×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبع مسائل فقهيّة / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها"(١).

والاختلاف بين ما رواه أصحابنا عن أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) وما رواه الشيخان واضح. فعلى الأوّل، نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن اقامتها جماعة، وأسماها بدعة، وعلى الثاني، ترك النبي (صلى الله عليه وآله) الاقامة جماعة خشية أن تُفرض عليهم، مع كونها موافقةً للدين والشريعة، إذاً فأي القولين أحقّ أن يتّبع، يعلم ذلك بالبحث التالي:

إنّ في حديث الشيخين مشاكل جديرة بالوقوف عليها:

الأولى: ما معنى قوله: "خشيتُ أن تفرض عليكم، فتعجزوا عنها"؟

فهل مفاده: أن ملاك التشريع هو إقبال الناس وإدبارهم، فان كان هناك اهتمام ظاهر من قبل الناس، يفرض عليهم وإلاّ فلا يفرض. مع انّ الملاك في الفرض هو وجود مصالح واقعية في المتعلّق، سواء أكان هناك اهتمام ظاهر أم لا. فإنّ تشريعه سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم، وانّما يتّبع لملاكات هو أعلم بها سواء أكان هناك إقبال أم إدبار.

الثانية: لو افترضنا انّ الصحابة أظهرت اهتمامها بصلاة التراويح باقامتها جماعة أفيكون ذلك ملاكاً للفرض، فانّ مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله) يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلاّ ستّة آلاف نفر أو أقل، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة: "كان مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ٥٣ متراً في ٣٠ متراً ثمّ زاده الرسول وجعله ٧٥ متراً في ٠٥ متراً"(٢).

١- مسلم، الصحيح ٦: ٤١.

٢- الفقه على المذاهب الخمسة: ٢٨٥٠.

٨١
أفيمكن جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس بها في جميع العصور إلى يوم القيامة؟

الثالثة: وجود الاختلاف في عدد الليالي التي أقام النبي فيهما نوافل رمضان جماعة. فعلى ما نقله البخاري في كتاب الصوم انّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) صلّى التراويح مع الناس أربعة ليال، وعلى ما نقله في باب التحريص على قيام الليل، انّه صلاها ليلتين، ووافقه مسلم على النقل الثاني، ويظهر ممّا ذكره غيرهما ـ كما مرّ في صدر المقال ـ انّه (صلى الله عليه وآله) أقامها في ليال متفرّقة (ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين). وهذا يعرب عن عدم الإهتمام بنقل فعل الرسول على ما عليه، فمن أين تطمئن على سائر ما جاء فيه من أنّ النبي استحسن عملهم.

الرابعة: انّ الثابت من فعل النبي، انّه صلاها ليلتين، أو أربع في آخر الليل، وهي لا تزيد ثماني ركعات. فلو كان النبي أسوة فعلينا الاقتداء به فيما ثبت. لا فيما لم يثبت بل ثبت عدمه بما صرّح القسطلاني ووصف ما زاد عليه بالبدعة وذلك:

١ ـ انّ النبي لم يسنّ لهم الاجتماع لها.

٢ ـ ولا كانت في زمن الصديق.

٣ ـ ولا أوّل الليل.

٤ ـ ولا كلّ ليلة.

٥ ـ ولا هذا العدد(١).

١- القسطلاني، ارشاد الساري ٣: ٤٢٦.

٨٢
ثمّ التجأ في اثبات مشروعيّتها إلى اجتهاد الخليفة، وسيوافيك الكلام فيه.

وقال العيني: إنّ رسول الله لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر. ثمّ اعتمد في شرعيّته إلى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين(١). وسيوافيك الكلام فيه:

الخامسة: انّه إذا أخذنا برواية أحد الثقلين، (أهل بيت النبي) تُصبح إقامة النوافل جماعة بدعة على الاطلاق، وإن أخذنا برواية الشيخين، فالمقدار الثابت ما جاء في كلام القسطلاني، والزائد عنه يصحّ بدعة إضافية، حسب مصطلح الإمام الشاطبي، والمقصود منها ما يكون العمل بذاته مشروعاً، والكيفية التي يقام بها، غير مشروعة.

ولم يبق ما يحتج به على المشروعية إلاّ جمع الخليفة الناس على إمام واحد وهو ما سنشرحه في البحث التالي:

جمع الناس على امام واحد في عصر عمر

روى البخاري: توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك (يعني ترك إقامة التراويح بالجماعة) ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر(٢).

وروى أيضاً عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنّه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ليلة في رمضان إلى المسجد، فاذا الناس أوزاع

١- العيني، عمدة القارئ ١١: ١٢٦.

٢- البخاري، الصحيح، باب فضل من قام رمضان: الحديث ٢٠١٠.

٨٣
متفرّقون، يصلّي الرجلُ لنفسه، ويصلّي الرجلُ فيصلّي بصلاته الرهط(١).

فقال عمر: إنّي أرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل. ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه. والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ـ يريد آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوّله.

ولكن الظاهر من شراح الصحيح أنّ الإتيان جماعة لم تكن مشروعة وإنّما قام التشريع لعمله. وإليك بيانه في ضمن أمرين:

١ ـ قوله: "فتوفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والناس على ذلك، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر" فقد فسّره الشراح بقولهم: أي على ترك الجماعة في التراويح، ولم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) جمع الناس على القيام(٢).

وقال بدر الدين العيني: والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثمّ قال: فإن قلت: روى ابن وهب عن أبي هريرة خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: "ما هذا؟" فقيل: ناس يصلّي بهم أبي بن كعب، فقال: "أصابوا ونعم ما صنعوا"، ذكره ابن عبد البر. ثمّ أجاب بقوله: قلت: فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أنّ عمر (رضي الله عنه) هو الذي جمع الناس على أُبي بن

١- الرهط: بين الثلاثة إلى العشرة.

٢- فتح الباري، لابن حجر العسقلاني ٤: ٢٠٣.

٨٤
كعب (رضي الله عنه)(١).

وقال القسطلاني: "والأمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، إلى آخر ما ذكره"(٢).

٢ ـ قوله نعم البدعة; انّ الظاهر من قوله: "نعم البدعة هذه" انّها من سُنن نفس الخليفة ولا صلة لها بالشرع، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء.

قال القسطلاني: سماها (عمر) بدعة لأنّه (صلى الله عليه وآله) لم يسنّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل، ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ إلى أن قال: ـ وقيام رمضان ليس بدعة، لأنّ (صلى الله عليه وآله) قال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، وإذا أجمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة".

وقال العيني: "وانّما دعاها بدعة، لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر (رضي الله عنه) ولا رغب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها"(٣).

وهناك من نقل أنّ عمر أوّل من سنّ الجماعة، ونذكر منهم ما يلي:

١ ـ قال ابن سعد في ترجمة عمر: "هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان وذلك

١- عمدة القارئ في شرح صحيح البخاري ٦: ١٢٥، وجاء نفس السؤال والجواب في فتح الباري.

٢- ارشاد الساري ٣: ٤٢٥.

٣- عمدة القاري ٦: ١٢٦ وقد سقط لفظة لا من قوله و "رغب" كما انّ كلمة بقوله ـ بعده هذه الجملة ـ في النسخة مصحف "قوله"، فلاحظ.

٨٥
كتاب سبع مسائل فقهيّة للشيخ جعفر السبحاني (ص ٨٦ - ص ١٠٤)
٨٦
وهي في الحقيقة سنّة، لقوله (صلى الله عليه وآله) : "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي"، وقوله: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر"(١).

التشريع مختصّ بالله سبحانه

إنّ هؤلاء الأكابر مع اعترافهم بأنّ النبي لم يسنّ الاجتماع، برّروا إقامتها جماعة بعمل الخليفة، ومعنا ذلك انّ له حقّ التسنين والتشريع، وهذا يضاد اجماع الأمة، إذ لا حقّ لإنسان أن يتدخّل في أمر الشريعة بعد إكمالها لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلاَمَ دِيناً) (المائدة/٣) وكلامه يخالف الكتاب والسنّة، فانّ التشريع حقّ الله سبحانه لم يفوضه لأحد، والنبي الأكرم مبلغ عنه.

أضف إلى ذلك لو انّ الخليفة قد تلقى ضوءاً أخضراً في مجال التشريع والتسنين، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك، مع كون بعضهم أقرأ منه، كأبي بن كعب، وأفرض، كزيد بن ثابت، وأعلم وأقضى منه، كعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ؟ فلو كان للجميع ذلك لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين، ويكون اُلعوبة بأيدي غير المعصومين.

وأمّا التمسّك بالحديثين، فلو صحّ سندهما فانّهما لا يهدفان إلى انّ لهما حقّ التشريع، بل يفيد لزوم الاقتداء بهما، لأنهما يعتمدان على سنّة النبيّ الأكرم، لا انّ لهما حقّ التسنين.

١- ابن الأثير، النهاية ١: ٧٩.

٨٧
نعم يظهر مما رواه السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كان يعتقد انّ للخلفاء حقّ التسنين، قال: قال حاجب بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا انّ ما سنّ رسول الله وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنا نرجئه(١).

وعلى كلّ تقدير نحن لسنا بمؤمنين بأنّه سبحانه فوّض أمر دينه في التشريع والتقنين إلى غير الوحي، وفي ذلك يقول الشوكاني: "والحقّ انّ قول الصحابي ليس بحجّة، فانّ الله سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأمة إلاّ نبيّنا محمداً (صلى الله عليه وآله) وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنة، فمن قال انّه تقوم الحجة في دين الله بغيرهما، فقد قال في دين الله بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به الله(٢).

نعم نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره: انّ عمر استنبط ذلك من تقرير النبي (صلى الله عليه وآله) من صلّى معه في تلك الليالي وان كان كره لهم خشية أن يفرض عليهم. فلمّا غاب النبي حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأنّ الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلّين(٣).

يلاحظ عليه أولا: أنّ ما ذكره في آخر كلامه ليبرّر جمع الناس

١- أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية ـ كما في بحوث أهل السنّة: ٢٣٥.

٢- أبو زهرة، تاريخ المذاهب الإسلامية.

٣- العسقلاني، فتح الباري ٤: ٢٠٤.

٨٨
على إمام واحد، مكان الأئمة المتعدّدة، دونما إذا كان موضع النقاش إقامتها جماعة، واحداً كان الإمام أو كثيراً.

وثانياً: انّ معنى كلامه انّ هناك أحكاماً لم تسنّ مادام النبيّ حيّاً لمانع خاص، كخشية الفرض، ولكن في وسع آحاد الأمة تشريعها بعد موته (صلى الله عليه وآله) ومفاده فتح باب التشريع بملاكات خاصّة في وجه الأمة إلى يوم القيامة، وهذه رزيّة ليست بعدها رزية، وتلاعب بالدين واستئصاله.


*  *  *

ثمّ انّ لسيّدنا شرف الدين العاملي هناك كلاماً نافعاً نورده بنصّه، قال: كان هؤلاء عفا الله عنهم وعنّا، رأوه (رضي الله عنه) قد استدرك (بتراويحه) على الله ورسوله حكمة كانا عنها غافلين.

بل هم بالغفلة ـ عن حكمة الله في شرائعه ونظمه ـ أحرى، وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها، انفراد مؤديها ـ جوف الليل في بيته ـ بربّه عزّ وعلا يشكو إليه بثّه وحزنه ويناجيه بمهمّاته مهمّة مهمّة حتى يأتي على آخرها ملحاً عليه، متوسلا بسعة رحمته إليه، راجياً لاجئاً، راهباً راغباً، منيباً تائباً، معترفاً لائذاً عائذاً، لا يجد ملجأ من الله تعالى إلاّ إليه، ولا منجى منه إلاّ به.

لهذا ترك الله السنن حرّة من قيد الجماعة، ليتزوّدوا فيها من الانفراد بالله ما أقبلت قلوبهم عليه، ونشطت أعضاؤهم له، يستقلّ منهم من يستقل، ويستكثر من يستكثر، فانها خير موضوع، كما جاء في الأثر عن سيّد البشر.

أما ربطها بالجماعة فيحدّ من هذا النفع، ويقلّل من جدواه.

٨٩
أضف إلى هذا انّ اعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظّها من البركة والشرف بالصلاة فيها، ويمسك عليها حظّها من تربية الناشئة على حبّها والنشاط بها، ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والأمّهات والأجداد والجدّات، وتأثيره في شدّ الأبناء إليها شدّاً يرسخها في عقولهم وقلوبهم، وقد سأل عبد الله بن مسعود رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أيّما أفضل الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ فقال (صلى الله عليه وآله) : "ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلأن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة" رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه، كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب للامام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري.

وعن زيد بن ثابت انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: "صلوا أيّها الناس في بيوتكم فانّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة"، رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه.

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم".

وعنه (صلى الله عليه وآله) قال: "مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحيّ والميّت" وأخرجه البخاري ومسلم.

وعن جابر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : "إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، وانّ الله جاعل في بيته من صلاته خيراً"، رواه مسلم وغيره ورواه ابن خزيمة في صحيحه بالاسناد إلى أبي

٩٠
سعيد. والسنن في هذا المعنى لا يسعها هذا الاملاء.

لكن الخليفة (رضي الله عنه) رجل تنظيم وحزم، وقد راقه من صلاة الجماعة ما يتجلّى فيها من الشعائر بأجلى المظاهر إلى ما لا يحصى من فوائدها الاجتماعية التي أشبع القول علماؤنا الأعلام ممن عالجوا هذه الأمور بوعي المسلم الحكيم، وأنت تعلم انّ الشرع الإسلامي لم يهمل هذه الناحية، بل اختصّ الواجبات من الصلوات بها، وترك النوافل للنواحي الأخر من مصالح البشر: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم"(١).

خاتمة المطاف

إنّ عمل الخليفة، لم يكن إلاّ من قبيل تقديم المصلحة على النصّ وليس المورد أمراً وحيداً في حياته، بل له نظائر في عهده نذكر منها ما يلي:

١ ـ تنفيذ الطلاق الثلاث، بعدما كان في عهد الرسول وبعده طلاقاً واحداً.

٢ ـ النهي عن متعة الحج.

١- النص والاجتهاد: ١٥١ ـ ١٥٢.

٩١

المسألة السادسة
الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات
في مجلس واحد


من المسائل التي أدّت إلى تعقيد الحياة الزوجيّة، ومزّقت وقطّعت صلات الأرحام في كثير من البلاد، هي مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة، بأن يقول: أنتِ طالق ثلاثاً، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق. فتحسب ثلاث تطليقات حقيقةً، وتحرم المطلّقة على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.

إنّ الطلاق عند أكثر أهل السنّة غير مشروط بشروط يحول عدمها دون إيقاعه، ككون المرأة غير حائض، أو وقوع الطلاق في غير طهر المواقعة، أو لزوم حضور العدلين. فربّما يتغلّب الغيظ على الزوج

٩٢
ويأخذه الغضب فيطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد، ثمّ يندم على عمله ندامة شديدة تضيق عليه الأرض بما رحبت، فيطلب المَخلَص من ذلك ولا يجد عند أئمّة المذاهب الأربعة والدعاة إليها مخلصاً فيقعد ملوماً محسوراً، ولا يزيده السؤال والفحص إلاّ نفوراً عن الفقه والفتوى.

نحن نعلم علماً قاطعاً بأنّ الإسلام دين سهل وسمح، وليس فيه حرج، وهذا يدفع الدعاة المخلصين إلى إعادة دراسة المسألة من جديد دراسة حرّة بعيدة عن الأبحاث الجامدة، التي أفرزها غلق باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية وأن يبحثوا المسألة في ضوء الكتاب والسنّة، بعد التجرّد عن خلفية الفتاوى السابقة.

أما أهم تلك الأقوال فهي:

قال ابن رشد: "جمهور فقهاء الأمصار على أنّ الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك"(١).

قال الشيخ الطوسي: "إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلا، وبه قال عليّ (عليه السلام) وأهل الظاهر، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق أنّه تقع واحدة كما قلناه، وروي أنّ ابن عباس وطاوساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الإمامية.

وقال الشافعي: فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه،

١- ابن رشد، بداية المجتهد ٢: ٦٢ ط بيروت.

٩٣
دفعة أو متفرّقة، كان ذلك مباحاً غير محذور ووقع. وبه قال في الصحابة عبد الرحمن بن عوف، ورووه عن الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق وأبو ثور.

وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة، أو متفرّقة، فعل محرّماً وعصى وأثم. ذهب إليه في الصحابة عليّ (عليه السلام) وعمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس. وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع(١).

قال أبو القاسم الخرقي في مختصره: وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، لزمه تطليقتان إلاّ أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأولى فتلزمه واحدة. وإن كانت غير مدخول بها بانت بالأولى ولم يلزمها ما بعدها لأنّه ابتداء كلام.

وقال ابن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي: "إذا قال لامرأته المدخول بها: أنت طالق مرّتين ونوى بالثانية إيقاع طلقة ثانية، وقعت لها طلقتان بلا خلاف، وإن نوى بها إفهامها أنّ الأُولى قدوقعت بها أو التأكّد لم تُطلّق إلاّ مرّة واحدة، وإن لم تكن له نيّة وقع طلقتان، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو الصحيح من قولي الشافعي. وقال في الآخر: تطلّق واحدة".

وقال الخرقي أيضاً في مختصره: "ويقع بالمدخول بها ثلاثاً إذا أوقعها، مثل قوله: أنت طالق، فطالق فطالق، أو أنت طالق ثمّ طالق، ثمّ

١- الشيخ الطوسي، الخلاف، ٢ كتاب الطلاق، المسألة ٣. وعلى ما ذكره، نقل عن الامام عليّ رأيان متناقضان، عدم الوقوع والوقوع مع الاثم.

٩٤
طالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق وطالق أو فطالق".

وقال ابن قدامة في شرحه: "إذا أوقع ثلاث طلقات بلفظ يقتضي وقوعهنّ معاً، فوقعن كلّهنّ، كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً"(١).

وقال عبد الرحمن الجزيري: "يملك الرجل الحرّ ثلاث طلقات، فاذا طلّق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الأربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين: كطاوس وعكرمة وابن اسحاق وعلى رأسهم ابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ"(٢).

الى غير ذلك من نظائر تلك الكلمات التي تعرب عن اتّفاق جمهور الفقهاء بعد عصر التابعين على نفوذ ذلك الطلاق، ورائدهم في ذلك تنفيذ عمر بن الخطاب، الطلاق الثلاث بمرأى ومسمع من الصحابة. ولكن لو دلّ الكتاب والسنّة على خلافه فالأخذ بهما متعيّن.

دراسة الآيات الواردة في المقام

قال سبحانه:

(وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ اِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إنْ أَرَادُوا إصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة/٢٢٨).

١- ابن قدامة، المغني ٧: ٤١٦.

٢- عبد الرحمن الجزيري، الفقه على المذاهب الأربعة ٤: ٣٤١.

٩٥
(الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً اِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ فَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَآ حُدودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيَما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (البقرة/٢٢٩).

(فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُونَ) (البقرة/٢٣٠).

(وَإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...)(البقرة/٢٣١).

جئنا بمجموع الآيات الأربع ـ مع أنّ موضع الاستدلال هو الآية الثانية ـ للاستشهاد بها في ثنايا البحث. وقبل الخوض في الاستدلال نشير إلى نكات في الآيات:

١ ـ قوله سبحانه: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) كلمة جامعة لا يؤدّى حقّها إلاّ بمقال مسهب، وهي تفيد أنّ الحقوق بينهما متبادلة، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وعلى الرجل عمل يقابله، فهما ـ في حقل المعاشرة ـ متماثلان في الحقوق والأعمال، فلا تسعد الحياة إلاّ بالاحترام المتبادل بين الزوجين، وقيام كلّ بوظيفته تجاه الآخر، فعلى المرأة القيام بتدبير المنزل وإنجاز ما به من أعمال.

وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، هذا هو الأصل الأصيل في حياة الزوجين الذي تؤيدها الفطرة، وقد قسّم النبيّ الأمور بين ابنته

٩٦
فاطمة وزوجها عليّ (عليه السلام) فجعل شؤون البيت في عهدة ابنته، وعمل الخارج على زوجها ـ صلوات الله عليهما ـ.

٢ ـ "المرّة" بمعنى الدفعة للدلالة على الواحد في الفعل، و "الإمساك" خلاف الإطلاق، و "التسريح" مأخوذ من السرح وهو الإطلاق يقال: سرح الماشية في المرعى: إذا أطلقها لترعى. والمراد من الإمساك هو إرجاعها إلى عصمة الزوجية. كما أنّ المقصود من "التسريح" عدم التعرّض لها، لتنقضي عدّتها في كلّ طلاق، أو الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح. على اختلاف في معنى الجملة. وإن كان الأقوى هو الثاني وسيوافيك توضيحه ودفع ما أثار الجصاص من الإشكالين حول هذا التفسير بإذن الله سبحانه.

٣ ـ قيّد الإمساك بالمعروف، والتسريح بإحسان، مشعراً بأنّه يكفي في الإمساك قصد عدم الاضرار بالرجوع، وأمّا الاضرار فكما إذا طلّقها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثمّ يطلّق كذلك، يريد بها الاضرار والإيذاء، وعلى ذلك يجب أن يكون الإمساك مقرناً بالمعروف، وعندئذ لو طلب بعد الرجوع ما آتاها من قبل، لا يعدّ أمراً منكراً غير معروف، إذ ليس اضراراً.

وهذا بخلاف التسريح، فلا يكفي ذلك بل يلزم أن يكون مقروناً بالإحسان إليها، فلا يطلب منها ما آتاها من الأموال. ولأجل ذلك يقول تعالى: (وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) أي لا يحلّ للمطلق استرداد ما آتاها من المهر، إلاّ إذا كان الطلاق خلعاً فعندئذ لا جناح عليها فيما اقتدت به نفسها من زوجها.

٩٧
وقوله سبحانه: (فِيَما افْتَدَتْ بِهِ) دليل على وجود النفرة من الزوجة، فتخاف أن لا تقيم حدود الله فتفتدي بالمهر وغيره لتخلّص نفسها.

٤ ـ لم يكن في الجاهلية للطلاق ولا للمراجعة في العدة، حدّ ولا عدّ، فكان الأزواج يتلاعبون بزوجاتهم يضارّوهنّ بالطلاق والرجوع ما شاءوا، فجاء الإسلام بنظام دقيق وحدّد الطلاق بمرّتين، فإذا تجاوز عنه وبلغ الثالث تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.

روى الترمذي: كان الناس، والرجل يُطلِّق امرأته ما شاء أن يطلّقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرة أو أكثر، حتى قال رجل لامرأته: والله لا أُطلّقك فتبيني منّي، ولا آويك أبداً قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك فكلّما همَّت عدَّتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي فسكت حتى نزل القرآن: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ...)(١).

٥ ـ اختلفوا في تفسير قوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) إلى قولين:

أ ـ إنّ الطلاق يكون مرّتين، وفي كلّ مرّة إمّا إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، والرجل مخيّر بعد إيقاع الطلقة الأُولى بين أن يرجع فيما اختار من الفراق فيمسك زوجته ويعاشرها بإحسان، وبين أن يدع زوجته في عدّتها من غير رجعة حتى تبلغ أجلها وتنقضي عدّتها.

وهذا القول هو الذي نقله الطبري عن السدي والضحاك فذهبا

١- الترمذي، الصحيح، ٣ كتاب الطلاق، الباب ١٦، الحديث ١١٩٢.

٩٨
إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرّتان فامساك في كلّ واحدة منهما لهنّ بمعروف أو تسريح لهنّ باحسان، وقال: هذا مذهب ممّا يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي رواه إسماعيل بن سميع عن أبي رزين(١).

يلاحظ عليه: أنّ هذا التفسير ينافيه تخلّل الفاء بين قوله: (مَرَّتَانِ)وقوله (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف) فهو يفيد أنّ القيام بأحد الأمرين بعد تحقّق المرّتين، لا في أثنائهما. وعليه لابدّ أن يكون كلّ من الإمساك والتسريح أمراً متحقّقاً بعد المرّتين، ومشيراً إلى أمر وراء التطليقتين.

نعم يستفاد لزوم القيام بأحد الأمرين بعد كلّ تطليقة، من آية أخرى أعني قوله سبحانه: (وَإذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا)(٢).

ولأجل الحذر عن تكرار المعنى الواحد في المقام يفسّر قوله: (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) بوجه آخر سيوافيك.

ب ـ ينبغي على الزوج بعدما طلّق زوجته مرّتين، أن يفكّر في أمر زوجته أكثر ممّا مضى، فليس له بعد التطليقتين إلاّ أحد أمرين: إمّا الإمساك بمعروف وإدامة العيش معها، أو التسريح باحسان بالتطليق الثالث الذي لا رجوع بعده أبداً، إلاّ في ظرف خاص. فيكون قوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) إشارة إلى التطليق الثالث الذي لا رجوع فيه ويكون التسريح متحقّقاً به.

١- الطبري، التفسير ٢: ٢٧٨ وسيوافيك خبر أبي رزين.

٢- البقرة: ٢٣١. وأيضاً في سورة الطلاق: " فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف " (الطلاق/٢).

٩٩
وهنا سؤالان أثارهما الجصاص في تفسيره:

١ ـ كيف يفسّر قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) بالتطليق الثالث، مع أنّ المراد من قوله في الآية المتأخّرة (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِإحْسَان) هو ترك الرجعة، وهكذا المراد من قوله: (فَإذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف) (الطلاق/٢) هو تركها حتى ينتهي أجلها، ومعلوم أنّه لم يرد من قوله: (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف) أو قوله: (أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف): طلّقوهنّ واحدة أُخرى(١).

ويلاحظ عليه: أنّ السؤال والإشكال الناشئ من خلط المفهوم بالمصداق، فاللفظ في كلا الموردين مستعمل في التسريح والطلاق، غير أنّه يتحقّق في مورد بالطلاق، وفي آخر بترك الرجعة، وهذا لا يعدّ تفكيكاً في معنى لفظ واحد في موردين، ومصداقه في الآية ٢٢٩، هو الطلاق، وفي الآية ٢٣١، هو ترك الرجعة، والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم.

٢ ـ إنّ التطليقة الثالثة مذكورة في نسق الخطاب بعده في قوله تعالى: (فَاِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وعندئذ يجب حمل قوله تعالى: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) المتقدم عليه على فائدة مجدّدة وهي وقوع البينونة بالاثنين(٢) بعد انقضاء العدّة.

وأيضاً لو كان التسريح بإحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى: (فَإنْ طَلَّقَهَا) عقيب ذلك هي الرابعة، لأنّ الفاء للتعقيب قد اقتضى

١- الجصاص، التفسير ٢: ٣٨٩.

٢- الأولى أن يقول: بكل طلاق.

١٠٠