×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السلفية بين أهل السنة والإمامية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١

السلف والسلفية في اللغة والاصطلاح

تعريف السلفية:

يقول ابن منظور في مادة سلف:

سلف: سلف يسلف سلفا وسلوفا: تقدم، والسالف: المتقدم: والسلف والسليف والسلفة الجماعة المتقدمون وقوله عز وجل: فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين. وقال الفراء: يقول جعلناهم سلفا متقدمين ليتعظ بهم الآخرون.

ويقول الجوهري: سلف يسلف سلفا مثال طلب يطلب طلبا، أي مضى.

والقوم السلاف: المتقدمون. وسلف الرجل: آباءه المتقدمون، والجمع أسلاف وسلاف... والسلف أيضا: من تقدم من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل، وأحدهم سالف. وقيل، سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته، ولهذا سمي الصدر الأول من التابعين السلف الصالح (١).

قال ابن فارس: " سلف: س ل ف، أصل يدل على تقدم وسبق فالسلف.

الذين مضوا والقوم السلاف: المتقدمون " (٢). وفي أنساب السمعاني: السلفي:

بفتح السين واللام في آخرها الفاء. هذه النسبة إلى السلف، وانتحال مذهبهم " حتى " عرفت به جماعة " (٣). قال ابن الأثير في النهاية: سمي الصدر

(١) ابن منظور، لسان العرب، ج ٦ ص ٣٣٠ - ٣٣١، دار إحياء التراث العربي، بيروت ط ١ ١٩٨٨ م.

(٢) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، مادة سلف.

(٣) علي حسين الجابري، الفكر السلفي عند الشيعة الاثنا عشرية، ص ١٥ - ١٦.

٢٢
الأول من التابعين، السلف الصالح " (٤). والسلف شرعا: كل من يقلد ويقتفي أثره في الدين كأبي حنيفة وأصحابه فإنهم سلفنا، وأما الصحابة فإنهم سلفهم، وأبو حنيفة من أجلاء التابعين (٥). والسلفية فرقة من الإمامية. وهم الإخبارية (٦).

من خلال هذه التعاريف يظهر أن السلف لغة، تعني التقدم الزمني " فكل زمن من الأزمان سالف بالنسبة إلى الأزمنة الآتية في أعقابه وخلف بالنسبة إلى الأزمنة التي سبقته ومرت من قبله " (٧). لكن الاختلاف ظهر في تحديد مفهومه الاصطلاحي وربط ذلك بفترة زمنية محددة أطلق عليها اسم " السلف ". والمعنى الاصطلاحي المستقر لهذه الكلمة كما ذهب إليه البوطي:

" هو القرون الثلاث الأولى من عمر هذه الأمة الإسلامية " (٨). وذهب غيره إلى " اتفاق رأي العلماء بأن السلف يراد بهم الصحابة رضي الله عنهم والتابعون عليهم رحمة الله، وتابعوا التابعين رحمهم الله " (٩). وقيل ما قبل الخمسمائة (١٠).

أما المراد بمذهب السلف فيقول أحمد بن حجر: ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم وما كان عليه أعيان التابعين لهم بإحسان وما كان عليه أتباعهم وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة. وعرف عظيم شأنه في الدين وتلقى الناس لكلامهم خلفا عن سلف. كالأئمة الأربعة والسفيانيين والليث بن سعد

(٤) ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث ٢ / ١٩٠، المطبعة الخيرية القاهرة ١٣٢٣ ه‍.

(٥) التهانوي، الكشاف، مادة سلف.

(٦) الفكر السلفي، مصدر سابق، ص ١٦.

(٧) محمد سعيد رمضان البوطي، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، دار الفكر - دمشق، ص ٩.

(٨) نفس المصدر.

(٩) د. عبد الحليم محمود، السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص ٩ - ١٠.

(١٠) الفكر السلفي، مصدر سابق، ص ١٧.

٢٣
وابن المبارك النخعي، والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن دون من رمي ببدعة أو شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والمرجئة والجبرية، والجهمية، والمعتزلة وسائر الفرق الضالة (١١) وعليه فمفهوم السلف في أغلب التعاريف التي ذكرنا لا يشير فقط إلى مرحلة زمنية معينة اختلف في تحديدها. وإنما ارتبطت هذه الفترة الزمنية بمفهوم آخر هو الذي أعطى للفظ " السلف " و " السلفية " مفهومه الاصطلاحي وهو " الخيرية ". وهذا المفهوم إنما استنبط من حديث رواه كل من البخاري ومسلم، فعن عبد الله بن مسعود قال رسول الله (ص): " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجئ أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته ".

السلف والخيرية:

انطلاقا من مضمون هذا الحديث - بصرف النظر عن صحته أو ضعفه - نرى أن رسول الله (ص) جعل خير الناس وأفضلهم، معاصريه ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، دون تحديد سبب لهذه الأفضلية أو الخيرية، سوى ما هو متبادر من ظاهر الحديث، قرب هؤلاء الناس من الرسول وتواجده بين ظهرانيهم، فأفضلهم من عايشوا الرسول (ص) وهم الصحابة، ثم من عايش الصحابة وهم " التابعون "، ثم من عايش " التابعين ". وقد سمي هؤلاء التابعين - كما مر معنا في التعاريف - بالسلف الصالح.

لكن الملاحظ إن هذه " الأفضلية " و " الخيرية " التي ذكرها الحديث مطلقة وتشمل كل من عاصر الرسول وأصحابه والتابعين، دون تحديد. فهل يشير الحديث ضمنا إلى فئة أو شريحة متميزة من الناس لها مواصفات معينة وهي

(١١) السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. نقلا عن العقائد السلفية، لأحمد بن حجر آل أبو طامي. ص ١١.
٢٤
التي تستحق الأفضلية وتنسب إلى الخيرية.

أما الجمهور فيرون أن الخيرية ثابتة لأفراد هذه القرون الثلاث جميعا، على اختلاف درجاتهم وتفاوتهم في الصلاح والاستقامة. وذهب ابن عبد البر إلى أنها ثابتة لمجموع المسلمين في تلك العصور الثلاث، أما الأفراد فقد لا تنطبق الخيرية على بعضهم، بل قد يأتي فيمن بعدهم من هو أفضل منهم (١٢).

وعليه فقد تبين من خلال هذه التعاريف أن عصر الرسول أو قرنه والقرنين اللذين تلياه، هي أفضل القرون في تاريخ الإسلام والمسلمين (١٣).

وإن الخيرية قد استوعبت مجموعهم إما أفراد أو مجموعات. وهذه النتيجة هي التي اعتمدها الخلف الذين جاؤوا بعد هذه القرون الثلاث، حيث تم تقديس هذه المرحلة الزمنية واحترم أصحابها واعتبروا سلف هذه الأمة الصالح الذين يجب علينا اتباعهم واقتفاء أثرهم حذو النعل بالنعل.

على أن مفهوم " السلف " - وإلى حدود القرن الرابع الهجري - لم يكن له سمات واضحة، جلية ومحددة في العقائد والسلوك، من التزم بها نسب إلى السلف. وإنما ارتبط مفهوم السلف وازداد استخدامه والإشارة إليه عندما بدأت معالم الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية تتغير عما عرف أو كان عليه مجتمع الرسول وصحابته.

لقد انطلق العرب المسلمون من الجزيرة العربية مبشرين بالإسلام وفاتحين الدول، حيث تم القضاء على إمبراطوريتين عريقتين في الحضارة والتمدن، وقد انتقل إرثهما الكامل لهؤلاء الفاتحين اللذين لم يتطبعوا بمدنية من قبل وإنما كان سكن أغلبهم الخيام، وأكلهم التمر ولحوم الإبل. فما كاد القرن الأول يلفظ أنفاسه الأخيرة حتى أصبح العرب الفاتحون، الزعماء الجدد لعدد كبير من المجتمعات والقوميات المختلفة الأعراف والأديان، فكان إن بدأ التغير ينساب

(١٢) السلفية للبوطي، مرجع سابق، ص ١٠.

(١٣) روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك: " لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شر منه ".

٢٥
بسرعة إلى حياة ذلك العربي المؤمن، البسيط في لباسه وسكنه ومعيشته.

فظهرت معالم التحول واضحة في المدن الجديدة التي اختارتها القيادات الإسلامية والعربية لتكون حواضر المدنية الجديدة.

لقد بدا هذا التحول الشامل وكأنه انسلاخ عما ألفه العرب المسلمون الأوائل من أساليب الحياة، والتي ربط البعض بينها وبين تعاليم الدين الجديد، فشكل اللباس وطريقة الأكل والمسكن التي كان عليها الرسول وأصحابه الأول، بدأت تنحصر وتتراجع لتنسخها طرق وأساليب حياة جديدة ومختلفة، مستوحاة من طرائق الحياة لدى الأمم المفتوحة، والتي اعتنق أغلب سكانها الإسلام. وأصبحوا مع مناطقهم الجغرافية يشكلون المجتمع الإسلامي الكبير.

لقد انطلقت منذ ذاك الحين دعوات ونداءات من طرف بعض الناس، تنبه لهذا التحول وتحذر منه، وتدعو للرجوع إلى ما كان عليه الرسول ومجتمع الصحابة الأول.

فأمام حركة الترف والتنعم بملذات الدنيا وخيراتها، من امتلاك للمزارع الكبيرة، وبناء الدور والقصور الفخمة، واقتناء الجواري والعبيد والخدم والحشم الخ.. ظهر تيار مناهض لهذه المظاهر وندد بها، داعيا للتقشف والزهد في الحياة الدنيا. على أن ذلك من صميم الدين وسيرة السلف الصالح، وهناك محاورة بين الإمام الصادق وسفيان الثوري وكلاهما ينتسب لعصر التابعين، تظهر لنا عدم تقبل الكثير من الملتزمين بالدين الجديد - خصوصا من العرب - بعض العادات الجديدة في الملبس والمأكل والمسكن. فقد دخل سفيان الثوري على الإمام الصادق عليه السلام وكان عليه جبة خز دكناء، قال سفيان:

فجعلت أنظر إليها متعجبا. فقال لي: يا ثوري. ما لك تنظر إلينا، لعلك مما رأيت ؟ قال فقلت: يا بن رسول الله ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك.

فقال لي: يا ثوري، كان ذلك الزمان مقفرا مقترا، ثم حسر عن ردن جبته وإذا

٢٦
تحتها جبة صوف بيضاء، وقال، يا ثوري لبسنا هذا لله (وأشار إلى جبة الصوف) وهذا لكم (وأشار إلى الخز) فما كان له أخفيناه، وما كان لكم أبديناه (١٤). وفي رواية أخرى قال أخبرك إن الرسول الله (ص) كان في زمان مقفر جشب، فإذا أقبلت الدنيا فأحق بها أبرارها لا فجارها، مؤمنوها لا منافقوها ومسلموها لا كفارها " (١٥).

من خلال هذه المحاورة التاريخية بين اثنين من أقطاب السلف وهما الإمام الصادق وسفيان الثوري وهو من كبار الزهاد في عصره، يتبين لنا مدى التحول الذي بدأ يتجلى في الحياة الاجتماعية العامة لدى المسلمين. فلبس الخز من طرف الإمام الصادق إنما هو مسايرة لما عليه الأغلبية في لباسهم، ونحن نعلم أن من الصحابة من لم يكن يلبس إلا المرقع من خشن اللباس، وذلك للفقر الذي عاشه المسلمون الأوائل قبل الانتصار الكبير للإسلام. لذلك استنكر سفيان هذا اللباس وقال للإمام الصادق ليس هذا من لباسك ولا لباس آبائك.

لقد شهد عدد من المحدثين والفقهاء الاختلاف الذي سرى وتعمق في الحياة العامة للمسلمين والعرب منهم بالخصوص. وإنهم ابتدعوا كثيرا عما كان عليه السلف (والمقصود به في ذلك الزمن الصحابة) وكانت جل الملاحظات والانتقادات لا تعدو كما ذكرنا: طرائق الحياة من ملبس ومسكن، وإن كان هناك تغير وتحول إن لم نقل انحراف عقائدي تزعمه ملوك بني أمية، الذين حولوا الخلافة إلى ملك عضوض. لكن مع مرور الزمن وما عرفه المجتمع الإسلامي من أحداث جسام، خصوصا على الصعيد السياسي وما نجم عنه من تقاتل وسفك للدماء. ونشوء الفرق السياسية بادئ الأمر، والكلامية بعد ذلك، وبداية التأسيس الحضاري في مجالات العلوم الدينية والعلمية، والذي اكتمل بنيانه مع

(١٤) أسد حيدر، الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، م ٢ ص ٣٠٢.

(١٥) بداية الفرق نهاية الملوك، الشيخ محمد رضا الحكيمي، ص ٧١.

٢٧
نهاية القرن الرابع.

كل ذلك وغيره جعل الدعوة إلى اقتفاء أثر السلف الصالح من (الصحابة والتابعين) تأخذ بعدا آخر، أكثر عمقا وأبعد أثرا. لقد خطى المجتمع الإسلامي أشواطا بعيدة في المدنية، جعل الدعوة لتقليد السلف في ملبسهم وسلوكياتهم العامة، خطا أو تيارا خاصا متميزا في الوسط الإسلامي بجانب التيارات الأخرى. لكن هذه الدعوة ستأخذ ابتداء من القرن الرابع الهجري بعدا فكريا ونظريا، بالإضافة للدعوة إلى الالتزام بما كان عليه الصحابة من مظاهر خارجية تمس الحياة اليومية الاعتيادية من ملبس ومأكل، إلى اقتناء وتقليد آرائهم ومذاهبهم الفكرية والاعتقادية.

لقد كانت هذه الحركة بداية تفجر الاختلاف الكبير حول مفهوم السلف وتحديد الفترة الزمنية التي يمكن أن يطلق عليها لغة واصطلاحا " السلف "، ومن هم رجالات السلف الذين سنقتفي أثرهم ونعتنق آراءهم ومذاهبهم ؟

وهل يعتبر العلماء والفقهاء ممن ظهر مؤخرا ولم يلتقي بالتابعين، " سلف " لنا يمكن الاقتداء بهم، وقد أصبح للكثير منهم مكانة علمية مرموقة، سواء في الفقه أو الحديث، وباقي العلوم الإسلامية. كما حازوا احترام العامة فقلدوهم في كل ما يذهبون إليه من أفكار وفتاوى فقهية ؟. وإذا كانت الخيرية قد اعتبرت في القرون الأولى خاصة، بنص الحديث النبوي. فما قولنا فيمن جاء بعد تلك القرون ؟.

الاختلاف حول مفهوم السلف والخيرية وتحديد الفترة الزمنية:

إن تحول التقليد والاقتداء بالسلف وتطوره من مفهوم المتابعة السلوكية إلى المتابعة في الاعتقادات النظرية والفكرية، قد فجر عدة مشاكل نظرية وعملية.

خصوصا مع ظهور تيار خاص، اتخذ من هذه المتابعة أو التقليد مذهبا مميزا عن باقي التيارات والفرق التي كانت تموج بها الساحة الفكرية الإسلامية.

٢٨
ومن بين الأسئلة الأكثر حرجا والتي لم تجد لها جوابا متكاملا ومقنعا، واحتار زعماء هذا التيار في الماضي والحاضر في أن يجدوا لها حلا شافيا أو جوابا علميا. نذكر منها ما يخص تحديد مفهوم مصطلح " سلف " ودلالاته العملية والواقعية.

ما المقصود بالخيرية التي ذكرها الحديث، على فرض صحته ؟ وهل هذه الخيرية قصد بها بيان المنزلة الخاصة للذين عايشوا الرسول من الصحابة، ومن عايشهم من التابعين، الذين أتوا بعدهم، لتوجيه الأنظار والتدليل على اتباعهم واقتفاء أثرهم في كل ما راموه من فعل أو قول ؟ لقد كان في الصحابة والتابعين المنافقون والفسقة، ومنهم من انحرف زمن الرسول، ومنهم من انحرف بعده، واشتهر من بينهم الوضاعون والكذبة، وارتد البعض منهم عن الإسلام وأصبح كافرا معلنا العداوة للإسلام وأهله ! ؟.

وقد توزع الصحابة في الأمصار وأحدثوا كثيرا من القضايا التي اختلف حولها المسلمون. وحارب بعضهم بعضا ؟ ! وعليه فمفهوم السلف هنا إذا قصد به الصحابة أو التابعون لهم. لا بد وأن يختص به جماعة أو أفرادا متميزين منهم، من استقام على الإسلام ولم يبدل تبديلا حتى لقي ربه.

ومعرفة هؤلاء ونعتهم بالأسماء مما اختلفت الأمة قاطبة حوله، وافترقت الفرق من جراء الفصل فيه ! ؟.

لقد أختلف في تحديد الفترة الزمنية التي وجد فيها هؤلاء " السلف " الواجبي الاقتفاء والتقليد. فإن كان البعض قد حصرهم في التابعين وهؤلاء لم يكن أحد منهم حيا أواخر القرن الثالث، فقد ذهب البعض الآخر إلى اعتبار السلف ما قبل القرن الخامس. ومنهم من أعطى مفهوم السلف بعدا نظريا لا علاقة له بالزمن أو فترة زمنية محددة، فكل من سلك طريقا معينا في الأصول أو الفروع وبرع فيه حتى أصبح رائدا واتبعه الناس وقلدته العوام فهو من السلف، وينتسب إليهم، وإن كان هؤلاء قد وضعوا له محددات خاصة

٢٩
لا علاقة لها بالمفهوم الحقيقي للاقتداء السلفي. وإنما لها علاقة وارتباط بالصراعات السياسية والمذهبية، وأثر ذلك على نشوء الفرق والحركات.

وإذا كان السلف هم المسلمون الذين عاشوا في القرون الثلاثة الأولى، وإننا ملزمون باقتفاء أثرهم واتباع سبلهم وطرائق حياتهم الفكرية والعملية، فإن ذلك لن ينجم عنه إلا الإيمان بكل الفرق والمذاهب والحركات التي ذكرها الشهرستاني في ملله ونحله. والتي حاول جهده أن يوصلها إلى ثلاثة وسبعين فرقة، ليخرج منها فرقة " أهل السنة والجماعة ". باعتبارهم الفرقة الناجية التي ذكرها الحديث (١٦)، والباقون في النار ؟ !.

وهذا المفهوم لن يستقيم لما يذهب إليه من اعتبروا أن السلف تيار أو فرقة مخصوصة من ضمن الفرق الإسلامية، وأنهم المقصودون بالفرقة الناجية ؟ !.

وعليه فادعاء كون " السلفية " فرقة متميزة، يعني تحديد مفهوم السلف في أشخاص معينين من الصحابة والتابعين ومن تبعهم إلى يومنا هذا. لقد ظهرت جل الفرق والحركات والمذاهب التي عرفها المجتمع الإسلامي، خلال القرون الثلاثة الأولى. وكان فيما بينها من اختلافات الأصولية والفروعية ما أباح تجريد السيف وسفك الدماء وإباحتها، وكفرت كل فرقة من ناوءها أو خالفها الرأي والمعتقد.

لقد افترق المجتمع الإسلامي الأول مباشرة بعد وفاة الرسول (ص) إلى فرقتين، فمن الصحابة من آمن بولاية علي بن أبي طالب ابن عم الرسول وزوج ابنته فاطمة، لا على أساس القرابة وفضل الجهاد. وإنما على أساس النص والتعيين النبوي (١٧)، بالإضافة إلى ادعائه عليه السلام نفسه بكونه الولي الشرعي المنصوص عليه من طرف الله ورسوله.

(١٦) فقد روي عن الرسول (ص): " تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين فرقة كلها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة ".

(١٧) أنظر تعريف " الإمامية الاثنا عشرية " ضمن هذا الفصل.

٣٠
وناصر جمع من المهاجرين والأنصار استخلاف أبي بكر وعمر وعثمان وأنكروا النص على خلافة علي بن أبي طالب، وظهرت للوجود آنذاك فرقة الشيعة متميزة، وهم أتباع علي من الصحابة وغيرهم من التابعين وتابع التابعين. وبعد الحروب التي خاضها الإمام علي إبان خلافته. ظهرت فرقة الخوارج، وبعدها بقليل ظهرت فرقة المرجئة. وقد تحولت هذه الفرق السياسية إلى فرق كلامية ودينية. تدافع عن معتقداتها السياسية والفكرية بنص الكتاب والسنة، وغيرهما مما اختلق من مصادر وأساليب الحجاج والجدال، فظهرت بذلك الفرق الدينية الكبرى التي أثرت في تاريخ الأمة الإسلامية جمعاء. منذ ذاك العهد وإلى يوم الناس هذا.

ظهر التيار الجبري الأموي، وفي مقابله وضده انطلق القدريون دعاة للحرية الإنسانية بشكل متطرف. وإلى جانب الفرق التي جادلت في بعض القضايا الخاصة بمشكلات عقائدية (١٨) لها جذور في النص القرآني والحديثي، أو كانت محل إثارة وجدال لدى الأديان والمذاهب السابقة على الإسلام، مثل التشبيه والتجسيم. وقامت فرق أخرى للرد على تلك الفرق، المعتزلة والأشاعرة وأهل الحديث بفرقهم من معتدلين وحشوية، كما ظهرت المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها مما اندثر وعفى عنه الزمن.

إن هذه الفرق وغيرها كثير، والتي حاولنا ذكرها بإجمال في هذه العجالة، قد سجل ظهورها في القرن الأول أو الثاني والثالث. بالإضافة إلى أحداث أليمة متمثلة في حروب دامية أكلت الأخضر واليابس، شارك فيها الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين، أي قامت في عهد السلف، وتحت إمرة من يعتبرون من أعاظم السلف، وسفكت فيها دماء الكثير من السلف الصالح، فقد قتل الخليفة الثاني على يد مولى لأحد الصحابة، وقتل الصحابة وبعض التابعين عثمان بن عفان

(١٨) مثل مشكل الصفات الخبرية، والمتشابه والمحكم في القرآن.
٣١
الخليفة الثالث، وقتل الإمام علي على يد الخوارج، وحارب معاوية وهو صحابي - كما يعتبره السلفية - الإمام الشرعي، واغتصب الخلافة من ابنه الحسن. وسفكت الدماء أنهارا، وهتكت الأعراض، ونهبت الأموال بسبب ذلك. وقتل معاوية بن أبي سفيان الحسن بن علي، وعددا من كبار الصحابة كحجر بن عدي. وقتل ابنه يزيد بن معاوية الحسين بن علي، وسبى أهله. وتوالى القتل والنهب والتشريد والظلم الفظيع بعد ذلك على يد ملوك بني أمية وأمرائهم. فغزيت مدينة رسول الله واستباحها الجيش الأموي ثلاثة أيام، قتل فيها عدد من الصحابة والتابعين، وولدت نساؤهم وبناتهم من الزنا. حيث هتكت أعراض الكثيرات منهن. كما هدمت الكعبة. وغير ذلك من الأحداث الجسام، التي سطرها التاريخ ونسبها لهذه الفترة التي يقول فيها الحديث المروى عن الرسول (ص) خير القرون قرني ثم الذي يليه، ثم الذي يليه ؟ !.

إن اعتبار السلف الواجب الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم هم من عايش هذه الفترة. لا يستقيم إلا بالانتقاء الشديد والخاص، يغدو معه مفهوم " السلف " ضيقا جدا ومنحصرا في عدة أسماء، لا يقبل به من يدعو نفسه اليوم أو في الماضي بأنه من أتباع السلف، أو من حاول إعطاء " السلف " مفهوما مرتبطا بحقبة زمنية أعطيت ميزة الأفضلية والخيرية لمن عايشها أو وجد حيا أثناءها، لقد ماجت القرون الثلاث الأولى بفرق ومذاهب كفرت بعضها بعضا واستحل كل فريق دم ومال وعرض الآخر، وادعت كل فرقة أنها على ما كان عليه الرسول (ص) وأصحابه (١٩)، وأن غيرها منحرف ضال.

لذلك نرى أن عددا من التعاريف التي ذكرناها لتحديد مفهوم " السلفية " و " السلف " لا تستقيم بحال. نذكر منها على سبيل المثال - وإن كنا سنفصل في هذه المواضيع وغيرها في البحوث القادمة، إن شاء الله.

(١٩) إشارة للحديث الذي يقول فيه الرسول " ما أنا عليه وأصحابي " عندما سئل بعد قوله:

عليكم بالجماعة فقيل من هم يا رسول الله ؟ قال: "... الحديث ".

٣٢
كتاب السلفية بين أهل السنة والإمامية للسيد محمد الكثيري (ص ٣٣ - ص ٥٥)
٣٣
معروف الكرخي وغيرهم. ويكفيك دلالة على ذلك، الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم. وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه عليه السلام (٢٠).

أما قوله أي الدكتور السلفي " الأئمة الأربعة والسفيانيين والليث بن سعد وابن المبارك والنخعي والبخاري ومسلم وسائر أصحاب السنن ".. فالمحقق والمطلع المقتصد على آثار هؤلاء وسيرهم في كتب التاريخ يجد بينهم من الاختلاف أكثر من عدد اللغات في القارة الهندية اليوم، وكل يدعي وصلا بليلي ؟ !.

وقد كان يهون الاختلاف لو لم يكفر بعضهم بعضا ويعتبر ذلك دينا له وأصلا من أصوله. فالإمام أبو حنيفة في نظر الإمام أحمد بن حنبل مرجئي، والمرجئي ضال منحرف. وقد كفرته باقي الفرق، وهو يقول بخلق القرآن، وعليه فقد لزمه الكفر لأن كل من قال بخلق القرآن فهو جهمي وكل جهمي في نظر الحنابلة وإمامهم كافر. وهذه مسألة متعلقة بالعقائد وأصول الدين و ليست من الفروع حتى يقال لا يضر الاختلاف فيها. وكان أبو حنيفة على بيعة محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.. ومن جملة شيعته، حتى رفع الأمر إلى المنصور فحبسه حبس الأبد حتى مات في السجن (٢١).

ومحمد بن عبد الله هذا كان أحد رجالات الشيعة الأوائل. ومناصرة أبي حنيفة له تعني خروجه على طاعة إمام زمانه، وإمام السلفية أحمد بن حنبل يؤمن بخلافة بني العباس ولا يجوز الخروج عليهم ولا على غيرهم، وهو موقف أصحاب الحديث بشكل عام. وهذا العمل لا شك أنه أخرج أبو حنيفة من مفهوم السلف المتشبثين بالجماعة الخاضعين لطاعة السلاطين وإن فجروا وظلموا.

(٢٠) ابن أبي الحديد المدائني، شرح نهج البلاغة، ج ١ - ٢ / ١٧ - ١٨ - ١٩، باختصار.

(٢١) الشهرستاني، والملل والنحل، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت، ج ١ ص ١٥٨.

٣٤
أما أصحاب الحديث وجامعي السنن فحدث ولا حرج، فمذاهبهم الأصولية والاعتقادية بعدد الأحاديث التي رووها ودونوها في كتبهم.

ففيهم المنزهة، وفيهم المشبهة المعتدلين، والمشبهة الغلاة، وفيهم المجسمة المعتدلين والغلاة، وفيهم الجبرية والقدرية، والمرجئة بكل فرقهم والخوارج والشيعة كذلك. وانتشر بينهم التكفير والطعن على بعضهم البعض، يقول ابن قتيبة وهو محدث يصف حالهم: " وكان آخر ما وقع من الاختلاف أمرا خص بأصحاب الحديث الذين لم يزالوا بالسنة ظاهرين وبالأتباع قاهرين يداجون بكل بلد ولا يداجون ويستتر منهم بالنعل ولا يستترون، ويصدعون بحقهم الناس ولا يستغشون، لا يرتفع بالعلم إلا من رفعوا ولا يتضع فيه إلا من وضعوا ولا تسير الركبان إلا بذكر من ذكروا إلى أن كادهم الشيطان بمسألة لم يجعلها الله تعالى أصلا في الدين ولا فرعا. في جهلها سعة وفي العلم بها فضيلة، فنمى شرها وعظم شأنها. حتى فرقت جماعتهم وشتتت كلمتهم ووهنت أمرهم وأشمتت حاسديهم، وكفت عدوهم مؤنتهم بألسنتهم وعلى أيديهم فهو دائب يضحك منهم ويستهزئ بهم حين رأى بعضهم يكفر بعضا وبعضهم يلعن بعضا. ورآهم مختلفين وهم كالمتفقين ومتباينين وهم كالمجتمعين (٢٢).

قد يتأول بعضهم هذا الاسترسال في الإكفار بأنه من قبيل كفر دون كفر، لا الكفر الناقل من الملة، وفاته أن الوارد في الأثر من كفر دون كفر هو ما يكون من قبيل كفران العشير ونكران الجميل وظاهر عدم تمشي ذلك في أمثال هذه المواضع، على أن بعضهم يصرح بأن مراده بالكفر الكفر الناقل. فهذا يقطع قول كل خطيب، وإن كان الكفر الناقل متفاوت الدركات (٢٣). وهناك نص آخر أورده عبد الله ابن حنبل في كتابه " السنة " يلقي الضوء على عقائد أهل الحديث

(٢٢) الإختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، دار الكتب العلمية، بيروت، ص ١٢.

(٢٣) نفس المصدر، الهامش ص ١٢.

٣٥
وما أصابها من تهافت وتناقض وانتقائية يقول: " حدثني يحيى بن أيوب أملاه سنة ٢٣٥ ه‍، حدثنا أبو حفص الأبار حدثني شيخ من قريش عن الشعبي قال:

إرجئ الأمور إلى الله ولا تكن مرجئا. وأمر بالمعروف وإنه عن المنكر ولا تكن حروريا، وأعلم أن الخير والشر من الله ولا تكن قدريا. قال يحيى بن أيوب وحدثني رجل كان إلى جنب الأبار أن الشعبي قال: مع هذا وأثبت صلاح بني هاشم ولا تكن شيعيا (٢٤).

هذا الخليط العجيب من الأفكار والمعتقدات المتناقضة والمتضاربة يسميه الدكتور السلفي " مذهب السلف ". وإذا كان كذلك فكل الفرق والمذاهب والملل والنحل اليوم، وفي الماضي سلفيون وأتباع للسلف. وإذن لا حاجة لفرقة تدعي اليوم لنفسها أنها هي الوحيدة التي تمثل نهج السلف، وأن غيرها قد استقى تعاليمه من اليهود والنصارى والمجوس ومن الغرب والشرق ؟ !

إن المفهوم الاصطلاحي للسلف أو " السلفية " كتيار ظهر قديما تدعي تمثيله اليوم فرقة من المسلمين، مفهوم انتقائي محدد جدا. وهذا الإطلاق الذي ذكره الدكتور السلفي إنما هو للتمويه على العامة وأنصاف المتعلمين والمطلعين على التراث الإسلامي، ولا يثبت أمام التحليل التاريخي. وهذا ما سنحاول تبيينه للقارئ فيما بعد.

وإذا كان مذهب السلف ما كان عليه الإمام مالك فلماذا يرفض المذهب المالكي وينهى السلفيون المعاصرون عن تقليده ؟ ! ولماذا كفر أسلافهم من " الحنابلة " فيما مضى أتباع المذهب الشافعي، وسبوا صاحبه وطعنوا في إمامته ؟

ووقفوا للشوافع في الطرقات وترصدوا لهم وقتلوهم. ولماذا نهى إمام الحنابلة كما يدعون عن تقليد الشافعي وأبو حنيفة ومالك ؟ ! وإذا لم يقلد هؤلاء الأئمة فيما اجتهدوا فيه ورأوه فماذا يبقى منهم يا ترى ؟. وكيف سنتخذهم

(٢٤) عبد الله بن أحمد بن حنبل، السنة، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ١ ١٩٨٥ م، ص ٢٢٧ - ٢٢٨.
٣٦
قدوة وسلفا لنا، إن لم نأخذ بأقوالهم وأفعالهم كما نأخذ أقوال وأفعال غيرهم عند الاقتداء والتقليد ؟.

إن مفهوم " السلف " كما قلناه، مفهوم انتقائي جدا وقد حاول الدكتور السلفي أن يشير إلى ذلك في آخر التعريف الذي نقله عن سلفي آخر وهو أحمد بن حجر آل بوطامي. حيث استثنى من مذهب السلف " دون ما رمي ببدعة أو شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والمرجئة والجهمية والمعتزلة، وسائر الفرق الضالة "، وهذا التحديد بدوره عام ومبهم وغير مفصل.

وعند التحليل سينقض عروة عروة. أولا لأن القرون الثلاث الموسومة بالخيرية تشمل كل هذه الفرق التي ذكرها وأخرجها من مذهب السلف.

فإذا كان يقصد بالروافض من رفض خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، فعدد من الصحابة والتابعين ومن تبعهم رفض هذه الخلافة، منهم علي بن أبي طالب والحسن والحسين وسلمان الفارسي والمقداد وأبو ذر الغفاري، وغيرهم كثير يتجاوز المائة صحابي، ومئات التابعين منهم: زين العابدين ومحمد الباقر وجعفر الصادق أستاذ الأئمة وشيخ السلف بالإجماع. وهؤلاء وغيرهم من كبار التابعين والسلف باتفاق جل المؤرخين المسلمين.

أما المرجئة فقد عرف لفيف من الصحابة والتابعين بالإرجاء ويكفي ما ذكرناه سابقا من أن أبو حنيفة عرف بالإرجاء هو وتلامذته. وقد انتشر الإرجاء في العهد الأموي الأول، حتى قيل ليس هناك كور في الإسلام إلا وغلب عليه الإرجاء. أما الجبر فقد فشا في أهل الحديث. واعتبر العقيدة الرسمية للدولة الأموية. ولا نظن أن سلفيا قديما أو معاصرا، يشك في سلفية معاوية ابن أبي سفيان والبيت الأموي الحاكم من بعده. وللسلفيين اعتقادات خاصة في معاوية وابنه يزيد وقد ألفوا الكتب في فضائلهما وتنزيههما وجاؤوا بالغرائب في ذلك، كما يقول ابن كثير المؤرخ.

أما قوله " الجهمية والمعتزلة " فالآراء التي أخرج بها الدكتور السلفي هاتين

٣٧
الفرقتين من مذهب السلف، قد اعتنقها بعض الأئمة الأربعة وكثير من الفقهاء وأصحاب الحديث، وقد كان أبو الوفاء ابن عقيل وهو أحد كبار المحدثين والفقهاء الحنابلة السلفيين يعظم المعتزلة ويترحم على الحلاج وقد درس علم الكلام سرا على يد بعض شيوخ الاعتزال، فاكتشفه الحنابلة فطلبوا أذاه فاختفى في دار السلطان. ولم يغفر الحنابلة له ذلك حتى كتب بخطه كتابا يقر على نفسه بالخطأ ويبرأ منه ويعطي إمام المسلمين الحق في التنكيل به إذا ظهر منه فيما بعد شئ مماثل لما كان عليه (٢٥).

نعتقد إن هذا الالتزام الخطي الذي كتبه هذا المحدث السلفي الكبير على نفسه تحت الإكراه والخوف من بطش أصحابه الحنابلة لم يكن ليغير في معتقداته بهذه السهولة ولا أدل على ذلك من أنه هو الذي تكفل بتغسيل الفقيه الأشعري الشافعي أبو إسحاق الشيرازي لما توفي وصلى عليه بباب الفردوس (٢٦).

والحنابلة كما هو معلوم يكفرون الأشاعرة والشوافع، وعمل ابن عقيل هذا هو خلاف لما عليه أصحابه. وهذا دليل على أنه يختلف عنهم في المعتقد ولو حسب منهم. والأمثلة على ما ذكرنا كثيرة، وإيرادنا لهذا المثال هو فقط للتدليل على عدم صحة التعميم لأنه خلاف الحق.

وقد سئل الحسن البصري وهو تابعي ومن أقطاب السلف لدى " السلفيين " عن عمرو بن عبيد رأس المعتزلة فأجاب سائله قائلا: " لقد سألت عن رجل كأن الملائكة أدبته وكأن الأنبياء ربته، إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به وإن أمر بشئ كان ألزم الناس له، وإن نهى عن شئ كان أترك الناس له،

(٢٥) مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي، النهج الأحمد في تراجم أصحاب أحمد، عالم الكتب، ط ٢ ص ١٩٨٤ م، بيروت، ص ٣٧.

(٢٦) أبو إسحاق الشيرازي الشافعي، طبقات الفقهاء، دار الرائد العربي، بيروت، ١٩٧٠ م، ص ١٥.

٣٨
ما رأيت ظاهرا أشبه بباطن منه، ولا باطنا أشبه بظاهر منه. إن عالما جليلا - كما يقول الدكتور الشكعة - مثل الحسن البصري لا يمكنه أن يصف عمرو بن عبيد بهذه الأوصاف لو كان فيه قيد شعرة من انحراف في مذهبه واعتقاده (٢٧).

بالإضافة إلى أن عددا من خلفاء بني العباس كانوا على مذهب الاعتزال ولم يقل أحد من أئمة الفقه أو الحديث بأنهم كفار. بل كانوا يصلون وراءهم ويحجون معهم ويغزون. وقد كان الإمام أحمد ابن حنبل عباسي الميل السياسي، ولعله الوحيد بين الأئمة الأربعة الذي يرى هذا الرأي (٢٨). فكيف بزعيم السلفية - كما سيدعي أصحابه فيما بعد - يوالي المنحرفين والكفرة إن كان المعتزلة فعلا كذلك.

من هم السلفية:

بعد هذه المتابعة التاريخية لمفهوم السلف، وتحليل بعض التعاريف التي وضعها السلفيون وغيرهم، نستطيع أن نجيب على السؤال الثالث وهو: من هم حقيقة دعاة الانتساب لمذهب السلف أو " السلفية " في الماضي والحاضر ؟

وهل لهؤلاء " السلفية " مذهب خاص في الأصول والفروع يميزهم عن باقي الفرق الإسلامية المعروفة.

المقصود بالسلفية هم أولئك الذين ظهروا في القرن الرابع الهجري.

وكانوا من الحنابلة، وزعموا أن جملة آرائهم تنتهي إلى الإمام أحمد بن حنبل الذي أحيى عقيدة السلف، وحارب دونها، ثم تجدد ظهورهم في القرن

(٢٧) إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية للطباعة والنشر، بيروت، ص ٤٩٧.

(٢٨) المرجع نفسه، ص ٤٣٤، " كان أحمد يقول: الأئمة من قريش، ويعين على إمامة ولد العباس ويقول العباس أبو الخلفاء "، وقد كان أبوه محمد والي سرخس، وكان من أبناء الدعوة العباسية. أنظر مختصر طبقات الحنابلة لابن الشطي، ص ٨.

٣٩
السابع الهجري، أحياه شيخ الإسلام (ابن تيمية) وشدد في الدعوة إليه، وأضاف إليه أمورا أخرى قد بعثت إلى التفكير فيها أحوال عصره، ثم ظهرت تلك الآراء في الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري، أحياها " محمد بن عبد الوهاب " - في الجزيرة العربية - وما زال الوهابيون ينادون بها (٢٩).

يتبين من خلال هذا التعريف الذي وضعه أبو زهرة، بأن دعاة السلفية أو مذهب السلف هم شريحة من أتباع المذهب الحنبلي ونقول " شريحة "، وليس جميع أتباع هذا المذهب. لأن هذه الفئة التي سمت نفسها ب‍ " السلفية "، لها آراء وأفكار ومذهب خاص في " الأصول والعقائد ". وأحمد بن حنبل يعتبر أحد الأئمة الأربعة المقلدين في الفقه، وليس له في العقائد أو الأصول مذهب خاص به. لذلك كان أغلب مقلدي هؤلاء الأئمة الأربعة وأحمد بن حنبل من ضمنهم، ينتمون عقائديا إلى المذهب الكلامي الممثل بشقيه " الأشعري "، والماتريدي " مذهب " أهل السنة والجماعة " في الأصول.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كان جل الحنابلة في الأصول، على عقيدة مذاهب أهل السنة والجماعة من أشاعرة وما تريدية ؟.

الجواب بالنفي، فقد كان الحنابلة دون باقي المذاهب الفقهية الأخرى، موزعين على عقائد شتى ومذاهب أصولية مختلفة، فمنهم من كان أشعريا، ومنهم من كان صوفيا، يؤمن بعقائد وحدة الوجود وغيرها من عقائد الصوفية، ومنهم مفوضة يتبعون بعض السلف في مواقفهم وآرائهم العقائدية.

ومنهم وهم الأغلبية كانوا - كما أجمعت عليه كتب علم الكلام والعقائد والتاريخ - " حشوية ". حيث كثر فيهم وفي غالبية أصحاب الحديث الاعتقاد بالتشبيه والتجسيم والقول بالجبر وغيرها من الآراء والمعتقدات، التي تجند المعتزلة أولا لمحاربتها، ثم تصدى لهم فيما بعد " أهل السنة والجماعة " من

(٢٩) محمد أبو زهرة، المذاهب الإسلامية، ص ٣١١.
٤٠