×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السلفية بين أهل السنة والإمامية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

علماء الكلام، الأشاعرة والماتريدية وغيرهم ممن يذهب مذاهب التنزيه.

وإذا رجعنا إلى المذاهب الأصولي والعقائدي لابن تيمية، محيي وباعث مذهب السلف في القرن السابع الهجري، كما ذكر الشيخ محمد أبو زهرة في تعريفه، نجد أن الرجل - أي ابن تيمية - قد اشتهر بالتشبيه والتجسيم وكان يذهب مذاهب الحشوية في العقائد. وقد قام بمجهود جبار في الدفاع عن هذه العقائد والانتصار لها.

جعلت الدكتور علي سامي النشار يصفه ب‍ " الفيلسوف المجسم النادر المثال " (٣٠). وإذا كان محمد بن عبد الوهاب تلميذ ابن تيمية وزعيم " السلفية " وباعثها المعاصر، فسيفهم من ذلك أن الدعوة السلفية المعاصرة والنابتة من آراء ابن تيمية خصوصا والمذهب الحنبلي عموما، ما هي إلا " الحشوية الحنبلية ".

التي عرفت في تاريخ الفرق الكلامية، كمذهب أو تيار له آراؤه الخاصة في العقائد والأصول. وعرفت غالبية أتباعه بالانتساب إلى مذهب أحمد بن حنبل الفقهي. لذلك قال الصفدي: " والغالب في الحنابلة الحشوية " (٣١).

إن القارئ والمطلع على ما يكتبه رجالات السلفية المعاصرون من كتب، في الأصول والفروع، وما ينشرونه من كتب التراث التي تدعم مذهبهم، وما يدعون إليه صباح مساء، سيجد بأن الدعوة " الحشوية الحنبلية " قد قامت من رقادها الطويل تنفض عنها غبار الزمن، مستعيرة لقب " السلفية " للتضليل والتمويه على عامة الناس عموما وأبناء الصحوة الإسلامية خصوصا. وقد تنبه لذلك طائفة من علماء أهل السنة، فبادروا لإعلان ذلك. وتنبيه المسلمين كافة من خطر انتشار عقائد وأفكار هذه الفئة المخربة والمشاغبة. والتي سطر لها التاريخ الإسلامي صفحات سوداء في الماضي، من إشاعة الفتن المذهبية وتحريف وتشويش العقائد الإسلامية. وما تبع ذلك من انحصار وتقهقر

(٣٠) علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج ١ ص ٣١٢.

(٣١) بهاء الدين العاملي، الكشكول، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ج ٢ ص ١٥١.

٤١
للحضارة والمدنية الإسلامية بشكل عام. يقول ابن خليفة عليوي وهو عالم أزهري:

" لقد ظهرت في بلادنا الشامية طائفة تدعو إلى " السلفية " ونهجها اعتناق العقيدة " الحشوية الحنبلية " وتبديع أهل السنة والجماعة (٣٢). ويضيف:

" ولنحذر جميعا من وساوس الشياطين أن تزين لنا نزعات الضالين من اليهود والنصارى المجسمين الذين اتبعتهم في ذلك " الحشوية الحنبلية. فقد أصيب بهم المسلمون بأكبر بلية. تركوا العقل والنظر وأخذوا بظاهر الخبر. ولا مستند لهم من شرع سيد البشر محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. فليت شعري كيف يدعون " السلفية " ويزعمون أنهم يدعون إلى التوحيد الخالص والأعمال الصالحات، وهم مجسمون ومتمسكون بأذناب الضلالات ! ! فأخلق بهم أن يأخذوا بعقيدة أهل السنة والجماعة لرشدوا إلى طريق الإسلام " (٣٣).

ويقول أيضا: " أما أنتم أيها (الحشوية الحنبلية) في البلاد الشامية كفاكم شن الغارات على أهل السنة والجماعة بعاديات الأهواء، وكفاكم شموخا بأنوفكم حتى السماء، مع أنكم لا تملكون حتى ولا دليلا واحدا يؤيد مدعاكم فيما تبدعوننا فيه. ونحن نملك كل دليل كان عليه السلف ونسير عليه " (٣٤).

إن هذه النصوص وغيرها تنقلنا إلى أجواء القرن الرابع الهجري وما بعده حيث كان الصراع مستعرا وعلى أشده، بين أهل السنة " أشاعرة وما تريدية " وبين هذه الفرقة التي عرفت ب‍ " الحشوية الحنبلية " والتي تبرأ منها علماء الإسلام عامة، " وناقشهم في هذه النسبة (أي الانتساب للإمام أحمد بن حنبل) بعض الفضلاء الحنابلة " (٣٥) كما يقول الشيخ أبو زهرة.

(٣٢) ابن خليفة عليوي، هذه عقيدة السلف والخلف في ذات الله تعالى، مطبعة زيد بن ثابت.

دمشق ١٩٧٩ م، ص ٧.

(٣٣) المرجع نفسه، ص ٥.

(٣٤) المرجع نفسه، ص ٦.

(٣٥) المذاهب الإسلامية، م س، ص ٣١١.

٤٢
لكن هذه النصوص قد كشفت لنا وبما لا مجال للشك فيه على أن " السلفية الوهابية " اليوم، والتي تتخذ من أرض الجزيرة والحرمين الشريفين منطلقا لها ولدعوتها، هي في حقيقة الأمر، بعث لعقائد فرقة " الحشوية الحنبلية " والتي عرفت تاريخيا بهذا الاسم. وسنحاول تسليط الضوء على تاريخ هذه الفرقة، نشوؤها وتطورها، وعلاقتها ب‍ " السلف " و ب‍ " مذهب الإمام أحمد بن حنبل " الفقهي والأصولي.

السلفية التنويرية:

إن مصطلح " السلفية " قد انتشر انتشارا واسعا مع بداية هذا القرن وإلى الآن، في كتب الذين تابعوا وأرخوا لظاهرة الإحياء الإسلامي العام، ونهضة الشعوب الإسلامية للتحرر من الاستعمار وتقاليد التخلف. وقد استعمل الكثير من المؤرخين والمفكرين خصوصا العلمانيين والقوميين بشقيهم " الماركسي والليبرالي " هذا المصطلح في كتاباتهم، ينعتون به مفكري عصر النهضة، وزعماء الحركات الإسلامية الكبرى التي ظهرت في العالم الإسلامي. مثل محمد عبده المصري وأستاذه جمال الدين الأفغاني. ومن سار على نهجهما كأبو شعيب الدكالي والعربي العلوي والزعيم علال الفاسي، وهؤلاء من المغرب الأقصى. أما في الجزائر فعرف الشيخ ابن باديس كداعية سلفي، وفي تونس نشر تعاليم السلفية سالم بوحاجب وطاهر بن عاشور. أما حركة الإخوان المسلمين التي ظهرت بدءا في مصر فيمكن القول بأنها قامت على أساس تبني المبادئ السلفية الكبرى وإعادة التفكير فيها قصد بلورتها وتجذيرها (٣٦).

والسلفية التي دعا لها هؤلاء المصلحون الكبار، ومن تبعهم بعد ذلك أمثال محمد إقبال في الهند، وعلي شريعتي في إيران والمودودي في باكستان، تعتبر

(٣٦) الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الثاني، مادة السلفية، ص ٧٣٧.
٤٣
سلفية تنويرية تدعو المجتمع الإسلامي للأخذ بقيم الرسالة الإسلامية في جميع مناحي الحياة الاجتماعية والمدنية، كشرط للنهوض العام والشامل، ومواجهة الاستعمار، ومعالجة التراث الفكري والديني الإسلامي معالجة علمية.

والاستفادة من أحسن وأفضل ما أنتجه العقل الإسلامي في الماضي، والانفتاح ومعرفة مقومات الحضارة الغربية المعاصرة. للاستفادة من إيجابياتها، خصوصا على مستوى العلوم الحديثة ومبتكرات التقنية. ومحاولة إعادة الحياة للعقل الإسلامي وتفعيله ليستعيد نشاطه وقدرته على الإبداع، الذي فقدهما في غمرة قرون من الركود والتخلف الحضاري العام.

ولا شك أن الدعوة لهذه القيم الفكرية والحضارية وغيرها، والتي عرفت بها السلفية التنويرية هي على النقيض تماما لما تدعو له سلفية هؤلاء " الحشوية الحنابلة " المتسمين بالوهابية.

فقضايا المجتمع الإسلامي الدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية ستختزل كلها في نظر هؤلاء الحشوية، وترتبط بقضية هدم قبور الأنبياء والأولياء ومسألة التوسل بهم. ومحاربة بدعة زيارة قبر الرسول (ص) والدعوة إلى عقائد التجسيم والجبر، وإطاعة السلطان الظالم والجائر. كما سيتبين لنا خلال الفصول القادمة. لذلك قال محمد عبده زعيم السلفية التنويرية: "....

اللهم إلا فئة زعمت أنها نفضت غبار التقليد وأزالت الحجب التي كانت تحول بينها وبين النظر في آيات القرآن ومتون الأحاديث لتفهم أحكام الله منها، ولكن هذه الفئة أضيق عطنا وأحرج صدرا من المقلدين، وإن أنكرت كثيرا من البدع، ونحت عن الدين كثيرا مما أضيف إليه وليس منه. فإنها ترى وجوب الأخذ بما يفهم من اللفظ الوارد والتقيد به، بدون التفات إلى ما تقتضيه الأصول التي قام عليها الدين، وإليها كانت الدعوة، ولأجلها منحت النبوة، فلم يكونوا للعلم أولياء ولا للمدنية أحباء (٣٧).

(٣٧) محمد عبده، الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، دار الحداثة، ط ٣ ١٩٨٨ م، ص ١٢٧ - ١٢٨.
٤٤
يقول رشيد رضا في الهامش: " يعني بهذه الفئة أهل الحديث ومن يسمون الوهابية فقد كان يحمد منهم ترك البدع والاهتداء بالسنن وتقديم الأثر (٣٨) على آراء البشر، وينكر عليهم ضيق العطن دون ما أرشدت إليه النصوص من علوم الأكوان ومقدمات المدنية والعمران التي تعتني بها الأمة وتعلو كلمة الملة.

وبذلك وضع زعيم السلفية التنويرية الحد الفاصل بين مفهوم السلفيتين، حتى لا يصار إلى الخلط في مضمونهما ودعوتهما. على أن الكتاب المعاصرين عندما يصفون هؤلاء الأعلام مثل الأفغاني وعبده بالسلفية، لا يقصدون مذهبا خاصا وفرقة بعينها، وإنما يقصدون دعوتهم للرجوع إلى الأخذ بقيم الإسلام ونبذ القيم الفاسدة للحضارة الغربية. فهم بذلك يأخذون قيمهم عن الأجداد " أي السلف ". أما السلفية الوهابية أو " الحشوية الحنبلية " فإنها تيار متميز في تاريخ الإسلام له أصوله وفروعه واجتهاداته الخاصة. وهذا ما سنعرفه في البحوث القادمة.

***

(٣٨) هذا إذا كان ذلك الأثر مما قاله رسول الإسلام (ص) حقا، وليس هرطقات البدو من الأعراب أو اعتقادات مردة أهل الكتاب من يهود ونصارى، والتي حشيت بها أحاديث الرسول.
٤٥

الحشوية والمذهب الحشوي

تعريف:

الحشو لغة ما يملأ به الوسادة أو الحشية أو الخضر وغير ذلك. و " الحشوية بتسكين الشين وفتحها أو أهل الحشو: لقب تحقير أطلق على أولئك الفريق من أصحاب الحديث الذين اعتقدوا بصحة الأحاديث المسرفة في التجسيم من غير نقد. بل فضلوها على غيرها وأخذوها بظاهر لفظها. ومن هؤلاء أيضا السالمية. وقد ازدرى المعتزلة أصحاب الحديث جميعا وعدوهم من الحشوية.

لأنهم قبلوا التفاسير المنطوية على التجسيم، وإن كانوا تحفظوا في التجسيم فقالوا " بلا كيف " ولم يفسد ذوقهم كما فسد ذوق الحشوية الخلص (٣٩).

وقالوا إن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وجوز قوم منهم على الأنبياء الكبائر كالزنى واللواط وغيرهما. إلى غيره من الأقوال الواضحة البطلان (٤٠).

أما ابن رشد الفيلسوف فيقول: " الحشوية فإنهم قالوا إن طريقة معرفة وجود الله تعالى هو السمع لا العقل: أعني أن الإيمان بوجوده الذي كلف الناس التصديق به يكفي فيه أن يتلقى من صاحب الشرع ويؤمن به إيمانا كما تتلقى منه أحوال المعاد، وغير ذلك مما لا مدخل للعقل فيه، وهذه الفرقة الضالة، الظاهر من أمرها أنها مقصرة عن مقصود الشارع في الطريق التي نصبها للجميع مفضية إلى معرفة وجود الله تعالى... وذلك يظهر من غير ما

(٣٩) دائرة المعارف الإسلامية، مادة الحشو، دار المعرفة، بيروت، ج ٧ ص ٤٣٩.

(٤٠) معجم الفرق الإسلامية، ص ٤٩.

٤٦
آية من كتاب الله تعالى أنه دعى الناس إلى التصديق بوجود الباري سبحانه بأدلة عقلية منصوص عليها " (٤١).

ويمكن أن نستخلص عناصر الموقف الحشوي كما يفهم من النص السابق وغيره على النحو التالي:

١ - الإعتماد على النص وحده طريقا إلى المعرفة الاعتقادية خاصة والدينية بصفة عامة، ورفض العقل وأدلته.

٢ - سوء الفهم للنصوص الدينية نفسها " أو الاعتماد على الأحاديث الضعيفة أو المدسوسة في السنة للاستدلال بها في العقائد " حيث إن هذه النصوص كما سبق بيانه وكما يشير ابن رشد في نصه الآنف الذكر، تعتمد العقل وتتضمن براهين عقلية لإثبات العقائد الدينية الواجب اعتناقها، ولا نكتفي بتقرير هذه العقائد عارية عن البرهنة والاستدلال.

٣ - النزوع إلى الفهم الحرفي لتلك النصوص مما يؤدي إلى التجسيم و التشبيه. أي تشبيه صفات المخلوقات والأشياء المادية الجسمية إلى الله سبحانه (٤٢).

سلبيات عدم تدوين الحديث النبوي:

لقد ظهرت أولى سلبيات منع تدوين الحديث النبوي الذي نهى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب عن جمعه وكتابته، في كثرة الرواية عن رسول الله (ص) في عصر التابعين. وانتشر الرواة في الآفاق يبحثون عن الصحابة ومن عاصرهم، للأخذ عنهم. وكان من بين هؤلاء " عدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى وموابذة المجوس، أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثم

(٤١) ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ص ١٣٤، بتوسط المدخل إلى دراسة علم الكلام.

(٤٢) د. حسن محمود الشافعي، المدخل إلى دراسة علم الكلام، مكتبة وهبة، القاهرة ط ٢ ١٩٩١ م، ص ٧٦.

٤٧
أخذوا بعدهم في بث ما عندهم من الأساطير، بين من تروج عليهم، ممن لم يتهذب بالعلم من أعراب الرواة وبسطاء مواليهم. فتلقفوها منهم ورددها الآخرون بسلامة باطن، معتقدين ما في أخبارهم جانب الله من التجسيم والتشبيه، ومستأنسين بما كانوا عليه من الاعتقاد في جاهليتهم، وقد يرفعونها افتراء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو خطأ، فأخذ التشبيه يتسرب إلى معتقدات الطوائف ويشيع شيوع الفاحشة (٤٣). وهنا نشأ الحشو (٤٤)، وترعرع ونما، حيث تم إدخال الكثير من عقائد أهل الكتاب خاصة، إلى الإسلام عن طريق الحديث النبوي، وتلقفها بسطاء الرواة وغيرهم على أنها عقائد الإسلام جاءت على لسان الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وإذا عرفنا أن هذه الحركة كانت ملازمة لظهور الفتن السياسية في المجتمع الإسلامي الناشئ، وانتصار الأمويين في نهاية المطاف، وتسلمهم لسدة الحكم. يتبين لنا مدى انتشار هذه الظاهرة وتغلغلها في تفكير المسلمين آنذاك.

وملوك بني أمية بدءا من معاوية بن أبي سفيان وإلى آخرهم (٤٥)، لم يولوا أي اهتمام للدفاع عن عقائد المسلمين، أو محاولة الوقوف أمام خصومها من يهود ونصارى، فما كان يهم بني أمية هو الجانب السياسي، وتثبيت الملك العضوض بأي وسيلة، بل كان فسح المجال لأحبار اليهود والنصارى وغيرهم من دعاة الملل والنحل السالفة، إحدى الوسائل التي ركبها ملوك بني أمية لتوطيد ملكهم. فتزعموا القول بالجبر وشجعوا الأعراب من الرواة على التحديث بذلك، فاختلق هؤلاء من الأحاديث والروايات التي نسبوها للرسول (ص) الشئ الكثير. سيكون فيما بعد معتمد الحشوية من أهل

(٤٣) ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، مقدمة الشيخ محمد زاهد الكوثري، ص ١٠.

(٤٤) نشأة الفكر الفلسفي، مرجع سابق، ص ٢٨٦.

(٤٥) إلا ما كان من فعل عمر بن عبد العزيز الذي أمر بتدوين السنة وأوقف لعن الإمام علي على المنابر وأرجع فدك " نحلة فاطمة " إلى بنيها.

٤٨
الحديث والحنابلة، وللدعوة إلى هذه النحلة وترسيخها كعقيدة إسلامية جعلت الحبر النصراني يوحنا الدمشقي الذي عاش في قصور الأمويين وخدمهم، يقول بأن الإسلام ليس إلا العقيدة الجبرية.

أما التشبيه والتجسيم فقد أطلق ملوك بني أمية العنان - ومن قبلهم الخليفتان عمر وعثمان - لهؤلاء المتأسلمة من أهل الكتاب. فنقلوا ونشروا ما في التوراة والإنجيل من عقائد إلى المسلمين، سواء كأحاديث مستقلة منسوبة للرسول (ص)، أو كشروح لآيات الذكر الحكيم. وقد كان كعب الأحبار (٤٦)، وهو من يهود اليمن يقرأ التوراة في مسجد رسول الله على عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ولم يتعرض لأي نهي ! في الوقت الذي كان الخليفة نفسه ينهى الصحابة عن الرواية عن رسول الله (ص)، ويتوعدهم العقاب إنهم حدثوا أو أكثروا الرواية عنه (ص).

وتبعه وهب بن منبه وكان عالما بالتوراة فجلس يحدث في المدينة وغيرها من حواضر الإسلام بما يجده في كتب الأولين، فنقل عنه المسلمون الكثير من الأحاديث والروايات في تفسير قصص الأنبياء وتواريخهم من لدن آدم عليه السلام وإلى خاتم الرسل (ص). ودخلت مع تلك التفاسير والشروح عقائد أهل الكتاب المحرفة وكثر تداولها وتناقلها بين الرواة. حتى تكلموا في مجلس الحسن البصري بالسقط عنده وضاق صدر الرجل بهم، فصاح: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة - أي جانبها -.

ويرى الشيخ الكوثري أنهم سموا لأجل هذا " الحشوية ". وأن إلى هؤلاء ينسب أصناف المشبهة والمجسمة (٤٧). ويرى البعض الآخر أن هذه التسمية

(٤٦) يقول ابن كثير: " أسلم كعب في الدولة العمرية وجعل يحدث عمر عن كتبه قديما، فربما استمع له عمر، فترخص الناس في استماع ما عنده ونقلوا ما عنده عنه غثها وسمينها.

وليس لهذه الأمة - والله أعلم - حاجة إلى حرف واحد مما عنده ". أنظر تفسير ابن كثير، ج ٤ ص ١٧.

(٤٧) نشأة الفكر الفلسفين، مرجع سابق، ص ٢٨٧.

٤٩
مرتبطة " بما يذهب إليه رأي هؤلاء القوم، من القول بأن الله تعالى ذو مكان أي أنه سيصبح في حشو العالم أي داخله " (٤٨).

إن حشو الأحاديث والروايات التي لا أصل لها في أحاديث الرسول (ص).

كان أغلبه من الإسرائيليات، خصوصا لما توجه المسلمون لتفسير الآيات المتشابهة. وقد اعتمد على هذه الأحاديث بالذات واعتقد بصحتها وقدمها على غيرها مجموعة من رجالات الحديث الأوائل مثل: مضر بن محمد بن خالد بن الوليد وأبو محمد الضبي الأسدي الكوفي، وكهمس بن الحسن أبو عبد الله البصري (توفي عام ١٤٩ ه‍) وأحمد بن عطاء الهجمي البصري ورقبة بن مصقلة. وقد مثل هؤلاء الحشو الهائل في أحاديثهم الضعيفة، فأجازوا على الله الملامسة والمصافحة والمزاورة، وأن المخلصين من المسلمين يعاينونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا من الرياضة والاجتهاد إلى حد الإخلاص " (٤٩).

لقد فسر هؤلاء المحدثون الأوائل وغيرهم آيات " الوجه والرؤية واليد والمجئ والجنب " تفسيرا ظاهريا ماديا. ودعموا ذلك بما رووه من إسرائيليات وعقائد أهل الكتاب. فسقطوا في التجسيم والتشبيه. وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم المعتزلة لقب الحشوية من أهل الحديث وقاموا بالرد عليهم.

أما بقية عقائد هذه الطائفة الأولى من الحشوية: فهو قولهم بقدم القرآن، حروفه أصواته ورقومه المكتوبة، وإنها كلها قديمة أزلية. ويستدلون على هذا، بأنه لا يعقل كلام ليس بحرف ولا كلمة ولا كتابة له. وما دام الكلام قديما أزليا فلا بد أن حروفه وكلماته وكتابته أزلية. وقد استندوا فيما يرى الشهرستاني على ما رأوه من إجماع المسلمين على قدم القرآن (٥٠).

(٤٨) المدخل لدراسة علم الكلام، ص ٧٨.

(٤٩) نشأة الفكر الفلسفي، ص ٢٨٨.

(٥٠) نفسه، ص ٢٨٨.

٥٠
والقول بإجماع المسلمين على قدم القرآن لا يصح. لأن هذه المسألة مما اختلفت طوائف الأمة الإسلامية حولها. فذهب المعتزلة إلى القول بخلق القرآن كما هو معروف لديهم، وللشيعة الإمامية قول بالخلق. وأما أهل السنة من أشاعرة وماتريدية، فلهم تفصيل في ذلك يبعدهم كثيرا عن قول الحشوية الحنبلية أو " السلفية " النابتة منها، وأهل الحديث بشكل عام. لذلك فإطلاق القول بإجماع المسلمين على قدم القرآن فيه نظر. على أن مسألة قدم القرآن قد تكون تسربت للمسلمين من اليهود لأنهم يقولون بقدم التوراة أو من النصارى حينما قالوا بقدم الكلمة التي هي المسيح (٥١). ولنا عودة لتفصيل القول في عقائد " الحشوية السلفية " في الفصول القادمة إن شاء الله.

الحشو يؤسس للتشبيه والتجسيم:

لقد ظلت عقائد التجسيم والتشبيه متناثرة هنا وهناك، في أقوال المحدثين ورواياتهم، حتى ظهر مقاتل بن سليمان (المتوفى سنة ١٥٠ ه‍) وهو أحد كبار المفسرين، الذي ملأ تفسيره حشوا من الإسرائيليات. لذلك، فقد أجمعت المصادر كما يقول الدكتور علي سامي النشار على كونه مشبها ومجسما، و " أنه أخذ من علم اليهود والنصارى ما يوافقه لتدعيم تفسيره المشبهي والمجسمي... يقول ابن حيان: " كان يأخذ من اليهود والنصارى ومن علم القرآن الذي يوافقه وكان يكذب في الحديث. فتأثر الرجل باليهود والمزدكية ظاهر " (٥٢).

وجاء بعده مجاهد بن جبر المحدث، ونشر حديث " المقام المحمود " (٥٣)

(٥١) الشيخ جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج ١ ص ١٠٠.

(٥٢) نشأة الفكر الفلسفي، ص ٢٨٩.

(٥٣) عن مجاهد: " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا "، قال: يجلسه أو يقعده على العرش.

يقول الذهبي لهذا القول طرق خمسة. وأخرجه ابن جرير في تفسيره، وعمل فيه المروزي مصنفا. أنظر العلو للعلي الغفار، ص ٩٤.

٥١
الذي قام سلف " الحشوية الحنبلية " بمعارك طاحنة لأجل إثباته، في كل من بغداد ودمشق والقاهرة. حيث أبوا إلا أن يجلسوا النبي (ص) مع ربه على العرش سبحانه وتعالى عما يصفون.

ومقاتل بن سليمان هذا وغيره من أصحاب الحديث، غلوا كثيرا في التجسيم والتشبيه، فالله سبحانه وتعالى عما يصفون " جسم على صورة لحم ودم له شعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ولسان وعينين ووجه وأضراس ولهوات. وقال بعضهم ما سمعنا بذكر الرأس ! ! وقال آخر لا تسألوني عن الفرج واللحية. وغير ذلك من الهرطقات التي سيحاول ابن تيمية - إمام السلفية المعاصرة - الدفاع عن بعضها، في محاولة لعقلنة هذا الحشو العقائدي الفظيع.

لقد أصبح التجسيم والتشبيه بعد هذا المحدث والمفسر الكبير مدرسة متكاملة اعتنق أفكارها بعض ممن جاء بعده من المحدثين والفقهاء، أمثال أبي عاصم حشيش بن صرم (المتوفى سنة ٢٥٤ ه‍)، صاحب كتاب " الاستقامة " الذي دعم فيه القول بالتجسيم والتشبيه مستندا للكم الهائل من الإسرائيليات، سواء ما وجد في تفسير مقاتل بن سليمان أو ما يتداوله الرواة من أحاديث في هذا المجال، وعلى رأسها حديث المقام المحمود الذي أنكره المعتزلة وأهل السنة والجماعة من أشاعرة وماتريدية وقالوا إن المقصود بن الشفاعة.

أما الملطي صاحب كتاب " التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع " فإنه لم ينحرف قيد أنملة عمن سبقه في التجسيم والتشبيه.

لقد اندمج العوام مع هذه العقائد اندماجا كليا، لأن التجسيم والتشبيه أقرب لأفهامهم ومخيلاتهم من التنزيه. فالتفوا حول دعاة هذه العقائد وآزروهم وعظموا شأنهم، كما سيعتبرهم السلفيون سلفهم الخاص فيما بعد.

وإلى هؤلاء " الحشوية الأوائل " سيرجع الفضل في قيام تيار وحركة حشوية تجسيمية وتشبيهية كبرى في القرن الرابع مع أحد كبار المحدثين الحنابلة وهو

٥٢
بحر محمد بن الحسن ابن الكوثر بن علي البربهاري - وهو شيخ الحنابلة ببغداد - والذي قدم عليه أبو الحسن الأشعري فكلمه حول انتقاله من الاعتزال ورده على المعتزلة والفرق المنحرفة، فقال له البربهاري لا أفهم مما قلت شيئا. يقول المقدسي: أما البربهارية فإنهم يجهرون بالتشبيه والمكان ويرون الحكم بالخاطر ويكفرون من خالفهم ويتمسكون بحديث المقام المحمود (٥٤).

لقد تطورت فكرة التشبيه والتجسيم لدى أصحاب الحديث كما يرى الدكتور النشار. لتصل إلى الكشف عن إحدى الأفكار الهدامة التي راجت في الساحة الفكرية والدينية الإسلامية. وهي فكرة الحلول ولاتحاد حيث جوزوا ظهور الله سبحانه وتعالى في صور الأشخاص. وخصوصا الصور الحسنة منها، كما ذهب إلى ذلك سلمان الدمشقي. ولما جاء الحلاج المقتول بسيف الشرع (٥٥) (سنة ٣٠٩ ه‍) وتكلم في الحلول، اختلف الفقهاء والصوفية فيه " ولكن أجمع المتكلمون جميعا على تكفيره. اللهم إلا طائفة كبرى حشوية ومشبهة من الحنابلة، ثم فريق من السالمية فقد قبلوه.

يقول البغدادي " وقبله قوم من متكلمي السالمية بالبصرة ونسبوه إلى حقائق معاني الصوفية ولعل هذا يفسر تعصب السالمية له من ناحية والحنابلة من ناحية أخرى في بغداد وقيامهم بالشغب (٥٦). ومع ظهور فرقة السالمية - نسبة إلى أبي عبد الله محمد بن سالم البصري المتوفى (سنة ٢٩٧ ه‍) - عرفت هذه الفكرة - أي الاتحاد والحلول - انتشارا واسعا، ولا شك أنها وليدة التجسيم والتشبيه كما أسلفنا.

وإلى جانب " السالمية " ظهرت فرقة أخرى تسمى " الكرامية " نسبة لمؤسسها

(٥٤) المقدسي، البدء والتاريخ، ج ٥ ص ١٥٠، بتوسط نشأة الفكر الفلسفي للنشار.

(٥٥) ذهب بعض المحققين قديما وحديثا إلى أن الحلاج قتل لأسباب سياسية متعلقة بمناصرته أو مشاركته في ثورة القرامطة.

(٥٦) نشأة الفكر الفلسفي، م س، ص ٢٩٣.

٥٣
محمد بن كرام (المتوفى سنة ٢٥٥) حيث أينعت فكرة التجسيم من جديد، وعرفت ازدهارا لا مثيل له. وقد بشر محمد بن كرام بجانب مذهبه في التجسيم، بروح الزهد والتنسك فكانت مدرسته مدرسة زهد بلا شك...

وإن كانت قد ملأت الدنيا ضجيجا إذ قدمت إلى العالم الإسلامي مذهبا فلسفيا، لا يتفق في أصوله وجزئياته مع عقيدة أهل السنة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية)، بل لا يتفق مع عقائد فرق المسلمين الأخرى من شيعة ومعتزلة...

ولكن المذهب عاش في عهد مؤسسة في قلوب الألوف من البشر. وتناولته القرون من بعده، إما قبولا أو إنكارا، ثم إنه ما زال يعيش حتى الآن في دوائر سلف المتأخرين - الحنابلة - وهم يعدون بالملايين في عالمنا المعاصر الآن (٥٧).

لقد كانت الكرامية مجسمة غالى صاحبها في إثبات العرشية والفوقية.

وأكد على أن الله جسم، لكن ليس كالأجسام. وإنه مستقر على العرش ومماس له، كما قال الكرامية بقيام الحوادث بذات الله. وجاءت بآراء ومعتقدات خالفت فيها الفرق الإسلامية جميعا وعلى رأسهم أهل السنة والجماعة.

إلا أن لهم رأيا متميزا يخص النبوة والنبي والرسول والمرسل. وقد قام الدكتور النشار بتخريج لطيف له. يربط بينه وبين عقيدة السلفية المعاصرة في موقفها من الرسول (ص) وقبره وشد الرحال إليه.

لقد ذهبت الكرامية إلى أن النبوة والرسالة عرضان حالان في النبي و الرسول، منفصلتان تمام الانفصال عن الوحي إليه، وعن ظهور المعجزات على يديه، وعن عصمته عن الخطأ والمعصية، فمن فعل الله فيه تلك الصفة وجب على الله تعالى إرساله... وتضع الكرامية تمييزا بين الرسول والمرسل فالرسول من حصل فيه " ذلك المعنى " وأنه يجب عليه الله أن يرسله إلى الناس رسولا

(٥٧) نفسه، ص ٢٩٧.
٥٤
بهذا المعنى، فإذا أرسل يكون مرسلا ولم يكن قبله من المرسلين بل رسولا فقط، ولهذا يقولون " إن النبي صلى الله عليه وسلم في قبره رسول وليس بمرسل... وقد عارض أهل السنة والجماعة هذا التمييز الدقيق بين الرسول والمرسل، وقرروا أن الرسول صلى الله عليه وسلم في القبر رسول ومرسل...

ولكن ما هو السر الحقيقي في هذا التمييز عند الكرامية ؟.

أما التفسير الذي أراه أقرب للحقيقة - يقول النشار - فهو أن الكرامية كانت ترمي إلى غرض بعيد، وهو عدم إسباغ القداسة على الرسول في قبره، وعدم شد الرحال إليه، مخالفة في هذا رأي أهل السنة والجماعة، فقررت الكرامية أن النبوة والرسالة كانتا عرضين أو معنيين ألقاهما الله فيه أزلا، ثم أدى رسالته بمفهوم المرسل عند الكرامية، ثم انتهى علمه هو... انتهى الرسول والمرسل والرسالة باقية، فلا إسباغ للقداسة عليه. ويتضح هذا من موقف خلف الكرامية من حقيقة الرسول ووقوفهم أمام قبره. فهم إن تصادف وقوفهم أمامه يسلمون عليه ويقولون: " لقد أديت الرسالة "، ومن عدم اعتبار زيارة الرسول فرضا أو نفلا...

إن الغرض فقط هو حج الكعبة المقدسة، والنفل هل العمرة، إن الكلام كما نعلم أوثق اتصال بالفقه. وقد أثرت الكرامية في سلف المتأخرين، ونادى ابن تيمية بما نادى به الكرامية. واحتضن الحنابلة المتأخرون هذه الآراء، وظهرت على أقوى صورة لدى الوهابيين بعد وأصبحت جزءا من عقائدهم (٥٨).

لقد عاشت الكرامية بعد موت مؤسسها، ثم تلقى المذهب عالم من أكبر علماء السلف وصوفي من أرق الصوفية، هو " الهروي الأنصاري " ثم احتضنها سلفي متأخر ومفكر من أكبر مفكري الإسلام وهو " تقي الدين بن

(٥٨) نفسه، ص ٣٠٨ - ٣٠٩ - ٣١٠.
٥٥
كتاب السلفية بين أهل السنة والإمامية للسيد محمد الكثيري (ص ٥٦ - ص ٨٠)
٥٦
وأنه مذهب انتقائي تكاد ترجع أغلب آرائه في العقائد إلى الإسرائيليات، التي حشا بها الرواة من الأعراب ومتأسلمة اليهود والنصارى أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. ولنا عودة لنقاش هذه العقائد بالتفصيل في محله إن شاء الله.

على أن مصطلح " الحشوية الحنبلية " ليس من مبتكرات خصوم " السلفية " اليوم، وإنما ورد في كثير من كتب التاريخ وكان يقصد به سلف " السلفية الوهابية المعاصرة ". فقد ذكر ابن عساكر في كتابه " تبيين كذب المفتري عن الإمام أبي الحسن الأشعري " قوله: " وفي منتصف القرن الخامس استفحل أمر هؤلاء الحشوية ببغداد حتى (أخطر) أمثال أبي إسحاق الشيرازي وأبي بكر الشاشي وغيرهما من أئمة الشافعية أن يكتبوا محضرا عليه خطوطهم ورفعوه إلى نظام الملك، ومن جملة ما فيه. " إن جماعة الحشوية والأوباش الرعاع المتسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمع به ملحد فضلا عن موحد " (٦١). والبدع الفظيعة التي ذكرها النص ليست سوى قولهم واعتقادهم مذاهب التشبيه والتجسيم، مما أخذ عن أهل الكتاب من يهود ونصارى وغيرهم.

***

(٦١) هذه عقيدة السلف، ص ٨٩، أنظر دفع شبه التشبيه والرد على المجسمة ممن ينتحل مذهب الإمام أحمد، لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي، المتوفى سنة ٥٩٧ ه‍.
٥٧

أهل السنة والجماعة

تعريف:

السنة في اللغة: " الطريقة المسلوكة وأصلها من قولهم سننت الشئ بالمسن إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا أي طريقا ". وقيل هي الطريقة المعتادة سواء كانت حسنة أو سيئة، كما في الحديث الصحيح: " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". وتطلق في عرف الفقهاء على ما يقابل البدعة، ويراد بها كل حكم يستند إلى أصول الشريعة. في مقابل البدعة فإنها تطلق على " ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة ".

أما عند الأصوليين فهم متفقون على صدقها على " ما صدر عن النبي (ص) من قول أو فعل أو تقرير " (٦٢).

من خلال هذه التعاريف يتبين أن ل‍ " السنة " في الاصطلاح مفهومين أو معنيين: الأول ما يقابل البدعة أو ما ليس له أساس في الشرع. الثاني: قول الرسول وفعله وتقريره. أما قولنا " أهل السنة " فيه إضافة " لأهل " أي أصحاب أو أتباع أو المقتدون بسنة الرسول (ص) من فعل وقول وتقرير. وسمي رواة الحديث وطالبيه بعلماء السنة أو السنن، أو جامعي السنة. ومن خالف السنة سقط في البدعة أو الابتداع في دين الله ما ليس منه.

(٦٢) العلامة محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص ١٢١ - ١٢٢.
٥٨

تطور مفهوم أهل السنة:

لكن مصطلح " أهل السنة " سيعرف تطورا في المفهوم، حيث ستتعدد مصاديقه. فأهل السنة أو أصحاب الحديث والأثر سيقابلهم أهل الرأي.

وعندما ظهرت المدارس اللغوية والفقهية والكلامية فيما بعد انقسمت إلى اتجاهين اثنين، (الرأي والقياس، وأصحاب الحديث والأثر). تيار يعتبر الرأي والقياس ويعتمده فيما يصل إليه من نتائج، وتيار يقدم الحديث أو النص ولا يتركه إلى غيره. وظهر عند كلا التيارين إفراط وتفريط. لقد أطلق مصطلح " أهل السنة " قبل ظهور الأشعري على جميع المحدثين ولم يكن يعني لدى أصحابه والملقبين به، سوى أنهم أصحاب الحديث النبوي، رواته وجامعوه والمدافعون عنه والعاملين بمضمونه. كما اختص جماعة آخرون بهذا اللقب كعبد الله بن سعيد الكلاب وأبو العباس أحمد بن عبد الرحمن القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي. وذلك لقيامهم بالرد على عقائد المعتزلة وتفنيد آرائهم. وقد كون هؤلاء الثلاثة وبالخصوص ابن كلاب مدرسة فكرية في العقائد، سيكون لها أبلغ الأثر في مدرسة الأشعري الكلامية والتي سترث عنها لقب " أهل السنة ".

كما سيعرف هذا اللقب مفهوما اصطلاحيا جديدا لا يحيد عنه ابتداء من القرن الرابع الهجري وإلى الآن. يقول أحمد أمين: سمي الأشعري وأتباعه والماتريدي وأتباعه ب‍ " أهل السنة " وقد استعملت كلمة " أهل " بدل النسبة فقالوا: أهل السنة أي السنيين... وسمي المعتزلة أنفسهم أهل العدل والتوحيد، وسمي المبتدعة أهل الأهواء...

والسنة في " أهل السنة " تحتمل أحد معنيين: إما أن تكون السنة بمعنى الطريقة أي أن أهل السنة اتبعوا طريقة الصحابة والتابعين في تسليمهم بالمتشابهات من غير خوض دقيق في معانيها. بل تركوا علمها إلى الله، وإما أن تكون السنة بمعنى الحديث. أي أنهم يؤمنون بصحيح الحديث ويقرونه من

٥٩
غير تحرز كثير وتأويل كثير كما يفعل المعتزلة... واسم أهل السنة كان يطلق على جماعة قبل الأشعري والماتريدي. وقد حكي لنا أن جماعة كان يطلق عليها " أهل السنة " وكانت تناهض المعتزلة قبل الأشعري. ولما جاء الأشعري وتعلم على المعتزلة، اطلع أيضا على مذهب " أهل السنة " وتردد كثيرا في أي الفريقين أصح ثم أعلن انضمامه إلى " أهل السنة " وخروجه على المعتزلة (٦٣).

وأهل السنة الذين سبقوا الأشعري هم كما ذكرنا مدرسة ابن كلاب ومناصريها أبو العباس القلانسي والمحاسبي، فهم الذين اشتهروا بالرد على المعتزلة. وأطلق الباحثون عليهم لقب " أوائل أهل السنة " (٦٤). وعليه فإن لقب " أهل السنة " قد عرف فعلا تطورا في مفهومه الاصطلاحي وانطباقه. فلم يعد يعني " أصحاب الحديث والأثر " ومن حدا حدوهم بالتحديد، ولكنه أصبح يختص بمجموعة من العلماء قد لا يكونون ممن يشتغل بعلوم الحديث ويقفون عندها. بل ممن اشتغلوا بالكلام والرد على المعتزلة. ونحن نعلم نفور المحدثين كافة من علم الكلام وتضليل أصحابه والنهي عن الاشتغال به (٦٥).

إن الاشتغال بعلم الكلام والرد على عقائد الاعتزال بالحجج العقلية مدعومة بالأدلة النقلية كما فعلت ذلك مدرسة ابن كلاب وأتباعها سيفجر الصراع مبكرا بين " أصحاب الحديث " و " أهل السنة الأوائل ". الممثلين في ابن كلاب والقلانسي والمحاسبي. لكن هل كان كل علماء الحديث وأصحابه على هذا الرأي، أي محاربة وذم الكلام وأصحابه ؟.

إن مدرسة ابن كلاب أو " أوائل أهل السنة " إنما اشتغلوا بعلم الكلام للدفاع عن عقائد أهل الحديث والانتصار لها. واعتمادهم العقل بجانب النقل

(٦٣) أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج ٤ ص ٩٧.

(٦٤) أنظر نشأة الفكر الفلسفي، مصدر سابق، الجزء الأول.

(٦٥) سيدفع هذا الموقف الأشعري إلى تأليف رسالة في الدفاع عن الكلام وجواز الاشتغال به.

أنظر رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام للأشعري، طبعت في حيدر أباد بالهند الطبعة الأولى سنة ١٣٢٣ ه‍.

٦٠