×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سبع مسائل فقهيّة / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

فحللنا، ثمّ أتى رسول الله فلمّا فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) : إنطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك، قال: يا رسول الله إنّي أهللتُ كما أهللتَ فقال: إرجع فاحلل كما حلّ أصحابُك، قال: يا رسول الله إنّي قلت حين أحرمت: اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به نبيُّك وعبدُك ورسولُك (صلى الله عليه وآله) قال: فهل، معك من هدي؟! قال: لا. فأشركه رسول الله في هديه وثبتَ على إحرامه مع رسول الله حتى فرغا من الحجّ، ونحر رسول الله الهدي عنهما(١).

هذا هو الذكر الحكيم المدعم بالسنّة وإجماع الأُمة، ومع ذلك نرى أنّ بعض الصحابة لا يروقه متعة الحج لا في عصر الرسالة ولا بعده بل يفتي بتحريمها! وإليك البيان:

١ ـ روى أبو داود انّ النبيّ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة، يطوفوا ثمّ يُقصِّروا ويُحلِّوا إلاّ من كان معه الهدي فقالوا: أننطلق إلى منى وذكورنا تقطر، فبلغ ذلك رسول الله فقال: "لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت"(٢).

٢ ـ روى مالك، عن محمد بن عبد الله أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحّاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وممّا يذكران أن التّمتّع بالعمرة إلى الحج. فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلاّ من جهل أمر الله عزّوجلّ. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: إنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك، فقال سعد: قد صنعها

١- ابن هشام، السيرة النبوية ٢: ٦٠١ ـ ٦٠٢ و ٤: ٢٤٨ ـ ٢٤٩ (ط ج).

٢- أبو داود، السنن ٢: ١٥٦، رقم ١٧٨٩.

١٢١
رسول الله وصنعناها معه(١).

٣ ـ وروي عن عبد الله بن عمر أنّه قال: والله لأن أعتمر قبل الحجّ وأهدي أحبّ إليّ من أن أعتمر بعد الحج في ذي الحجّة(٢).

٤ ـ روى الترمذي عن سالم بن عبد الله أنّه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحج فقال عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها! فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم أمر أبي نتبع أم أمر رسول الله؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله، فقال: لقد صنعها رسول الله(٣).

٥ ـ روى مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يديّ دار الحديث وتمتّعنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلمّا قام عمر قال: إنّ الله كان يُحلّ لرسوله ما شاء، بما شاء، وإنّ القرآن قد نزل منازلهُ، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله كما أمركم الله ـ إلى أن قال في الحديث: ـ فأفصلوا حجّكم من عمرتكم، فانّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم(٤).

ومن العجب أنّ الزرقاني يقوم بتصويب فتوى الخليفة ويعلّق على الرواية ويقول: الإتمام في قوله سبحانه: (فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ

١- الإمام مالك، الموطأ، كتاب الحج رقم ٦٠ ـ والترمذي، السنن، كتاب الحج رقم ٨٢٣.

٢- المصدر نفسه، رقم ٦١.

٣- الترمذي، الصحيح، كتاب الحج، باب ما جاء في التمتع رقم ٨٢٤.

٤- مسلم، الصحيح ٤: ٣٨، كتاب الحج، باب في المتعة بالحج والعمرة.

١٢٢
للهِ) يقتضي استمرارَ الإحرام إلى فراغ الحج ومنع التحلّل، والمتمتّع متحلّل ويستمتع بما كان محظوراً عليه(١).

يلاحظ عليه أولا: لو صحّ ما ذكره من التفسير تلزم المعارضة بين صدر الآية، أعني قوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ) وبين ذيلها الدالّة على جواز التمتّع بين الإحرامين بقوله: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةَ اِلَى الْحَجِّ) وهو كما ترى.

وثانياً: أنّ الإتمام يهدف إلى فعل كلّ من الحج والعمرة تماماً، بمعنى: إذا شرعتم في فعلِ كلّ فأتمّوه، مثل قوله: (وَاِذَا ابْتَلَى اِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ) (البقرة/١٢٤) وقوله سبحانه: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ اِلَى اللَّيْلِ)(البقرة/١٨٧)، لا إلى الاستمرار.

وثالثاً: إذا كان التفسير تبريراً لنهي الخليفة، فهو في الوقت نفسه تخطئة للنبيّ الأكرم، حيث أمر أصحابه وأهل بيته بالتحلّل، وإنّما هو لم يتحلّل لسوقه الهدي.

نعم أراد الخليفة من قوله: "فافصلوا حجّكم من عمرتكم"، هو الإيتان بالعمرة في غير أشهر الحج. روى الجصاص عن ابن عمر أنّ عمر قال: أن تفرّقوا بين الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتمّ لحجّ أحدكم(٢).

٦ ـ روى الإمام أحمد عن أبي نضرة عن جابر قال: متعتان كانتا

١- تعليقة الزرقاني، المطبوعة على هامش صحيح مسلم ٤: ٣٨.

٢- الجصاص، أحكام القرآن ١: ٢٨٥.

١٢٣
على عهد النبيّ فنهانا عنها عمر (رضي الله عنه) فانتهينا(١).

٧ ـ روى ابن حزم في المحلّى بسنده قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما ـ ثمّ قال: ـ هذا لفظ أيوب، وفي رواية خالد: أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج(٢).

٨ ـ لم يكن نهي الخليفة عن متعة الحج مستنداً إلى دليل شرعي وانّما نهى عنه لما كرهه أن يظلّوا معرّسين بهنّ في الأراك، ثمّ يروحون بالحج تقطر رؤوسهم(٣).

وهذا هو الذي نوّهنا عنه في صدر البحث: أنّ الخليفة ومن لفّ لفّه، كانوا يقدّمون المصالح المزعومة على النصوص الشرعية مهما تضافرت وتواترت.

ثمّ إنّ المتأخّرين قاموا بحفظ كرامة الخليفة، فحرّفوا الكلم عن مواضعه وأوّلوا نهي الخليفة بوجهين:

١ ـ قالوا: إنّ ما حرّمه وأوعد عليه، غير هذا، وإنّما هو أن يحرم الرجل بالحجّ حتى إذا دخل مكة فسخ الحجّ إلى العمرة، ثمّ حُلّ وأقام حلالا حتى يهلّ بالحجّ يوم التروية(٤).

وهذا كما ترى، لا يوافق ما مرّ من النصوص، خصوصاً ما نقلناه

١- الإمام أحمد، المسند ١: ٥٢ ـ و ٣: ٣٢٥.

٢- ابن حزم، المحلّى ٧: ١٠٧ ـ الجامع لأحكام القرطبي ٢: ٣٩٢.

٣- الامام أحمد، المسند ١: ٥٠ ـ ابن ماجة، السنن ٢، كتاب الحج، باب التمتع بالعمرة إلى الحج، ٢٩٧٩ ـ والبيهقي، السنن ٥: ٢٠.

٤- القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٢: ٢٠٩٢.

١٢٤
من المناظرة بين سعد والضحاك بن قيس من صحيح مسلم. ومن يقف على النصوص الكثيرة، والمناظرة الدائرة بين النبيّ وأصحابه، وبين الصحابة أنفسهم يطمئنّ انما نهى عن حجّ التمتع.

وقد روى البخاري عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمانَ وعليّاً ـ رضي الله عنهما ـ، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمّا رأى عليٌّ (النهي) أهلّ بهما: لبّيك بعمرة وحجّة قال: ما كنت لأدع سنّة النبي (صلى الله عليه وآله) لقول أحد(١).

٢ ـ إنّ نهي الخليفة عن متعة الحجّ لاختصاص إباحة المتعة بالصحابة في عمرتهم مع رسول الله فحسب.

ويكفينا في الردّ عليه قول ابن القيم: "إنّ تلكم الآثار الدالّة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصحّ، عمّن نُسب إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص المشرَّع المعصوم، ففي صحيحة الشيخين وغيرهما عن سراقة بن مالك قال: مُتعتُنا هذه يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال: لا بل للأبد(٢).

قال العيني في قوله سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ): أجمع المسلمون على إباحة التمتّع في جميع الأعصار، وأمّا السنّة فحديث سراقة: "المتعة لنا خاصة أم هي للأبد؟ قال: بل للأبد"، وحديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحج نحو هذا. ومعناه أنّ أهل

١- العيني، عمدة القارئ ٥: ١٩٨.

٢- صحيح البخاري ٣: ١٤٨ كتاب الحج، باب عمرة التنعيم ـ مسند أحمد ٣: ٣٨٨ و ٤: ١٧٥ ـ سنن البهيقي ٥: ١٩.

١٢٥