×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبع مسائل فقهيّة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

٢ ـ حديث يعلى بن أشدق، عن عبد الله بن جراد، عن النبي (صلى الله عليه وآله) انّه قال: "من صلّى منكم صلاة الضحى فليصلّها متعبداً، فانّ الرجل ليصليها السنّة من الدهر ثمّ ينساها ويدعها فتحنّ إليه كما تحنّ الناقة على ولدها إذا فقدته".

ويا عجباً للحاكم كيف يحتجّ بهذا وأمثاله؟! فانّه يروي هذا الحديث في كتاب أفرده للضحى، وهذه نسخة موضوعة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، يعني نسخة يعلى بن الأشدق.

وقال ابن عدي: روى يعلى بن الاشدق، عن عمّه عبد الله بن جراد، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمّه غير معروفين. وبلغني عن ابن مسهر قال: قلت ليعلى بن الأشدق: ما سمع عمك من حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: جامع سفيان وموطأ مالك وشيئاً من الفوائد، وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلمّا كبر اجتمع عليه من لا دين له فوضعوا له شبهاً بمائتي حديث، فجعل يحدّث بها وهو لا يدري. وهو الذي قال له بعض أصحابنا: أي شيء سمعته عن عبد الله بن جراد؟ فقال: هذه النسخة، وجامع أبي سفيان، لا تحلّ الرواية عنه بمجال.

٣ ـ حديث عمر بن صبيح، عن مقاتل بن حبان، عن عائشة: "كان رسول الله يصلّي الضحى اثنتي عشرة ركعة".

وهو حديث طويل ذكره الحاكم في صلاة الضحى، وهو حديث موضوع، والمتهم به عمر بن صبيح.

قال البخاري: حدّثني يحيى بن عليّ بن جبير، قال: سمعت عمر

٦١
بن صبيح يقول: أنا وضعت خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) . وقال ابن عدي: منكر الحديث. وقال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات، لا يحلّ حديثه إلاّ على جهة التعجّب منه. وقال الدارقطني: متروك، وقال الأزدي: كذاب.

٤ ـ حديث عبد العزيز بن أبان، عن الثوري، عن حجاج بن فرافصة، عن مكحول، عن أبي هريرة مرفوعاً: "من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه، وإن كانت بعدد الجراد وأكثر من زبد البحر".

ذكره الحاكم أيضاً، وعبد العزيز هذا، قال ابن نمير: هو كذاب. وقال يحيى: ليس بشيء كذاب، خبيث يضع الحديث. وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك الحديث.

٥ ـ حديث النهاس بن فهم، عن شدّاد، عن أبي هريرة يرفعه: "من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر".

والنهاس، قال يحيى: ليس بشيء ضعيف، كان يروي عن عطاء، عن ابن عباس أشياء منكرة.

وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: لا يساوي شيئاً. وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير، ويخالف الثقات، لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: مضطرب الحديث تركه يحيى القطان(١).

الطائفة الثالثة:

الأحاديث النافية لمشروعية صلاة الضحى التي هي معارضة

١- راجع حول الأحاديث الموضوعة وعمّا جاء حول رواتها، زاد المعاد ١: ١١٩ ـ ١٢٠.

٦٢
للأحاديث المثبتة، وباعتبار قوّة دلالتها واسنادها رجحها جماعة من علماء العامّة على غيرها، كما صرّح بذلك ابن قيم.

قال: "وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك، ورجحتها من جهة صحّة اسنادها وعمل الصحابة بموجبها"(١).

منها:

١ ـ ما رواه البخاري بسنده عن مورق قال: "قلت لابن عمر: أتصلّي الضحى؟

قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قال: لا أخاله"(٢).

٢ ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عائشة، قالت: "ما رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبّح سبحة الضحى، وإنّي لأسبّحها"(٣).

وقد استدلّ بعضهم بهذه الرواية لنفي الضحى لصحّة اسنادها. "قال أبو الحسن عليّ بن بطال: فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى، وقال قوم: انّها بدعة"(٤).

وأما قول عائشة "بأني أسبّحها"، فهو اجتهاد في مقابل النص، ولا قيمة له في سوق الاعتبار الشرعي.

٣ ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى انّه قال: ما

١- المصدر: ١١٧.

٢- صحيح البخاري ٢: ٧٣.

٣- المصدر ـ ومسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٠٩.

٤- زاد المعاد ١: ١١٧.

٦٣
حدّثنا أحد انّه رأى النبي (صلى الله عليه وآله) يصلّي الضحى غير أمّ هانئ، فانّها قالت: "إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل وصلّى ثماني ركعات، فلم أر صلاة قطّ أخفّ منها، غير انّه يتمّ الركوع والسجود"(١).

ونفى هذا الحديث حديث أحد رأى النبي (صلى الله عليه وآله) يصلّي الضحى، وأمّا رواية أُمّ هانئ فليست ظاهرة في صلاة الضحى، ويحتمل قوياً أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) صلّى تلك الركعات شكراً لله على ما منّ عليه بفتح مكّة. ولذلك ذهبت جماعة من علماء العامّة "بأنها لا تشرع إلاّ بسبب الخ"(٢).

٤ ـ ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: "رأى أبو بكرة ناساً يصلّون الضحى فقال: انّهم ليصّلون صلاة ما صلاّها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، ولا عامّة أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ"(٣).

٥ ـ ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم قال: مرضت مرضاً فجاء ابن عمر يعودني قال: وسألته عن السبحة في السفر؟ فقال: "صحبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في السفر فما رأيته يسبّح، ولو كنت مسبحاً لأتممت، وقد قال الله: لقد كان كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"(٤).

٦ ـ وما رواه البخاري بسنده عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فاذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذا أناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى. قال: فسألناه عن صلاتهم،

١- البخاري ٢: ٧٣.

٢- نيل الأوطار للشوكاني ٣: ٥٣.

٣- مسند الامام أحمد بن حنبل ٥: ٤٥.

٤- صحيح مسلم ٥: ١٩٩ كتاب المسافرين.

٦٤
فقال: بدعة"(١).

٧ ـ وروي عن الشعبي قال: "سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى"(٢).

ففي هاتين الروايتين صرح ابن عمر بكون صلاة الضحى بدعة، وإن رآها فضيلة بناء على مسلك والده في جواز الابتداع الحسن.

٨ ـ روي عن ابن عباس أنّه قال (صلى الله عليه وآله) : "أمرت بالضحى ولم تؤمروا بها"(٣).

بناءً على صحة الحديث فالظاهر انّ المراد من الأمر هنا هو أصل التشريع لا الوجوب، لأنّه لم يثبت وجوب شيء من النوافل على النبي (صلى الله عليه وآله) حاصلة ما عدا نافلة الليل. وعليه فلم تشرع نافلة له وضحى للمسلمين لأنّه نفى الأمر بها عليهم.


*  *  *

إلى هنا تبيّن أنّه لم يوجد حديث صحيح فيه دلالة واضحة على مشروعية صلاة الضحى. وأما ما ادعيت صحّته فهو إمّا معارض بالراحج عليه سنداً ودلالة أو فيه إجمال لا يمكن أن يستدلّ به على المقصود.

موقف الإمامية من صلاة الضحى

إنّ صلاة الضحى عند فقهاء الامامية، بدعة لا يجوز فعلها. وقد

١- صحيح البخاري ٣: ٣ باب العمرة.

٢- زاد المعاد ١: ١١٨.

٣- نيل الأوطار للشوكاني ٣: ٦١.

٦٥
اتّفقوا وأجمعوا على هذا الرأي، كما صرّح بذلك السيد الشريف المرتضى في رسائله(١)، وشيخ الطائفة في الخلاف(٢)، والعلامة الحلي في المنتهى(٣)، والعلامة المجلسي في البحار(٤)، والمحدث في الحدائق الناضرة(٥).

ويدلّ على هذا الرأي قبل الإجماع، أولا: عدم الدليل الشرعي المعتبر على مشروعيّة صلاة الضحى، وهذا يكفي للقول بعدمها إذ لا يطالب النافي بدليل، بل الدليل على المدعي.

وثانياً: الأخبار المستفيضة الواردة عن طرق أهل البيت (عليهم السلام)النافية لمشروعية صلاة الضحى، والمصرّح في بعضها أنّ العمل بها بدعة ومعصية، منها:

١ ـ ما رواه الشيخ الطوسي، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة وابن مسلم والفضيل، قالوا: سألناهما (عليهما السلام)عن الصلاة في رمضان نافلة بالليل جماعة، فقالا:

إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي. فخرج في أول ليلة من شهر رمضان ليصلّي، كما كان يصلّي، فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم الى بيته وتركهم ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام في اليوم الرابع على منبره

١- رسائل الشريف المرتضى ١: ٢٢١.

٢- الخلاف، موسوعة الينابيع الفقهية ٢٨: ٢٢٠.

٣- البحار ٨٠: ١٥٨.

٤- المصدر: ١٥٥.

٥- الحدائق الناضرة ٦: ٧٧.

٦٦
فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: "أيها الناس انّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة فلا تجتمعوا ليلا في شهر رمضان، ولا تصلّوا صلاة الضحى، فانّ ذلك معصية، ألا وانّ كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار" ثمّ نزل وهو يقول: "وقليل في سنّة خير من كثير في بدعة"(١).

٢ ـ ما حكي عن دعائم الإسلام عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) انّه قال لرجل من الأنصار سأله عن صلاة الضحى، فقال: "إنّ أوّل من ابتدعها قومك الأنصار، سمعوا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة، فكانوا يأتون من ضياعهم ضحى فيدخلون المسجد فيصلّون، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنهاهم عنه"(٢).

١- التهذيب ٣: ٦٩ - ٧٠ ـ ومثله في الاستبصار ١: ٤٦٧ - ٤٦٨ ـ والفقيه ٢: ١٣٢ ـ والوسائل ٥: ١٩٢.

٢- المجلسي، البحار ٨٠: ١٥٩، النوري، المستدرك ٣: ٧٠ ـ لاحظ من لا يحضره الفقيه ١: ٥٦٦ وفي الأخير زيادة على ما في المتن.

٦٧

المسألة الخامسة
إقامة صلاة التراويح جماعة


اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ نوافل شهر رمضان (صلاة التراويح) سُنّة مؤكّدة، وأوّل من سنّها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه"(١).

إنّ استجلاء الحقّ في جواز إقامتها جماعة، أو كونها بدعة يتطلّب تقديم أُمور:

١ ـ هل تُسنُّ الجماعة في مطلق النوافل أو لا؟

المشهور عند أهل السنّة جواز إقامة النوافل جماعة، والأفضل في بعضها إقامتها منفرداً، وإليك تفصيل مذاهبهم:

١- البخاري، الصحيح باب فضل من قام رمضان برقم ٢٠٠٨ ـ مسلم ج ٢ باب الترغيب في قيام رمضان، وهو التراويح: ١٧٦ ط دار الجيل ودار الآفاق بيروت.

٦٨
كتاب سبع مسائل فقهيّة للشيخ جعفر السبحاني (ص ٦٩ - ص ٨٥)
٦٩

وقال (عليه السلام) : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فانّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً" رواها مسلم. وعن زيد بن ثابت انّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا إلاّ المكتوبة" رواه ابو داود، ولأنّ الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء وهو من عمل السرّ، والسرّ أفضل من العلانية(١).

قالت الإمامية: تشرع الجماعة في الصلوات الواجبة، ولا تشرع في المستحبّة، إلاّ في الاستسقاء والعيدين مع فقد الشروط(٢). وقالت المذاهب الأربعة: تشرع مطلقاً في الواجبة والمستحبّة(٣).

٢ ـ التراويح لغةً واصطلاحاً

التراويح: جمع ترويحة، وهي في الأصل اسم للجلسة مطلقاً، ثمّ سميت بها الجلسة بعد أربع ركعات في ليالي رمضان، لاستراحة الناس بها، ثمّ سُمي كلّ أربع ركعات ترويحة، وهي أيضاً اسم لعشرين ركعة في الليالي نفسها.

قال ابن منظور: والترويحة في شهر رمضان: سميت بذلك لاستراحة القوم بعد كلّ أربع ركعات. وفي الحديث: صلاة التراويح، لأنّهم كانوا يستريحون بين كلّ تسليمتين. والتراويح جمع ترويحة،

١- المغني والشرح ١: ٧٧١، دار الكتاب العربي ط أفست ١٤٠٣/١٩٨٣.

٢- إذ عند اجتماع الشروط، تكون واجبة.

٣- محمد جواد مغنية، الفقه على المذاهب الخمسة ١: ١٣٣.

٧٠
وهي المرة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها، مثل تسليمة من السلام(١).

عدد ركعاتها عند الفريقين

اختلف الفقهاء في عدد صلاة نوافل شهر رمضان، أمّا الشيعة فقد ذهبت إلى نوافل ليالي شهر رمضان، ألف ركعة في تمام الشهر.

قال الامام الصادق (عليه السلام) : ممّا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنع في شهر رمضان، كان يتنفل في كلّ ليلة ويزيد على صلاته التي كان يصلّيها قبل ذلك منذ أوّل ليلة إلى تمام عشرين ليلة، في كلّ ليلة عشرين ركعة، ثماني ركعات منها بعد المغرب، واثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، ويصلّي في العشر الأواخر في كلّ ليلة: ثلاثين ركعة، اثنتي عشرة منها بعد المغرب، وثماني عشرة بعد العشاء الآخرة ويدعو ويجتهد اجتهاداً شديداً، وكان يصلّي في ليلة إحدى وعشرين: مائة ركعة ويصلّي في ليلة ثلاث وعشرين: مائة ركعة ويجتهد فيهما(٢).

وأما غيرهم فقد قال الخرقي في مختصره: وقيام شهر رمضان عشرون ركعة، يعني صلاة التراويح(٣).

وقال ابن قدامة في شرحه: والمختار عن أبي عبد الله "الامام أحمد" عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: ستّة وثلاثون، وزعم أنّه الأمر القديم، وتعلّق بفعل أهل المدينة(٤).

١- لسان العرب، ج ٢ مادة "روح".

٢- الطوسي، التهذيب ٣: ٦٢ رقم ٢١٣.

٣ و ٤- المغني ٢: ١٣٧ ـ ١٣٨.

٧١
والظاهر انّه ليس في عددها عند أهل السنّة دليل معتمد عليه، يحكي عن قول الرسول أو فعله أو تقريره، والقول بالعشرين يعتمد على فعل عمر، كما أنّ القول بالستّة والثلاثين يعتمد على فعل عمر بن عبد العزيز.

وقد فصّل القول في ذلك عبد الرحمن الجزيري في "الفقه على المذاهب الأربعة" وقال:

روى الشيخان أنّه (صلى الله عليه وآله) خرج من جوف الليل ليالي من رمضان، وهي ثلاث متفرقة: ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين، وصلّى في المسجد، وصلّى الناس بصلاته فيها، وكان يصلّي بهم ثماني ركعات، ويُكْملون باقيها في بيوتهم، فكان يسمع لهم أزيز، كأزيز النحل... وقال: ومن هذا يتبيّن انّ النبي (صلى الله عليه وآله) سنّ لهم التراويح والجماعة، ولكن لم يصلّ بهم عشرين ركعة، كما جرى عليه العمل من عهد الصحابة ومن بعدهم الى الآن، ولم يخرج إليهم بعد ذلك، خشية أن تُفْرض عليهم، كما صرّح به في بعض الروايات، ويُتَبيّنُ أنّ عددها ليس قاصراً على الثماني ركعات التي صلاّها بهم، بدليل أنّهم كانوا يكملونها في بيوتهم، وقد بيّن فعل عمر (رضي الله عنه) انّ عددها عشرون، حيث انّه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة على ذلك. نعم زيد فيها في عهد عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) وجعلت ستاً وثلاثين ركعة. ولكن كان القصد من هذه الزيادة مساواة أهل مكة في الفضل، لأنّهم كانوا يطوفون بالبيت بعد كلّ أربع ركعات مرّة، فرأى (رضي الله عنه) أن يصلّي بدل كلّ طواف،

٧٢
أربع ركعات(١).

هذا وقد بسط شراح البخاري وغيرهم القول في عدد ركعاتها إلى حدٍّ قلّ نظيره في أبواب العبادات، فمن قائل انَّ عدد ركعاتها ١٣ ركعة، الى آخر أنها ٢٠ ركعة، إلى ثالث انَّها ٤٢ ركعة، إلى رابع انها ٢٨ ركعة، إلى خامس ٦٣ ركعة، إلى سادس انها ٣٨ ركعة، إلى سابع انها ٣٩ ركعة، إلى ثامن أنها ١٤ ركعة، إلى تاسع أنها ٧٤ ركعة، وهلمّ جراً(٢).

والأغرب من هذا تدخل عمر بن عبد العزيز في أمر الشريعة، فأدخل فيها ما ليس منها ليتساوى ـ في رأيه ـ أهل المدينة وأهل مكة، في الفضل والثواب، فانّ فسح المجال لهذا النوع من التدخّل يجعل الشريعة أُلعوبة بيد الحكام، يحكمون فيها بآرائهم.

حكم إقامتها جماعة

إنّ الشيعة الامامية ـ تبعاً للامام عليّ وأهل بيته (عليهم السلام) ـ يقيمون نوافل شهر رمضان بلا جماعة ويرون اقامتها جماعة بدعة حقيقية،

١- الفقه على المذاهب الأربعة ١: ٢٥١، كتاب الصلاة، مبحث صلاة التراويح. ولا يخفى انّه لو كان المقياس في الزيادة، هو عدد الطواف بعد كلّ أربع ركعات فعندئذ يصل عددها إلى أربعين ركعة في كلّ ليلة لأنهم إذا كانوا يطوفون بعد كلّ أربع ركعات مرّة واحدة، يكون عددها خمس مرّات، فاذا كان مقابل كلّ مرّة منه أربع ركعات، يبلغ عددها عشرين ركعة (٥×٤=٢٠) فتضاف إلى العشرين ركعة الأصلية فيصير المجموع ٤٠ ركعة. نعم ذلك يصحّ على ما نقله ابن قدامة المقدسي من أنّ الطواف كان بين كلّ ترويحة. (لاحظ ١: ٧٤٩) ٢- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري ٤: ٢٠٤ ـ شهاب الدين القسطلاني، ارشاد الساري ٣: ٤٢٦ ـ العيني، عمدة القاري ١١: ١٢٦، وقد تكلفوا في الجمع بين هذه الأقوال المتشتتة، فلاحظ.

٧٣
حدثت بعد رسول الله، بمقياس(١) ما أنزل الله به من سلطان.

قال الشيخ الطوسي: نوافل شهر رمضان تصلّى انفراداً، والجماعة فيها بدعة، وقال الشافعي: صلاة المنفرد أحبّ إليَّ منه، وشنع ابن داود على الشافعي في هذه المسألة، فقال: خالف فيها السنّة والاجماع.

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على قولين، فقال أبو العباس وأبو إسحاق وعامة أصحابه: صلاة التراويح في الجماعة أفضل بكلّ حال، وتأوّلوا قول الشافعي فقالوا: انّما قال: النافلة ضربان، نافلة سُنَّ لها الجماعة، وهي العيدان، والخسوف، والاستسقاء ونافلة لم تُسنَّ لها الجماعة، مثل ركعتي الفجر والوتر، وما سنّ له الجماعة أو كد مما لم تُسَّنَّ له الجماعة، ثمّ قال: فأمّا قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحبّ إليّ منها يعني ركعات الفجر والوتر، التي تفعل على الانفراد أوكد من قيام شهر رمضان.

والقول الثاني: منهم من قال بظاهر كلامه، فقال: صلاة التراويح على الانفراد أفضل منها في الجماعة، بشرطين، أحدهما: أن لا تختلّ الجماعةُ بتأخرهِ عن المسجد، والثاني: أن يطيل القيام والقراءة فيصلّي منفرداً، أو يقرأ أكثر ممّا يقرأ امامه.

وقد نصّ في القديم على أنّه إن صلّى في بيته في شهر رمضان فهو أحبّ إليّ، وإن صلاّها في جماعة فهو حسن، واختار أصحابه مذهب أبي العباس وأبي اسحاق.

١- العسقلاني، فتح الباري ٤: ٢٠٤، ذكره لجمع الناس على امام واحد.

٧٤
ثمّ استدلّ الشيخ الطوسي على مذهب الإمامية بإجماعهم على أنّ ذلك بدعة. وأيضاً روى زيد بن ثابت(١) إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلاّ المكتوبة(٢).

وإذا وقفت على آراء الفقهاء فإليك دراسة الأدلة:

أمّا أئمة أهل البيت فقد اتّفقت كلمتهم على أنّ الجماعة في النوافل مطلقاً بدعة، من غير فرق بين صلاة التراويح وغيرها، وهناك صنفان من الروايات.

أحدهما: يدلّ على عدم تشريع الجماعة في مطلق النوافل.

ثانيهما: ما يدلّ على عدم تشريعها في صلاة التراويح.

أمّا الصنف الأوّل فنذكر منه روايتين.

١ ـ قال الامام الباقر (عليه السلام) : "ولا يُصلّى التطوعُ في جماعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار"(٣).

٢ ـ قال الامام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون: "ولا يجوز أن يصلّى تطوّع في جماعة، لأنّ ذلك بدعة"(٤).

وأما الصنف الثاني، فقد تحدّث عنه الإمام الصادق (عليه السلام) وقال: لمّا قدم أمير المؤمنين (عليه السلام) الكوفة أمر الحسن بن عليّ أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة، فنادى في الناس الحسنُ بن

١- أبو داود، السنن ٢: ٦٩.

٢- الطوسي، الخلاف، كتاب الصلاة، المسألة ٢٦٨.

٣- الصدوق، الخصال ٢: ١٥٢.

٤- الصدوق، عيون أخبار الرضا: ٢٦٦.

٧٥
عليّ بما أمره به أمير المؤمنين، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن (عليه السلام) صاحوا: وا عمراه، وا عمراه، فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أمير المؤمنين الناس يصيحون: واعمراه واعمراه، فقال أمير المؤمنين: قل لهم: صلّوا(١).

وربما يتعجّب القارئ من قول الامام "قل لهم: صلوا" حيث تركهم يستمرّون في الايتان بهذا الأمر المبتدع، ولكن إذا رجع إلى سائر كلماته يتجلّى له سرّ تركهم على ما كانوا عليه.

قال الشيخ الطوسي: إنّ أمير المؤمنين لمّا أنكر، أنكر الاجتماع، ولم يُنكر نفس الصلاة، فلمّا رأى أنّ الأمر يَفسُد عليه ويفتتن الناس، أجاز أمرهم بالصلاة على عادتهم(٢).

ويدلّ عليه:

ما رواه سليم بن قيس، قال: خطب أمير المؤمنين فحمد الله وأثنى عليه ثمّ صلّى على النبيّ ثمّ قال: ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خلّتان: اتّباع الهوى، وطول الأمل ـ ثمّ ذكر أحداثاً ظهرت بعد رسول الله ـ وقال: ولو حملتُ الناسَ على تركها... لتفرق عنّي جندي حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي... والله لقد أمرتُ الناس أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممّن يقاتل معي: يا أهل الإسلام غُيِّرتْ سنّة عمر ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوّعاً، وقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب

١- الطوسي، التهذيب ٢: ح ٢٢٧.

٢- المصدر نفسه.

٧٦
عسكري...(١).

تسنّم الامام منصة الخلافة بطوع ورغبة من جماهير المسلمين، وواجه أحداثاً ظهرت بعد رسول الله، وأراد إرجاع المجتمع الإسلامي الى عهد رسول الله في مجالات مختلفة، ولكن حالت العوائق دون نيّته، فترك بعض الأمور بحالها، حتى يشتغل بالأهم فالأهم، فلأجله أمر ابنه الحسن أن يتركهم بحالهم حتى لا يختلّ نظام البلاد، ولا يثور الجيش ضدّه.

روى أبو القاسم ابن قولويه (ت/٩٦٣) عن الإمامين الباقر والصادق قالا: كان أمر أمير المؤمنين بالكوفة إذا أتاه الناس فقالوا له: إجعل لنا إماماً يؤمّنا في رمضان، فقال لهم: لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلمّا أحسّوا، جعلوا يقولون أبكوا رمضانَ وارمضاناه، فأتى الحارث الأعور في أُناس فقال: يا أمير المؤمنين ضجّ الناس وكرهوا قولك، قال: فقال عند ذلك: دعوهم وما يريدون، يُصلّ بهم من شاءُوا(٢).

هذه الروايات تدلّنا إلى موقف أئمة أهل البيت في إقامة نوافل شهر رمضان بالجماعة.

صلاة التراويح في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله)

تختلف روايات أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عن بعض ما رواه أصحاب السنن، فرواياتهم (عليهم السلام) صريحة في أنّ النبيّ الأكرم كان ينهى عن إقامة

١- الكليني، الكافي ٨: ٥٨.

٢- محمد بن ادريس، السرائر ٣: ٦٣٨.

٧٧
نوافل رمضان بالجماعة، وانّه (صلى الله عليه وآله) لمّا خرج بعض الليالي إلى المسجد ليقيمها منفرداً، ائتمّ به الناس فنهاهم عنه، ولمّا أحسّ إصرارهم على الائتمام ترك الصلاة في المسجد واكتفى بإقامتها في البيت، وإليك بعض ما روي في ذلك:

سئل زرارة ومحمد بن مسلم، والفضيلُ الباقر والصادق (عليهما السلام) عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة فقالا: إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي، كما كان يصلّي، فاصطفّ الناس خلفه، فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام في اليوم الرابع على منبره فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس، إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلا في شهر رمضان لصلاة الليل، ولا تصلّوا صلاة الضحى، فانّ تلك معصية، ألا وانّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار ثمّ نزل وهو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في بدعة(١).

روى عبيد بن زرارة عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يزيد في صلاته في رمضان، إذا صلّى العتمة صلّى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم، ثمّ يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً(٢).

١- الصدوق، الفقيه، كتاب الصوم: ٨٧.

٢- الكليني، الكافي ٤: ١٥٤.

٧٨
ولعله (صلى الله عليه وآله) قام بهذا العمل مرّتين، تارة في آخر الليل ـ كما في الرواية الأولى، وأخرى بعد صلاة العتمة ـ كما في الرواية الثانية.

لكن المروي عن طريق أهل السنّة يخالف ذلك واليك نصّ الشيخين البخاري ومسلم:

روى الأوّل وقال: حدّثني يحيى بن بكير: حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب: أخبرني عروة انّ عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرته أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج ليلة من جوف الليل فصلّى في المسجد، وصلّى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلّى فصلّوا معه، فأصبح الناس فتحدّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلّى بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثمّ قال: "أما بعد فانّه لم يخفَ علىّ مكانكم. ولكنّي خشيتُ أن تُفرض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأمر على ذلك"(١).

وروى أيضاً في باب التهجد: "انّ رسول الله صلّى ذات ليلة في المسجد فصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلّى من القابلة فكثر النّاس ثمّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله فلمّا أصبح قال: قد رأيتُ الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أني

١- أي على ترك الجماعة في صلاة التراويح. لاحظ البخاري، الصحيح، باب فضل من قام رمضان: ٦١ رقم ٢٠١٢.

٧٩
خشيت أن تُفرَض عليكم وذلك في رمضان"(١).

روى مسلم قال: حدّثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة انّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلّى في المسجد ذات ليلة فصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلّى من القابلة فكثر الناس، ثمّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة(٢) فلم يخرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ انّي خشيت أن تفرض عليكم. قال: وذلك في رمضان.

وحدّثني حرملة بن يحيى: أخبرنا عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عروة بن الزبير انّ عائشة أخبرته أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج من جوف الليل فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدّثون بذلك فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الليلة الثانية فصلّوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلّوا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى خرج لصلاة الفجر فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس ثمّ تشهّد فقال: "أمّا بعد فانّه لم يخف على شأنكم الليلة، ولكنّي

١- البخاري، الصحيح ٢: ٦٣ باب التهجد بالليل، وبين الروايتين اختلاف فيما خرج (صلى الله عليه وآله) فيها من الليالي، فعلى الاُولى خرج ثلاث ليال، وعلى الثانية خرج ليلتين.

٢- مسلم، الصحيح ٦: ٤١ وغيره، والظاهر وحدة الرواية الثانية للبخاري مع هذه الرواية لاتّحاد الراوي والمروي عنه والمضمون.

٨٠