×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

سلامة القرآن من التحريف وتفنيد الإفتراءات على الشيعة الإمامية / الصفحات: ٦٨١ - ٧٠٠

على صحة الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن". وقال أيضاً: "إنّ الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفي حديث وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد والعلامة المجلسي وغيرهم بل الشيخ (أبو جعفر الطوسي) أيضاً صرح في التبيان بكثرتها بل ادعى تواترها جماعة. وقال: "واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية". وأما إنكار المرتضى للتحريف فيرد عليه أحد علماء الهند الشيعة في كتابه ضربة حيدرية ج (٢ / ٨١) بقوله: "فإن الحق أحق بالاتباع ولم يكن السيد علم الهدى (المرتضى) معصوماً حتى يجب أن يطاع، فلو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا اتباعه ولا خير فيه".

ورغم شبه الإجماع من قبل علماء الشيعة على وقوع التحريف فإننا لا نفتأ إلاّ ونسمع نعيق ناعق(١) من الشيعة ينكر ذلك بل يدعي الإجماع بعدم التحريف والنقصان، ولنأخذ نموذجاً من أولئك الناعقين وهو محسن الأمين الذي يقول في كتابه "الشيعة بين الحقائق والأوهام" ص ١٦٠: "دعوى إجماع كتب الشيعة على ذلك (التحريف) زور وبهتان بل كتب المحققين ومن يعتنى بقولهم من علماء الشيعة مجمعة على عدم وقوع تحريف القرآن لا بزيادة ولا نقصان، وتفصيل الكلام

١ ـ انظر مدى هشاشة عقله وسخافة طبعه يصف الذين دافعوا عن سلامة القرآن وأكدوا على صيانته بالنعيق والكذب و...، كأنّه إذا سمع نداء الحق لا يتخذه حجة ولا سبيلا وإن سمع نداء التفرق والتحريف اتخذه طريقاً وذريعة وسبيلا، سبحان الله كأنه يترصد ثغرات المسلمين حتى يصبّ عليهم حممه دون تمييز.

٦٨١

في ذلك أنّه اتفق المسلمون كافة على عدم الزيادة في القرآن، واتفق المحققون وأهل النظر من الشيعيين والسنيين على عدم وقوع النقص، ووردت روايات شاذة من طريق السنيين ومن بعض علماء الشيعة تدل على وقوع النقص ولحقها فلم يبق لها قيمة وإليك ما قاله رؤساء الشيعة ومحققوهم في هذا الشأن". ثم ذكر قول الصدوق والطوسي والشريف المرتضى والطبرسي وغيرهم من علماء الشيعة القلائل.

ونحن نقول له: دعواك الإجماع بعدم النقيصة مردود عليك بأقوال علمائك كما سبق وكما سيأتي في ذكر أقوال علماء الشيعة المقرين بوقوع ذلك من هذه الفصل، وأما روايات التحريف شاذة فإنني ما رأيت أحد علماء الشيعة تعرض لنقد تلك الروايات التي وردت في الكافي وتفسير القمي، وأقوال علماء الشيعة مثل الكليني والمفيد والنوري وغيرهم.

بخلاف أهل السنة فإنهم حكموا بكفر من يعتقد هذا، ولم يذكروا تلك الروايات التي هي شاذة إلاّ وذكروا أنها منسوخة أو غير متواترة القراءة فهل هذا يوجد عند الشيعة؟ ويكفي هذا ولنستعرض أقوال أئمتك المحققين وأهل النظر لنرى رأيهم في التحريف،..."(١).

والآن نلاحظ هل أنّ ادعاءات مال الله صحيحة أم لا؟

هل إنّ أغلب علماء الشيعة قالوا بتحريف القرآن؟

وهل إنّ الأشخاص الذين سرد مال الله أسماءهم نظير: الكليني، القمي، المفيد و... قائلون بالتحريف؟

وهل إنّ إنكار تحريف القرآن من قبل علماء الشيعة من باب التقية؟

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٥٧ ـ ٥٨.

٦٨٢
وهل إنّ ادّعاء نعمة الله الجزائري حول صحة أخبار الباب وزيادتها على ألفي حديث في الكتب المعتبرة ـ حسبما تشبّث به مال الله ـ قابل للإثبات أو إنّ هذه الادّعاءات باطلة عند التحقيق.

وهل إنّ مؤلف كتاب "الضربة الحيدرية" كان مصيباً في حكمه حينما ردّ وجهات نظر السيد المرتضى؟

وهل ادّعاء العلاّمة محسن الأمين العاملي حينما يقول: "روايات التحريف شاذة" ادعاء باطل لا أساس له؟

وهل لم يتعرض في الواقع أحد من علماء الشيعة بالنقد والتجريح لتلك الروايات؟

وهل أهل السنة الذين حكموا بكفر من يعتقد هذا لم يذكروا تلك الروايات إلاّ وذكروا أنّها منسوخة أو غير متواترة القراءة؟

وهل الروايات من هذا السنخ في كتب أهل السنة شاذة؟

وهل...؟

أحسب أنّنا لا نجد حاجةً إلى نقد كتاب مال الله والأجوبة التفصيلية لتلك الأسئلة وإن كان قد توهم مال الله في هذا التحقيق أنه سار على جادة الصواب وأن آراءه وأفكاره في منأى من النقد، وكتب يقول:

"ولا أظنّ أنه بعد هذا ينكر وقوع التحريف والنقصان جانب الشيعة وأتحدى كل الشيعة للردّ على علمائهم الآتي ذكرهم في هذه الفصول"(١).

لأنّه قد تمّ نقد كافة ما ادّعاه مال الله حينما تعرضنا لآراء الدكتور القفاري وإحسان إلهي ظهير بمزيد من النقد لكن نكتفي هنا بالإجابة السريعة لتلك الأسئلة.

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٥٨.

٦٨٣
أولاً: إنّ من اتّهم علماء الشيعة بتحريف القرآن فقد جهل مواقفهم بالمرة، هذا إلى جانب أنه وقع في خلط واشتباه فاحش لأنّ مؤلفي كتب التفسير والحديث الذين اتهموا بالقول بالتحريف إثر وجود روايات التحريف في كتبهم لم يكن لهم همّ سوى جمع الأحاديث دون التحري والتفقه ورفع التعارض بين محتواها وإذا كان هذا الاتهام صحيحاً فلابدّ أن يوجه بشكل صارخ إلى مؤلفي كتب الحديث والتفسير عند أهل السنة أيضاً التي نقلت كمّاً كبيراً من روايات التحريف، ولا تخفى هذه النكتة على أهل التحقيق.

ثانياً: لا يرد بحث التقية هنا، والذين ركزوا على هذا البحث فإما إنّهم غفلوا عن معنى التقية وحدّها وحدودها وإمّا إنّهم تغافلوا لأنّ مستند القائلين بالتحريف هو روايات الفريقين ومع كميّة هائلة من تلك الروايات في كتب أهل السنة ووجود من يقول في أوساطهم بتحريف القرآن لا يصحّ التحدث عن التقية لانكار تحريف القرآن لدى الشيعة أبداً.

ثالثاً: إنّ ادعاء نعمة الله الجزائري حول صحة أخبار الباب وزيادتها على ألفي حديث ادعاء عار عن الصحة، ولم يلتزم به مال الله أيضاً، لأنّ هذه الأحاديث ليست هي إلاّ الأحاديث التي جمعها المحدث النوري في كتابه "فصل الخطاب"، ويكفي أن تلقي نظرة على بحثنا "فصل الخطاب ونقاط مهمة" سوف تجد:

أ: إنّ كثيراً من هذه الأحاديث جاءت متشابهة في كتب الفريقين كما رأيتم نبذة منها آنفاً في نقد آراء إحسان إلهي ظهير.

ب: يتضح من خلال التأمل في هذه الأحاديث أن أغلبها لا تتعرض إلى التحريف الذي محل النزاع.

ج: بملاحظة كتاب "القرآن الكريم ورواية المدرستين" الذي تعرض لدراسة أسانيد هذه الأحاديث، تجد أن الروايات صحيحة السند لا يتجاوز عددها عدد

٦٨٤
كتاب سلامة القرآن من التحريف للدکتور فتح الله المحمدي (ص ٦٨٥ - ص ٧٠٣)
٦٨٥

وقد قمنا بدراسة مصحف الإمام علىّ تفصيلا وإذا كان قوله في حق السيد المرتضى صحيحاً وحقاً لوجب على مال الله أن ينقاد لقول الحق هذا، ويعمم هذا الحكم لكثير من علماء أهل السنة الذين أخبروا عن مصحف الإمام علىّ وفي نفس الوقت أنكروا تحريف القرآن.

خامساً: إنّ دعوى اجماع علماء الشيعة من قبل العلامة محسن الأمين العاملي على عدم التحريف في القرآن ليست بلا دليل، فانظر "شهادة علماء الإمامية بنزاهة القرآن عن التحريف" في المقام الأول. والغريب حقاً أن مال الله ينقض ادعاء العلامة محسن الأمين بقوله:

"دعواك الإجماع بعدم النقيصة مردود عليك بأقوال علمائك كما سبق وكما سيأتي في ذكر أقوال علماء الشيعة المقرين بوقوع ذلك من هذا الفصل"(١).

لا بدّ أن يكون مراد مال الله من عبارة "بأقوال علمائك كما سبق" هو السيد نعمة الله الجزائري الذي مرّ نقل عبارته، إلاّ أن نعمة الله الجزائري تعرض ـ حسب رأيه ـ إلى مقدار الأخبار والأسانيد في هذا الصدد ولم يكن بصدد بيان وجهات نظر علماء الشيعة في هذا الشأن.

وأمّا قول مال الله "وكما سيأتي في ذكر أقوال علماء الشيعة المقرين بوقوع ذلك" فهذا ناشيء عن عزوفه عن الانصاف وعدم أمانته في النقل وسرد الآراء وعدم معرفته باصطلاحات المحدثين كما ستلاحظون إن شاء الله.

سادساً: إنّ قول السيد محسن الأمين العاملي "روايات التحريف شاذة" فهو كلام متين وصحيح، لأنّ مراده من شذوذ الروايات، الروايات التي تشكل حول محور النزاع أي الأحاديث التي تدلّ على التحريف بالنقيصة والتغيير لا الأعم منها.

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٥٨.

٦٨٦
وقد تناولنا هذه الأدلة بمزيد من التفصيل فيما سبق تحت عنوان "كتاب فصل الخطاب ونقاط مهمة" كما إنكم لاحظتم في المقام الأول من هذا الكتاب بأنه لم يكتف علماء الشيعة قديماً وحديثاً بنقد هذه الروايات في كتب الشيعة بل ونقدها أيضاً في كتب أهل السنة، وهذا يكشف النقاب عن تورط مال الله بجهله لما يقول: "فإنني ما رأيت أحد علماء الشيعة تعرض لنقد تلك الروايات التي وردت في الكافي وتفسير القمي وأقوال الشيعة مثل الكليني والمفيد والنوري وغيرهم." سابعاً: إنّ قول مال الله: "فإنّ أهل السنة حكموا بكفر من يعتقد هذا" لم يصدر عن وعي لأنّه بكلامه هذا سوف يتهم العديد من كبار أهل السنة بالكفر لأنه حسب وجهة نظر مال الله إن من ينقل أحاديث تحريف القرآن في كتابه ـ مع قطع النظر عن علاجها سنداً ومتناً ـ لابد وأنه يعتقد بتحريف القرآن فلذلك ينبغي في وجهة نظر مال الله أن ندرج مالك بن أنس مؤلف كتاب الموطأ والبخاري ومسلم مؤلفي الصحيحين وأحمد بن حنبل وغيرهم من أصحاب السنن والمسانيد في زمرة الكفرة لأنهم نقلوا هذا النوع من الأحاديث في كتبهم دون أن يبدوا علاجاً لها وحتى لو عالجها الآخرون فلا يُعبأ بقولهم لأن صرف وجود هذه الروايات في كتبهم في رأي مال الله كفيل بإلصاق تهمة الكفر بهم، فهل يلتزم مال الله ومن لفّ لفّه بهذا الحكم؟!

ثامناً: وهنا يفصح مال الله عن جهله مرة أخرى بالنسبة لكميّة هذه الأحاديث في كتب أهل السنة وكيفية علاج مضامينها وأسانيدها لما يقول:

"وذكروا ـ أي أهل السنة ـ إنّ تلك الروايات هي شاذة وإنّها منسوخة أو متواترة القراءة"(١).

لكن الأحاديث في كتب أهل السنة وحسب اعترافهم ليست شاذة ولم

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٥٨.

٦٨٧
يعالجوها فقط بنسخ التلاوة وغير متواترة القراءة، وقد مرّ تفصيله في مبحث "دراسة أحاديث التحريف في كتب أهل السنة" و"نظرة إلى أجوبة أهل السنة عن روايات التحريف" في المقام الأول.

والحاصل إنّ مال الله أو أي شخص آخر يلج هذا الموضوع لا يتيسر له الكشف عن الحقيقة إلاّ إذا بحث المسألة من كافة جوانبها وإلاّ سوف يجلب الفضيحة لنفسه، فلا يمكن له أن يستند إلى أقوال بعض علماء الشيعة الذين سلكوا طريق الإفراط من الأخباريين واقتصر همهم على جمع الأحاديث دون معالجة الأسانيد والمضامين نظير نعمة الله الجزائري وأبي الحسن العاملي والمحدث النوري وهكذا أقوال بعض الصوفية الذين لم ينتهجوا سبيل التحقيق مثل سلطان محمد الجنابذي ثمّ يدعي جهلا وبهتاناً أن الشيعة قاطبة قالوا بالتحريف ثمّ يتحدى الآخرين!!

ويكفي لكل منصف يمتلك تقوى في التحقيق أن يرجع إلى المقام الأول من بحثنا لتنكشف لديه مواقف علماء الشيعة ازاء التحريف وليعلم أن القرآن عند الشيعة وسائر الفرق الإسلامية مصون من التحريف، وليس استناد الزاعمين بالتحريف من الفريقين إلاّ إلى روايات مخدوشة عند محققي الفريقين متناً وسنداً.

غيض من فيض: دراسة مال الله عن موقف الكليني

كتب مال الله في الفصل الثاني من كتابه تحت عنوان "الكليني وتحريف القرآن":

"والكليني لا يختلف عن علماء الشيعة الذين يقرون ويعترفون بوقوع التحريف والنقصان في القرآن الكريم وحذف الآيات الدالة على مناقب آل البيت ومثالب الصحابة رضوان الله عليهم وكتابيه الاصول من الكافي وروضة الكافي مليئان بالنماذج السابقة فنجده في الاصول من الكافي في الجزء الأول ص ٤٢١، ٤٢٢، ٤٣٠ والجزء الثاني ص ٨٦، ٣٦٦، ٣٧٢، ٣٧٩، ٣٨٠، ٣٨١، ٣٨٣، ٣٨٨، ٣٨٩،

٦٨٨

٣٩٠، ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٦، ٤١٩، ٤٢٠، ٤٢١، ٤٢٢، ٤٢٤، ٤٣٢ وفي كتابه روضة الكافي ص ٤٣، ١٥٩، ١٦٠، ١٧٤، ١٧٥، ٢٤١، ٢٤٢، ٣٠٩ يستشهد بآيات محرفة ويزعم أنها حذفت من القرآن.

والقرآن الموجود عند الشيعة يعادل ثلاث مرات من القرآن الموجود بين أيدينا وما فيه حرف واحد منه فلقد ذكر الكليني في الكافي (١ / ٤٥٧) عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة عليها السلام وما يدريهم ما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: قلت: وما مصحف فاطمة عليها السلام؟ قال: مصحف فاطمة فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد قال: قلت: هذا والله العلم.

وتأكيداً لاعتقاد الكليني بالتحريف أورد في الكافي (٤ / ٤٥٦) عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: "إن القرآن جاء به جبرئيل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية" وكما هو معلوم إن عدد آيات القرآن الكريم تعادل تقريباً ثلث ما ذكر"(١).

ثمّ يشير مال الله إلى الروايات حول جمع الإمام علىّ عليه السلام للقرآن بعد وفاة النبىّ صلى الله عليه وآله ثم يستند في هذا الصدد إلى حديث جاء في الكافي عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام بقوله:

"ما ادعى أحد من الناس أنه جمع القرآن كلّه كما أنزل إلاّ كذاب وما جمعه وحفظه كما أنزل الله تعالى إلاّ علىّ بن أبي طالب عليه السلام والأئمة من بعده عليهم السلام".

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٦٢ ـ ٦٣.

٦٨٩
وهكذا قوله عليه السلام:

"ما يستطيع أحد أن يدّعي أن عنده جميع القرآن ظاهره وباطنه غير الأوصياء".

ثمّ يدعو مال الله علماء الشيعة بالإجابة على رأي الكليني ويقول:

"وبعد ماذا يقول علماء الشيعة في الكليني هل هو من المقرين بالتحريف أم لا؟ ننتظر اجابة علماء الشيعة، خاصة أنه لم يعلق بكلمة نفي واحدة حول تلك الروايات الدالة على التحريف والنقصان"(١).

ويتلخص هنا موقف مال الله:

١ ـ إنّ الكليني مثل سائر علماء الشيعة يقرّ ويعترف بتحريف القرآن ونقصانه، وكتابه الكافي وروضة الكافي مشحون بالروايات الدالة على حذف آيات من القرآن والّتي تدلّ على مناقب آل البيت ومثالب الصحابة.

٢ ـ طبقاً لرواية الكليني حول مصحف فاطمة، فإنّ القرآن الموجود عند الشيعة يعادل ثلاث مرّات القرآن الموجود(٢).

٣ ـ طبقاً لرواية الكليني عن هشام بن سالم فإنّ القرآن ١٧ ألف آية في حين أن عدد آيات القرآن الكريم يعادل ثلث ما ذكر تقريباً.

٤ ـ وجود خبر مصحف الإمام علىّ وأيضاً روايتين حول جمع القرآن ظاهره وباطنه في كتاب الكافي جاءت كلّها لتؤكد نزوع الكليني إلى تحريف القرآن.

الجواب، أولاً: لو أمعنا في الروايات التي رقّمها مال الله لتوصلنا إلى أنّ أغلبها ـ مع

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٦٤.

٢ ـ وفي إثر هذا كتب مال الله في خاتمة كتابه: "والذي أجمع أهل السنة على من جحد منه [أي من القرآن ]حرفاً أو زعم أن به نقصاً أو تبديلا فقد كفر... فكيف يدّعى أن هناك قرآناً لا يوجد منه حرف واحد من قرآننا". الشيعة وتحريف القرآن: ص ١٦٣.

٦٩٠
إمعان النظر في تعابير إقراء، تنزيل، تحريف والتي جاءت في لسان الروايات وقد تناولناها بالتفصيل في بحوثنا السابقة ـ تعني تفسير وشرح الآيات وبيان أتمّ المصاديق والقراءات الواردة والتحريف في معاني الآيات المساوق للتفسير بالرأي، وهذه المواضيع خارجة بطبيعة الحال عن موضع النزاع الذي يعني تحريف وتغيير ألفاظ القرآن الكريم.

ثانياً: خلافاً لإدعاء مال الله، فإنّ الروايات المذكورة لا تدلّ أبداً على حذف آيات دالّة على مناقب آل البيت ومثالب الصحابة بل ليس في كتب الشيعة اطلاقاً رواية تدلّ على حذف آيات من القرآن الكريم وإنّما أشارت الروايات إلى حذف كلمة أو جملة أو مقطع من آية فعلى هذا يمكن علاج مضامين هذه الروايات وحملها على تفسير وشرح مراد الله أو بيان أتم المصاديق.

ثالثاً: إن الأحاديث التي نقلها مال الله من كتاب الكافي هي في باب "النكت والنتف من التنزيل في الولاية" والذي يشتمل على أحاديث رقم ٤٤ إلى ٥٣ (ص ٤٢١ ـ ٤٢٢) وأحاديث رقم ٨٤ إلى ٨٨ (ص ٤٣) وأحاديث رقم ٤٤ إلى ٤٧ و٤٧ و٤٩ و٥٠ و٥٢ و٥٣، وهذه الطائفة من الأحاديث كلّها ضعيفة عند الحفّاظ بلحاظ السند(١).

فلذلك فلا يكاد يعثر على حديث صحيح السند أو حسن أو حتى موثق، والأحاديث التي ذكرها مال الله من الجزء الثاني في كتاب الكافي فهي اضافة إلى أنّها مخدوشة من حيث السند، لا تتعلق بموضوع بحثنا، وياللعجب فإنّ مال الله لم يكلف نفسه عنان البحث في الصفحات المذكورة. وأنا أتحدّاه أن يعثر على حديث واحد من بين تلك الأحاديث التي ذكرها مال الله وادّعى أنّها دالّة على التحريف، ولا أدري أي هدف يتعقبه مال الله وأمثاله والذين يدّعون الإصلاح بين المسلمين، فلا

١ ـ انظر: مرآة العقول للمجلسي: ج ٥، ص ٤٤ ـ ٦٧.

٦٩١
ينبغي خداع الآخرين بإحالتهم إلى صفحات لا تمس موضوع بحثنا وهو تحريف القرآن.

رابعاً: ليس هناك أي أثر للآيات التي يدعي مال الله أنّها محرفة والتي نقلها من روضة الكافي، بل فيها أحاديث صريحة على عدم تحريف القرآن نظير رسالة أبي جعفر الباقر عليه السلام إلى سعد الخير قال عليه السلام:

"...وكان نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرّفوا حدوده..."(١).

وهذا تصريح بأن الكتاب العزيز لم ينله تحريف في نصّه لأنّه قال عليه السلام: "أقاموا حروفه" وهو حفظها عن التغيير والتبديل وإن كانوا قد غيّروا من أحكامه ومعانيه و"حرّفوا حدوده".

خامساً: وكما سترون بتفصيل أكثر فإنّ مال الله يفسر كلمة "مصحف" بالقرآن جهلاً وتجاهلاً ثم ينقل عن الكافي أحاديث من مصحف فاطمة دالّة ـ حسب زعمه ـ على تحريف القرآن، وغفل عن إنّ كلمة المصحف في المصادر السنيّة والشيعية جاءت في بعض الأحيان بمعناها اللغوي أي كل كتاب مجلد قرآناً كان أم غير قرآن والمراد من مصحف فاطمة: الكتاب الذي سجلت فيه الحوادث الواقعة إلى يوم القيامة، ويشاطر القرآن في إسم المصحف فقط.

سادساً: كتب مال الله يقول: "قد يقول قائل من الشيعة لم ينفردوا بهذا، لقد وردت روايات متضمنة تحريف القرآن من طريق أهل السنة" ثم أورد مال الله نزر يسير من تلك الروايات (ستة روايات) من مسند أحمد وصحيح البخاري وصحيح مسلم، وتصدّى لعلاجها من خلال الاستفاده من شرح النووي وكتاب "الإسلام والصحابة الكرام" لبهجة البيطار.

فإذا كانت الروايات الدالّة على التحريف ـ حسب زعم مال الله ـ والتي نقلها من

١ ـ الروضة من الكافي: ص ٥٣، الرقم ١٦.

٦٩٢
كتب الشيعة كافية في الإفصاح عن عقيدة مؤلفيها في التحريف لكان ينبغي أن يكون أحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج من طليعة القائلين بالتحريف، ولكن بما إنّ النووي والبيطار عالجوا هذه الروايات بنحو يزول معه أي مجال للمناقشة، فنفس هذا الكلام يصدق على كتب الشيعة، فلا ينبغي على مال الله أن يتهم الكليني ونظائره بالتحريف ما دامت هذه الروايات قد عالجها فقهاء الشيعة بنحو يزول معه أي مجال للمناقشة والشك، ومثالاً على ذلك فقد عالج علماء الشيعة الحديث الذيت ينقله الكليني عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله الذي يدلّ بظاهره على ذهاب ثلثي القرآن (وجاء نظيرها في كتب أهل السنة عن الخليفة عمر بن الخطاب)(١) وأيضاً الأحاديث الدالّة على جمع الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام للقرآن بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم والتي وردت في مصادر الفريقين وأيضاً حديثان عن أبي جعفر الباقر عليه السلام وهما: "ما أدّعى أحد من الناس إنّه جمع القرآن..."، و"ما يستطيع أحد أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن..." وقد تناولنا فيما سبق علاج هذه الروايات عند علماء الشيعة بمزيد من التفصيل بحيث يزول معه أي شك(٢).

والآن نعطف عنان القلم إلى نقد منهجي لادعاءات مال الله.

١ ـ كالرواية التي أخرجها السيوطي في الإتقان والمتقي الهندي في كنز العمال عن الطبراني في الأوسط وابن مردويه وأبي نصر السجزي عن الخليفة عمر بن الخطاب أنّه قال: "القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف" (الإتقان: ج ١، ص ٧٢، النوع التاسع عشر وكنز العمال: ج ١، ص ٤٦٠، الحديث ٢٣٠٩) أي ذهب أكثر من ثلثي القرآن.

٢ ـ انظر: المقام الثاني، مبحث: "شيوع هذه المقالة في كتب الشيعة ـ موقف الكليني من روايات التحريف ـ" ومبحث: "مصحف الإمام علي".

٦٩٣

زلاّت غير مغفورة لمال الله في نسبته التحريف إلى الشيعة

إنّ من أمعن في كتاب الله يجد إنّ مؤلفه ـ ومع الأسف ـ من أجل نيل أهدافه وضع الإنصاف تحت قدميه، وانحرف عن جادة الأمانة العلمية، وعلى الرغم من أنّه يدّعي أنّه من أهل السنة إلاّ أنّه يجهل بالمرّة مصادر أهل السنة ولا يعلم إنّ أغلب الأحاديث التي نقلها في الباب الثالث من كتابه في محاولة منه لاتهام الشيعة بالتحريف قد جاءت أكثرها في المصادر السنية لذلك ـ وكما اعترف بجهله الدكتور القفاري من قبل(١) ـ أتعجب من هذا المؤلف مع هذه الزلّة الفاحشة وغير المغفورة كيف يدّعي القول: "لا أظن إنّه بعد هذا ينكر وقوع التحريف والنقصان من جانب الشيعة" ثم يتحدّاهم بقوله:

"وأتحدّى كلّ الشيعة للردّ على علمائهم الآتي ذكرهم في هذه الفصول"(٢).

أ: صدوف المؤلف عن الإنصاف في دراسته

لقد أسدل محمد مال الله الستار على كثير من الحقائق، نظير:

أ: نقل ستة روايات فقط من روايات أهل السنة والتي تتضمن تحريف القرآن بينما كتب قاسم بن سلاّم بعد ذكر بعض تلك الروايات يقول: "وأشباه له كثير"(٣)وقال الآلوسي: "وهي أكثر من أن تحصى"(٤) كما اختصّ النوري سبعة أبواب من اثني عشر من أبواب كتابه فصل الخطاب بنقل الروايات الدالة على التحريف ـ من زعم النوري ـ من كتب أهل السنة ورغم كل هذا (وادعاء مال الله بأنّه قد قرأ

١ ـ اصول مذهب الشيعة: ص ٢٨٩.

٢ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٥٧.

٣ ـ فضائل القرآن: ص ١٩٥.

٤ ـ روح المعاني: ج ١، ص ٤٦.

٦٩٤
كتاب فصل الخطاب) فقد مرّ عليها مال الله مرور العميان دون أية اشارة لهذه الطائفة الكبيرة من الروايات.

ب: لا تنحصر الروايات الدالة بظاهرها على تحريف القرآن في كتب أهل السنة بالطائفة الواحدة التي أشار إليها مال الله، بل هي تتوزع في ستة طوائف، وتشمل كلّ طائفة على روايات متعددة، وجاء ذكر الجميع في المقام الأول في مبحث "دراسة أحاديث التحريف في كتب أهل السنة".

ج: كتب مال الله في علاج الروايات الستة التي نقلها من كتب أهل السنة بقوله:

"فالجواب بالنسبة لآية الرجم فهي مما نسخ لفظه وبقي حكمه... ويؤيد هذا قول علىّ رضي الله عنه حين رجم المرأة قال: "ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم" وهو يدلّ على أنّ عليّاً لا يقول بأن الرجم نزل في كتاب الله ولا أنّه يدل عليه وحديث: "لو كان لابن آدم واديان من مال" لا يبلغ أن يكون قرآناً معجزاً إذ لو كان كذلك لبلغت رواياته بأنه من القرآن حد التواتر.

وأمّا رواية أبي موسى في مسلم: "إنّا كنّا نقرأ سورة... فأنسيتها..." فلو كانت قرآناً يماثل ما هو محفوظ بين الدفتين لرأيت ألوف الصحابة كانوا على ذكر منها.... والوحي أقسام... ومنه ما لا يبلغ درجة القرآن.

وما من عالم من علماء أهل السنة ذكر تلك الروايات إلاّ وذكر ما يقارب هذا عكس علماء الشيعة فإنّهم يصرحون بوقوع التحريف والنقصان"(١).

قلنا:

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ١٦٠ ـ ١٦١.

٦٩٥
١ ـ إنّ أجوبة مال الله على فرض صحتها، تصلح للإجابة عن مقدار ضئيل من طائفة من الروايات من الطوائف آنفة الذكر، فماذا يقول مال الله حول روايات سائر الطوائف والتي يتعذر توجيهها نظير حديث عائشة:

"كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلم مأتي آية فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن"(١).

نعم لن يوجد مفرّ عن هذه الروايات سوى القول بأنّها موضوعة ومجعولة كما اعترف به علماء الفريقين.

٢ ـ لو كانت آية الرجم آية من القرآن نُسخ لفظها، فكيف ينقل مال الله قولاً عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام مفاده إنّ هذا الرجم على سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ويقول:

"إنّ علياً لا يقول بأنّ الرجم نزل في كتاب الله ولا أنّه يدلّ عليه".

ولو كان الحال كذلك فكيف يقول الخليفة الثاني:

"والله لولا أن يقول القائلون زاد عمر في كتاب الله لاثبتها كما أنزلت"(٢).

ألا يدلّ هذا التهافت على بطلان نظرية نسخ التلاوة وقد أثار أهل السنة ـ كما مرّ في الأبحاث المتقدمة ـ إشكالات عديدة على نظرية نسخ التلاوة ممّا يؤكد القول بأنها مجرد سراب ليس إلاّ.

٣ ـ إذا كان حديث "لو كان لابن آدم واديان من مال" خبر واحد حسب مدعى مال الله وقوله وإن كان من القرآن المعجز لبلغت رواياته حدّ التواتر، إذا كان هذا الجواب حقاً وصحيحاً فلماذا حينما ذهب علماء الإمامية قديماً وحديثاً إلى أنّ

١ ـ فضائل القرآن لابن سلام: ص ١٩٠; والدرّ المنثور: ج ٥، ص ١٨٠.

٢ ـ فضائل القرآن لابن سلام: ص ١٩٠.

٦٩٦
الروايات الدالة على التحريف في كتب الشيعة أخبار آحاد، ويقولون، إن كانت هي من القرآن المعجز لبلغت رواياته حدّ التواتر، لم يقبل ذلك مال الله.

٤ ـ يقول مال الله بالإجابة على رواية أبي موسى التي أخرجها مسلم في صحيحه: "هذا وحي لكن لا يبلغ درجة القرآن" وهي نفس إجابة علماء الشيعة عن الروايات الشيعية كما مرّ ذكرها في المقام الأول في مبحث "دراسة روايات التحريف في كتب الشيعة"، فلماذا لم يرتض مال الله هذه الإجابة من علماء الشيعة وحملها على التقية منهم.

٥ ـ يقول مال الله "ما من عالم من علماء أهل السنة ذكر تلك الروايات إلاّ وذكر ما يقارب هذا عكس علماء الشيعة فإنّهم يصرّحون بوقوع التحريف والنقصان" ما هو مقصود مال الله من علماء أهل السنة؟ فهل مقصوده أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والتفاسير المأثورة، فهؤلاء كان قصدهم ذكر الروايات دون التعرض لفقهها ودون التعرض لعلاج التعارض فيما بينها، فلذلك ينبغي التأكيد على أنه إذا كان حكم مال الله على مؤلفي كتب الحديث والتفسير بالمأثور الشيعة الذين اتهمهم بالتحريف لأجل وجود روايات التحريف في كتبهم صائب وصحيح، فلا بدّ أن يعمّ جماعة من أهل السنة مثل الطبراني والسيوطي وابن الضريس وأبي نصر السجزي ومسلم بن حجاج النيشابوري والحاكم النيشابوري وأحمد بن حنبل والراغب الاصفهاني والترمذي ومالك بن أنس ومحمد بن إسماعيل البخاري لأنّهم نقلوا روايات التحريف في كتبهم الروائية(١). وإذا كان مقصوده من علماء أهل السنة، العلماء الذين تفقهوا في هذه الروايات وبيّنوا معناها ومحتواها ورفعوا التعارض بينها بعد التأمل في أسانيدها ومضامينها أمثال الآلوسي وابن حجر

١ ـ انظر: المقام الأول "مضامين روايات التحريف في كتب أهل السنة".

٦٩٧
العسقلاني والفخر الرازي وابن تيمية وقاسم بن سلام وأبو جعفر النحاس و...(١)ففي هذه الصورة فلا يوجد أي فرق بينهم وبين علماء الشيعة في هذا الصدد فإنّ كلّ واحد من الفريقين عالج الروايات على حسب فهمه، نعم ثمة أشخاص قلائل عند كلا الفريقين ذهبوا إلى التحريف باستناد الروايات في كتب الفريقين بدون تأمل وتعمّق.

ب: عدم أمانته العلمية في النقل:

إنّ محمّد مال الله مع الأسف الشديد لم يراع الأمانة العلمية في تحقيقه، فهو وخلافاً لادعائه وادّعاء الدكتور محمد أحمد النجفي لم يراع التقوى العلمية التي كان ينبغي أن يتمتع بها أي محقق مسلم بل خان الأمانة العلمية، واليك نماذج منها:

١ ـ إنّ من جملة خياناته هي تحريفه لكلام الشيخ المفيد رحمه الله متزامناً مع تقطيعه حيث كتب يقول:

"الفصل الرابع الشيخ المفيد وتحريف القرآن قال في كتابه أوائل المقالات (ص ١٣): اتفقوا [أي الإمامية] على أن الأئمة الضلال خالفوا في كثير في تحريف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبىّ صلى الله عليه وآله وسلم"(٢).

أراد مال الله أن يستوحي من كلام الشيخ، تحريف القرآن ونقصانه مع الخيانة في نقل كلام الشيخ وتبديل كلمة "التأليف" في عبارة الشيخ بـ "التحريف" والحال أن مراد الشيخ وهو الظاهر من عبارته حيث يقول: "... خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا..."، مخالفتهم في ترتيب الآيات من جهة التقديم والتأخير والناسخ والمنسوخ فإنّهم لا يرتّبون الآيات على حسب نزولها، وخير شاهد على هذا،

١ ـ انظر: المقام الأول "نظرة إلى أجوبة أهل السنة عن روايات التحريف".

٢ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٦٧ ـ ٦٨.

٦٩٨
عبارة الشيخ المفيد في نفس كتابه أوائل المقالات والذي لم يشر إليه مال الله، قال الشيخ المفيد:

"فأما القول في التأليف يقضي فيه بتقديم المتأخر وتأخير المتقدم ومن عرف الناسخ والمنسوخ والمكّي والمدني لم يرتب بما ذكرنا"(١).

وحاصله إنّ مسألة تأليف القرآن لا ترتبط بتحريف القرآن كما هو الحال في مصاحف الصحابة التي هي غير تأليف القرآن كما اعترف به ابن فارس وآخرون(٢). ولا أحد يستطيع أن يتهم مؤلفيها بالتحريف لمخالفتها في تأليف الآيات أو السور نظير مصحف عقبة بن عامر حيث ينقل الذهبي قول أبي سعيد بن يونس إنّه رأى هذا المصحف وإنّه قال: "إنّه على غير التأليف الذي في مصحف عثمان"(٣).

وعلى أية حال فإنّ الشيخ المفيد يصرّح بوضوح على عدم تحريف القرآن في رسائله وكتبه دون أن يبقي أي شك أو شبهة، ومنه قوله في كتابه أوائل المقالات:

"وعندي أنّ هذا القول [أي بأنّه حذف من تأويل القرآن وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله] أشبه من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل وإليه أميل والله أسأل توفيقه للصواب"(٤).

٢ ـ ونماذج أخر من عدم رعاية الأمانة في النقل من مال الله لعرض رأي محمد بن مرتضى الشهير بملا محسن الكاشاني فكتب مال الله:

"والنتيجة التي توصل [أي الكاشي] إليها بعد أن تقرر عنده بأن

١ ـ أوائل المقالات: ص ٨٠.

٢ ـ الإتقان: ج ١، ص ٦٢.

٣ ـ تاريخ الإسلام، حوادث ووفيات (٤١ ـ ٦٠ هـ): ص ٢٧٢ ـ ٢٧٣.

٤ ـ أوائل المقالات: ص ٨٠ ـ ٨١ ولتفصيل رأي الشيخ المفيد في عدم تحريف القرآن انظر: مبحث "ما تقوله مصادر الشيعة في هذه الفرية" عند دراسة آراء الدكتور القفاري.

٦٩٩

القرآن محرَّف هي أنه لا يمكن العمل والإقرار بصحة القرآن أو الاعتماد عليه فيقول [أي الكاشي] (١ / ٣٣) لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن. إذ على هذا يحتمل كلّ آية منه أن يكون محرفاً ومغيراً ويكون على خلاف ما أنزل الله فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلا فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غير ذلك"(١).

ونقل مال الله بنفس المضمون من عبارة الكاشي فقط ليصل إلى غرضه، لكني أدعو القراء الأعزّاء إلى التأمّل في بقية العبارة ليقفوا على خيانة مال الله العلمية في دراسته، قال الكاشي:

"وأيضاً قال الله عزّ وجل (إنّه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وقال: (إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا له لحافظون)فكيف يتطرّق إليه التحريف والتغيير وأيضاً قد استفاض عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم والائمّة عليهم السلام حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته، فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرّفاً فما فائدة العرض؟ مع أنّ خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب ردّه والحكم بفساده أو تأويله"(٢).

ثم بقى رحمه الله متردّداً في صحّة أسانيد الأخبار التي تدل بظاهرها على التحريف والتغيير ثم قال في نهاية المطاف:

"ويخطر بالبال في رفع هذا الاشكال والعلم عند الله أن يقال إنّ تلك

١ ـ الشيعة وتحريف القرآن: ص ٨١.

٢ ـ الصافي في تفسير القرآن: ج ١، ص ٤٦.

٧٠٠