحظة: أن بعضهم كان يستعين بغيره في معرفة الأحكام الشرعية، بل لقد أجمعت الأمة على مخالفة ما سنه بعضهم في العديد من الأمور.

٣٧١
كتاب زواج المتعة (ج١) للسيد جعفر مرتضى العاملي (ص ٣٧٢ - ص ٤٠٦)
٣٧٢
نظرهم إلى إباحته.. فكيف إذا كانت رواية سبرة نفسها تقول لنا: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أعلن التحريم على المنبر، أو بين الركن والمقام، أو بين الباب والحجر، أو بين الباب وزمزم(١).

فهل من المعقول بعد هذا كله: أن يختص سبرة بنقل ما جرى في ذلك الموقف الجماهيري الحاشد دون سائر المسلمين، الذين رافقوا النبي (صلى الله عليه وآله) في فتح مكة؟! وحضروا ذلك الموقف، وهم ألوف كثيرة، ودون غيرهم ممن كان حاضراً في مكة نفسها، من أهلها، مع أنهم في هذه السفرة بالذات كانوا يراقبون كل حركات النبي (صلى الله عليه وآله)، ويرصدون مواقفه بدقه واهتمام بالغين؟!. ويلتقطون كل شاردة وواردة، ويسجلون لنا حتى إشارات وحركات يديه، ولحظات عينيه.

ولماذا لم يرو لنا ذلك: ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وأمير المؤمنين (عليه السلام)، وغيرهم من كبار الصحابة؟! ولماذا لم يروه أبو بكر، وعمر، وغيرهما (سوى سبرة)؟! هذا مع كثرة ابتلائهم بهذا الأمر، وتوفر الدواعي للسؤال عنه..

(١) راجع: التمهيد ج ٩ ص ١٠٧ وراجع نصوص حديث سبرة في فصل النسخ بالأخبار وفيما سبق في هذا الفصل أيضاً.

٣٧٣
وهذا الكلام بعينه نقوله بالنسبة للنسخ في غزوة تبوك وحنين، وأوطاس وغيرها.. مما كان التحريم فيه أمام الجيش الإسلامي الفاتح بهدف ردعهم عن ممارسة هذا الزواج الذي ألجأتهم الضرورة إليه ـ كما يدعون ـ ولا سيما في حجة الوداع، التي يقولون: إن التحريم للمتعة قد ورد في ضمن خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) فيها(١) وقد حضرها عشرات الألوف من مختلف بلاد الإسلام؟!.

ومن الطريف أن نذكر هنا: أن الفكيكي يقول: إنه تتبع كتب السيرة، والتاريخ، فلم يجد في خطب النبي (صلى الله عليه وآله)، وكلماته، سواء في خيبر، أو الفتح، أو تبوك إلخ.. ما يدل على تحريم المتعة فيها، مع أنه (صلى الله عليه وآله) قد تعرض لأحكام أخرى، مما هو من نظائرها(٢).

موقف ابن مسعود يرد حديث سبرة:

وقال ابن القيم أيضاً: «قالوا: لو صح حديث سبرة، لم

(١) مسند أحمد ج ٣ ص ٤٠٤ و ٤٠٦.

(٢) راجع: المتعة للفكيكي ص ٦٦ حتى ص ٧٨.

٣٧٤
يخف على ابن مسعود، حتى يروي أنهم فعلوها، ويحتج بالآية..»(١).

وكذلك حديث عمران بن حصين، وسواه مما سيأتي في فصل النصوص والآثار ويتناقض أيضاً مع حديث الحسن البصري:

أن المتعة إنما أحلت في عمرة القضاء، ولم تحل قبلها ولا بعدها حسبما تقدم.

قول عمر يدفع حديث سبرة:

وقال ابن القيم أيضاً: «.. وأيضاً.. ولو صح، لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنا أنهى عنها، وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنه (صلى الله عليه وآله) حرمها، ونهى عنها»(٢).

فعلها على عهد أبي بكر ينافي حديث سبرة:

وقال: «قالوا: ولو صح لم تفعل على عهد الصديق، وهو

(١) زاد المعاد ج ٢ ص ١٨٤.

(٢) زاد المعاد ج ٢ ص ١٨٤.

٣٧٥
عهد خلافة النبوة حقاً»(١).

قول جابر ينقض حديث سبرة:

قال الشوكاني: يعكر على ما في حديث سبرة من التحريم المؤبد ما أخرجه مسلم وغيره عن جابر، قال: كنا نستمتع بالقبضة من الدقيق والتمر الأيام على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر، وصدراً من خلافة عمر، حتى نهانا عنها عمر في شأن حديث عمرو بن حريث.

فإنه يبعد كل البعد أن يجهل جمع من الصحابة النهي المؤبد الصادر عنه (صلى الله عليه وآله) في جمع كثير من الناس، ثم يستمرون على ذلك في حياته (صلى الله عليه وآله) وبعد موته حتى ينهاهم عنها عمر.

وقد أجيب عن حديث جابر هذا: بأنهم فعلوا ذلك في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم لم يبلغه النسخ حتى نهى عنها عمر. واعتقد أن الناس باقون على ذلك لعدم الناقل. وكذلك يحمل فعل غيره من الصحابة ولذا ساغ لعمر أن ينهى،

(١) زاد المعاد ج ٢ ص ١٨٤.

٣٧٦
ولهم الموافقة.

وهذا الجواب: وإن كان لا يخلو عن تعسف. ولكنه أوجب المصير إليه حديث سبرة الصحيح المصرح بالتحريم المؤبد(١).

ونقول:

أولاً:

إننا لا ندري كيف يمكن الأخذ بحديث سبرة هذا بعد أن توالت عليه العلل والأسقام التي ذكرنا شطراً كبيراً منها فيما سبق.

ثانياً:

الجواب التعسفي لا يصلح لأن يصار إليه في أي حالة من الحالات إذا أردنا أن نكون منصفين من الناحية العلمية.

فكيف إذا كان الداعي لذلك هو حديث متناقض ومتهافت، وغير صالح، كما هو الحال في حديث سبرة.

وأما سائر ما استند إليه الشوكاني لتأكيد التحريم، فيعلم حاله مما ذكرناه فيما سبق، ومما سنذكره في ثنايا هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

(١) نيل الأوطار ج ٦ ص ٢٧٤.

٣٧٧


الفصل الرابع
ما تبقى من روايات النسخ




٣٧٨
٣٧٩

النسخ عام أوطاس:

وأما بالنسبة لرواية النسخ عام أوطاس، فنقول: إن ذلك لا يصح، وذلك للأمور التالية:

أولاً:

هو خبر واحد، لا يصلح لنسخ حكم ثابت بالقرآن والسنة المتواترة.

ثانياً:

هو معارض بروايات النسخ في خيبر والفتح، وغير ذلك مما دل على التحريم المؤبد، وقد أشار الزرقاني إلى ذلك أيضاً(١).

ثالثاً:

هو معارض بأكثر من مائة رواية، عشرات منها صحاح تدل على بقاء هذا التشريع وعدم نسخه أصلاً.

رابعاً:

إذا كان التحريم عام أوطاس أمام جيش يعد

(١) شرح الموطأ للزرقاني ج ٣ ص ١٥٣.

٣٨٠