×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السجود على التربة الحسينية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

لا مهرب له منها، هي التي تحكم وتفتق، وتنقض وتبرم، وترفع وتخفض، وتصل وتقطع، وتقرب وتبعد، وتأخذ وتعطي، وتعز وتذل،وتثيب وتعاقب، وتحقر وتعظم.

هي التي تجعل الجندي المجهول مكرماً، معظماً، محترماً، وتراه أهلاً لكل اكبار وتجليل وتجيل، لدى الشعب وحكومته، وتنثر الأوراد والأزهار على تربته ومقبره، وتدعه يذكر مع الأبد، خالداً ذكره في صفحة التاريخ.

هي التي تهون لديها الكوارث والنوازل، وبمقاييسها يقاسي الانسان الشدائد والقوارع والمصائب الهائلة، ويبذل النفس والنفيس دونها.

هي التي جعلت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل الصحابي العظيم عثمان بن مظعون وهو ميت، ودموعه تسيل على خديه كما جاء عن السيدة عائشة (١).

(١) اخرجه ابو القاسم عبدالملك ابن بشران في اماليه، وابو الحسن علي بن الجعد الجوهري في الجزء العاشر من مسنده، والحاكم النيسابوري في المجلد الثالث من المستدرك. وحفاظ واعلام آخرون.
٦١

هي التي دعت النبي صلى الله عليه وآله الى أن يبكي على ولده الحسين السبط، ويقيم كل تلكم المآتم ويأخذ تربة كربلاء ويشمها ويقبلها، الى آخر ما سمعت من حديثه.

هي التي جعلت السيدة ام سلمة ام المؤمنين تصر تربة كربلاء على ثيابها.

هي التي سوغت للصديقة فاطمة ان تأخذ تربة قبر ابيها الطاهر وتشمّها.

هي التي حكمت على بني ضبة يوم الجمل أن تجمع بعرة جمل عايشة ام المؤمنين وتفتها وتشمها كما ذكره الطبري.

هي التي جعلت علياً امير المؤمنين عليه السلام أخذ قبضة من تربة كربلاء لما حلّ بها فشمها وبكى حتى بلّ الأرض بدموعه، وهو يقول: يحشر من هذا الظهر سبعون الفاً يدخلون الجنة بغير حساب. أخرجه الطبراني وقال الهيثمي في المجمع: ٩/١٩١ رجاله ثقات.

هي التي جعلت رجل بني اسد يشم تربة الحسين ويبكي قال هشام ابن محمد: لما اجرى الماء على قبره الحسين نضب

٦٢
بعد اربعين يوماً وامتحى اثر القبر، فجاء اعرابي من بني اسد فجعل يأخذ قبضة قبضة من التراب ويشمه حتى وقع على الحسين فبكى وقال: بأبي وامي ما كان اطيبك حياً واطيب تربتك ميتاً، ثم بكى وأنشأ يقول:
أرادوا ليخفوا قبره عن عداوة * وطيب تراب القبر دلّ على القبر

راجع تاريخ ابن عساكر: ٤/٣٤٢، كفاية الحافظ الكنجي:٢٩٣.

فالفرد البشري كائناً من كان، أينما كان وحيثما كان، من أي عنصر وشاكلة على تكثر شواكله، واختلاف عناصره، في جميع أدوار الحياة هو أسير تلك الحكومة، ورهين لفظة:

روحي، بدني، مالي، اهلي، ولدي، أقاربي، رحمي، اسرتي، تجارتي، نحلتي، ملتي، طائفتي، مبدئي، داري، ملكي، حكومتي، قادتي، سادتي، الى ما لا يحصى من المضاف المنسوب اليه.

٦٣

وهذه هي حرفياً بصورة الجمع الاضافي مأكلة بين شدقي الحكومات والدول، والجمعيات، والهيئات، والأحياء، والشعوب، والقبائل، والأحزاب والملل، والنحل، والملوك، والطوائف، والسلطات الحاكمة الى كليات لا تتناهى.

وبمجرد تمامية النسبة وتحقق الاضافة في شيء جزئي أو كلي، أو أمر فردي أو اجتماعي. لدى اولئك المذكورين تترتب آثار، وتتسجل احكام لا منتدح لأي احد من الخضوع لها والاخبات اليها، والقيام دونها، والتقيد بها.

وهذا بحث جدّ ناجع تنحل به مشكلات المجتمع في المبادئ والآراء والمعتقدات. وعقود الضغينة والمحبة، وعويصات المذاهب. ومقررات الشرع الأقدس. وفلسفة مقربات الدين الحنيف، ومقدسات الاسلام وشعائره. والحرمات والمقامات والكرامات.

فبعد هذا البيان الضافي يتضح لدى الباحث النابه الحر سر فضيلة تربة كربلاء المقدسة، ومبلغ انتسابها الى الله سبحانه وتعالى، ومدى حرمتها وحرمة صاحبها دنواً

٦٤
واقراباً من العلي الأعلى، فما ظنك بحرمة تربة هي مثوى قتيل الله، وقائد جنده الاكبر المتفاني دونه، هي مثوى حبيبه وابن حبيبه، والداعي اليه، والدال عليه، والناهض له، والباذل دون سبيله اهله ونفسه ونفيسه، والواضع دم مهجته في كفه تجاه اعلاء كلمته، ونشر توحيده، وتحكيم معالمه، وتوطيد طريقه وسبيله.

فأي من ملوك الدنيا ومن عواهل البلاد من لدن آدم وهلم جرا عنده قائد ناهض طاهر كريم وفيّ صادق أبيّ شريف عزيز مثل قائد شهداء الاخلاص بالطف: الحسين المفدى؟

لماذا لا يباهي به الله، وكيف لا يتحفظ على دمه لديه، ولا يدع قطرة منه أن تنزل الى الأرض لما رفعه الحسين بيديه الى السماء (١).

(١) أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي باسناده، والحافظ ابن عساكر في تاريخ الشام: ٤/٣٣٨ باسناده عن الخطيب، والحافظ الكنجي في الكفاية ص ٢٨٤ عن الحسن المثنى عن مسلم بن رياح مولى امير المؤمنين قال: كنت مع الحسين يوم قتل فرمي فادنيتها فلما امتلأ قال: اسكبه في يدي فسكبته في يديه فنفخ بهما الى السماء وقال: اللهم اطلب بدم ابن بنت نبيك قال مسلم: فما وقع الى الأرض منه قطرة. وقد جاء ان الحسين عليه السلام رمى بدم حنكه الى السماء لما اصابه السهم. واخرج حديثه جمع من الحفاظ.
٦٥

كيف لا يديم ذكره في أرضه وسمائه، وقد اتخذت محبة الله بمجاميع قلبه؟

وكيف لا يسود وجه الدنيا في عاشورائه؟ ولا يبدي بينات سخطه وغضبه يوم قتله في صفحة الوجود؟ ولماذا لم تبك عليه الأرض والسماء؟ كما جاء عن ابن سيرين فيما اخرجه جمع من الحفاظ. ولماذا لم تمطر السماء يوم قتله دماً؟ كما جاء حديثه متواتراً.

ولماذا لم يبعث الله رسله من الملائكة المقربين الى نبيه صلى الله عليه وآله بتربة كربلائه؟ ولماذا لم يشمها رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقبلها ولم يذكرها طيلة حياتة؟ ولماذا لم يتخذها بلسماً في بيته؟

فهلم معي أيها المسلم الصحيح، أفليست السجدة على تربة هذا شأنها لدى التقرب الى الله في أوقات الصلوات، اطراف الليل والنهار، أولى وأحرى من غيرها من كل ارض وصعيد وقاعة وقرارة طاهرة، أو من البسط والفرش والسجاد المنسوجة على نول هويات مجهولة؟ ولم يوجد في السنة أي مسوغ للسجود عليها.

٦٦

أليس أجدر بالتقرب الى الله، وأقرب بالزلفى لديه، وأنسب بالخصوع والخشوع والعبودية له تعالى أمام حضرته، وضع صفح الوجه والجباه على تربة في طيها دروس الدفاع عن الله، ومظاهر قدسه، ومجلى التحامي عن ناموسه ناموس الاسلام المقدس؟

أليس أليق بأسرار السجدة على الارض السجود على تربة فيها سر المنعة والعظمة والكبرياء والجلال لله جل وعلا، ورموز العبودية والتصاغر دون الله بأجلى مظاهرها وسماتها؟

أليس أحق بالسجود تربة فيها بينات التوحيد والتفاني دونه؟ تدعو الى رقة القلب، ورحمة الضمير والشفقة والتعطف.

أليس الأمثل والأفضل اتخاد المسجد من تربة تفجرت في صفيحها عيون دماء اصطبغت بصبغة حب الله، وصيغت على سنة اللة وولائه المحض الخالص؟

فعلى هذين الاصلين نتخذ نحن من تربة كربلاء قطعاً لمعاً وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنورة يسجد عليها

٦٧
والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة ومعلم السنة بها، وحاشاه من البدعة، ففي أي من الأصلين حزازة وتسعف؟ وأي منهما يضاد نداء القرآن الكريم؟ أو يخالف سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله؟ وأيهما يستنكر ويعد بدعة؟ وأيهما خروج عن حكم العقل والمنطق والاعتبار؟

وليس اتخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتم، ولا من واجب الشرع والدين، ولا مما الزمه المذهب، ولايفرق أي أحد منهم منذ اول يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها‎، خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم. وان هو عندهم الا استحسان عقلي ليس الا، واختيار لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت. وكثير من رجال المذهب يتخذون معهم في اسفارهم غير تربة كربلاء مما يصح السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم.

ونحن نرى ان الأخذ بهذين الأصلين القويمين، والنظر

٦٨
الى رعاية أمري الحيطة والحرمة ومراقبتهما، يحتم على اهالي الحرمين الشريفين: مكة والمدينة، واللائذين بجنابهما، والقاطنين في ساحتهما أن يتخذوا من تربتهما أقراصاً وألواحاً مسجداً لهم، أخذاً بالاصلين وتخلصاً من حرارة حصاة المسجد الشريف القارصة أيام الظهائر وشدة الرمضاء، يسجدون عليها في حضرهم، ويحملونها معهم مسجداً طاهراً مباركاً في اسفارهم سيرة السلف الصالح نظراء الفقيه مسروق ابن الأجدع كما سمعت حديثه، ويجعلونها في تناول يد الزائرين والحجاج والوافدين الى تلكم الديار المقدسة من الحواضر الاسلامية، تقتنيها الامة المسلمة مسجداً لها، في الحضر والسفر، وتتخذها تذكرة وذكرى لله ولرسوله ولمهابط وحيه، تذكرها ربها ونبيها متى ما ينظر اليها، وتشمها وتستشم منها عرف التوحيد والنبوة، وتكون نبراساً في بيوت المسلمين تتنور منها القلوب، وتستضيء بنورها افئدة اولي الألباب، ويتقرب المسلمون الى الله تعالى في كل صقع وناحية في أرجاء العالم بالسجود على تربة أفضل بقعة اختارها الله لنفسه بيت أمن ودار حرمة وعظمة وكرامة، ولنبيه حرماً ومضجعاً مباركاً.
٦٩