×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبع مسائل فقهيّة / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

طلاقاً مستقلا بعدما تقدّم ذكره(١).

والإجابة عنه واضحة، لأنّه لا مانع من الاجمال أولا ثمّ التفصيل ثانياً، فقوله تعالى: (فَإنْ طَلَّقَهَا) بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الإجمالي، والتفصيل مشتمل على ما لم يشتمل عليه الاجمال من تحريمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره. فلو طلّقها الزوج الثاني عن اختياره فلا جناح عليهما أن يتراجعا بالعقد الجديد إن ظنّا أن يُقيما حدود الله، فأين هذه التفاصيل من قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان).

وبذلك يعلم أنّه لا يلزم أن يكون قوله: (فَإنْ طَلَّقَهَا) طلاقاً رابعاً.

وقد روى الطبري عن أبي رزين أنّه قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله) رجل فقال: يا رسول الله أرأيت قوله: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) فأين الثالثة؟ قال رسول الله: (إمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان)هي الثالثة(٢).

نعم الخبر مرسل وليس أبو رزين الأسدي صحابياً بل تابعي.

وقد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت أنّ المراد من قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) هي التطليقة الثالثة(٣).

إلى هنا تمّ تفسير الآية وظهر أنّ المعنى الثاني لتخلّل لفظ "الفاء" أظهر بل هو المتعيّن بالنظر إلى روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

بقي الكلام في دلالة الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً بمعنى عدم

١- الجصاص، التفسير ١: ٣٨٩.

٢- الطبري، التفسير ٢: ٢٧٨.

٣- البحراني، البرهان ١: ٢٢١. وقد نقل روايات ست في ذيل الآية.

١٠١
وقوعه بقيد الثلاث، وأمّا وقوع واحدة منها فهو أمر آخر، فنقول:

الاستدلال على بطلان الطلاق ثلاثاً

إذا عرفت مفاد الآية، فاعلم أنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأنّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الأُخرى، يتخلّل بينهما رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة. أو كرّر الصيغة فلا تقع الثلاث. وأمّا احتسابها طلاقاً واحداً، فهو وإن كان حقاً، لكنّه خارج عن موضوع بحثنا، واليك الاستدلال بالكتاب أوّلا والسنّة ثانياً.

أوّلا: الاستدلال بالكتاب

١ ـ قوله سبحانه: (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان).

تقدّم أنّ في تفسير هذه الفقرة من الآية قولين مختلفين، والمفسّرون بين من يجعلها ناظرة إلى الفقرة المتقدّمة أعني قوله: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ...) ومن يجعلونها ناظرة إلى التطليق الثالث الذي جاء في الآية التالية، وقد عرفت ما هو الحق، فتلك الفقرة تدلّ على بطلان الطلاق ثلاثاً على كلا التقديرين.

أمّا على التقدير الأوّل، فواضح; لأنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان.

قال ابن كثير: أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدّتها باقية، بين أن تردّها إليك ناوياً الإصلاح والإحسان وبين أن تتركها حتى تنقضي عدّتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها لا

١٠٢
تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها(١). وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل بواحد من الأمرين ـ الإمساك أو تركها حتى ينقضي أجلها ـ سواء طلّقها بلفظ: أنتِ طالق ثلاثاً، أو: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق.

وأمّا على التقدير الثاني، فإنّ تلك الفقرة وإن كانت ناظرة لحال الطلاق الثالث، وساكتة عن حال الطلاقين الأولين، لكن قلنا إنّ بعض الآيات، تدلّ على أنّ مضمونه من خصيصة مطلق الطلاق، من غير فرق بين الأولين والثالث فالمطلق يجب أن يُتبعَ طلاقه بأحد أمرين:

١ ـ الإمساك بمعروف.

٢ ـ التسريح بإحسان.

فعدم دلالة الآية الأُولى على خصيصة الطلاقين الأولين، لا ينافي استفادتها من الآيتين الماضيتين(٢). ولعلّهما تصلحان قرينة لإلقاء الخصوصية من ظاهر الفقرة (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان)وإرجاع مضمونها إلى مطلق الطلاق، ولأجل ذلك قلنا بدلالة الفقرة على لزوم إتباع الطلاق بأحد الأمرين على كلا التقديرين. وعلى أيّ حال فسواء كان عنصر الدلالة نفس الفقرة أو غيرها ـ كما ذكرنا ـ فالمحصّل من المجموع هو كون اتباع الطلاق بأحد أمرين من لوازم طبيعة الطلاق الذي يصلح للرجوع.

ويظهر ذلك بوضوح إذا وقفنا على أنّ قوله: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) من القيود الغالبية، وإلاّ فالواجب منذ أن يطلّق زوجته، هو القيام بأحد

١- ابن كثير، التفسير ١: ٥٣.

٢- الآية ٢٣١ من سورة البقرة والآية ٢ من سورة الطلاق.

١٠٣
الأمرين، لكن تخصيصه بزمن خاص، وهو بلوغ آجالهن، هو لأجل أنّ المطلّق الطاغي عليه غضبه وغيظه، لا تنطفئ سورة غضبه فوراً حتى تمضي عليه مدّة من الزمن تصلح، لأن يتفكّر في أمر زوجته ويخاطب بأحد الأمرين، وإلاّ فطبيعة الحكم الشرعي (فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسَان) تقتضي أن يكون حكماً سائداً على جميع الأزمنة من لدن أن يتفوّه بصيغة الطلاق إلى آخر لحظة تنتهي معها العدّة.

وعلى ضوء ما ذكرنا تدلّ الفقرة على بطلان الطلاق الثلاث وأنّه يخالف الكيفية المشروعة في الطلاق، غير أنّ دلالتها على القول الأوّل بنفسها، وعلى القول الثاني بمعونة الآيات الأُخر.

٢ ـ قوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ)

إنّ قوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولأجل ذلك عبّر سبحانه بلفظ "المرّة" ليدلّ على كيفية الفعل وأنّه الواحد منه، كما أنّ الدفعة والكرّة والنزلة، مثل المرّة، وزناً ومعنىً واعتباراً.

وعلى ما ذكرنا فلو قال المطِّق: أنت طالق ثلاثاً، لم يطلِّق زوجته مرّة بعد أُخرى، ولم يطلّق مرّتين، بل هو طلاق واحد، وأمّا قوله "ثلاثاً" فلا يصير سبباً لتكرّره، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضمّ عدد فوق الواحد. مثلا اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله "أربعاً". وفصول الأذان المأخوذة فيها التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة وإردافها بقوله "مرّتين". ولو حلف في القسامة وقال: "أُقسم بالله خمسين يمنياً أنّ هذا

١٠٤
كتاب سبع مسائل فقهيّة للشيخ جعفر السبحاني (ص ١٠٥ - ص ١٢٥)
١٠٥
العلقة الاعتبارية الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ المطلّقة لا تطلق، والمسرَّحة لا تسرح.

وربّما يقال: إنّ المطلقة ما زالت في حبالة الرجل وحكمها حكم الزوجة، فعندئذ يكون للصيغة الثانية والثالثة تأثير بحكم هذه الضابطة. ولكن الإجابة عنه واضحة، وذلك لأنّ الصيغة الثانية لغوٌ جداً، لأنّ الزوجة بعدها أيضاً بحكم الزوجة. وإنّما تخرج عنه إذا صار الطلاق بائناً وهو يتحقّق بالطلاق ثلاثاً.

والحاصل: أنّه لا يحصل بهذا النحو من التطليقات الثلاث، العدد الخاص الذي هو موضوع للآية التالية، أعني قوله سبحانه: (فَإنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) وكيف لا يكون ذلك، وقد قال (صلى الله عليه وآله) : "لا طلاق إلاّ بعد نكاح"، وقال: "لا طلاق قبل نكاح"(١).

فتعدّد الطلاق رهن تخلّل عقدة الزواج بين الطلاقين، ولو بالرجوع، وإذا لم تتخلّل يكون التكلّم أشبه بالتكلّم بكلام لغو.

قال السماك: إنّما النكاح عقدة تعقد، والطلاق يحلّها، وكيف تُحل عقدة قبل أن تعقد؟!(٢)

٣ ـ قوله سبحانه: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)

إنّ قوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ)، وارد في الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع(٣). ومن جانب آخر دلّ قوله سبحانه: (إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ

١- البيهقي، السنن الكبرى ٧: ٣١٨ - ٣٢١ ـ الحاكم، المستدرك ٢: ٢٤.

٢- المصدر نفسه ٧: ٣٢١.

٣- فخرج الطلاق البائن كطلاق غير المدخولة، وطلاق اليائسة من المحيض الطاعنة في السن وغيرهما.

١٠٦
لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ) (الطلاق/١). على أنّ الواجب في حقّ هؤلاء هو الاعتداد واحصاء العدّة، من غير فرق بين أن نقول: إنّ "اللام" في (عِدَّتِهِنَّ)للظرفية بمعنى "في عدّتهنّ" أو بمعنى الغاية، والمراد لغاية أن يتعددن، إذ على كلّ تقدير يدلّ على أنّ من خصائص الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع، هو الاعتداد واحصاء العدّة، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الأوّل عن الثاني، وإلاّ يكون الطلاق الأوّل بلا عدّة وإحصاء ولو طلّق اثنتين مرّة. ولو طلّق ثلاثاً يكون الأوّل والثاني كذلك.

وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت بهذه الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً:

روى صفوان الجمّال عن أبي عبد الله (عليه السلام) : أنّ رجلا قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس؟ قال: ليس بشيء، ثمّ قال: أما تقرأ كتاب الله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُ إذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ـ إلى قوله سبحانه ـ لَعَلَّ اللهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) ثمّ قال: كلّ ما خالف كتاب الله والسنّة فهو يرد إلى كتاب الله والسنّة(١).

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التطليق ثلاثاً فلا يبقى لقوله سبحانه: (لَعَلَّ اللهُ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً) فائدة لأنّه يكون بائناً ويبلغ الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، ولا تحلّ العقدة إلاّ بنكاح رجل آخر وطلاقه مع أنّ الظاهر أنّ المقصود حلّ المشكل من طريق الرجوع أو العقد في العدّة.

ثانياً: الاستدلال بالسنّة

تعرّفت على قضاء الكتاب في المسألة، وأمّا حكم السنّة، فهي

١- عبد الله بن جعفر الحميري، قرب الاسناد: ٣٠ ـ ورواه الحرّ العاملي في وسائل الشيعة ج ١٥، الباب ٢٩، الحديث ٢٥، من أبواب مقدّمات الطلاق.

١٠٧
تعرب عن أنّ الرسول كان يعدّ مثل هذا الطلاق لعباً بالكتاب.

١ ـ أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال: أُخبر رسول الله عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعاً، فقام غضباناً ثمّ قال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول الله ألا أقتله؟(١). إنّ محمود بن لبيد صحابي صغير وله سماع، روى أحمد باسناد صحيح عنه قال: أتانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصلّى بنا المغرب في مسجدنا فلمّا سلّم منها...(٢).

ولو سلمنا عدم سماعه كما يدّعيه ابن حجر في فتح الباري(٣) فهو صحابي ومراسيل الصحابة حجة بلا كلام عند الفقهاء، أخذاً بعدالتهم أجمعين.

٢ ـ روى ابن اسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلّق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول الله: كيف طلّقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد. قال: إنّما تلك طلقة واحدة فارتجعها(٤).

والسائل هو ركانة بن عبد يزيد، روى الإمام أحمد باسناد صحيح

١- النسائي، السنن ٦: ١٤٢ ـ والسيوطي، الدر المنثور ١: ٢٨٣.

٢- أحمد بن حنبل، المسند ٥: ٤٢٧.

٣- ابن حجر، فتح الباري ٩: ٣١٥، ومع ذلك قال: رجاله ثقات، وقال في كتابه الآخر بلوغ المرام، ٢٢٤: رواته موثّقون، ونقل الشوكاني في نيل الأوطار ٧: ١١ عن ابن كثير أنّه قال: اسناده جيد، أُنظر " نظام الطلاق في الإسلام " للقاضي أحمد محمد شاكر: ٣٧.

٤- ابن رشد، بداية المجتهد ٢: ٦١ ـ ورواه آخرون كابن قيم في إغاثة اللهفان: ١٥٦ ـ والسيوطي في الدرّ المنثور ١: ٢٧٩ وغيرهم.

١٠٨
عن ابن عباس قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال: فسأله رسول الله: كيف طلّقتها؟ قال: طلّقتها ثلاثاً. قال، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنّما تلك واحدة فرجعها إن شئت. قال: فأرجعها فكان ابن عباس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر(١).

الاجتهاد مقابل النص

التحق النبيّ الأكرم بالرفيق الأعلى وقد حدث بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وصراعان فكريان، فعليّ ومن تبعه من أئمّة أهل البيت، كانوا يحاولون التعرّف على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية ورواية، ولا يعملون برأيهم أصلا، وفي مقابلهم لفيف من الصحابة يستخدمون رأيهم للتعرّف على الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.

إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نصّ، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان فيه نصّ ودلالة.

يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو

١- أحمد بن حنبل، المسند ١: ٢٦٥.

١٠٩
استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها نزلت الآية أو ورد الحديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيّته(١).

إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانوا ينبذون النصّ ويعملون بالرأي، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة، من هذا القبيل. وإن كنت في ريب من ذلك فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه:

١ ـ روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم(٢).

٢ ـ وروى عن ابن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة عمر)؟ فقال: نعم(٣).

٣ ـ وروى أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم(٤).

١- أحمد أمين، فجر الإسلام: ٢٣٨، نشر دار الكتاب.

٢ و ٣- مسلم، الصحيح: ٤ باب الطلاق الثلاث، الحديث ١ و ٢.

٤- مسلم، الصحيح: ٤ باب الطلاق الثلاث، الحديث ٣. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.

١١٠
٤ ـ روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر (رضي الله عنه) وصدراً من إمارة عمر(رضي الله عنه) فلمّا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهنّ عليهم(١).

٥ ـ أخرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر (رضي الله عنه) قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه من تعجل أناة الله في الطلاق ألزمناه إيّاه(٢).

٦ ـ عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك(٣).

٧ ـ عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِم كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه. من قال لامرأته: أنتِ عليَّ حرام، فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنتِ بائنة، فهي بائنة، ومن قال: أنتِ طالق ثلاثاً، فهي ثلاث(٤).

هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه، ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّر عنه بتنقيح المناط واسراء الحكم الشرعي إلى المواضع التي تتشارك المنصوص في

١- البيهقي، السنن ٧: ٣٣٩ ـ والسيوطي، الدر المنثور ١: ٢٧٩.

٢- العيني، عمدة القارئ ٩: ٥٣٧، وقال: اسناده صحيح.

٣ و ٤- المتقي الهندي، كنز العمال ٩: ٦٧٦، برقم ٢٧٩٤٣.

١١١
المسألة، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكر أخذاً بروح القانون، وهو أنّ علّة التحريم هي الإسكار الموجودة في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النصّ ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا تبريرات لحكم الخليفة، منها:

لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يخالف نصّ القرآن أو ظاهره، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض الوجوه حتّى يتبرّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد مقابل النصّ بل يكون صادراً عن دليل شرعي، ومن تلك الوجوه:

١ ـ نسخ الكتاب بالاجماع الكاشف عن النص:

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فان قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر (رضي الله عنه) لا ينسخ، وكيف يكون النسخ بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ؟ قلت: لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع إنكار، صار إجماعاً، والنسخ بالاجماع جوّزه بعض مشايخنا، بطريق أنّ الإجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والإجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور.

فان قلت: هذا إجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقهم، قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا(١).

١- العيني، عمدة القارئ ٩: ٥٣٧.

١١٢
يلاحظ عليه أولا: أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة، كانت ذا قولين بين نفس الصحابة، فكيف انعقد الاجماع على قول واحد، وقد عرفت الأقوال في صدر المسألة. ولأجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الإجماع البتة ويقول: "وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد واحدة، ولم ينقض هذا الإجماع بخلافه، بل لا يزال في الأُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا"(١).

وثانياً: أنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم، ولو كان هناك نصّ عند الخليفة، لكان التبرير به هو المتعيّن.

وفي الختام نقول: أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفى ١٢٩٨) حيث قال: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين: أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب الله تعالى أو سنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسيّة، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين(٢).

١- تيسير الوصول ٣: ١٦٢.

٢- العمري، ايقاظ همم أُولي الأبصار: ٩.

١١٣

٢ ـ تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود الله:

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس، إلاّ عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود الله، فاستشار أُولي الرأي، وأُولي الأمر وقال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّا وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال: أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة وأنّه من تعجّل أناة الله ألزمناه إيّاه(١).

لم أجد نصّاً فيما فحصت في مشاورة عمر أُولي الرأي والأمر، غير ما كتبه إلى أبي موسى الأشعري بقوله: "لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة..."(٢) وهو يخبر عن عزمه وهمّه ولا يستشيره، ولو كانت هنا استشارة كان عليه أن يستشير الصحابة من المهاجرين والأنصار القاطنين في المدينة وعلى رأسهم عليّ بن أبي طالب، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة ويقتفي رأيه.

ولا يكون استعجال الناس، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّئ بقوّة ومنعة، وكيف تصحّ مؤاخذتهم بما أسماه رسول الله لعباً بكتاب الله(٣).

يقول ابن قيم: إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والاجماع القديم، ولم يأت بعده اجماع يبطله ولكن رأى أمير المؤمنين

١- أحمد بن حنبل، المسند ١: ٣١٤، برقم ٢٨٧٧، وقد مرّ تخريج الحديث أيضاً، لاحظ نظام الطلاق في الإسلام لأحمد محمد شاكر: ٧٩.

٢- المتقي الهندي، كنز العمال ٩: ٦٧٦، برقم ٢٧٩٤٣.

٣- السيوطي، الدر المنثور ١: ٢٨٣.

١١٤
عمر (رضي الله عنه) أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم إيقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بإمضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرِّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصدّيق، وصدراً من خلافته كان الأليق بهم، لأنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون الله في الطلاق، وقد جعل الله لكلّ من اتّقاه مخرجاً، فلمّا تركوا تقوى الله وتلاعبوا بكتاب الله وطلّقوا على غير ما شرّعه الله ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ الله شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة(١).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التبرير لعمل الخليفة غير صحيح، إذ لو كانت المصالح المؤقتة مبرّرة لتغيّر الحكم فما معنى "حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة" ولو صحّ ما ذكره لتسرّب التغيّر إلى أركان الشريعة، فيصبح الإسلام اُلعوبة بيد الساسة، فيأتي سائس فيحرِّم الصوم على العمال لتقوية القوّة العاملة في المعامل.

وفي الختام فقد تنبّه بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور لما في تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولأجل ذلك تغيّر قانون محاكم مصر الشرعيّة، وخالفت مذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية.

١- ابن قيم، اعلام الموقعين ٣: ٣٦.

١١٥
وللأسف أنّ كثيراً من مفتي أهل السنّة على تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولأجل ذلك يقول مؤلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة: "ليس المراد مجادلة المقلّدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم، فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها، لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب الله وسنّة رسوله"(١).

١- السيد محمد رشيد رضا، المنار ٢: ٣٨٦١، ط الثالثة ١٣٧٦ هـ.

١١٦

المسألة السابعة
النهي عن متعة الحج
أو الاجتهاد تجاه النصّ


إنّ الكاتب المصري أحمد أمين، يصف الخليفة عمر بن الخطاب بأنّه كان ممّن يأخذ بروح القانون لا بلفظه(١). وهو يريد بذلك تفسير ما شوهدت منه في بعض الموارد المخالفة للنصوص، ولو صحّ ما ذكره في بعضها فانّ البعض الآخر غير صحيح. ونحن نرى أنّه كان ممّن يجتهد تجاه النص، ويأخذ بالرأي، مكان الأخذ بالدليل.

إنّ العاطفة الدينية هي التي دفعت الكاتب المصري إلى ذلك التفسير، ولو أنّه تأمّل فيما سبق من تنفيذ الطلاق الثلاث، وما يأتي منه

١- أحمد أمين، فجر الإسلام ٢: ٢٣٨ نشر دار الكتاب.

١١٧
في هذه المسألة من تحريم حجّ التمتّع، وحصره في القران والافراد، يقف على أنّه كان ممّن يقدّم المصلحة المزعومة على الذكر الحكيم وتنصيص النبيّ الأكرم، وإنّه ما نهى عن متعة الحج وما هدّد بفاعلها إلاّ أنّه كان يكره أن يغتسل الحاج تحت الأراك ثم يفيض منه إلى الحجّ ورأسه يقطر ماءً، لأنّ التحلّل من محظورات الإحرام بين العمرة والحج، من لوازم ذاك النوع من الحج، وهو ممّا كان لا يروقه.

وإن كنت في شكّ فاقرأ ما نتلوه عليك:

اتّفق الفقهاء على أنّ أنواع الحجّ ثلاثة: تمتّع، وقران، وافراد.

والمقصود من الأول، هو إحرام الشخص بالحج في أشهره (شوال وذي القدة وذي الحجة). والإتيان بأعمالها، والتحلّل من محظورات الإحرام بالفراغ منها، ثمّ الإحرام بالحج من مكّة والإتيان بأعماله من الوقوف بعرفات والإفاضة إلى المشعر و...

ويصحّ هذا النوع من الحج ممّن كان آفاقياً، أي من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ويبتعد بيته عن مكّة بمقدار يجوز فيه تقصير الصلاة. وعند الإماميّة من نأى عن مكة ٨٤ ميلا من كلّ جانب وهو لا يتجاوز عن ٦١ فرسخاً.

وأمّا القسمان الآخران، فالقران عند أهل السنّة هو الإحرام بالحج والعمرة معاً ويقول: لبّيك اللّهمّ بحجّ وعمرة، فيأتي بأعمال الحجّ أولا ثمّ العمرة بإحرام واحد. وهو القران الحقيقي.

وهناك قسم يسمّى بالقران الحكمي، وهو أن يدخل إحرام الحج في إحرام العمرة ثمّ يجمع بين أعمالها. وذلك بأن يحرم بالعمرة أولا،

١١٨
وقبل أن يطوف لها، إمّا أربعة أشواط، أو قبل أن يشرع فيه يحرم للحج، على اختلاف بين الحنفية والشافعية، وهل يكتفي بطواف وسعي واحد، أو لكلٍّ طوافه وسعيه؟ فيه اختلاف.

وأمّا الافراد، فهو أن يُحرم بالحجّ من ميقاتِ بلده، وبعد الفراغ من أعماله، يُحرِم بالعمرة. والقران والافراد، يشترك فيهما جميع الناس ولا يختص بغير الآفاقي.

هذا لدى أهل السنّة وأمّا الإماميّة، فالقران والافراد واجب على من لم يكن بين مكة وبيته، ٨٤ ميلا، وأمّا النائي عن هذا الحد، فواجبه هو حجّ التمتع.

والقران والافراد، ليسا أمرين متغايرين عندهم، بل يتمتع كلّ منهما بإحرام للحج وإحرام للعمرة، غير أنّ الإحرام في الأوّل يقترن بسوق الهدي دون الثاني، وعلى ذلك لا يجوز عندهم الإتيان بالحجّ والعمرة بإحرام واحد، ولا إدخال إحرام الحجّ في إحرام العمرة، كما في القران الحكمي(١).

والأصل حجّ التمتع، كما في قوله سبحانه: (فَإذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة/١٩٦).

وتفسير الآية: انّ من "تمتع" بسبب الإتيان "بالعمرة" بما يحرم

١- لاحظ المختصر النافع للمحقّق الحلّي: ٧٨ ـ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢: ٣٩١ ـ والمغني لابن قدامة ٣: ٢٣٣ ـ والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ٢: ٦٨٤ وغيرها.

١١٩
على المحرم، كالطيب والمخيط والنساء ومتوجّها "الى الحجّ" فعليه "ما استيسر من الهدي" من البدنة أو البقرة أو الشاة. ثمّ بيّن كيفية الصيام وقال: "ثلاثة أيّام في الحجّ" متواليات و "سبعة إذا رجعتم" إلى أوطانكم "تلك عشرة كاملة وذلك" أي التمتع بالعمرة إلى الحجّ فرض على من لم يكن أهله باعتبار موطنه ومسكنه، "حاضري المسجد الحرام" أي لم يكن من أهل مكة وقراها "واتّقوا اللهَ" فيما أُمرتم به ونهيتم عنه في أمر الحج "واعلموا أنّ الله شديد العقاب".

والآية صريحة في جواز التمتّع بمحظورات الإحرام بعد الإتيان بأعمال العمرة، وقبل التوجّه إلى الحج، ولم يدّع أحد كونها منسوخة بآية، أو قول أو فعل، بل أكّد النبيّ الأكرم تشريعه بعمله.

روى أهل السير والتاريخ: انّ رسول الله خرج في العام العاشر من الهجرة إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي القعدة، وقالت عائشة: لا يُذكَر ولا يَذكُر النّاسُ إلاّ الحجّ حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله (صلى الله عليه وآله) معه الهدي، وأشراف من أشراف الناس، أمر الناس أن يحلّوا بعمرة إلاّ من ساق الهدي ـ إلى أن قالت: ـ ودخل رسول الله مكة فحلّ كلّ من كان لا هدي معه، وحلّت نساؤُه بعمرة، ـ إلى أن قال: ـ لمّا أمر رسول الله نساءه أن يحلُلن بعمرة قلن: فما يمنعك يا رسول الله أن تحلّ معنا؟ فقال: إنّي أهديتُ ولبّوت فلا أُحلّ حتى أنحَرَ هديي.

إنّ رسول الله كان بعث علياً (رضي الله عنه) إلى نجران فلقيه بمكّة وقد أحرم فدخل على فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوجدها قد حلَّتْ وتهيّأت فقال: ما لك يا بنت رسول الله؟ قالت: أمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن نحلّ بعمرة

١٢٠