×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

زوجات النبي (ص) / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

٩ - السيدة جويرية بنت الحارث

نظرات في منطلقات الدعوة:

هي: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن مالك بن جزيمة، وجزيمة هو المصطلق من خزاعة. تزوجها مسافع بن صفوان. فقتل يوم المريسيع (١).

بعث الله تعالى رسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم بالإسلام.

وكليات هذا الدين موجودة في فطرة الإنسان. لهذا كانت الفطرة حجة بذاتها على الإنسان. لأن ينبوع دين الله فطرة الإنسان نفسه. والفطرة لا تتبدل أبداً لأنها من شهود الله يوم القيامة. وإنما يخطئ الإنسان في استعمالها. وعندما يتراكم الخطأ يفتقر الإنسان إلى الفطرة السليمة. ولازم ذلك عدم تعادل قواه الحسية الداخلية. ويستوجب ذلك اتباع الإنسان للواقع الذي يجده في الخارج. بمعنى: يتبع العقيدة التي تحقق له مطامعه وأهوائه وشهواته. ومن هنا أقام الله تعالى حجته على خلقه ببعث الأنبياء والرسل ومعهم الشريعة التي ترفع هذه الأثقال عن الناس وتسوقهم إلى صراط الله العزيز الحميد، والشريعة الإسلامية بصائر للناس يميزون بها أي

(١) الطبقات الكبرى ١١٦ / ٧.
٨١
الطرق يسلكونها لتؤدي بهم إلى الحياة الطيبة في الدنيا والسعادة في الآخرة. والباحث المنصف لا يمكن أن يقر قول البعض: إن الإسلام دين السيف. فكيف يقوم دين شعاره الاجتماعي هو اتباع الحق في الفكر والعمل على السيف والدماء وفرض الجهل والتخلف على العباد.

إن الله تعالى جهز الإنسان بقوة الغضب والشدة والقوة الفكرية التي تستخدم في مواقع الدفاع والدفاع حق مشروع ولقد دعا القرآن بإعداد العدة الدفاعية. والإسلام في جميع معاركه التي خاضها النبي صلى الله عليه وآله وسلم. كان ينطلق من دائرة الدفاع. ولقد أمر الله تعالى بالتجهيزات الحربية. وأمر تعالى بالحرب. وبين أمور أوجب الله تعالى رعايتها في الحروب الإسلامية حينما يواجه المسلمون جيش العدو.

وبالجملة: الدين الخاتم طريقة خاصة في الحياة. تؤمن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي الحياة الدائمة الحقيقية. وهذا الدين ليس إجبارياً. وعدم الإكراه في الدين أصيل في الكون. والدعوة الخاتمة أعلنت أن لا إكراه ولا إجبار من أحد لغيره على الدخول في دين الله. لأنه قد تبين الرشد من الغي. فمن كفر بعد هذا الإعلان فليتحمل نتيجة كفره.

وأعلنت الدعوة أن من يكفر بكل معبود سوى الله تعالى ويخلع الأنداد والأوثان ويؤمن بالله إيماناً حقاً. فقد ثبت أمره واستقام مع الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها. وأمسك من الدين بأقوى سبب وأحكم رباط. وأمام إعلان الدعوة الخاتمة تكاتفت قوى الطاغوت لفرض عبادة الأنداد والأوثان على عباد الله. متخذين كل وسيلة لتحقيق هذا الهدف.

ومؤسسات الصد عن سبيل الله. بدأت تمارس أعمالها منذ بعث الله تعالى رسوله الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم ومن مشاهير الأحداث بعد بعث الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. اضطهاد المشركين للذين آمنوا. ثم إخراجهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة. والهجرة أبلغ

٨٢
دليل على أن الإسلام لم يقف يوماً على أرضية المعتدي. وبعد الهجرة تكاتفت قريش لاستئصال المسلمين. فكانت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة. ثم غزوة أحد في السنة الثالثة، وفي السنة الرابعة من الهجرة نشطت أجهزة ومؤسسات الصد عن سبيل الله. فكانت أكثر من غزوة منها الغزوة المعروفة بذات الرقاع. وغزوته صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليهود من بني النضير. وغزوته إلى بني المصطلق. وفي هذه الغزوة تم سبي جويرية بنت الحارث سيد هذا البطن من خزاعة. وكان زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية بنت الحارث. أحد الأسباب الرئيسية التي قصمت ظهر جبهة الحرب التي كان أبو سفيان يعتمد عليها للصد عن سبيل الله. كما سيأتي. وفي السنة الخامسة كانت غزوة الخندق وغزوة اليهود من بني قريظة، وفي السنة السادسة كان صلح الحديبية الذي جاء على خلفية تصدع جبهة أبو سفيان بعد الغزوة إلى بني المصطلق، وبعد هذا التصدع وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرسل إلى كسرى وهرقل، وفي السنة السابعة كانت غزوة خيبر. وفيها جاء وفد المقوقس ومعه مارية القبطية أم إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك من هدايا المقوقس إليه. وفيها أيضاً كان قدوم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة. ومعه أولاده وزوجته وغيرهم من المسلمين مس كان بأرض الحبشة، وفي السنة الثامنة استشهد جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بأرض مؤتة من أرض البلقاء من أرض الشام وأعمال دمشق في وقعتهم مع الروم، وفي سنة ثمان من الهجرة كان افتتاح النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة. وفيها أيضاً كانت غزوة حنين وغزوة الطائف. وفي سنة تسع حج أبو بكر بالناس. وقرأ علي بن أبي طالب عليهم سورة براءة وأمر ألا يحج مشرك. وأنه لا يطوف بالبيت عريان، وفي سنة عشر حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع، وفي سنة إحدى عشر من الهجرة كانت وفاة النبي الأمي العربي القرشي
٨٣
الهاشمي المكي المدني صلى الله عليه وآله وسلم (١).

والباحث المنصف إذا تدبر في أسباب هذه الغزوات وغيرها في أصول أهل التواريخ والسير. لا يسعه إلا أن يقر بأن قتال الإسلام انطلق من دائرة الدفاع في المقام الأول. وإن هذا القتال كان حجة على البعض وامتحان وابتلاء للبعض الآخر، وبين دائرة الحجة ودائرة الامتحان والابتلاء فاز الشهداء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

زواجها:

وإذا تدبرنا في الأحداث. وجدنا أن زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجويرية بنت الحارث. قد حقق نتائج لا يحققها إلا جيش كامل العدد والعدة. ذكر ابن كثير: أن بني المصطلق كانوا أكبر بطون خزاعة.

وكانوا حلفاء لأبي سفيان بن حرب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكانوا ذو تأثير كبير على من حولهم من القبائل (٢) وكان زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية بنت الحارث سيد بني المصطلق من الأسباب الرئيسية لتصدع جبهة أبي سفيان بن حرب.

ولقد كان بنو المصطلق ضمن نسيج الصد عن سبيل الله. روى الطبري: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بني المصطلق يجتمعون له. وقائدهم الحارث بن ضرار أبو جويرية بنت الحارث. فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقول له: المريسيع. من ناحية قديد إلى الساحل. فتزاحف الناس واقتتلوا قتالاً شديداً. فهزم الله بني المصطلق. وقتل من قتل منهم. ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأموالهم. فأفاءهم الله

(١) أنظر / مروج الذهب / المسعودي ٣٠٥ / ٢.

(٢) البداية والنهاية ٢٩٥ / ٥.

٨٤
عليه. وروى الطبري: أصيب من بني المصطلق يومئذ ناس كثير. وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين: مالكاً وابنه. وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث (١).

وذكر ابن هشام في السيرة: لما أنصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث. دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة. وأمره بالاحتفاظ بها. وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء. فرغب في بعيرين منها.

فغيبهما في شعب من شعاب العقيق. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال: يا محمد. أصبتم ابنتي وهذا فداؤها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين البعيرين اللذين غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فوالله ما أطلع على ذلك إلا الله تعالى. فأسلم الحارث. وأسلم معه ابنان وناس من قومه. وأرسل إلى البعيرين فجاء بهما. فدفع الإبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودفعت إليه ابنته جويرية. فأسلمت. وخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها فزوجه إياها (٢).

وروى الحاكم عن عبد الله بن أبي الأبيض مولى جويرية عن أبيه قال: سبى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المصطلق فوقعت جويرية في السبي. فجاء أبوها فافتداها وأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم (٣).

وروي أن خبر زواج النبي صلى الله عليه وآله ذاع بين الناس. فأرسل

(١) تاريخ الأمم والملوك ٦٥ / ٣.

(٢) سيرة ابن هشام ٢٤٦ / ٤.

(٣) رواه الحاكم (المستدرك ٢٧ / ٤).

٨٥
المسلمين ما بأيديهم وأعتقوا نحو مائة أهل بيت من بني المصطلق.

وقالوا: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم (١). وروي عن عائشة قالت: فما نعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها (٢).

وبالجملة: كان زواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقدمة ترتب عليها إرسال المسلمين ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق. وقولهم:

أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعلى هذه الخلفية انتقل بنو المصطلق من خندق أعداء الدعوة إلى خندق حماية الدعوة. وبدؤوا يمارسون تأثيرهم على القبائل من حولهم ويؤمنون حركة الذين آمنوا وتجارتهم بين القبائل.

وبعد غزوة بني المصطلق تصدعت الجبهة السفيانية. وترتب على هذا التصدع صلح الحديبية. وعلى خلفيته انطلقت الدعوة برسائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى كسرى وقيصر. ثم اكتملت الثمار بفتح مكة.

لقد كان هتاف المؤمنين يوم غزوة بني المصطلق: أصهار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان هتاف بني المصطلق يوم الحديبية: نحن في عقد محمد وعهده (٣). ويمكن القول. إن زواج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان في أول العام السادس الهجري. كان ضربة قوية وجهت إلى ما يدور في عقل الجبهة السفيانية من إثارة الفتن والتشكيك في الدين من تحت لافتة نصرانية وقع في حبائلها عبيد الله بن جحش زوج أم حبيبة بالحبشة. وكان زواجه صلى الله عليه وسلم من

(١) الإستيعاب ٢٦٠ / ٤، ورواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (الزوائد ٢٥٠ / ٩).

(٢) رواه الحاكم (المستدرك ٢٧ / ٤).

(٣) تفسير الميزان ٢٦٨ / ١٨.

٨٦
جويرية بنت الحارث آخر العام السادس الهجري. ضربة قوية أخرى أصابت الجبهة السفيانية وتعدتها إلى قبائل أخرى.

وفاتها:

قال أبو عمر: توفيت جويرية سنة ست وخمسين (١). وروي أنها عاشت خمساً وستين سنة (٢).

(١) الإستيعاب ٢٦١ / ٤.

(٢) الإصابة ٢٦٦ / ٤.

٨٧

١٠ - السيدة صفية بنت حيي

تأملات في تابوت السكينة:

هي: صفية بنت حيي بن أخطب بن سعية بن عامر بن عبيد بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب بن النضير بن النحام بن ينحوم من بني إسرائيل من سبط هارون بن عمران عليه السلام، وأمها برة بنت سموأل أخت رفاعة بن سموأل من بني قريظة إخوة النضير (١).

وقال صاحب الإصابة: هي من سبط لاوى بن يعقوب ثم من ذرية هارون بن عمران أخي موسى عليهما السلام (٢) وقال أبو عمر: صفية بنت حيي من سبط هارون بن عمران عليه السلام (٣). وذكر ابن كثير في البداية والنهاية عند ذكره قصة موسى عليه السلام. إن تفسير الشريعة الموسوية كان لهارون وبنيه عليه السلام. وإن الله تعالى جعل هذا الحق لهم لا يشاركهم فيه أحد من بقية أسباط بني إسرائيل، والتوراة الحاضرة تقول بهذا (٤). ومفسروا أهل الكتاب يقرون بهذه الحقيقة ولا يختلفون عليها.

وذكرت التوراة الحاضرة. أن الله تعالى حدد لهارون وبنيه رداء

(١) الطبقات الكبرى ١٢٠ / ٧..

(٢) الإصابة ٣٤٦ / ٤.

(٣) الإستيعاب ٣٤٦ / ٤.

(٤) سفر اللاويين ٣ / ١٠.

٨٨
وملابس يلبسونها عند اجتماعهم في خيمة الاجتماع، وهي المكان الذي كان موسى عليه السلام يتعبد فيه ومنها تخرج تفسير الشريعة لبني إسرائيل. مما ورد في ذلك: قال الرب لموسى (تقدم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع، وتغسلهم بماء وتلبس هارون الثياب المقدسة وتمسحه وتقدسه ليكهن لي، وتقدم بنيه وتلبسهم أقمصة وتمسحهم كما مسحت أباهم ليكهنوا لي ويكون ذلك لتصير لهم مسحتهم كهنوتا أبدياً في أجيالهم) (١) وتذكر التوراة إن موسى عليه السلام فعل ما أمر به الله. ومما ورد في ذلك (فقدم موسى هارون وبنيه وغسلهم بماء. وجعل عليه القميص. وألبسه الجبة وجعل عليه الرداء... ووضع العمامة على رأسه... ومسحه لتقديسه... ثم قدم موسى بني هارون وألبسهم أقمصة... كما أمر الرب موسى) (٢).

وذكر مفسروا أهل الكتاب. إن المسح على هارون وبنيه يعني تطهيرهم بحيث لا يكون للشيطان فيهم نصيب، لأن من نسلهم يخرج الأنبياء، ولأن هارون وبنوه لهم وحدهم حق تفسير الشريعة. عصمهم الله من الخطأ وجعلهم إسوة حسنة ليقتدي بهم أسباط بني إسرائيل. ومما ورد في التوراة الحاضرة (وكلم الرب هارون قائلاً: خمراً ومسكراً لا تشرب أنت وبنوك معك... للتميز بين المقدس والمحلل وبين النجس والطاهر.

ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلم الرب بها بين موسى) (٣).

وتذكر التوراة الحاضرة اختلاف بني إسرائيل من بعد موسى وهارون عليهما السلام. وتفرقهم وانقلابهم على أبناء هارون عليهم السلام وقتل الأنبياء والربانيون منهم على امتداد المسيرة الإسرائيلية (٤) ولقد أشار القرآن

(١) سفر الخروج ٤٠ / ١١ - ١٥.

(٢) سفر اللاويين ٨ / ١ - ١٢.

(٣) المصدر السابق. ١٠ / ٨ - ١٠.

(٤) أنظر كتابنا / إبتلاءات الأمم. للمؤلف ط دار الهادي بيروت.

٨٩
الكريم إلى هذا الفساد وأخبر بأنهم اختلفوا وتفرقوا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم.

وعلى امتداد مساحة الافتراق ضاع كثير من الهدى، وبدل وأخفي الأكثر مما ترك آل موسى وآل هارون عليهم السلام، وشاء الله تعالى أن يبعث لهم طالوتاً ملكاً عليهم. لتطوق الحجة أعناق هذه الأجيال المعاندة وكان لطالوت علامات محددة يعرفونه بها. ومنها قوله تعالى (إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة. إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين) (١) قال ابن كثير:

عن عطية بن سعد قال: فيه عصا موسى وعصا هارون وثياب موسى وثياب هارون ورضاض الألواح (٢).

وبعد ظهور هذه الآيات وغيرها لم تلبث المسيرة الإسرائيلية حتى إختلفت وتفرقت بعد عهد سليمان عليه السلام. وتوارث أنبياء بني إسرائيل ثياب آل هارون على امتداد المسيرة وكانوا يفسرون الشريعة ويقيمون الحجة على امتداد الأجيال حتى بعث عيسى بن مريم عليهما السلام. وكانت مريم من آل هارون من سبط لاوى. (٣).

وبعد أن رفع الله المسيح بن مريم عليهما السلام. إحتوى اليهود النصارى بواسطة بولس. وعلى هذه الخلفية حمل اليهود بعض من بقية ما ترك آل موسى وآل هارون. وانتهى هذا الأثر إلى حيي بن أخطب الذي كان يتفاخر على اليهود بأنه من ذرية هارون عليه السلام. وكان اليهود في الحجاز يتباركون بما لديهم من آنية مقدسة تحمل معالم آل موسى وآل هارون.

(١) سورة البقرة آية ٢٤٨.

(٢) تفسير ابن كثير ٣٠١ / ١.

(٣) أنظر كتابنا إبتلاءات الأمم.

٩٠

حركة اليهود تجاه الدعوة الخاتمة

كانت طوائف من اليهود قد هاجرت من بلادها إلى الحجاز وتوطنوا بها وبنوا فيها الحصون والقلاع. وزادت نفوسهم وكثرت أموالهم وعظم أمرهم. وكان في مقدمة الذين هاجروا كبار الأحبار. وكانت مهمتهم تنحصر في البشارة بالنبي الخاتم الذي يبعثه الله من أرض الحجاز، وعندما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينصت الذين كفروا من بني إسرائيل لصوت الحجة الدامغة. وصدوا عن سبيل الله قال تعالى (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا. فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) (١).

ولما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة ودعاهم إلى الإسلام استنكفوا عن الإيمان به، وكان بالمدينة ثلاثة أبطن من اليهود:

بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة. وهؤلاء كانوا يقيمون في قراهم المحصنة. وتفرع من هذه البطون أقوام سكنوا خيبر وفدك ووادي القرى.

وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صالح اليهود وعاهدهم بكتاب بينه وبينهم. ولكن اليهود لم يحفظوا العهد ونقضوه. وكان هذا مقدمة لغزو النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقراهم المحصنة.

وروي أن بني قينقاع نكثوا العهد في غزوة بدر. فسار إليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد بضعة وعشرين يوماً من وقعة بدر. فتحصنوا حصونهم فحاصرهم أشد الحصار فبقوا على ذلك خمسة عشر يوماً. ثم نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفوسهم وأموالهم ونسائهم وذراريهم. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن

(١) سورة البقرة آية ٨٩.
٩١
يخرجوا من المدينة ولا يجاوروه بها. فخرجوا إلى أذرعات الشام ومعهم نسائهم وذراريهم. وقبض منهم أموالهم غنيمة الحرب.

أما بنو النضير. فلقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج إليهم في نفر من أصحابه بعد أشهر من غزوة بدر وكلمهم أن يعينوه في دية رجلين قتلهم عمرو بن أمية القمري. فقالوا: نفعل يا أبا القاسم. أجلس هنا حتى نقضي حاجتك. فخلا بعضهم ببعض. فتآمروا بقتله. واختاروا من بينهم عمرو بن جحاش أن يأخذ حجر فيصعد فيلقه على رأس النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويشدخه به. وحذرهم سلام بن مشكم وقال لهم: لا تفعلوا ذلك فوالله يخبرن بما هممتم به. وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه.

فجاءه الوحي وأخبره ربه بما هموا به. فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مجلسه مسرعاً وتوجه إلى المدينة. وقال لمحمد بن سلمة الأنصاري: إذهب إلى بني النضير فأخبرهم إن الله عز وجل قد أخبرني بما هممتم به من الغدر. فإما أن تخرجوا من بلدنا وإما أن تأذنوا لحرب.

فقالوا: نخرج من بلادك.

فبعث إليهم عبد الله بن أبي - وكان رأس النفاق يومئذ وكانوا حلفاؤه - لا تخرجوا وتقيموا وتنابذوا محمداً الحرب. فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي. فإن خرجتم خرجت معكم وإن قاتلتم قاتلت معكم، فأقاموا وأصلحوا بينهم حصونهم وتهيئوا للقتال. وبعث حيي بن أخطب ملك بني النضير إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إنا لا نخرج فاصنع ما أنت صانع.

فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكبر وكبر أصحابه.

وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحاط بحصنهم، وغدر بهم عبد الله بن أبي ولم ينصرهم. ولم ينصرهم حلفائهم من غطفان وبني

٩٢
قريظة. وعندما حاصرهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشد الحصار.

بعثوا إليه: يا محمد نخرج من بلادك فأعطنا مالنا. فقال: لا ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل. فلم يقبلوا ذلك. فبقوا أياماً. ثم قالوا:

نخرج ولنا ما حملت الإبل، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئاً. فمن وجدنا معه شيئاً من ذلك قتلناه. فخرجوا على ذلك. وروي عن ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حاصرهم حتى بلغ منهم كل مبلغ، فأعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن دمائهم وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم وأن يسيرهم إلى أذرعات بالشام. وجعل لكل ثلاثة منهم بعيراً وسقاء. فخرجوا إلى أذرعات بالشام وأريحا إلا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق، وآل حيي بن أخطب. فإنهم لحقوا بخيبر. ولحقت طائفة منهم بالحيرة (١).

أما بنو قريظة. فقد كانوا على الصلح والسلم حتى وقعت غزوة الخندق. وبداية الغدر صنعها حيي بن أخطب رئيس بني النضير الذي سمح له أن ينزل بخيبر. وروي أن حيي بن أخطب كان قد ركب إلى مكة.

وحث قريشاً على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وحزب الأحزاب.

وركب إلى بني قريظة وجاءهم في ديارهم يوسوس إليهم ويلح عليهم لنقض العهد ومناجزة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وعندما رضوا بما قاله لهم اشترطوا عليه أن يدخل في حصنهم فيصيبه ما أصابهم فقبل ودخل. فنقضوا العهد ومالوا إلى الأحزاب الذين حاصروا المدينة، ولقد روى كثير من المفسرين غدر بني قريظة وما حدث يوم الخندق منه ما روي عن محمد بن كعب القرظي وغيره من أصحاب السير. قالوا: كان من حديث الخندق. أن نفراً من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب في جماعة من بني النضير الذين أجلاهم رسول الله صلى الله عليه

(١) تفسير الميزان ٢٠٧ / ١٩.
٩٣
وآله وسلم. خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقالوا: إنا سنكون معكم عليهم حتى نستأصلهم. فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود. إنكم أهل الكتاب الأول.

فديننا خير أم دين محمد؟ قالوا: بل دينكم خير من دينه. فأنتم أولى بالحق منه. فسر قريشاً ما قالوا. ونشطوا بما دعوهم إليه فأجمعوا لذلك واستعدوا له. وفي هؤلاء أنزل الله تعالى (ألم تر إلى الذين أتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً - إلى قوله تعالى - وكفى بجهنم سعيراً).

ثم خرج أولئك النفر من اليهود حتى جاؤوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبروهم إنهم سيكونون عليه وأن قريشاً قد بايعوهم على ذلك. فأجابوهم فخرجت قريش وقائدهم أبو سفيان بن حرب. وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصين في فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ومسعر بن جبلة الأشجعي فيمن تابعه من الأشجع.

وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد. فأقبل طليحة فيمن اتبعه من بني أسد. وكتب قريش إلى رجال من بني سليم فأقبل أبو الأعور السلمي فيمن أتبعه من بني سليم مددا لقريش.

فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب الخندق على المدينة. وكان الذي أشار إليه سلمان الفارسي ولما فرغ رسول الله من الخندق. أقبلت قريش حتى نزلت بين الجرف (١) والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد. وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى

(١) وكان خارج المدينة.
٩٤
سلع (١) في ثلاثة آلاف من المسلمين. فضرب هناك عسكره. والخندق بينه وبين القوم (٢) وبعد أن نجحت دسائس اليهود وتحركت قريش وغيرهم، روي أن حيي بن أخطب النضيري خرج حتى أتى كعب بن أسيد القرظي صاحب بني قريظة. وكان قد وادع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قومه وعاهده على ذلك فلما سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه. فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه: يا كعب إفتح لي.

فقال: ويحك يا حيي. إنك رجل مشؤوم. إني قد عاهدت محمداً ولست بناقض ما بيني وبينه. ولم أر منه إلا وفاء وصدقاً. قال: ويحك إفتح لي حمى أكلمك. ففتح له: فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وببحر طام (٣) جئتك بقريش على قادتها وسادتها. وبغطفان على سادتها وقادتها.

قد عاهدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمداً ومن معه.

فلم يزل حيي بكعب. يفتل منه في الذروة والغارب (٤) حتى سمح له على أن أعطاه عهداً وميثاقاً لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً، أن أدخل معك في حصنك. حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

٩ وفي غزوة الأحزاب أخزى الله تعالى الذين إجتمعوا على قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفي هذه الغزوة قتل علي بن أبي طالب عمرو بن عبد ود. فلم يبق بيت من بيوت المشركين إلا قد دخله وهن بقتل عمرو، ولم يبق بيت من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عز بقتل

(١) جبل بالمدينة.

(٢) تفسير الميزان ٣٠٠ / ١٦.

(٣) الطام: البحر العظيم.

(٤) الذروة والغارب / أعلى الشئ وأصله. مأخوذ من فتل ذروة البعير المصعب وغاربه. لوضع الخطام في أنفه.

٩٥
كتاب زوجات النبي (ص) لـ سعيد أيوب (ص ٩٦ - ص ١٢٠)
٩٦
بيننا وبين محمد. فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلاً يهمنا. وإن نظهر لنجدن النساء والأبناء. فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين. فما خير في العيش بعدهم.

قال: فإن أبيتم على هذه فإن الليلة ليلة السبت. وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنوا فيها فانزلوا فعلنا نصيب منهم غرة. فقالوا: نفسد سبتنا؟ ونحدث فيه ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من المسخ؟ فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازماً (١).

وروي أن بني قريظة اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سألوه أن يحكم فيهم رجلاً: اختاروا من شئتم من أصحابي. فاختاروا سعد بن معاذ فرضي بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلوا على حكم سعد بن معاذ. فأحضر سعد وكان جريحاً ولما كلم سعد رحمه الله في أمرهم قال: لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائم. ثم حكم فيهم بقتل الرجال وسبي النساء والذراري وأخذ الأموال. فأجرى عليهم ما حكم به سعد.

وأتى بحيي بن أخطب عدو الله مجموعة يداه إلى عنقه. فلما بصر برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: أما والله ما لمت نفسي على عداوتك. ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم قال: يا أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله. كتاب الله وقدره ملحمة على بني إسرائيل. ثم جلس فضرب عنقه.

وأخرج كعب بن أسيد مجموعة يداه إلى عنقه. فلما نظر إليه

(١) تفسير الميزان ٣٠٢ / ١٦.
٩٧
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: يا كعب أما نفعك وصية ابن الحواس الحبر الذكي. الذي قدم عليكم من الشام فقال: تركت الخمر والخمير وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث. مخرجه بمكة ومهاجرته في هذه البحيرة. يجتزي بالكسيرات والتميرات، ويركب الحمار العري، في عينه حمرة. وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه، لا يبالي من لاقى منكم، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر. فقال كعب: قد كان ذلك يا محمد. ولولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لآمنت بك وصدقتك. ولكني على دين اليهود. عليه أحيا وعليه أموت. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قدموه وأضربوا عنقه. فضربت (١).

فقتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وفيهم أنزل الله عز وجل (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقاً تقتلون وتأسرون فريقاً. وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضاً لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديراً) (٢).

وبالجملة: قتل حيي بن أخطب الذي ينتهي نسبه إلى هارون عليه السلام. والذي كان يتفاخر على اليهود بهذا النسب. قتل بعد أن ركب طريق الحسد والحقد. كان يعتقد بأن أمير السلام الذي ينتظره اليهود لا بد وأن يأتي من النسل الذي يمثله حيي بن أخطب. ومن أجل الاحتفاظ بهذا الوهم. وضع العقبات أمام الدعوة الخاتمة الذي لم يبعث رسولها وفقاً لأهواء بني إسرائيل.

الطريق إلى الكساء الخيبري

كانت خيبر وقرية فدك من مراكز اليهود بالحجاز. وكانت خيبر

(١) تفسير الميزان ٣٠٢ / ١٦.

(٢) سورة الأحزاب آية ٢٧.

٩٨
الوعاء الذي يجمع أقارب وأصهار حيي بن أخطب الذي ينتهي نسبه إلى هارون عليه السلام. وفي خيبر كانت صفية بنت حيي تحت كنانة بن الربيع ابن أبي الحقيق. ووراء حصون خيبر كان يوجد الكثير من تراث بني إسرائيل الذي يشهد بنبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم.

وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم أن يهود خيبر يعدون العدة لشحن قبائل العرب عليه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: تجهزوا إلى هذه القرية الظالم أهلها. يعني خيبر. فإن الله عز وجل فاتحها عليكم إن شاء الله (١) وعن أبي طلحة قال: صبح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر.

وقد أخذوا مساحيهم وغدوا إلى حروثهم. فلما رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم معه الجيش نكصوا مدبرين. فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر. خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (٢).

وروى ابن إسحاق بإسناده إلى أبي مروان الأسلمي عن أبيه عن جده قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إلى خيبر. حتى إذا كنا قريباً منها وأشرفنا عليها قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

قفوا. فوقف الناس فقال: اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن. ورب الشياطين وما أضللن. إنا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها. ونعوذ بك من شر هذه القرية وشر أهلها وشر ما فيها. أقدموا بسم الله (٣).

ووقف اليهود وراء حصونهم. وعن بريدة قال: حاصرنا خيبر. فأخذ اللواء أبو بكر فانصرف ولم يفتح له. ثم أخذه من الغد عمر فخرج. فرجع

(١) رواه أحمد وقال الهيثمي رجال ثقات (الزوائد ١٤٧ / ٦).

(٢) رواه أحمد وقال الهيثمي رجاله رجال الصحيح (الزوائد ١٤٩ / ٦).

(٣) تفسير الميزان ٣٩٤ / ١٨.

٩٩
ولم يفتح له. وأصاب الناس يومئذ شدة وجهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني دافع اللواء غداً إلى رجل يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله. لا يرجع حتى يفتح له، قال بريدة: وبتنا طيبة أنفسنا أن الفتح غدا. فلما أن أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم. صلى الغداة ثم قام قائماً. فدعا باللواء والناس على مصافهم. فدعا علياً بن أبي طالب وهو أرمد فتفل في عينيه ودفع إليه اللواء. وفتح له. قال بريدة: وأنا فيمن تطاول لها (١).

وعن أبي سعيد الخدري إن رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخذ الراية فهزها ثم قال: من يأخذها بحقها فجاء فلان فقال: أمط (كلمة زجر) ثم جاء رجل آخر فقال: أمط. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي كرم وجه محمد صلى الله عليه وسلم لأعطينها رجلاً لا يفر. هاك يا علي.

فانطلق حتى يفتح الله عليك (٢).

وروى الإمام أحمد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر (لأدفعن الراية إلى رجل يحب الله ورسوله - وزاد في رواية: ويحبه الله ورسوله - يفتح الله عليه، فقال عمر بن الخطاب: فما أحببت الإمارة قبل يومئذ. فتطاولت لها واستشرفت رجاء أن يدفعها إلي. فلما كان الغد.

دعا علياً عليه السلام. فدفعها إليه. فقال: قاتل ولا تلتفت حتى يفتح عليك. فسار علي بن أبي طالب قريباً. ولم يلتفت. ثم قال: يا رسول الله علام أقاتل. قال: حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل (٣).

(١) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح قال الهيثمي (الزوائد ١٥٣ / ٦).

(٢) رواه أحمد ورجاله ثقات قال الهيثمي (الزوائد ١٥١ / ٦).

(٣) رواه أحمد. وقال في الفتح الرباني رواه مسلم بلفظ متقارب. والبيهقي (الفتح الرباني ١٢٢ / ٢٣).

١٠٠