×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الزواج المؤقت في الإسلام / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة، مع كلّ واحد منّا برد، فبردي خلق، وأمّا برد ابن عمي فبرد جديد غضّ، حتى إذا كنّا بأسفل مكة، أو بأعلاها، فتلقّتنا فتاة مثل البكرة العنطنطنة، فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا، قالت: وما تبذلان؟ فنشر كلّ واحد منّا برده، فجعلت تنظر إلى الرجلين، ويراها صاحبي تنظر إلى عطفها، فقال: انّ برد هذا خلق وبردي جديد غض، فتقول: برد هذا لا بأس به، ثلاث مرار، أو مرّتين. ثمّ استمتعت منها، فلم أخرج حتى حرّمها رسول الله (ص)(١).

وفي رواية، قال رسول الله (ص): "يا أيّها الناس، إني كنت قد أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وانّ الله قد حرّم ذلك إلى يوم القيامة ...(٢).

١- صحيح مسلم : ١٠٢٤ باب نكاح المتعة; ومجمع الزوائد ٤ : ٢٦٤; وسنن البيهقي ٧ : ٢٠٢; والعنطنطنة كالعيطاء: الطويلة العنق في اعتدال وحسن قوام.

٢- صحيح مسلم : ١٠٢٥; وسنن الدارمي ٢ : ١٤٠; وسنن ابن ماجة : ٦٣١ ح١٩٦٢; مع اختلاف في لفظ الحديث في طبقات ابن سعد ٤ : ٣٤٨ نزل آخر عمره ذاالمروة وتوفي في خلافة معاوية.

٦١
وفي رواية، قال: رأيت رسول الله قائماً بين الركن والباب وهو يقول ...(١).

وفي رواية: أمرنا رسول الله بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكّة ثمّ لم نخرج حتّى نهانا عنها(٢).

وفي رواية: قد كنت استمتعت في عهد رسول الله امرأة من بني عامر ببردين أحمرين، ثمّ نهانا رسول الله عن المتعة(٣).

وفي رواية: أنّ رسول الله نهى يوم الفتح عن متعة النساء(٤).

وفي رواية: انّ رسول الله نهى عن المتعة وقال: إنها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة ...(٥).

وفي سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما واللفظ للأول

١- صحيح مسلم : ١٠٢٥; ومصنف ابن أبي شيبة ٤ : ٢٩٢ .

٢- صحيح مسلم : ١٠٢٥; وسنن البيهقي ٧ : ٢٠٢ و ٢٠٤.

٣- صحيح مسلم : ١٠٢٧; وسنن البيهقي ٧ : ٢٠٥; وقريب منه في صحيح مسلم : ١٠٢٦.

٤- صحيح مسلم : ١٠٢٨; ومصنف ابن أبي شيبة ٤ : ٢٩٢.

٥- صحيح مسلم : ١٠٢٧; وأكثر تفصيلا منه في المصنف لعبد الرزاق ٧ : ٥٠٦; وسنن البيهقي ٧ : ٢٠٣.

٦٢
عن ربيع بن سبرة، قال: أشهد على أبي إنّه حدّث إنّ رسول الله نهى عنها في حجة الوداع(١).

الحديث الرابع: في صحيح مسلم ومصنف ابن أبي شيبة ومسند أحمد وغيرها واللفظ للأول عن سلمة بن الأكوع، قال: رخّص رسول الله عام أوطاس في المتعة ثلاثاً ثمّ نهى عنها(٢). أوطاس واد بالطائف.

١٣ ـ علل هذه الأحاديث

١ ـ في حديث الإمام علي والذي حفلت به أمّهات كتب الحديث من صحاح ومسانيد وسنن ومصنفات وقد أخرجناه من أربعة عشر مصدراً منها، فيه نصّ على إنّ رسول الله حرّم في غزوة خيبر شيئين:

أ ـ نكاح المتعة.

١- سنن أبي داود ٢ : ٢٢٧ باب في نكاح المتعة; وسنن البيهقي ٧ : ٢٠٤ و ٢٠٥; وطبقات ابن سعد ٤ : ٣٤٨.

٢- صحيح مسلم : ١٠٢٣ ح١٤٠٥; ومصنف ابن أبي شيبة ٤ : ٢٩٢; ومسند أحمد ٤ : ٥٥; وسنن البيهقي ٧ : ٢٠٤; وفتح الباري ١١ : ٧٣.

٦٣
ب ـ أكل لحوم الحمر الأهلية أو الانسية.

وقد انحصر سند تحريم نكاح المتعة في خيبر بهذا الحديث، بينما ورد تحريم رسول الله لحوم الحمر الأهلية بخيبر في روايات أُخرى متعددة، وليس في أحدها أيّ ذكر أو إشارة إلى تحريم المتعة فيها، ونبحث في ما يلي عن كلا التحريمين:

أ ـ تحريم المتعة في خيبر:

إنّ تحريم رسول الله متعة النساء في غزوة خيبر غير موافق للواقع التاريخي يومذاك، كما صرّح به جماعة من العلماء، مثل ابن القيّم في فصل بحث زمن تحريم المتعة من كتابه زاد المعاد، قال: وقصّة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتعون باليهوديات، ولا استأذنوا في ذلك رسول الله، ولا نقله أحد قطّ في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكر البتة لا فعلا ولا تحريماً(١).

وقال: فانّ خيبر لم يكن فيها مسلمات، وانّما كنّ

١- زاد المعاد ٢ : ١٥٨ فصل في بحث زمن تحريم المتعة.

٦٤
يهوديات، وإباحة نساء أهل الكتاب لم يكن ثبت بعد، إنّما أُبحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: (اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ ... وَالـمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُم ... )(الآية٥)، وهذا كان في آخر الأمر بعد حجّة الوداع أو فيها، فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتة زمن خيبر ...(١).

وقال ابن حجر في شرح الحديث في باب غزوة خيبر: وليس يوم خيبر ظرفاً لمتعة النساء، لأنّه لم يقع في غزوة خيبر تمتّع بالنساء(٢).

ونقل في شرح الحديث من "باب نهي رسول الله عن نكاح المتعة أخيراً" عن السهيلي أنّه قال: ويتّصل بهذا الحديث تنبيه على إشكال، لأنّ فيه النهي عن نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أحد من أهل السير ورواة الأثر(٣).

ونقل ابن حجر ـ أيضاً ـ قول ابن القيّم الآنف الذكر(٤).

١- زاد المعاد ٢ : ٢٠٤ في فصل في إباحة متعة النساء ثمّ تحريمها.

٢- فتح الباري ٩ : ٢٢.

٣- فتح الباري ١١ : ٧٢ باب نهي رسول الله عن نكاح المتعة أخيراً.

٤- فتح الباري ١١ : ٧٤.

٦٥
هذا ما ذكروا عن تحريم متعة النساء يوم خيبر.

ب ـ تحريم لحوم الحمر الأهلية بخيبر:

روى ابن حجر عن ابن عبّاس أنّه استدلّ لإباحة الحمر الأهلية بقوله تعالى: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا اُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ...)(١).

قال المؤلف: لعلّ نهي رسول الله عن أكل لحوم الحمر الأهلية كان خاصّاً بالحمر الأهلية التي كانت في خيبر ولأحد الأسباب المذكورة في الروايات التالية:

في صحيح البخاري عن أبي أوفى، قال: أصابتنا مجاعة يوم خيبر، فإنّ القدور لتغلي، قال: وبعضها نضجت، فجاء منادي النبي (ص): لا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً وأهريقوها، قال ابن أبي أوفى: فتحدّثنا انّه انّما نهى عنها لأنّها لم تخمّس. وقال بعضهم: نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة(٢).

١- فتح الباري ١٢ : ٧٠ باب لحوم الخيل.

٢- البخاري، باب لحوم الخيل; شرح فتح الباري ٩ : ٢٢.

٦٦
ولعلّ السبب ما رواه أبو داود في كتاب الخراج من سننه باب تعشير أهل الذمّة، عن العرباض بن سارية السلمي(١) قال: نزلنا خيبر ومعه من معه من أصحابه، وكان صاحب خيبر رجلا مارداً منكراً، فأقبل إلى النبي (ص) فقال: يا محمد! ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا، فغضب ـ يعني النبي ـ وقال: "يا ابن عوف! اركب فرسك، ثمّ ناد: ألا إنّ الجنّة لا تحلّ لمؤمن، وأن اجتمعوا للصلاة" قال: فاجتمعوا، ثمّ صلّى بهم النبيّ (ص) ثمّ قام، فقال: "أيحسب أحدكم متّكئاً على أريكته قد يظنّ الله لم يحرّم شيئاً إلاّ ما في هذا القرآن، ألا وانّي وعظت وأمرت ونهيت عن أشياء انّها لمثل القرآن أو أكثر، وانّ الله لم يحلّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلاّ باذنهم ولا ضرب نسائهم، ولا أكل أثمارهم إذا أعطوكم

١- أبو نجيح عرباض بن سارية السلمي، روى عن طريقه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ٣١ حديثاً أخرجها أصحاب الصحاح غير البخاري ومسلم (ت: ٧٥هـ) أو في فتنة ابن الزبير; أُسد الغابة ٣ : ٣٩٩; وجوامع السيرة : ٢٨١; وتقريب التهذيب ٢ : ١٧.

٦٧
الذي عليهم(١).

على ما روى ابن أبي أوفى تحدّث أصحاب رسول الله عن سبب نهي رسول الله عن أكل لحوم الحمر الأهلية يومذاك، فقال بعضهم ممّن حضر الواقعة: إنّ النهي كان بسبب أنّهم لم يدفعوا خمسها، ويؤيد ذلك ما ورد في الغلول من أحاديث، أو أنها كانت نهبى كما ذكر ذلك في الحديث الآتي:

في سنن أبي داود عن رجل من الأنصار، قال: خرجنا مع رسول الله (ص) في سفر، فأصاب الناس حاجة شديدة وجهد، وأصابوا غنماً فانتهبوها، فانّ قدورنا لتغلي إذ جاء رسول الله (ص) يمشي على قوسه فاكفأ قدورنا بقوسه، ثمّ جعل يرمّل اللحم بالتراب، ثمّ قال: "إنّ النهبة ليست بأحلّ من الميتة"(٢).

وقال آخرون: إنّ النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية كان بسبب أنّها كانت تأكل العذرة.

١- سنن أبي داود ٢ : ٦٤ .

٢- سنن أبي داود ٣ : ٦٦ باب في النهي عن النهبى.

٦٨
وعلى أيٍّ فإنّ النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية كان خاصّاً بالحمر الأهلية التي كانت معهم في تلك الغزوة.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى تحريم نكاح المتعة في خيبر، فإنّ عرباض بن سارية حدّث أنّ اليهودي المارد المنكر شكا إلى رسول الله وقال: ألكم أن تذبحوا حمرنا وتأكلوا ثمرنا وتضربوا نساءنا؟ فجمعهم رسول الله وقال لهم: "إنّه لم يحلّ لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلاّ باذنهم، ولا ضرب نسائهم ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم ...".

وعلى هذا فانّ نهي رسول الله كان عن ضرب نساء أهل الكتاب الذين دفعوا الجزية خاصّة، ولم يكن نهياً عن مطلق نكاح المتعة.

يبدو انّ الأمر كان هكذا في غزوة خيبر، غير أنّ أحدهم ابتكر رواية رواها عن حفيدي الإمام عليّ ابني محمّد عن أبيهم محمّد عن أبيه الإمام عليّ، انّه قال لابن عبّاس حين رخّص في المتعة: "إنّك امرؤ تائه"، وأخبره بأنّ الرسول نهى يوم خيبر عن متعة النساء وعن لحوم

٦٩
الحمر الأهلية; ونسي هذا المبتكر انّ الإمام عليّاً هو الذي كان يقول: لولا انّ عمر نهى عن المتعة ما زنى الاّ شقي(١).

والبديع في الأمر أنّهم رووا هنا عن ابني محمد عن محمد عن الإمام عليّ رواية تحريم متعة النساء، وانّهم ركّبوا نفس السند على روايتهم أمر الإمام بافراد الحجّ عن العمرة، ولعلّ مبتكر الروايتين واحد.

٢ ـ وكذلك الأمر بالنسبة إلى ما رووا عن أبي ذر، فانّهم رووا عنه انّه قال: كانت المتعة في الحجّ لأصحاب محمد خاصة، وقال: كانت لنا رخصة، ورووا عنه في متعة النساء انّه قال: انّما حلّت لنا أصحاب رسول الله (ص) متعة النساء ثلاثة أيّام ثمّ نهى عنها رسول الله (ص).

وانّه قال: ان كانت المتعة لخوفنا ولحربنا.

ومن الغريب في روايتي أبي ذر هنا وهناك انّ في طريق كلتيهما ابراهيم التيمي وعبد الرحمن بن الأسود، شأن روايتي أبي ذر في السند شأن روايتي الإمام.

٣و٤ ـ امّا رواية سبرة الجهني فالصحيح فيها ما

١- سبق ذكر مصادره.

٧٠
أوردناه في أوّل الباب عن مسلم وأحمد والبيهقي: أنّ رسول الله أذن لهم بالمتعة، وأنّه تمتع من امرأة من بني عامر بردائه وكان معها ثلاثاً، ثمّ إنّ رسول الله قال: "من كان عنده شيء من هذه النساء التي يتمتع بها فليخلّ سبيلها". أي انّ الرسول أمرهم بفراق النسوة اللاتي تمتعوا بهنّ استعداداً للرحيل من مكّة، ثمّ جاء "المعذّرون" للخليفة عمر وحرّفوا لفظ هذه الرواية من "ليخلّ سبيلها" إلى "انّها حرام من يومكم هذا إلى يوم القيامة" وما شابهها من ألفاظ تدلّ على تأييد الحرمة، منذ يوم فتح مكّة، ولمّا كانت هذه الرواية تناقض روايات أُخرى نصّت على انّ التحريم كان قبل فتح مكة وفي يوم فتح خيبر مثلا، وروايات نصّت على انّ التجويز والتحريم كانا بعد فتح مكّة، وبما أنّهم التزموا بصحة جميع تلك الروايات المتناقضات، اضطرّوا أن يخترعوا جواباً لهذا التناقض، فنسبوا إلى التشريع الإسلامي ما هو براء منه، ونسبوا تكرار النسخ في هذه الواقعة كما يأتي بيانه.

٧١

١٤ ـ نسخ حكم المتعة مرّتين أو أكثر

عنون مسلم في صحيحه هذا الباب بقول "باب نكاح المتعة وبيان أنّه أُبيح ثمّ نسخ، ثمّ أُبيح ثمّ نسخ واستقرّ حكمه إلى يوم القيامة".

وقال ابن كثير في تفسيره: وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى انّه أُبيح ثمّ نسخ ثمّ أُبيح ثمّ نسخ مرّتين(١).

وقال ابن العربي كما يأتي تفصيل قوله: تداوله النسخ مرّتين ثمّ حرّم.

وأشار إلى ذلك الزمخشري في الكشّاف(٢).

وقال آخرون: إنّ النسخ وقع أكثر من مرّتين(٣).

والحقّ معهم، فانّه إن جاز لنا أن نقول بتكرّر النسخ في حكم واحد دفعاً لتناقض الأحاديث، فلابدّ لنا أن نقول بتكرّر النسخ على عدد الأحاديث المتناقضة.

وعلى هذا فقد صحّ ما نقله القرطبي بعد ايراده قول

١- تفسير ابن كثير ١ : ٤٧٤ بتفسير (فما استمتعتم ...).

٢- الكشاف ١ : ٥١٩.

٣- حسب إحصاء ابن رشد في بداية المجتهد ٢ : ٦٣ بلغت خمس مرّات.

٧٢
ابن العربي حيث قال: وقال غيره ممّن جمع طرق الأحاديث فيها: إنّها تقتضي التحليل والتحريم سبع مرّات، فروى ابن عمرة: أنّها كانت صدر الإسلام، وروى سلمة بن الأكوع: أنّها كانت عام أوطاس، ومن روايات علي تحريمها يوم خيبر، ومن رواية الربيع بن سبرة إباحتها يوم الفتح، وهذه الطرق كلّها في صحيح مسلم وفي غيره عن عليّ نهيه عنها في غزوة تبوك، وفي سنن أبي داود عن الربيع بن سبرة النهي في حجة الوداع، وذهب أبو داود إلى أنّ هذا أصحّ ما روي في ذلك، وقال عمرو عن الحسن: ما حلّت قبلها ولا بعدها، وروى هذا عن سبرة أيضاً، فهذه سبعة مواطن أُحلّت فيها المتعة ثمّ حُرّمت ...(١).

* * *

هكذا دفعهم التزامهم بصحة كلّ ما ورد في الكتب الموسومة بالصحة إلى القول بنسخ حكم المتعة في الشرع مرّات متعدّدة، ولنعم ما قاله ابن القيّم في هذا الصدد، حيث قال: وهذا النسخ لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ولا يقع

١- تفسير القرطبي ٥ : ١٣٠-١٣١.

٧٣
مثله فيها(١).

ومن السخف قول ابن العربي في هذا المقام حيث قال: أمّا هذا الباب فقد ثبت على غاية البيان ونهاية الاتقان في الناسخ والمنسوخ من الأحكام، وهي من غريب الشريعة، فانّه تداوله النسخ مرّتين ...(٢).

* * *

وبالاضافة إلى ما ذكرنا لست أدري كيف تصح واحدة من تلك الروايات مع ما تواتر نقله عن عمر(٣) أنّه قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما: متعة النساء، ومتعة الحجّ. وفي لفظ: وأُحرّمهما.

كيف تصح واحدة من تلك الروايات، وصحّ عن جابر أنّه قال: استمتعنا على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر. وفي رواية: حتى إذا كان في آخر خلافة عمر. وفي رواية: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيّام على عهد رسول

١- زاد المعاد ٢ : ٢٠٤.

٢- شرح الترمذي ٥ : ٤٨-٥١.

٣- سبق ذكر مصادره في أول بحث متعة الحج ومتعة النساء; وراجع زاد المعاد ٢ : ٢٠٥ .

٧٤
الله وأبي بكر حتى نهى عنه في شأن عمرو بن حريث(١).

كيف تصحّ واحدة من تلك الأحاديث ولم يسمع بها عمر ولا أحد من الصحابة ولا التابعين حتى عصر ابن الزبير، ولا كان عند أحد من المسلمين علم باحدى تلك الروايات في كلّ تلك العصور، وإلاّ لأسعفوا بها عمر فاستشهدوا بها وأسعفوا بها عصبة الخلافة حتى عهد ابن الزبير فاستشهدوا بها، في حين أنّ المعارضين أمثال ابن عبّاس وجابر وابن مسعود وغيرهم كانوا يجبهونهم بسنّة الرسول ويستشهد بعضهم الآخر على ذلك، فيسألون أسماء أمّ ابن الزبير، ويقول عليّ وابن عبّاس: لو لا نهي عمر لما زنى الاّ شقيّ، ولم يقل أحد بأنّ الرسول نهى عنها.

أجل انّ هذه الأحاديث وضعت احتساباً للخير، تأييداً لموقف عمر، ودفعاً للقالة عنه، كما وضعت أحاديث الأمر بافراد الحج والنهي عن العمرة احتساباً للخير ودفعاً للقالة عنه.

وهذا مثل ما وضعوا في فضائل سور القرآن احتساباً

١- مرّ ذكر مصادره في سبب تحريم عمر متعة النساء من هذا البحث.

٧٥
للخير.

ففي تقريب النواوي:(١) والواضعون أقسام، أعظمهم ضرراً قوم ينسبون إلى الزهد وضعوه حسبة في زعمهم، ثقةً موضوعاتهم فقبلت بهم.

وفي شرحه: ومن أمثلة ما وضع حسبة: ما رواه الحاكم بسنده إلى أبي عمّار المروزي، أنّه قيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم: من أين لك: عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إنّي رأيتُ الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة ...(٢).

وأنّ الأحاديث التي وضعت تأييداً لعمر في نهيه عن المتعتين من هذا القبيل، وخاصّة ما روي في نهي الرسول عن متعة النساء، نراها وضعت بعد عهد ابن الزبير وقبل عصر التدوين، أي في أُخريات القرن الأوّل وأوائل القرن

١- تقريب النواوي للحافظ محيي الدين النواوي.

٢- تدريب الراوي في شرح النواوي للسيوطي ١ : ٢٨٢.

٧٦
الثاني، لتبرير فعل عمر.

فوضع أحدهم حديثاً: في أنّ الرسول نهى عن متعة النساء في غزوة خيبر.

وآخر روى: انّه أباحها وحرّمها في عمرة القضية.

وثالث: أنّ ذلك كان في فتح مكة.

ورابع: رواها في أوطاس.

وخامس: في تبوك.

وسادس: في حجة الوداع(١).

وهكذا كلّ واحد أراد أن يقول: إنّ الاباحة والتحريم وقعا معاً في مكان وزمان خاص وعلى عهد رسول الله، ولهذا حرّمها عمر.

وهكذا تناقضت الأحاديث، فبحث العلماء عن مخرج لهذا التناقض، فلم يروا عذراً إلاّ في ما فيه انتقاص للشرع الإسلامي، فتقوّلوه وتمسّكوا به وإن كان فيه افتراء على الشرع، فقالوا: إنّ هذا الحكم أُبيح مرّتين، ونسخ مرّتين، وقالوا: أُبيح ونسخ أكثر من ذلك إلى سبع مرّات، لم

١- هكذا سلسلها ابن حجر في فتح الباري ١١ : ٧٣.

٧٧
يكترثوا بتوهين الإسلام مادام في ذلك المحافظة على القول بصحّة الأحاديث التي التزموا بصحّتها.

وقد انتفع علماء مدرسة الخلفاء بتلك الأحاديث في تأييد تحريم نكاح المتعة، مثل ما وقع ليحيى بن أكثم(١)والمأمون في أوائل القرن الثالث الهجري، كما رواه ابن خلكان عن محمّد بن منصور:

قال: كنّا مع المأمون في طريق الشام، فأمر فنودي بتحليل المتعة، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء: بكّرا غداً إليه، فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل.

قال: فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ:

١- أبو محمد يحيى بن أكثم المروزي، من ولد أكثم بن صيفي التميمي الأسيدي، ولاّه المتوكّل على قضاء القضاة وتدبير أهل مملكته، كان يرمى بعمل قوم لوط.

وقال فيه الشاعر:

متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها وقاضى قضاة المسلمين يلوط
وقال غيره:

قاض يرى الحد في الزناء ولا يرى على من يلوط من بأس

مات بالربذة في رجوعه من الحجّ إلى العراق سنة ١٤٢ هـ . وفيات الأعيان ٥ : ١٩٧-٢١٣.

٧٨
متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) وعلى عهد أبي بكر (رض) وأنا أنهى عنهما! ومن أنت يا جُعَل حتى تنهى عمّا فعله رسول الله (ص) وأبو بكر (رض)؟ فأومأ أبو العيناء إلى محمّد بن منصور وقال: رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلّمه نحن، فأمسكنا، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا، فقال المأمون ليحيى: ما لي أراك متغيّراً؟ فقال: هو غمّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام، قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا، قال: الزنا؟ قال: نعم المتعة زنا، قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله عزوجل، وحديث رسول الله (ص)، قال الله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَـ إلى قوله: ـ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَن ابْتَغَى وَرَاءَ ذلِكَ فَأؤلئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)، يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا، قال: فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال: لا، فقال: فقد صار متجاوز هذين من العادين.

وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله

٧٩