×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

زواج المتعة (ج 1) / الصفحات: ٣٨١ - ٤٠٠

بالألوف الكثيرة، لأن جيش حنين كـان يقارب الاثني عشر ألفاً ـ كما يقولون ـ فلماذا لم ينقل ذلك سوى ابن الأكوع وجابر، مع كون المسألة موضع ابتلاء، ومما تتوفر الدواعي على نقلها.

خامساً:

إن من القريب جداً تعرّض هذه الرواية للتحريف، فقد روي هذا الخبر عن سلمة بن الأكوع وجابر في مصادر كثيرة. ولم يذكر فيها عبارة «ثم نهى عنها». بل ذكر الإذن بالمتعة فقط، فلتراجع الرواية في مصادرها(١).

وذلك يجعلنا نحتمل أن تكون عبارة «ثم نهى عنها» من زيادات الرواة تبرعاً منهم ببيان ما جرى حسب اعتقادهم.

رخص تدل على قصر المدة:

وادعى البعض: «أن كلمة [رخص] بنفسها تدل على أن الحكم مدته لا تطول»(٢).

(١) راجع فصل: النسخ بالأخبار، تحت عنوان: من روايات التشريع في صدر الإسلام، الحديث الأول والثاني.

(٢) نكاح المتعة للأهدل ص٣٥٠.

٣٨١

ونقول:

إنه قد جاء التعبير بكلمة [رخص] في موارد كثيرة جداً من موارد الإباحة، فهل يصح القول بأن جميع تلك الموارد قد عادت إلى التحريم بعد مدة يسيرة؟!

فراجع: المعجم المفهرس لألفاظ السنة النبوية مادة «رخص» تجد صحة هذا القول.

النسخ عام أوطاس، أو عام الفتح:

هذا.. وقد ادعى البعض: أن روايات التحريم عام أوطاس، لا تنافي روايات التحريم عام الفتح لاتصالهما(١) لأن غزوة أوطاس كانت بعد غزوة الفتح بيسير، وهما في عام واحد،

(١) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج ٥ ص ١٣٠ و ج ١٢ ص ١٠٦ وأوجز المسالك ج ٩ ص ٤٠٦ و ٤٠٧ وبجيرمي على الخطيب ج ٣ ص ٢٢٦ ومرقاة المفاتيح ج ٣ ص ٤٢٢ وراجع: التمهيد ج ٩ ص ٩٩ وفتح الملك المعبود ج ٣ ص ٢٢٦ والبناية ج ٤ ص ١٠١ وفتح الباري ج ٩ ص ١٤٧ و ١٤٦ عن النووي وعون المعبود ج ٦ ص ٨٢ وشرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ١٨٠ و١٨١و١٨٢ والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج ٩ ص ٤٥٨وسبل السلام شرح بلوغ المرام ج ٣ ص ٢٦٦ وشرح الموطأ للزرقاني ج ٤ ص ١٩٣ وتحفة المحتاج ج ٧ ص ٢٢٤ وزاد المعاد ج ٢ ص ١٤٢ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٤٦ و ص ١٩٣ وراجع: الفواكه الدواني ج ٥ ص ٣٣ والهداية في شرح البداية ج ٦ ص ٥١٠ ونيل الأوطار ج ٦ ص ٢٧٢. وقال ابن خويز منداد وغيره: وإليه أشار ابن العربي. وراجع: المنتقى ج ٢ هامش ٥١٩.

٣٨٢
لا سيما بملاحظة: أن رواية أوطاس كرواية سبرة بن معبد، تصرح بأن الإذن كان لثلاثة أيام فقط.

وحيث إنه لم يثبت الإذن بالمتعة بعد غزوة أوطاس، فيثبت التحريم إلى الأبد.

فإن زعم زاعم:

أن رواية النهي في أوطاس، يمكن قراءة كلمة «نهي» بصيغة المجهول.. ويكون الناهي هو عمر بن الخطاب.

فالجواب:

أن المحفوظ عندنا «نهى» وقد جاءت بفتح الهاء، بل في كتاب بعضهم «نها» بالألف.

وحتى لو كانت بالبناء للمفعول؛ فيحتمل أن يكون الناهي هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويحتمل عمر. ورواية سبرة قد أوضحت: أن الناهي هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فتكون أولى من الرواية التي أبهمت ذلك، انتهى كلام ذلك البعض ملخصاً(١).

(١) راجع: السنن الكبرى ج ٧ ص ٢٠٤ ونصب الراية ج ٣ ص ١٧٧ وفتح الباري ج ٩ ص ١٤٩ وراجع ص ١٤٦ وذكر الزرقاني في شرح الموطأ ج ٤ ص ٤٦ شطراً من ذلك أيضاً.

٣٨٣

ونقول:

إن ذلك لا يمكن قبوله، وذلك للأمور التالية:

١ ـ لا اتصال بين الفتح و أوطاس:

قال العسقلاني: «فيه نظر، لأن الفتح كان في رمضان، ثم خرجوا إلى أوطاس في شوال، وفي سياق مسلم: أنهم «لم يخرجوا من مكة حتى حرمت»، وفي نص آخر: «إلى يوم القيامة»(١).

٢ ـ الفتح هو الأشهر والأذكر:

أما بالنسبة لكون أوطاس والفتح في عام واحد، فيصح التعبير بهذا تارة، وبذاك أخرى، لأن الغرض هو الإشارة إلى عام الحدث، لا إلى مناسبته ومكانه، وهو فتح مكة، ومكة نفسها، فإننا نقول:

إن ذلك لا يصح، لأن بعض روايات التحريم في يوم الفتح ـ كرواية مسلم وغيره ـ قد صرحت بأنهم لم يخرجوا من مكة

(١) فتح الباري ج ٩ ص ١٤٦.

٣٨٤
حتى حرمت، وأنه (صلى الله عليه وآله) قال: إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة(١).

وليس لأوطاس أهمية فتح مكة، فالعدول عن التعبير بفتح مكة، رغم أن الحدث قد كان في مكة. وفي نفس عام الفتح، ليس له ما يبرره. ولم نرهم قد عدلوا إلى هذا التعبير في مناسبات أخرى، مما وقع فيه الحدث في مكة، وفي مناسبة الفتح بالذات!!.

٣ ـ اتحاد رواية سلمة وسبرة لا يصح:

قولهم: إن رواية سلمة بن الأكوع بالإذن، والتحريم في أوطاس، تشبه رواية سبرة، من حيث إنها ذكرت: أن الإذن بالمتعة كان ثلاثة أيام، فتكونان رواية واحدة.. لا يصح..

لأن هذا لا يكفي لاستكشاف الوحدة المزعومة، بل تكونان متعارضتين من حيث الزمان والمكان، فإن الفتح كان في العشرين من شهر رمضان، وغزوة أوطاس كانت في شوال بعد الفتح بشهر، فكيف أحلها النبي (صلى الله عليه وآله) في

(١) فتح الباري ج ٩ ص ١٤٦، ونصب الراية ج ٣ ص ١٧٧ و ١٧٨.

٣٨٥
العشرين من شهر رمضان، ثم حرمها إلى يوم القيامة، ثم أحلها في العشرين من شهر شوال، ثم حرمها، إذا كان لم يحرمها إلا مرة واحدة؟! لا سيما وأن بعض روايات سبرة قد ذكرت أيضاً: أن التحليل كان يوماً واحداً فقط، حسبما رواه البيهقي(١).

٤ ـ الإذن بالمتعة ثابت بعد أوطاس:

أما بالنسبة إلى قول الزرقاني وغيره: يبعد أن يقع الإذن في أوطاس بعد التصريح قبلها في الفتح بأنها حرمت إلى يوم القيامة.

وقول البيهقي وغيره: لم يثبت الإذن فيها بعد غزوة أوطاس.

نقول:

أولاً:

إن البيهقي نفسه قد روى قبل أسطر من كلامه المتقدم عن سبرة: أنها حرمت في حجة الوداع بعد أن أحلت

(١) شرح الموطأ ج ٤ ص ٤٦ ونيل الأوطار ج ٦ ص ٢٧٣ وشرح صحيح مسلم للنووي ج ٩ ص ١٨٤ وفتح الملك المعبود ج ٣ ص ٢٢٦.

٣٨٦
ثلاثة أيام، وهي إنما كانت في آواخر حياة النبي (صلى الله عليه وآله).

ثانياً:

سيأتي في فصل النصوص والآثار الكثير من الروايات الصحيحة المصّرحة بأنها كانت حلالاً على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وعهد أبي بكر، وشطراً من خلافة عمر، وقد تقدم أن ابن القيم قال: «قالوا: لو صح لم تفعل على عهد الصديق، وهو عهد خلافة النبوة حقاً»(١).

٥ ـ لا ترجيح لرواية سبرة:

قولهم: إن روايات سبرة الموضحة لزمن النهي أولى بالإعتبار.

أيضاً، في غير محله، لأن رواية سبرة فيها الكثير من العلل، والعاهات، حسبما أشرنا إليه فيما تقدم.

كما أنها غير قادرة على مقاومة عشرات الروايات الصحيحة التي تعارضها، فضلاً عن غيرها مما دل على أن حلية هذا الزواج قد استمرت إلى زمن عمر، بل إلى ما بعده أيضاً، كما سنرى.

(١) زاد المعاد ج ٣ ص ١٨٤.

٣٨٧

النسخ في عمرة القضاء:

إن كثيراً من المؤاخذات التي ذكرناها فيما تقدم ترد على رواية نسخ زواج المتعة في عمرة القضاء، وتضعفها، ولأجل ذلك فنحن نقتصر هنا على ما يلي:

أولاً:

قد اعتبر السهيلي القول بنسخ المتعة في عمرة القضاء من الأمور الغريبة(١).

وقال غيره أيضاً: «من قال عمرة القضاء فواهم بلا شك»(٢).

ثانياً:

إن هذا القول ما هو إلا رواية مرسلة عن الحسن البصري، «ومراسيله ضعيفة، لأنه كان يأخذ عن كل أحد»(٣).

ثالثاً:

إنها معارضة بروايات النسخ يوم خيبر والفتح، وتبوك، وإلخ..

وقد قال النووي: ترده الأحاديث الثابتة في تحريمها يوم

(١) راجع: نصب الراية ج ٣ ص ١٧٩ والروض الأنف ج ٤ ص ٥٩ وفتح الباري ج٩ ص ١٤٥.

(٢) الهداية في شرح البداية ج ٦ ص ٥١٠.

(٣) شرح الزرقاني على موطأ مالك ج ٣ ص ١٥٣ ونيل الأوطار ج ٦ ص ٢٧٣. وعن فتح الباري ج٩ ص٧٥. وراجع: تهذيب التهذيب ج٢ ص٢٦٦.

٣٨٨
خيبر(١).

ورد الشوكاني على ذلك بقوله: «.. وعلى تقدير ثبوته، فلعله أراد أيام خيبر، لأنهما كانا في سنة واحدة»(٢).

ونقول في الجواب:

أ ـ إن هذا محض تخرص من الشوكاني، ليس له شاهد ولا دليل، وإنما يؤخذ بدلالات الكلام، لا بالاقتراحات، والافتراضات، والحدسيات..

ب ـ إن غزوة خيبر هي الحدث الأهم في تلك السنة، فلماذا يترك التعبير بكلمة خيبر عن أمر قد وقع فيها إلى تعابير أخرى، ليس لها مدخلية في هذا الأمر، ولا علاقة لها به..

ج ـ لماذا جاءت تعابيرهم عن المتعة على هذا النحو.. ولم ير ذلك في أي من الأحداث الأخرى التي وقعت في خيبر.

رابعاً:

قال العسقلاني: «أما عمرة القضاء، فلا يصح الأثر فيها»(٣).

(١) نيل الأوطار ج ٦ ص ٢٦٣.

(٢) راجع: شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ١٨١.

(٣) فتح الباري ج ٩ ص ١٤٦.

٣٨٩

النسخ في حجة الوداع:

وقد روي: أن النسخ كان في حجة الوداع، عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وعن سبرة بن معبد(١).

لكن ذلك لا يصح، ولا تثبت به حجة، وذلك لأمور عديدة عرفنا فيما سبق شطراً منها، ونذكر منها هنا ما يلي:

١ ـ قال القرطبي: «أما حديث سبرة الذي فيه إباحة النبي (صلى الله عليه وآله) لها في حجة الوداع فخارج عن معانيها كلها، وقد اعتبرنا هذا الحرف فلم نجده إلا في رواية عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز خاصة، وقد رواه إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وذكر أن ذلك كان في فتح مكة، وأنهم شكوا إليه العزبة فرخص لهم فيها»(٢).

٢ ـ وقالوا أيضاً: إن من الخطأ، بل من المحال أن يشكو الناس إليه العزبة في حجة الوداع لأنهم كانوا قد حجّوا بالنساء، وكان تزويج النساء بمكة يمكنهم. ولم يكونوا حينئذٍ كما كانوا في

(١) راجع: فصل النسخ بالأخبار تحت عنوان: روايات نسخ المتعة، الحديث رقم١ ورقم٤.

(٢) الجامع لأحكام القرآن ج ٥ ص ١٣١ و ١٣٢.

٣٩٠
الغزوات المتقدمة..(١).

٣ ـ هو خبر واحد لا يصح نسخ الكتاب والسنة القطعية المتواترة به.

٤ ـ إن ما رووه عن علي (عليه السلام) هنا يتعارض ويتنافى مع ما رووه عنه من النسخ في خيبر. ويتنافى ويتناقض مع ما رووه عنه من إصراره على بقاء هذا التشريع إلى يوم القيامة، حتى لقد قال: «لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي..».

وهو قول مشهور عنه (صلوات الله وسلامه عليه).

وما رووه عن سبرة يتعارض مع روايته نسخ هذا التشريع في يوم الفتح.. حيث صرح فيه بالتحريم المؤبد.

٥ ـ وقالوا: «تفرد عبد العزيز بذكر حجة الوداع يتعين توهيمه، وتوهيم المتفرد المخالف وإن كان ثقة، فكيف وقد تقرر أنه صدوق يخطىء.. ورواية عبد العزيز نقدها الحفاظ ووهموه

(١) شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ١٨٠، وأوجز المسالك ج ٩ ص ٤٠٧ والجامع لأحكام القرآن ج ٥ ص ١٣١ وفتح الباري ج ٩ ص ١٤٨ وراجع: شرح الموطأ للزرقاني ج ٤ ص ٤٦.

٣٩١
فيها الخ..»(١).

٦ ـ وقال ابن قيم الجوزية عن التحريم في حجة الوداع: «وهو وهم من بعض الرواة سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع، وسفر الوهم من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن واقعة إلى واقعة كثيراً ما يعرض للحفاظ إلخ..»(٢).

٧ ـ وقال المحمدي عن رواية ابي داود، من طريق اسماعيل بن أمية، عن الزهري، عن الربيع، أن النهي كان في حجة الوداع، قال: «.. قد تفرد بها إسماعيل، وهي شاذة»(٣).

تمحلات وتوجيهات لا تصح:

وقد حاول القرطبي، توجيه روايات النسخ في حجة الوداع بقوله:

(١) تحريم المتعة للمحمدي ص ١٦٧ عن الأهدل ص ١٥٥.

(٢) زاد المعاد ج ١ ص ١٨٣ وراجع: المنتقى ج ٢ ص ٢١٧ والهداية في تخريج أحاديث البداية ج ٦ ص ٥١٠ و ٥٠٩ والاعتصام بحبل الله المتين ج ٣ ص٣٠٤.

(٣) تحريم المتعة ص ١٦٧.

٣٩٢
«ويحتمل: أنه لما كانت عادة النبي (صلى الله عليه وآله) تكرير مثل هذا في مغازيه، وفي المواضع الجامعة ذكر تحريمها في حجة الوداع، لاجتماع الناس حتى يسمعه من لم يكن سمعه، فأكد ذلك حتى لا تبقى شبهة لأحد يدعي تحليلها..

ولأن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيراً»(١).

ونقول:

إن هذه الاحتمالات في غير محلها، وذلك لما يلي:

١ ـ إنه قد ادعى: أن من عادة النبي (صلى الله عليه وآله) تكرير مثل هذا في مغازيه.. ونحن نطالبه بإثبات أن هذا كان من عادته (صلى الله عليه وآله).

٢ ـ إن مضمون هذه الرواية منسجم ومتوافق مع مضمون رواية سبرة في يوم الفتح الأمر الذي يدل على وجود إذن فعلي في حجة الوداع بالمتعة..

٣ ـ إن ما فعله لم ينفع في رفع شبهة من يدعي تحليلها من الصحابة، فإنهم كثيرون كما سيأتي إن شاء الله تعالى..

(١) الجامع لأحكام القرآن ج ٥ ص ١٣١ و ١٣٢ وراجع: نيل الأوطار ج ٦ ص ٢٧٤. وراجع شرح النووي على صحيح مسلم ج ٩ ص ١٨٠ و ١٨١ وأوجز المسالك ج ٩ ص ٤٠٧ وفتح الباري ج ٩ ص ١٤٨.

٣٩٣
٤ ـ ما هو الدليل على أن أهل مكة كانوا يستعملون المتعة كثيراً آنئذ.

٥ ـ لو صح أن أهل مكة كانوا يستعملونها كثيراً لدل ذلك على أنها كانت حلالاً في حال الحضر والسفر على حدّ سواء، وهم يدعون أن تحليلها كان في السفر والغزو لأجل الضرورة..

نسخ الجواز حتى في السفر في تبوك:

وقد تقدم أنهم يقولون: إن النهي عن زواج المتعة إنما كان في تبوك، كما عن جابر، وأبي هريرة، وعلي (١).

وقد قال العسقلاني: «الحديث في قصة تبوك على نسخ الجواز في السفر، لأنه نهى عنها في أوائل إنشاء السفر، مع أنه كان سفراً بعيداً، والمشقة فيه شديدة كما صرّح به في الحديث في توبة كعب، وكان علة الإباحة وهي الحاجة الشديدة، انتهت من بعد فتح خيبر، وما بعدها»(٢).

(١) راجع فصل النسخ بالاخبار.. تحت عنوان روايات نسخ المتعة الحديث رقم ١ و٦ و٧.

(٢) فتح الباري ج ٩ ص ١٤٧.

٣٩٤
ثم زاد على ذلك قوله: إنه: «لما فتحت خيبر وسع عليهم من المال والسبي، فناسب النهي عن المتعة، لارتفاع سبب الإباحة، وكان ذلك في تمام شكر نعمة الله على التوسعة بعد الضيق.

أو كانت الإباحة إنما تقع في المغازي التي يكون في المسافة إليها بعد ومشقة، وخيبر بخلاف ذلك، لأنها بقرب المدينة، فوقع النهي عن المتعة فيها إشارة إلى ذلك من غير تقدم إذن فيها، ثم لما عادوا إلى سفرة بعيدة المدة، وهي غزوة الفتح، وشقت عليهم العزوبة أذن لهم في المتعة لكن مقيدة بثلاثة أيام فقط، دفعاً للحاجة، ثم نهاهم بعد انقضائها عنها كما سيأتي من رواية سلمة.

وهكذا يجاب عن كل سفرة ثبت فيها النهي بعد الإذن»(١).

ونقول:

إننا نسجل عليه المؤاخذات التالية:

١ ـ لا ندري كيف انتهت علة الإباحة، وهي الحاجة

(١) فتح الباري ج ٩ ص ١٤٨.

٣٩٥
الشديدة، بعد فتح خيبر، ولماذا لم تنته قبل ذلك في حرب بدر مثلاً، أو بعد ذلك في فتح مكة مثلاً. أو ما بين هذه وتلك.

وهل صحيح: أنه لم تعد ثمة حاجة شديدة إلى هذا الزواج؟!.

٢ ـ إذا كانت العلة، وهي الحاجة قد انتهت في فتح خيبر، فلماذا أذن لهم بالاستمتاع بعدها في فتح مكة، أو في أوطاس، أو حنين أو في تبوك أيضاً أو.. الخ..

٣ ـ لا ندري من أين عرف العسقلاني وغيره: أن جواز المتعة كان مقيداً بالسفر..

٤ ـ ولا ندري من أين علم هؤلاء، أيضاً أن علة الإباحة هي الحاجة الشديدة..

٥ ـ إذا كان الله عز وجل قد وسع على المسلمين في خيبر بالسبي والمال، فحرمت، فلماذا عاد إلى تحليلها وتحريمها يوم الفتح.

٦ ـ إذا كانت إنما تحرم في المغازي التي يكون في المسافة إليها بُعد ومشقة، فلماذا أبيحت قبل الشروع في غزوة تبوك ثم حرمت بمجرد الشروع فيها، مع أنها كانت أبعد الغزوات وأشقها..

٣٩٦
٧ ـ إننا لا نحتاج إلى التأكيد كثيراً على أن جابراً هو الذي يؤكد على التزام الصحابة بالعمل بالمتعة في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، وأبي بكر، وشطر من خلافة عمر.. فكيف يروي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد حرمها في تبوك..

٨ ـ وهكذا الحال بالنسبة لما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنه لم يكن في ذلك السفر.

كما أنه هو الذي يقول كما سيأتي لولا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي..

وهو الذي تزوج امرأة من بني نهشل في الكوفة متعة.

٩ ـ إن رواية أبي هريرة حتى لو كانت معها أيضاً رواية جابر، وأمير المؤمنين (عليه السلام)، تبقى ـ حسب قواعد هؤلاء القوم ـ خبر واحد لا يصح النسخ به لحكم ثبت بالكتاب والسنة المتواترة وإجماع الأمة.

١٠ ـ أضف إلى ذلك أنها تتعارض مع روايات النسخ في سائر المواضع كخيبر، وحجة الوداع وحنين، وغيرها مما دل على تأبيد التحريم.

٣٩٧
١١ ـ استغرب السهيلي هذا القول، حيث قال: «قد اختلف في تحريم نكاح المتعة، أغرب ما روي في ذلك رواية من قال: إن ذلك كان في غزوة تبوك، ثم رواية الحسن: إن ذلك كان في عمرة القضاء»(١).

كما أن الزرقاني قد ضعفه، فقال: «ثم تبوك.. وهو ضعيف، لأنه من رواية المؤمل بن إسماعيل عن عكرمة بن عمار، وفي كل منهما مقال»(٢).

١٢ ـ قال النووي: «وذكر غير مسلم عن علي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) نهى عنها في تبوك، من رواية إسحاق بن راشد، عن الزهري، عن عبد الله بن محمد بن علي، عن أبيه، عن علي. ولم يتابعه أحد على هذا. وهو غلط منه»(٣).

ضعف حديث جابر في المتعة في تبوك:

وبالنسبة لحديث جابر الذي يدعي أن تحريم المتعة قد

(١) الروض الأنف ج ٢ ص ٥٩ ونصب الراية ج ٣ ص ١٧٩ وفتح الباري ج ٩ ص١٤٥.

(٢) شرح الزرقاني على موطأ مالك ج ٤ ص ٤٦. وعن فتح الباري ج٩ ص٧٤.

(٣) تحريم المتعة للمحمدي ص١٦٩ عن شرح صحيح مسلم للنووي ج٩ ص ١٨٠.

٣٩٨
كان في غزوة تبوك.

نقول:

١ ـ إنه لا شك في ضعف سنده كما اعترفوا به(١).

٢ ـ وقالوا أيضاً: إنه معارض بما صح عن جابر: «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله، وأبي بكر، حتى نهى عمر في شأن عمرو بن حريث»(٢).

فهذا الحديث يدل على أن جابراً يرى أن النسخ لم يحصل حتى في عهد أبي بكر.

وحديثه في غزوة تبوك يدل على أن النسخ قد حصل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولذلك قال ـ كما رواه الحازمي ـ ولا نعود لها أبداً(٣).

تذكير لابد منه:

وبعد أن اتضح: أن النسخ في تبوك لا يصح، يصبح

(١) راجع: تحريم نكاح المتعة للأهدل ص١٨١ و١٨٢ وفي هامشه عن ابن حجر في تلخيص الحبير ٢/١/١٥٥ وعن فتح الباري ج٩ ص١٧٠ وراجع مجمع الزوائد ج٤ ص٢٦٤.

(٢) قد ذكرنا هذا الحديث في فصل: النصوص والآثار في مصادر أهل السنة.

(٣) الاعتبار ص١٤٠.

٣٩٩
واضحاً أيضاً عدم صحة ما زعموه من أن تسمية ثنية الوداع بهذا الاسم إنما هو لأنهم ودعوا فيها النساء المستمتع بهن في غزوة تبوك، بسبب نسخ تشريع المتعة(١)، نعم إن ذلك لا يصح، لأن النسخ في تبوك لم يقع بل هو لم يقع على الإطلاق.

تذكير آخر:

لقد وضع بعضهم جدولاً لأحاديث النسخ ورواتها.. واعتبر أن:

١ ـ حديث النسخ يوم خيبر في محرم سنة سبع عن علي (عليه السلام) صحيح.

٢ ـ وكذا حديث سبرة عن النسخ يوم الفتح في رمضان سنة ٨.

٣ ـ ومثلهما حديث سلمة بن الأكوع عن النسخ يوم أوطاس في محرم السنة الثامنة..

ونقول:

وقد عرفت أنها كلها لا تصح.

ثم اعتبر أن الأحاديث الضعيفة هي:

(١) فتح الباري ج ٩ ص ١٤٦.

٤٠٠