×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبع مسائل فقهيّة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ عند الكلام في استحباب صيام الأيام التي تتجدّد فيها نعم الله على عباده ـ ما هذا لفظه: "إنّ من أعظم نعم الله على هذه الأُمّة إظهار محمد (صلى الله عليه وآله) وبعثه وإرساله إليهم، كما قال الله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فصيام يوم تجدّدت فيه هذه النعمة من الله سبحانه على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجدّدها بالشكر"(١).

٢ ـ روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال: قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألوا عن ذلك؟ فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) : "نحن أولى بموسى منكم" فأمر بصومه(٢).

وقد استدلّ ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعيّة الاحتفال بالمولد النبوي على ما نقله الحافظ السيوطي، فقال: "فيستفاد فعل الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة ويعاد ذلك، نظر ذلك اليوم من كلّ سنة. والشكر لله يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبيّ الرحمة في ذلك اليوم"(٣).

٣ ـ وللسيوطي أيضاً كلام آخر نأتي بنصّه، يقول: "وقد ظهر لي

١- ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف: ٩٨.

٢- مسلم، الصحيح: ١١٣٠ ـ وأخرجه البخاري ٧: ٢١٥.

٣- السيوطي، الحاوي للفتاوي ١: ١٩٦.

٢١
تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنّه قد ورد أنّ جدّه عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرّة ثانية، فيحمل ذلك على أنّ الذي فعله النبي (صلى الله عليه وآله) إظهار للشكر على إيجاد الله إيّاه رحمة للعالمين وتشريع لأُمّته كما كان يصلّي على نفسه، لذلك فيستحبّ لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات"(١).

٤ ـ أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب انّ رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً؟ فقال: أي آية؟ قال: (اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلامَ دِيناً) (المائدة/٣).

فقال عمر: إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قائم بعرفة يوم الجمعة(٢).

وأخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال: فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة، وقال الترمذي: وهو صحيح(٣).

"وفي هذا الأثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة عيداً لأنّ الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة كان موسماً لشكر تلك

١- السيوطي، الحاوي للفتاوي ١: ١٩٦.

٢ و ٣- البخاري ٨: ٢٧٠ ـ وكما أخرجه الترمذي في ٥: ٢٥٠ وفي الروايات المتضافرة انّها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجّة الوداع.

٢٢
النعمة، وفرصة لإظهار الفرح والسرور"(١).

نرى أنّ المسيح عندما دعا ربّه أن ينزل مائدة عليه وعلى حواريه قال: (اَللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لاَِوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة/١١٤). فقد اتّخذ يوم نزول النعمة المادية التي تشبع البطون عيداً، والرسول الأكرم نعمة عظيمة منّ بها الله على المسلمين بميلاده، فلم لا نتّخذه يوم فرح وسرور؟

الإستدلال بالإجماع

ذكروا أنّ أوّل من أقام المولد هو الملك المظفر صاحب اربل، وقد توفي عام ٣٠٦ هـ، وربما يقال أوّل من أحدثه بالقاهرة الخلفاء الفاطميون، أوّلهم المعجز لدين الله، توجه من المغرب إلى مصر في شوال ١٦٣ هـ، وقيل في ذلك غيره، وعلى أيّ تقدير فقد احتفل المسلمون حقباً وأعواماً من دون أن يعترض عليهم أحد، وعلى أيّ حال فقد تحقّق الإجماع على جوازه وتسويغه واستحبابه قبل أن يولد باذر هذه الشكوك، فلماذا لم يكن هذا الإجماع حجّة؟ مع أنّ اتّفاق الأُمّة بنفسه أحد الأدلّة، وكانت السيرة على تبجيل مولد النبيّ إلى أن جاء ابن تيمية، والعزّ بن عبد السلام(٢)، والشاطبي فناقشوا فيه ووصفوه بالبدعة، مع أنّ الإجماع انعقد قبل هؤلاء بقرنين أو قرون، أو ليس انعقاد الإجماع

١- عيسى الحميري، بلوغ المأمول: ٢٩.

٢- هو عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي (٥٧٧ ـ ٦٦٠ هـ) فقيه شافعي، له من الكتب "التفسيرالكبير" و "مسائل الطريقة" وغيرها (أعلام الزرگلي ٤:٢١ ط دار الملايين، بيروت.

٢٣
في عصر من العصور حجّة بنفسه؟

أوهام وتشكيكات

إنّ للقائلين بالمنع تشكيكات وشبه كلّها سراب، نذكرها بنصوصها:

أ ـ الاحتفال نوع من العبادة

قال محمد حامد الفقي: "والمواليد والذكريات التي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم"(١).

يلاحظ عليه: أنّ العنصر المقوّم لصدق العبادة على العمل هو الاعتقاد بإلوهية المعظّم له أو ربوبيّته، أو كونه مالك لمصير المعظِّم المحتفل، وأنّ بيده عاجله وآجله، ومنافعه ومضارّه ولا أقل، بيده مفاتيح المغفرة والشفاعة.

وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر، واحتفل بذكرى رجل ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية المحتفلين، فلا يعدّ ذلك عبادة له، وإن أُقيمت له عشرات الاحتفالات، وأُلقيت فيها القصائد والخطب.

ومن المعلوم أنّ المحتفلين المسلمين يعتقدون أنّ النبيّ الأكرم عبد من عباد الله الصالحين، وفي الوقت نفسه هو أفضل الخليقة، ونعمة من الله إليهم، فلأجل تكريمه يقيمون الاحتفال أداءً لشكر النعمة.

١- محمد حامد الفقي في تعليقه على فتح المجيد: ١٥٤.

٢٤

ب ـ لم يحتفل السلف بمولد النبي

قال ابن تيمية: إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ أحقّ به منّا، فانّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص(١).

يلاحظ عليه: بما تعرّفت عليه في الفصل الرابع من أنّ المقياس في السنّة والبدعة هو الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين أو السيرة العملية المتّصلة بعصر النبيّ، وأمّا غير ذلك فليس له وزن ولا قيمة ما لم يعتمد على هذه الأُصول الأربعة، ولم يكن السلف أنبياءً ولا رسلا، وليس الخلف بأقلّ منهم، بل الجميع أمام الكتاب وأمام السنّة سواسية، فلو كان هناك دليل من الكتاب والسنّة على جواز الاحتفال; فترك السلف لا يكون مانعاً، على أنّ ترك السلف لم يكن مقارناً بتحريم الاحتفال أو كراهيّته فغاية ما هناك أنّهم لم يفعلوا، وقد أمر الله بما في هذه الآية: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (الحشر/٧) ولم يقل في حقّ النبي "وما تركه فانتهوا عنه" فكيف الحال في حقّ السلف؟!

ج ـ إنّها مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح

يقول ابن تيمية: وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح (عليه السلام) ، وإمّا محبّة للنبي وتعظيماً له والله قد يثيبهم على هذه المحبّة والاجتهاد لا على البدع(٢).

يلاحظ عليه: أنّ ابن تيمية ليس على يقين بأنّ المسلمين يقيمون

١- اقتضاء الصراط المستقيم: ٢٩٣ ـ ٢٩٤.

٢- ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم: ٢٩٣.

٢٥
الاحتفال مضاهاةً للنصارى، أضف إلى ذلك أنّ الأساس الذي يجب أن يبنى عليه عمل المسلم هو انطباق العمل على الكتاب والسنّة، فلا تكون المضاهاة مانعة عن اتّباع الكتاب والسنّة، وإن افترضنا انّ أوّل من احتفل، احتفل مضاهاةً إلاّ أنّ المحتفلين في هذه القرون براء من هذه التهمة.

تخصيص المولد بيوم للاحتفال به بدعة

إنّ عموم الدليل يقتضي أن تكون جميع الأيام بالنسبة للاحتفال سواسية، فتخصيص يوم واحد في جميع البلاد بالاحتفال بدعة، وإن لم يكن أصل العمل بدعة(١).

هذا هو الدليل الهام للقائلين بالمنع، ولكن الجواب عنه واضح، وذلك لأنّ جميع الأيام بالنسبة إلى الاحتفال وإن كانت سواسية إلاّ أنّ تخصيص يوم واحد للاحتفال به، لأجل خصوصيات في ذلك اليوم، وليست في غيره إلاّ ما شذّ، وهو أنّ ذلك اليوم تشرّف بولادته، فهو من أفضل الأيام، كما أنّ البقعة التي ضمّت جسده الشريف هي من أفضل البقاع، ومن ثمّ خصّ النبيّ الأكرم يوم الاثنين بفضيلة الصوم، وبيّن أنّ سبب التخصيص هو أنّه (صلى الله عليه وآله) ولد فيه، فصار كلّ ذلك سبباً لاختيار هذا اليوم دون سائر الأيام، نعم في وسعهم الاحتفال في غير هذا اليوم أيضاً، بل كلّ يوم أرادوا تكريم النبي والاحتفال به.

ثمّ إنّ الذي نلفت نظر القائل بالمنع إليه، هو أنّه لم يقترن ولن

١- صالح الفوزان، البدعة: ١٧.

٢٦
يقترن ادّعاء ورود الأمر الشخصي على هذا التخصيص، وانّما الكلّ يتّفق على جواز الاحتفال في جميع الأيام، غير أنّ تخصيص ذلك اليوم هو لأجل خصوصية كامنة فيه.

نعم من احتفل في مولد النبي وادّعى ورود الشرع به، أو حثّه على هذا التخصيص فهو مبتدع، ولا أظن على أديم الأرض رجلا يدّعي ذلك.

وبعبارة موجزة; فانّ كون الاحتفال بدعة رهن أمرين; وكلاهما منتفيان:

١ ـ عدم الدليل العام على الاحتفال.

٢ ـ ادّعاء ورود الشرع بذلك اليوم الخاص وحثّه عليه.

فعندئذ فلا معنى لادّعاء البدعة.

هـ ـ الاحتفالات تشتمل على أُمور محرّمة

إنّ هذه الاحتفالات مشتملة على أُمور محرّمة في الغالب، كاختلاط النساء بالرجال، وقراءة المدائح مع الموسيقى والغناء(١).

يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الاستدلال ينمّ عن قصور باع المستدل، وهذا يدلّ على أنّه قد أعوزه الدليل، فأخذ يتمسّك بالطحلب شأن الغريق المتمسّك به.

فإنّ البحث في نفس مشروعية العمل بحد ذاتها، وأمّا الأُمور الجانبية العارضة عليه فلا تكون مانعاً من الحكم بالجواز، وما ذكره لا

١- ابن الحاج، المدخل ٢: ٢.

٢٧
يختصّ بالاحتفال، بل كلّ عمل يجب أن يكون بعيداً عن المحرّمات، فعلى المحتفلين أن يلتزموا بذلك، ويجعلوا مجالسهم مهبطاً للنور.

وفي الختام نركز على أمر وهو، أنّ الاستدلال على الجواز أو المنع بالأُمور الجانبية خروج عن الاستدلال الفقهي، فانّ الحكم بالجواز والمنع ذاتاً يتوقّف على كون الشيء بما هو هو جائزاً أو ممنوعاً، وأمّا الاستدلال على أحدهما بالأُمور الطارئة فليس استدلالا صحيحاً.

وهناك نكتة أُخرى، وهي أنّ الاستدلال على الجواز بما جرت عليه سيرة العقلاء من إقامة الاحتفالات على عظمائهم قياس مع الفارق، لأنّ الاحتفالات الرائجة بين العقلاء من الأُمور العادية، والأصل فيها هو الحلّية، وأمّا الاحتفال بمولد النبي فإنّما هو احتفال ديني، وعمل شرعي، فلا يقاس بتلك الاحتفالات، بل لابدّ من طلب دليل شرعي على جوازه، وبذلك تقدر على القضاء بين أدلّة الطرفين.

نعم لا يمكن أن ننكر أنّ ما يقيمه العقلاء من احتفال يؤثر في نفوسنا ويحفزنا للإقبال على الاحتفال بمولد النبي، وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الأميني:

"لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات، والجري على مراسم النهضات الدينية، أو الشعبية العامة، والحوادث العالمية الاجتماعية، وما يقع من الطوارق المهمّة في الطوائف والأحياء، بعدِّ سنيها، واتّخاذ رأس كلّ سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً، أو مآتماً وأحزاناً، وإقامة الحفل السارّ، أو التأبين، من الشعائر المطردة، والعادات الجارية منذ القدم، ودعمتها الطبيعة البشرية، وأسّستها الفكرة الصالحة لدى الأُمم

٢٨
الغابرة، عند كلّ أُمة ونحلة، قبل الجاهلية وبعدها، وهلمّ جرّاً حتى اليوم.

هذه مراسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الإسلام وقبله، سجّلها التاريخ في صفحاته.

وكأنَّ هذه السُنّة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحبّ والعاطفة، وتسقى من منابع الحياة، وتتفرع على أُصول التبجيل والتجليل، والتقدير والإعجاب، لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملأ، وعُظماء الأُمة إحياءً لذكراهم، وتخليداً لأسمائهم، وفيها فوائد تاريخية اجتماعية، ودروس أخلاقية ضافية راقية، لمستقبل الأجيال، وعظات وعبر، ودستور عملي ناجح للناشئة الجديدة، وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب، ولا تختص بجيل دون جيل، ولا بفئة دون فئة.

وانّما الأيام تقتبس نوراً وازدهاراً، وتتوسّم بالكرامة والعظمة، وتكتسب سعداً ونحساً، وتتخد صيغة مما وقع فيها من الحوادث الهامّة وقوارع الدهر ونوازله..."(١).

١- الأميني، سيرتنا وسنّتنا: ٣٨ ـ ٣٩ ط الثانية.

٢٩

المسألة الثانية
شدّ الرحال لزيارة قبر النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله)


اتّفق المسلمون على جواز زيارة القبور، وخاصّة زيارة قبور الأنبياء والصالحين، إلاّ ما حكي عن ابن سيرين والنخعي والشعبي، والنسبة إليهم غير ثابتة، وقد تضافرت الروايات على هذا الجواز وإنّ النبيّ زار قبر أُمّه فبكى وأبكى مَنْ حوله وقال: "استأذنتُ ربّي في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فانّها تذكّركم الموت"(١).

وقال: "كنت نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها... فانّها وتذكّر الآخرة"(٢).

١- مسلم، الصحيح ٣: ٦٥ باب استئذان النبي ربه في زيارة قبر أمّه.

٢- الترمذي، الصحيح، باب الجنائز ٤: ٢٧٤ المطبوع مع شرح ابن العربي المالكي. وقال بعد نقل هذا الحديث عن بريدة " حديث بريدة صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون بزيارة القبور بأساً، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد واسحاق ".

٣٠
ونقتصر من الروايات الكثيرة على هذا المقدار(١).

وقد روى أصحاب السنن كيفية زيارة النبي الأكرم لقبور البقيع، فلاحظ المصدر(٢).

وأمّا زيارة قبر النبي الأكرم فليس هناك أيّ خلاف بين المسلمين في استحباب زيارته، وهذا محمد بن عبد الوهاب يقول: تَسنُّ زيارة النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ أنّه لا يشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه(٣).

نعم ينسب إلى ابن تيمية التشكيك في مندوبية زيارة النبي الأكرم، ولكن كلامه في كتاب الرد على الاخنائي على خلاف ذلك(٤). حتى أنّ المقدسي(٥) صرّح بأنّه كان معتقداً بزيارة النبي الأكرم وقال: قال(رحمه الله) (يعني ابن تيمية) في بعض مناسكه: "باب زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله) ":

إذا أشرف على مدينة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الحج أو بعده فليقل ما تقدّم، فإذا دخل استحبّ له أن يغتسل، ـ نصّ عليه الإمام أحمد ـ، فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى وقال: بسم الله والصلاة على رسول الله، اللّهمّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، ثمّ يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلّي بها ويدعو بما شاء، ثمّ يأتي قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فيستقبل جدار

١- تحسن مراجعة المصادر الآتية: ابن ماجة، السنن ١: ١١٤ ط الهندي، باب ما جاء في زيارة القبور ـ أبو داود، الصحيح ٢: ١٩٥ كتاب الجنائز، باب زيارة القبور ـ مسلم، الصحيح ٤: ٧٣ كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، إلى غيرها من المصادر.

٢- النسائي، السنن ٤: ٧٦ ـ ٧٧ مضافاً إلى المصادر المتقدمة.

٣- الهدية السنيّة، الرسالة الثانية.

٤- لاحظ ابن تيمية، الرد على الاخنائي: ١٣.

٥- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي.

٣١
القبر ولا يمسّه ولا يقبِّله ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه، ليكون قائماً وجاه النبي (صلى الله عليه وآله) ويقف متباعداً، كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون، منكِّسَ الرأس، غاض الطرف، متحضراً بقلبه جلالة موقفه، ثمّ يقول: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا نبيّ الله وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين وقائد الغرّ المحجّلين، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّك رسول الله، أشهد أنّك قد بلغت رسالات ربّك، ونصحت لأُمّتك، ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فجزاك الله أفضل ما جزى نبيّاً ورسولا عن أُمّته. اللّهمّ آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً(١).

ولذلك لا نطيل الكلام في إثبات استحباب زيارة قبر النبيّ الأكرم، ولعلنا نخصص بحثاً لبيان حكم مطلق الزيارة وبالأخصّ زيارة قبور الأنبياء والأولياء في المستقبل، إنّما كلامنا هنا هو التركيز على حكم شدّ الرحال لزيارة قبر النبي الأكرم، فقد رآه ابن تيمية ومن لفَّ لفَّه أمراً حراماً، مستدِلا بحديث أبي هريرة، أنّه (صلى الله عليه وآله) قال:

"لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى".

وروي هذا الحديث بصورة أُخرى وهي:

"إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد

١- الصارم المنكي في الرد على السبكي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي: ٧، ط ١ القاهرة، المطبعة الخيرية.

٣٢
إيليا".

وروي أيضاً بصورة ثالثة وهي:

"تشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد..."(١).

أقول: إنّ رفع القناع عن وجه الحقيقة يتوقّف على دراسة أمرين:

الأوّل: ما يدل على استحباب السفر لزيارة قبره (صلى الله عليه وآله) .

الثاني: دراسة وتحليل الحديث الذي تمسك به ابن تيمية على تحريم السفر.

وإليك الكلام حولهما واحداً تلو الآخر:

ما يدلّ على استحباب السفر

يمكن الاستدلال على استحباب السفر بوجوه كثيرة لكنّنا نقتصر على وجهين:

الأوّل: إطباق السلف والخلف على جواز السفر للزيارة، وهذا لا يمكن لأحد إنكاره، وقد استمرّت السيرة قروناً عديدة، وممّن أوضح تلك السيرة، الفقيه السبكي بقوله:

"إنّ الناس لم يزالوا في كلّ عام إذا قضُوا الحج يتوجّهون إلى زيارته (صلى الله عليه وآله) ، ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الأعصار القديمة، كما ذكرناه في الباب الثالث، وذلك أمر لا يرتاب فيه، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه، وإن لم

١- مسلم، الصحيح ٤: ١٢٦ كتاب الحج، باب لا تشدّ الرحال ـ أبو داود، السنن ١: ٤٦٩ كتاب الحج ـ النسائي، السنن ٢: ٣٧ ـ ٣٨ المطبوع مع شرح السيوطي.

٣٣
يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الأموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الأرض ومغاربها على ممرّ السنين. وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم، يستحيل أن يكون خطأ، وكلّهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى الله عزّوجلّ، ومن تأخر من المسلمين فانّما يتأخّر بعجز أو تعويق المقادير، مع تأسّفه عليه ووُدِّه لو تيسّر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطئ"(١).

إنّ جريان السيرة على السفر في القرون الماضية بلغ في الوضوح ما لم يستطيع أحد أن ينكره، حتى أنّ الحنبلي المقدسي الذي أفرد كتاباً في الردّ على السبكي لم يتعرّض للسيرة وما تحدّث عنها بكلمة، مع أنّه كان بصدد نقد الكتاب. ولكي تتضح حال السيرة نذكر نصوصاً عن بعض العلماء:

١ ـ قال أبو الحسن الماوردي (ت/٠٤٥): "فإذا عاد (ولي الحاج) سار به على طريق المدينة، لزيارة قبر رسول الله، ليجمع لهم بين حجّ بيت الله عزّوجلّ وزيارة قبر رسول الله، رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فروض الحج فهو من مندوبات الشرع المستحبّة وعبادات الحجيج المستحبّة"(٢).

٢ ـ قال ابن الحاج محمد بن محمد العبدري القيرواني المالكي (ت/٧٣٧): "وأمّا عظيم جناب الأنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه

١- الامام تقي الدين السبكي، شفاء السقام في زيارة خير الأنام: ١٠٠.

٢- أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية: ١٠٥.

٣٤
عليهم أجمعين، فيأتي إليهم الزائر، ويتعيّن عليه قصدهم من الأماكن البعيدة، فإذا جاء إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره لأنهم لا يبلون ولا يتغيّرون... إلى آخر ما ذكره"(١).

٣ ـ قال شيخ الإسلام أبو يحيى زكريا الأنصاري الشافعي (ت/٥٩٢) في ما يستحبّ لمن حج: "ثمّ يزور قبر النبي ويسلّم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة المشرفة"(٢).

إلى غير ذلك من النصوص الواردة حول استحباب السفر لزيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله) الحاكية عن تطابق الأُمة على السفر.

٤ ـ قال الشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي في آخر كتاب الحج: "وزيارة قبره (صلى الله عليه وآله) مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة، ويبدأ بالحج لو كان فرضاً، ويُخيَّر لو كان نفلا، ما لم يمرّ به فيبدأ بزيارته لا محالة، ولينوي معه زيارة مسجده"(٣).

٥ ـ وقد نقل أنّه لما صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الأحبار فأسلم ففرح به فقال عمر له: هل لك أن تسير معي إلى المدينة. وتزور قبره وتتمتّع بزيارته؟ قال: نعم(٤).

٦ ـ وقد تضافر النقل على أنّ بلالا بعد ما نزل الشام وأقام بها، شدّ الرحال لزيارة قبر النبي الأكرم، قال جمال الدين المزي: أنّه لم يؤذن

١- ابن الحاج، المدخل ١: ٢٥٧ فصل زيارة القبور.

٢- اسنى المطالب في شرح روض الطالب ١: ٥٠١.

٣- الحنفي المفتي بدمشق (ت/١٠٨٨)، الدر المختار في شرح تنوير الأبصار، آخر كتاب الحج.

٤- الزرقاني المالكي المصري، شرح المواهب ٨: ٢٩٩.

٣٥
كتاب سبع مسائل فقهيّة للشيخ جعفر السبحاني (ص ٣٦ - ص ٥٣)
٣٦

وقال (صلى الله عليه وآله) : "أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى" رواه البخاري ومسلم(١).

وقال رجل: ما يسرّني انّ منزلي إلى جنب المسجد، انّي أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "قد جمع الله لك ذلك كلّه" رواه مسلم.

وقال جابر: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: "إنّ لكم بكلّ خطوة درجة" رواه مسلم.

وقال (صلى الله عليه وآله) : "من تطهّر في بيته، ثمّ مشى إلى بيت من بيوت الله، ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحطّ خطيئة والأُخرى ترفع درجة" رواه مسلم.

وقال (صلى الله عليه وآله) : "من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ الله له نزلا كلّما غدا أو راح" رواه البخاري ومسلم والامام أحمد(٢).

هذا كلّه ما ذكره السبكي في مقدّمة المستحب، وقال بالملازمة بين استحباب ذي المقدمة ومقدّمته.

ولو قلنا بعدم الملازمة بين الاستحبابين، ولكن لا محيص عن عدم التضاد بين الحكمين، إذ كيف يمكن أن تكون الزيارة مستحبّة للنائي ويكون السفر حراماً، فلا محيص عن كونه مباحاً لا حراماً.

١- ورواه ابن ماجة.

٢- السبكي، شفاء السقام، باب في كون السفر إليه قربة: ١٠٢، ولكلامه صلة فمن أراد فليراجع إليه فانّه مُمْتنع.

٣٧
هذا كلّه حول دليل القائل بجواز شدّ الرحال.

دراسة دليل القائل بالتحريم

ليس للقائل بالتحريم إلاّ دليل واحد وهو ما عرفت من رواية أبي هريرة، وقد نقلت بصور مختلفة قد عرفتها، والمناسب لما يرومه المستدلّ الصورة التالية.

"لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى" فتحليل الحديث يتوقّف على تعيين المستثنى منه، وهو لا يخلو من صورتين:

١ ـ لا تشدّ إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد....

٢ ـ لا تشدّ إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد....

فلو كانت الأُولى كما هو الظاهر، كان معنى الحديث عدم شدّ الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، ولا يعني عدم شدّ الرحال إلى أيّ مكان من الأمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً. فالحديث يكون غير متعرّض لشدّ الرحال لزيارة الأنبياء والأئمة الطاهرين والصالحين، لأنّ موضوع الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا غير ذلك فليس داخلا فيه، فالاستدلال به على تحريم شدّ الرحال الى غير المساجد، باطل.

وأمّا الصورة الثانية، فلا يمكن الأخذ بها، إذ يلزم منها كون جميع السفرات محرّمة سواء كان السفر لأجل زيارة المسجد أو غيره من الأمكنة، وهذا لا يلتزم به أحد من الفقهاء.

٣٨
ثمّ إنّ النهي عن شدّ الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وانّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلّها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر مع أنّهما متماثلان.

وفي هذا الصدد يقول الغزالي: "القسم الثاني، وهو أن يسافر لأجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد.. ويدخل في جملته: زيارة قبور الأنبياء (عليهم السلام)وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والأولياء، وكلّ من يتبرّك بمشاهدته في حياته يتبرّك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شدّ الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله (صلى الله عليه وآله) : "لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى". لأنّ ذلك في المساجد، فانّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الأنبياء والأولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان التفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند الله"(١).

يقول الدكتور عبد الملك السعدي: "انّ النهي عن شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى لأجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب، لأنّ في الثواب سواء بخلاف الثلاثة، لأنّ العبادة في مسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف، وفي مسجد الأقصى

١- الغزالي، احياء علوم الدين ٢: ٢٤٧، كتاب آداب السفر، ط دار المعرفة بيروت.

٣٩
بخمسمائة، فزيادة الثواب تحبب السفر إليها، وهي غير موجودة في بقية المساجد"(١).

والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: "كان رسول الله يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين"(٢).

ولعلّ استمرار النبي على هذا العمل كان مقترناً لمصلحة تدفعه إلى السفر إلى قباء والصلاة فيه، مع كون الصلاة فيه أقلّ ثواباً من الثواب في مسجده.

دراسة النهي عن شدّ الرحال

إنّ لابن تيمية في المقام كلمة تنطوي على مغالطة واضحة، إذ مع أنّه قدّر المستثنى منه في الحديث لفظ المساجد إلاّ أنّه استدلّ على منع شدّ الرحال لزيارة قبور الأنبياء والصالحين بمدلوله، أي بالقياس الأولوي، فقال في الفتاوي:

"فإذا كان السفر إلى بيوت الله غير الثلاثة ليس بمشروع باتّفاق الأئمة الأربعة بل قد نهى عنه الرسول (صلى الله عليه وآله) فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الذين تتخذ قبورهم مساجد، وأوثاناً وأعياداً، ويشرك بها، وتدعى من دون الله، حتى أنّ كثيراً من معظميها يُفضِّل الحجّ إليها على

١- الدكتور عبد الملك السعدي، البدعة: ٦٠.

٢- مسلم، الصحيح ٣: ١٨٤ ـ البخاري، الصحيح ٢: ٧٦ ـ النسائي، السنن المطبوع مع شرح السيوطي ٢: ٣٧.

٤٠