×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سلامة القرآن من التحريف وتفنيد الإفتراءات على الشيعة الإمامية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

٤١

الفصل الثاني
دراسة روايات تحريف القرآن في كتب الشيعة

النقطتان الأساسيّتان

إنّ التحريف الذي تسرّب إلى الكتب السماوية السابقة (سواء أكان ذلك التحريف في معانيها ثمّ أخذ طريقه إلى نصوصها فيما بعد، كما نسب ذلك إلى ابن عباس(١)، أو كان التحريف في ألفاظها مباشرة) واضح من خلال نصوصها، حينما ينظر الإنسان إلى كتب العهدين يمكنه ادراك التحريف فيها بسهولة(٢)، لكن ليس بوسع أحد التحدّث عن تحريف القرآن بالاستناد إلى النص القرآني، وهذا نفسه أفضل شاهد على تحقّق الوعد الالهي في حفظ القرآن من التحريف، وكلّ النزاعات المتعلّقة بتحريف القرآن تدور حول الرّوايات التي جاءت بهذا الصدد في كتب الفريقين، وكلّ من قال بتحريف القرآن كان مستنده هذه الرّوايات فقط، وليس

١ ـ صحيح البخاري: كتاب التوحيد، ج ٩، ص ١٩٥.

٢ ـ انظر على سبيل المثال: قاموس الكتاب المقدس: مادة انجيل، والرحلة المدرسيّة: ٤ ـ ٦٨، والهدى إلى دين المصطفى: ج ١، ص ٣٥ ـ ٣٨، ٧١ ـ ٣٠٦.

٤٢
بمقدوره التشبث بالنص القرآني نفسه، فلهذا ينبغي أن يتركز البحث حول هذه الرّوايات، فنلاحظ أولا ما مقدار اعتبار هذه الرّوايات؟ وهل بالإمكان تأييدها من قبل القرآن نفسه أو لا؟

وثانياً، ما هو معنى المفاهيم الأساسية التي تورد في مضامين الرّوايات ويدور مفاد الرّوايات في الواقع على تلك المفاهيم.

النقطة الاولى: مدى اعتبار روايات تحريف القرآن

إذا اخذنا هذا بنظر الاعتبار علمنا أنّ حجية الرّوايات حدوثاً وبقاءً تعتمد على القرآن إذ إنّ القرآن نفسه أرشد إلى السنة في تبيينه وتفسيره وهذا يعني أنّ حجية أيّ رواية تدور مدار إمضاء القرآن لها وعدمه فان أمضى صارت الرواية حجة وإلاّ فلا، وبناءً على هذا فاذا كان نصُّ الرّوايات ـ بعد الفراغ من صحة السند ـ موافقاً للقرآن فبها; وإلاّ وجب طرحه كما هو حال السيرة المتلقاة عن المعصومين عليهم السلام. وهنا عندنا طائفتان من الرّوايات:

الاولى تثبت التّحريف في القرآن والاخرى تنفيه فاذا عرضناهما على القرآن رأينا بوضوح ان القرآن ينفي الاولى ويثبت الثانية، فاسقاط روايات التّحريف أمر لابد منه.

بل ان روايات التّحريف مخالفة للسنة القطعية أيضاً اذ كيف يمكن للعترة التي هي مبيّنة للوحي ووارثة للكتاب وعدل القرآن ـ بدليل حديث الثقلين(١) ـ أن تكون على خلاف الهدف الذي نزل من أجله القرآن وتخالف تعاليمه صراحةً، ونظراً للأهمية الكبرى لهذه المسألة (أي إثبات التّحريف في القرآن) فقد لزم أن تكون الرّوايات في هذا الموضوع نصوصاً صريحة واضحة الدلالة على المراد، وإلاّ

١ ـ سيبحث عن حديث الثقلين بالإجمال في المقام الثاني.

٤٣
صارت مُضِلّةً ومضيّعة للإنسان ومبعدة له عن القرآن وعن السنّة الصحيحة; إذ كيف يمكن لنا الهداية إذا كان القرآن محرّفاً والسنة غير صحيحة؟ ذلك لأنّ القرآن إذا كان محرّفاً فلا يمكن اعتباره معياراً لمعرفة صحيح الأحاديث من سقيمها كي يتمّ الاعتماد على الصحيح منها.

وبهذه المقدّمة اتّضح أنّ ذلك العدد القليل من المحدّثين الذين يصرفون همهم إلى زيادة عدد الرّوايات دون التحرّي عن صحتها وسقمها، قد اعتمدوا على تلك الرّوايات ـ التي تشعر بظاهرها على التحريف ـ نتيجة غفلتهم عن النكتة آنفة الذكر، وبالتالي صارت الرّوايات عندهم حاكمة على القرآن في حال كونها مقابلة للنصوص الصريحة الواردة عن المعصومين عليهم السلام في حاكمية القرآن، ومخالفة صراحة لظاهر القرآن الذي أوكل الى السنّة الشريفة تبيين الوحي وتفسيره، ومعنى هذا الإيكال هو أنّ الرّوايات في مدار تبيين الوحي صارت حجة فقط لا غير.

نعم ان هذا النوع من المحدثين لإفراطهم في التعلّق بالروايات دون القرآن ابتعدوا ـ من حيث لا يشعرون ـ عن النسج والنهج القرآني وصدر منهم كل غريب(١). فيستحيل مثلا على كلّ من له حظّ من المعرفة بالنسج القرآني ـ مهما كان قليلا ـ أن يقول: انّه لا يوجد تناسب بين الجملتين في قوله تعالى: (... وإنْ خفتم ألاّ تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء...)(٢) وانه قد سقط شيء بينهما;

١ ـ يوجد هذا النوع من تعلق الخاطر بين العامّة والخاصّة، فقد كتب القاضي عياض في البحث عن اسطورة القاء الشيطان في الوحي والذي روي في بعض تفاسير أهل السنة كتفسير الطبري وغيره: "ان هذا حديث لم يخرجه احد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وانما اولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم" (الشفاء بتعريف حقوق المصطفى: ج ٢، ص ٧٥٠).

٢ ـ سورة النساء (٤): الآية ٣.

٤٤
وذلك لأنّه بأقل تأمل يتضح وجود ارتباط وثيق وتناسب دقيق بين الجملتين، حيث إنّ الخطاب في الآية السابقة يتعلّق بأموال اليتامى والنهي عن التجاوز على حقوقهم، فقال تعالى عزُّه: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطّيّب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوباً كبيراً)(١) فالآية واقعة موقع الترقي بالنسبة إلى النهي الواقع في هذه الآية فالمعنى ـ والله أعلم ـ اتقوا أمر اليتامى، ولا تتبدلوا خبيث أموالكم بطيب أموالهم، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتى إنّكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات منهم ولم تطب نفوسكم للخوف من عدم القسط فلا تنكحوهن وتتزوجوا بهن، فدعوهن وانكحوا نساءً غيرهن ما طاب لكم مثنى وثلاث ورباع والشاهد عليه الآية ١٢٧ من السورة نفسها، قال تعالى: (يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهنَّ ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط...).

وعلى هذا كيف تقبل رواية تقول; "سقط بين هاتين الجملتين المتقدمتين من الآية الشريفة ثلث القرآن"(٢)، وهذه الرواية بالاضافة إلى كونها مرسلة فهي مخالفة للنص القرآني الصريح فتكون ساقطة عن الاعتبار من حيث الدلالة، ولو أضفنا إلى ذلك كون المخاطب بهذا الكلام هو أحد الزنادقة الذي أحتج واستدل على تحريف القرآن بهذه الآية، فكيف يصحّ من الإمام علىّ ـ عليه السلام ـ أن يجيبه بما يدلّ على سقوط ثلث القرآن بين جملتي الآية; وهذا يكون دليلا ضد

١ ـ سورة النساء (٤): الآية ٢.

٢ ـ الاحتجاج: ج ١، ص ٣٧٧ ـ ٣٧٨. لا يخفى انه لم يخرج احد هذه الرواية اِلاّ صاحب كتاب الاحتجاج مرسلة.

٤٥
كتاب سلامة القرآن من التحريف للدکتور فتح الله المحمدي (ص ٤٦ - ص ٦٠)
٤٦

ولا يسألانهم عن هذا الاضطراب الفاحش فيما يزعمون أنه من القرآن ولا يسألانهم عن التمييز بين بلاغة القرآن وعلوّ شأنه فيها وبين انحطاط هذه الفقرات، ولكن أليس للمعرفة أن تسألهم عن الغلط في قولهم "غير المشركة" فهل يوصف الدين بأنّه مشركة وفي قولهم "الحنيفية المسلمة" وهل يوصف الدين أو الحنيفية بأنه مسلمة وقولهم "ان ذات الدين" وفي قولهم "انا انزلنا المال لاقام الصلاة" ما معنى انزال المال وما معنى كونه لاقام الصلاة!؟ و..."(١).

والحق أن سبب كلّ تلك المشكلات هو فكرة حاكمية الرّوايات على القرآن وعدم فهم طريقة القرآن في عرض تعاليم السماء من جهة، وميل القلوب الى أصحاب وأرباب كتب الحديث بدل تعلقها واُنسها بالكتاب السماوي من جهة أخرى، وكلّ ذلك إنّما يحكي عن وجود فاصلة كبيرة بينهم وبين قدسية القرآن الكريم.

وما أروع ماسطّره بنان الشيخ كاشف الغطاء إذ يقول:

"يا للعجب من قوم يزعمون سلامة الأحاديث وبقاءها محفوظة وهي دائرة على الألسن ومنقولة في الكتب في مدّة ألف ومئتي سنة، وأنـّها لو حدث فيها نقص لظهر واستبان وشاع!! لكنهم يحكمون بنقص القرآن وخفي ذلك في جميع الأزمان!!"(٢).

نعم، فالمحققون لم يصرفوا همّهم وجهدهم إلى جمع الرّوايات فقط بل اعتنوا بأمر القرآن والسنّة بخصوص التدبّر في الآيات والدرّاية في الرّوايات(٣). وبناءً عليه

١ ـ آلاء الرحمن في تفسير القرآن: ج ١، ص ٢٠.

٢ ـ عن كتاب "الحقّ المبين": ص ١١، عن صيانة القرآن عن التّحريف: ص ٦٦.

٣ ـ في نهج البلاغة: "اعقلوا الخبر إذا سمعتموه عقل رعاية لا عقل رواية، فإن رواة العلم كثير ورعاته قليل". باب الحكم، الرقم ٩٨.

وعن أبي عبد الله عليه السلام قال:

"قال أبو جعفر عليه السلام: يابُنّي! اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فانّ المعرفة هي الدرّاية للرواية وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن الى أقصى درجات الايمان...". بحار الأنوار: ج ١، ص ١٠٦.

وروى الخطيب باسناده عن علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن أبيه عن جدّه عن آبائه عليهم السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:

"كونوا دراة ولا تكونوا رُواة، حديث تعرفون فقهه خير من ألف حديث تروونه"

مجموعة رسائل في علوم الحديث للنسائي والخطيب البغدادي: ص ١٢٥.

٤٧
فالاكثرية الساحقة منهم يرون أنّ تلك الرّوايات لا تتفق وروح القرآن وتعاليمه فلم يميلوا إلى القول بالتحريف قط وذلك انهم انصتوا لما أوصانا أئمتنا المعصومون عليهم السلام في رواياتهم بعرضها على القرآن.

روايات العرض وميزانية تعاليم الوحي

الرّوايات التي تسمى بروايات العرض وردت في أزمان مختلفة وبشكل متواتر، وصارت تعتبر كقاعدة قطعية من المعصومين عليهم السلام، كرواية "الميثمي"(١)و"عبد الرحمن بن أبي عبد الله"(٢) و"الحسن بن الجهم"(٣) و"عمر بن حنظلة"(٤)وغيرها على ما هو الظاهر من مفادها.

وأيضاً الرّوايات الواردة في عرض الأخبار على الكتاب مطلقاً وترك العمل بما لا يوافقه أو لم يشبهه وما يقرب من ذلك، كرواية "السكوني" عن أبي عبد الله عليه

١ ـ راجع وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ج ٢٧، باب ٩ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٢١.

٢ - نفس المصدر: الحديث ٢٩.

٣ ـ نفس المصدر: الحديث ٤٠.

٤ ـ نفس المصدر: الحديث ٤٠.

٤٨
السلام، قال:

"قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إن على كلّ حقّ حقيقة وعلى كل صواب نوراً فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه"(١).

والمراد بالموصول مطلق الكلام والرأي وغيرهما، وعلى هذا يعدّ الكتاب ميزاناً للمخاطبين مشخصّاً لهم الحقّ والباطل والصواب والخطأ.

ومثلها رواية "عبد الله بن أبي يعفور"(٢) ورواية "أيّوب بن راشد"(٣) ورواية "أيّوب بن الحرّ".

قال أيّوب بن الحرّ:

"سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: كلّ شيء مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف"(٤).

وأيضاً رواية "هشام بن الحكم وغيره" عن أبي عبد الله عليه السلام عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم(٥). و"جميل بن درّاج" عن أبي عبد الله عليه السلام(٦)و"جابر بن يزيد الجعفي" عن أبي جعفر عليه السلام(٧) و"سدير الصيرفي" عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام(٨) ورواية جعفر بن محمّد بن مسعود عن أبيه عن

١ ـ الكافي: ج ١، ص ٦٩، الرقم ١ وتفسير العياشي: ج ١، ص ٨، الرقم ٢ والأمالي (للطوسي): ج ٢، ص ٢٢٧، الرقم ٤.

٢ ـ الكافي: ج ١، ص ٦٩، الرقم ٢.

٣ ـ نفس المصدر: ج ١، ص ٦٩، الرقم ٤.

٤ ـ نفس المصدر: ج ١، ص ٦٩، الرقم ٣ وتفسير العياشي: ج ١، ص ٨، الرقم ٤.

٥ ـ الكافي: ج ١، ص ٦٩، الرقم ٥ وتفسير العياشي: ج ١، ص ٩ الرقم، ١.

٦ ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة: ج ٢٧، باب ٩ من أبواب صفات القاضي، ص ٨٦، الرقم ٣٥.

٧ ـ الامالي (للطوسي): ج ١، ص ٢٣٦.

٨ ـ تفسير العياشي: ج ١، ص ٩، الرقم ٦.

٤٩
أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه عن آبائه الكرام عليهم السلام قال:

"قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم:... فاذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع وماحل مصدَّق من جعله أمامه قاده إلى الجنّة"(١).

نستفيد من هذه الأخبار أن القاعدة هى إرجاع الأخبار والآراء الى الكتاب وجعل الميزان فيها هو الكتاب مطلقاً(٢)، وطرح ما خالفه أو لا يشبهه حتّى ما لم يكن يوافقه ولا يخالفه إذا لم تكن مستجمعة لشرائط الحجّية، والعجب ممّن عكسوا الأمر، فلم يأخذوا بالكتاب نفسه أصلاً بل جعلوا الحديث ميزاناً للكتاب.

نعم إذا كان القرآن ميزاناً فيجب أن يكون متواتراً مقطوعاً به لا يدنّسه التّحريف، لأنه المقياس الفارق بين الحقّ والباطل ولا موضع للشكّ في المقياس نفسه وإلاّ سقطت فائدة عرض الرّوايات وغيرها عليه.

وهذا الميزان قد حاز الاهمية العظمى لدى علماء الإمامية في تمييز صحيح الأخبار من سقيمها وفي مقام الإفتاء وغير ذلك.

قال ثقة الإسلام أبو جعفر الكليني (ت ٣٢٩) في حلّ تعارض الرّوايات:

"فاعلم يا أخي ـ أرشدك الله ـ أنـّه لا يسع أحداً تمييز شيء مما اختلف الرواية فيه عن العلماء عليهم السلام برأيه إلاّ على ما أطلقه

١ ـ نفس المصدر: ج ١، ص ٢، الرقم ٢ وص ٦، الرقم ١١ وبحار الأنوار: ج ١٩، ص ١٧.

٢ ـ يوجد مضمون هذه الرّوايات في الكتب المعتبرة للامامية عن النبىّ الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم والإمام علي عليه السلام والصادقين وأبي الحسن الأوّل والثاني والثالث عليهم السلام. وهذا يدل على اهتمام ائمة الهدى عليهم السلام بهذا المقياس في جميع الاعصار والظروف، فمن الكتب غير ما ذكر، الأمالي (للصدوق): ص ٣٠٠، الرقم ١٦ وعيون أخبار الرضا عليه السلام: ج ٢، ص ٢٠، الرقم ٤٥ والتوحيد (للصدوق رحمه الله): ص ١١٠، الرقم ٩، نهج البلاغة: ص ٤٣٦، باب الحكم، الرقم ٥٢ و...

٥٠

العالم(١) بقوله عليه السلام: "اعرضوها على كتاب الله فما وافق كتاب الله عزّ وجلّ فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه"(٢).

وأسقط شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (ت ٤٦٠ هـ.) في مقام الإفتاء روايتين صحيحتي الاسناد لتعارضهما مع كتاب الله، ففي كتاب الديات، روايتان صحيحتا السند عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام:

"...إنّ خطأ المرأة والعبد مثل العمد..."(٣).

"...إنّ خطأ المرأة والغلام عمد..."(٤).

قال الشيخ رحمة الله عليه:

"... إن خطأ المرأة والعبد عمد وفي الرواية الاخرى: إنّ خطأ المرأة والغلام عمد فهو مخالف لقول الله تعالى; لأنّ الله عز وجل حكم في القتل الخطأ بالدية دون القود ولا يجوز أن يكون الخطأ عمداً..."(٥).

وعلماء الإمامية "رضوان الله عليهم" لم يألوا جهداً لمعرفة هذا المقياس الوحيد فلذا دوّنوا كتب أحكام القرآن ليمهّدوا إلى معرفة حكم الله من كتابه وعرض الرّوايات عليه، فمن كتب القدماء "فقه القرآن" لقطب الدين هبة الله الراوندي (٥٧٣ هـ.) و"كنز العرفان في فقه القرآن" لمقداد بن عبد الله السيوري (٨٣٦ هـ.) و... وكتب المتأخرين في هذا المجال كثيرة جداً.

فالمستفاد على كل حال من هذه الأحاديث هو أنّ القرآن ميزان ومقياس مطلقاً، وحينئذ فروايات التّحريف عند العرض على كتاب الله ساقطة لا محالة، كما

١ ـ أي: الإمام الكاظم عليه السلام.

٢ ـ الكافي; خطبة الكتاب: ج ١، ص ٨.

٣ ـ التهذيب: ج ٢، ص ٥١٣، الكافي: ج ٢، ص ٣٢٤، الفقيه: ص ٣٨٦.

٤ ـ نفس المصدر السابق.

٥ ـ الاستبصار فيما اختلف فيه من الأخبار: ج ٤، ص ٢٨٧.

٥١
قال المحقق قاضي القضاة علي بن عبد العالي الكركي (ت ٩٤٠ هـ.) في رسالة نفي النقيصة:

"... فقد وجب عرض الأخبار على هذا الكتاب وأخبار النقيصة إذا عرضت عليه كانت مخالفة له، لدلالتها على أنه ليس هو، وأيّ تكذيب يكون أشدّ من هذا"(١).

أمّا المبنى الشائع عند بعض أهل السنّة في العقائد والفقه فقد كان وما يزال على خلاف ذلك، فقد عقد الدارمي في سننه باباً بعنوان: السنة قاضية على كتاب الله(٢)بل لقد قال عبد الرحمان بن مهدي:

"الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث، يعنى ماروي عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: ما أتاكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله فان وافق كتاب الله فأنا قلته وان خالف كتاب الله فلم أقله وإنما أنا موافق كتاب الله وبه هداني الله"(٣).

وقد حكى زكريا الساجي، عن يحيى بن معين أنه قال:

"هذا حديث وضعته الزنادقة"(٤).

وقال أبو بكر البيهقي:

"الحديث الّذي روي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصح،

١ ـ نقلاً عن شرح الوافية للسيد الاعرجي: باب حجية الكتاب من أبواب الحجج في الاصول، ص ٩٠، ومثل المحقق الكركي رحمه الله صدر المتألهين (ت ١٠٥٠) في شرح الكافي: ص ٢٠٢ ـ ٢٠٥ والسيد محمّد مهدي الطباطبائي الملقب ببحر العلوم (ت ١١٥٥) في كتابه فوائد الاصول، بنقل البروجردي في البرهان: ص ١١٨ ـ ١٢٠.

٢ ـ سنن الدارمي: ج ١، ص ١٤٥ وتأويل مختلف الحديث: ص ١٩٩.

٣ ـ جامع بيان العلم: ج ٢، ص ٢٣٣.

٤ ـ عون المعبود فى شرح سنن أبي داود: ج ٤، ص ٤٢٩.

٥٢

وهو ينعكس على نفسه بالبطلان فليس في القرآن دلالة على عرض الحديث على القرآن..."(١).

وكيف يقول البيهقي لا يوجد في القرآن دلالة على ذلك؟! ألم يمرّ على سمعه قوله تعالى: (... فإن تنازعتم في شيء فَردّوه إلى الله والرسول...)(٢) فالراد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه(٣) وأيضاً قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)(٤). فالقرآن هو الذي اوكل تبيينه إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، والرّوايات حاكية عن سنّته الشريفة، فالسنة تكتسب من القرآن حجيتها والصحيحة المرتبطة بالقرآن والتي تدور مداره وترتبط به وما سواها لا عبرة به.

نعم في كنز العمال عن الطبراني في الكبير عن النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: "اعرضوا حديثي على كتاب الله فإن وافقه فهو مني وأنا قُلته"(٥).

وفي سنن الدارمي بسنده عن أبي هريرة قال: "... فكان ابن عباس إذا حدّث قال إذا سمعتموني أحدث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلم تجدوه في كتاب الله وحسناً عند الناس فاعلموا أنـّي قد كذبت عليه"(٦).

ونسب إلى عائشة أمّ المؤمنين:

"انها ترد كل ما روي مخالفاً للقرآن وتحمل رواية الصادق من الصحابة على خطأ السمع أو سوء الفهم."(٧)

١ ـ دلائل النبوة: ج ١، ص ٢٦.

٢ ـ سورة النساء (٤): الآية ٥٩.

٣ ـ انظر نهج البلاغة، الخطبة ٥٣.

٤ ـ سورة النحل (١٦): الآية ٤٤.

٥ ـ كنز العمال: ج ١، ص ١٧٩، ح ٩٠٧.

٦ ـ سنن الدارمي: ج ١، ص ١٤٦، باب تأويل حديث رسول الله.

٧ ـ اضواء على السنة المحمدية: ص ٤٣٠.

٥٣
بل ظاهر كلام بعض أهل السنة انهم اعتنوا بميزانيّة القرآن كمحمد عبده حيث قال:

"فن الحديث على شرط ان يؤخذ مفسِّراً للقرآن مبيّناً له مع اطراح ما يخالف نصّه من الأحاديث الضعيفة، والاجتهاد لإرجاع الأحاديث الصحيحة إليه ان كان ظاهرها يوهم المخالفة."(١)

وعلى كل حال فلعلّ قلّة اهتمام بعض أهل السنة بجعل القرآن مقياساً في علاج الرّوايات التي تدلّ بظاهرها على التّحريف الّتي وردت في كتبهم، لزعمهم بطلان روايات عرض الأخبار على القرآن وهو كما ترى!

النقطة الثانية: دراسة تحليلية عن مفاهيم "الإقراء"، "التنزيل" و"التأويل" في الرّوايات:

إنّ البحث عن مفاهيم هذه الألفاظ يسهّل لنا كثيراً من الصعوبات التي تواجهنا في فهم روايات التّحريف، فنحن اليوم نفهم كثيراً من هذه الألفاظ بمعنى مغاير لما اصطلح عليه قديماً، وعلى أساس هذا الفهم الخاطىء نضع الرّوايات موضع البحث والنقد، بينما كانت هذه الألفاظ في عصر صدورها بعيدة عن معانيها المستحدثة بل أجنبية، ويبدو لي أنّ السبب الرئيس في ما يستدل به المثبتون للتحريف ـ من خلال هذه الرّوايات ـ هو غفلتهم عن هذه المسألة.

فأكثر الألفاظ والتعابير استعمالاً في الصدر الأوّل في لسان الرّوايات: "كنا نقرأ كذا" "تنزيله كذا" "هكذا نزلت" "تأويله كذا". فماذا يراد من هذه الألفاظ أو التعابير؟

١ ـ تاريخ الاسناد: ج ٢، ص ٥١٦ نقلاً عن اضواء على السنة المحمدية: ص ٤١١، ومثله عن "رشيد رضا" في "المنار": ج ٢، ص ٢٨٨ وهو ظاهر قول من صرّح بان ما يخالف النص القاطع من الكتاب يعلم كذبه كالشيرازي في "اللمع" والغزّالي في "المستصفى" نقلاً عن "توجيه النظر" للجزائري: ص ٨١ ـ ٨٢.

٥٤

دراسة عن مفهوم الإقراء

ففي اللّغة حيث يقال: "أقرأه الرجل" بمعنى جعله يَقْرأ فهو مُقرِىٌ ويقال: أقْرأَه القرآن. وللسيد مرتضى العسكري "مدّ ظلّه" في مورد اصطلاح "اقراء" والتطور التأريخي لهذه اللفظة بحث قيّم إليك خلاصته:

"كان معنى الاقراء على عهد الرسول إلى سنوات قليلة من بعده تعليم تلاوة اللفظ مع تعليم معناه (اصطلاحاً)، والمقرئ من يعلّم تلاوة لفظ القرآن مع تعليم معنى اللفظ... وأصبح بعد انتشار تعلم القرآن يستعمل الإقراء في أحد المعنيين وهو تعليم معنى الآيات التي تحتاج إلى تفسير ومن تلك الموارد ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس انه قال: "كنت أُقرىء رجالاً من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجّها... الحديث"(١).

وإذا علمنا أنّ إسلام عبد الرحمن بن عوف كان في السنة الثالثة من البعثة حسب ما يذكر ابن هشام من أخبار السابقين إلى الإسلام من المهاجرين(٢) وأن آخر حجة حجَّها عمر كانت سنة ٢٣ وقتل في الشهر نفسه في المدينة، عرفنا أنّ المدة بين الزمانين أكثر من اثنتين وثلاثين سنة ولم يكن كبراء المهاجرين أمثال عبد الرحمن بن عوف أطفال كتاتيب ليقرئهم ابن عباس تلاوة ألفاظ القرآن، وإنما كان

١ ـ صحيح البخاري: من الزنا إذا أحصنت من كتاب الحدود: ج ٨، ص ٢٠٨.

٢ ـ ذكر ابن هشام إسلام عبد الرحمن بن عوف وآخرين من المهاجرين قبل مباداة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في السنة الثالثة من البعثة، راجع سيرة ابن هشام: ط. الحلبي بمصر سنة ١٣٥٥ هـ: ج ١، ص ٢٦٨.

٥٥

يعلمهم تفسير القرآن"(١).

وقال الشيخ المفيد من أعلام الإمامية (ت / ٤١٣ هـ.) وهو في مقام دفع الإشكال فيما حذف من القرآن الموجود وهو ثابت في مصحف الإمام علىّ من تأويل القرآن وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، قال:

"وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً، قال الله تعالى (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل ربّ زدني علماً) فسمّى تأويل القرآن قرآناً وهذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف"(٢).

وقال أبو جعفر النحاس من أعلام أهل السنّة (ت / ٣٣٨ هـ.) وهو في مقام دفع الإشكال عن حديث ابن عباس حيث قال: "خطبنا عمر بن الخطاب قال: كنّا نقرأ الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من الشهوة" قال النحاس:

"واسناد الحديث صحيح إلاّ أنـّه ليس حكمه حكم القرآن الذي نقله الجماعة عن الجماعة ولكنه سنة ثابتة.. وقد يقول الإنسان كنت أقرأ كذا لغير القرآن..."(٣).

وعلى هذا فينبغي التوجه إلى انّه حينما تذكر الرّوايات أنّ النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقرأ الآية كذا، فالمراد قراءة ألفاظها مع تفسير معانيها التي كان النبىّ يتلقّاه من الوحي. فعلى سبيل المثال كان عبد الله ابن مسعود يقول:

"(يا أيّها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربّك ـ إن عليّاً مولى المؤمنين ـ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته)هكذا كنا نقرأُ الآية على عهد رسول الله

١ ـ القرآن الكريم وروايات المدرستين: ج ١، ص ٢٩١.

٢ ـ أوائل المقالات والمذاهب المختارات: ص ٨١.

٣ ـ كتاب الناسخ والمنسوخ: ص ١١.

٥٦

صلّى الله عليه وآله وسلّم."(١)

فليس مراده من لفظ "إن علياً مولى المؤمنين" انه جزء من الآية القرآنية، بل مراده هو اننا فى مقام تعليم الآية الشريفة: كنا نقرأها هكذا لأنّ التعليم والتفسير لهما دور مباشر في فهم الآية، وهما مما يحتاجه قارىء القرآن(٢).

فعلى هذا يكون معنى الرواية التي تقول: "أُبي أقرأنا"(٣) فيما لو أغمضنا النظر عن سندها صحةً وسقماً: أن أُبي بن كعب كان يعرف قراءة القرآن ويدرك معاني ألفاظه، وكذلك يعرف "بيان وتفسير" النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم للآيات الشريفة، وتمييزه صلّى الله عليه وآله وسلّم للوحي القرآني النازل للاعجاز، عن الوحي غير القرآني النازل بعنوان البيان والتفسير، ويعرف أيضاً الناسخ من المنسوخ اكثر من غيره(٤).

وعلى أي حال فهذه كانت هي السنة الشائعة في زمان النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في تفسير وتبيين آيات الوحي، ولكنّ بعض الخلفاء جرّدت القرآن من التفسير والتبيين مما كان منشأً لحصول الاختلاف في فهم الآيات القرآنية لأنّ النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يبيّن الآيات النازلة عليه تدريجاً ويفسرها(٥) ولكن

١ ـ الدرّ المنثور: ج ٣، ص ١١٧ وكشف الغمة ـ لعلي بن عيسى الإربلي من أعلام الإمامية (ت / ٦٩٣ هـ.): ج ١، ص ٢١٩.

٢ ـ ولمزيد التوضيح لاحظ: آلاء الرحمن: ج ٢، ص ٧٧.

٣ ـ الاستيعاب بهامش الإصابة: ج ١، ص ١٣١ والجامع الصحيح للترمذي: ج ٥، ص ٦٦٦ ومجمع الزوائد: ج ٩، ص ٣١٢.

٤ ـ الشاهد على هذا الأمر أيضاً كلام عمر بن الخطاب حيث يقول: "أُبي اقرؤنا وأقضانا علي [عليه السلام ]وانّا لندع من لحن اُبي وذلك ان اُبيّاً يقول: لا ادع شيئاً سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقد قال الله تعالى: (ما ننسخ من آية أو ننسها...). نفس المصادر التي سبقت بالرقم ٣.

٥ ـ قال ابن الجزري:

"كانوا [أي الصحابة] ربما يدخلون التفسير في القراءة أيضاً وبياناً لأنّهم محققون لما تلقوه عن النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قرآناً فهم آمنون من الإلتباس وربما كان بعضهم يكتبه معه". (النشر: ج ١، ص ٣٢)

٥٧
لم يوفق كل الناس لسماعها منه صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكذلك غاب عن الكثير أسباب النزول ممّا ادى الى حصول الاختلاف في تنزيل الآيات القرآنية الشريفة وتفسيرها وتأويلها.

ذكر أبو عبيد القاسم بن سلاّم (ت ٢٢٤) بإسناده عن إبراهيم التيمي:

"خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه: كيف تختلف هذه الأمّة ونبيّها واحد؟

فأرسل إلى ابن عباس، فقال: كيف تختلف هذه الأمّة ونبيّها واحد وقِبلتها واحدة؟! فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إنّا اُنزل علينا القرآن فقرأناه وعلمنا فيما نزل، وانّه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل فيكون لهم فيه رأي فاذا كان لهم فيه رأي اختلفوا فاذا اختلفوا اقتتلوا. قال: فزبره عمر وانتهره. فانصرف ابن عباس ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه، فقال: أعد عليّ ما قلت، فأعاده عليه فعرف عمر قوله وأعجبه"(١).

فابن عباس حسب هذه الرواية لا يرى اختلافاً في نصّ القرآن الكريم، ولكنه يرى الاختلاف في عدم معرفة سبب نزول الآيات وشرائط وظروف نزولها وهذا ما أدى الى ان تثور ثائرة عمر، ولكن هذا من الواقع الذي لا يمكن إخفاؤه، والسبب يعود الى تجريد بعض الخلفاء للقرآن الكريم من التبيين والتفسير والظروف التي

١ ـ فضائل القرآن: ص ٤٥، ورواه البيهقي والخطيب، انظر الجامع الكبير للسيوطي نقلاً عن هامش فضائل القرآن.

٥٨
نزلت فيها الآيات الكريمة(١).

وهناك عبارات اُخرى في هذا المجال كعبارة: "هكذا تأويله"، "هكذا تنزيله"، "هكذا نزلت".

ولابد من توضيح المقصود من هذه الألفاظ، التي وردت في القرآن الكريم ولسان الرّوايات وتحديد دلالتها:

دراسة عن مفهوم التأويل:

"التأويل" في اللغة مصدر مزيد فيه وأصله "الأَوْل ـ بمعنى الرجوع" ومنه قولهم: "أوّل الحكمَ إلى أهله أي ردّه إليهم." وقد يستعمل التأويل ويراد منه العاقبة وما يؤول إليه الأمر وعلى ذلك جرت الآيات الكريمة:

(ويعلمك من تأويل الأحاديث...)(٢)، (... هذا تأويل رؤياي...)(٣)، (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً)(٤). وغير ذلك من موارد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم، وعلى هذا فالمراد بتأويل القرآن ما يرجع إليه الكلام، وما هو عاقبته، سواء أكان ذلك ظاهراً يفهمه العارف باللغة العربية، أم كان خفيّاً لايعرفه إلاّ الراسخون في العلم ولا يختص بما اصطلح عليه عند المتأخرين من إطلاق لفظ التأويل على بيان المراد من اللفظ حملاً له على خلاف ظاهره فقط.

١ ـ مسألة تجريد القرآن، اصبحت كالشعار عند الخلفاء لا سيما في عصر الخليفة الثاني حيث قال:

"... جرّدوا القرآن واقلوا الرواية عن محمّد صلّى الله عليه وأنا شريككم".

انظر: تاريخ الطبري: ج ٤، ص ٢٠٤، ط. مصر، سنة ١٩٦٣ م. الطبقات الكبرى: ج ٥، ص ١٨٨ وتذكرة الحفاظ: ج ١، ص ٧.

٢ ـ يوسف (١٢): الآية: ٦.

٣ ـ نفس السورة: الآية: ١٠٠.

٤ ـ الكهف (١٨): الآية ٨٢.

٥٩

دراسة عن مفهوم التنزيل:

"التنزيل" فهو أيضاً مصدر مزيد فيه، وأصله النزول، وقد يستعمل ويراد به ما نزل مطلقاً لا ما اصطلح عليه المتأخرّون من إطلاق لفظ التنزيل على ما نزل قرآناً فقط.

وهذا المعنى العام من "التأويل" و"التنزيل" ورد في الرّوايات المأثورة عن أهل البيت عليهم السلام. وأما ما اصطلح عليه المتأخرون فلا عين له في اللغة ولا أثر.

وعلى هذا فإن ما ورد في الرّوايات بتعبير "هكذا تنزيلها" في شأن بعض الآيات معناه: مفادها ومعناها أنـّه نزل من عند الله على النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم سواء كان آية أو بياناً لآية، قال تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إنّ علينا جمعه وقُرآنَه * فإذا قرأناهُ فَاتّبع قرآنه * ثم إنّ علينا بيانه)(١) فبيان القرآن ـ على أحد الاحتمالات ـ أي شرحه وتفسيره وهو على الله تعالى.

كما انّه يستفاد من اطلاق الآيات الشريفة: (وما ينطق عن الهوى * ان هو الاّ وحي يوحى)(٢) أنـّه نزلت على النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم تفسير الآيات وتبيينها كما نزلت عليه القرآن وهكذا يستفاد من بعض الأخبار: كما في سنن الدارمي بسنده عن حسان بن ثابت قال:

"كان جبرئيل ينزل على رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم بالسنّة كما ينزل عليه بالقرآن."(٣)

وعلى هذا نستطيع أن نقول إنّ جميع ما قاله النبىّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من

١ ـ سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٦ ـ ١٩ هذا على ان الخطاب في هذه الآيات موجه إلى الرسول الاعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم والضمير في "بيانه" عائد إلى القرآن الكريم.

٢ ـ سورة النجم (٥٣): الآية ٣ و٤.

٣ ـ سنن الدارمي، باب: السنة قاضية على كتاب الله: ج ١، ص ١٤٥.

٦٠