×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السلفية بين أهل السنة والإمامية / الصفحات: ٦٦١ - ٦٨٠

عقيدتنا، وتصفنا بالمجوس وأعداء الإسلام، وبأننا أشد خطرا وعداء للإسلام وأهله، من اليهود والنصارى. وتوزع هذه الكتب بالمجان. داخل المملكة، وخارجها. لكن أحدا منا لا يستطيع أن يحرك شفتيه معارضا. أما كتبنا الفقهية والأصولية فإنها ممنوعة إلى القليل منها. وفي البريد والجمارك والحدود كافة يصادر أي كتاب شيعي أو مجلة ولو كان في الأدب أو النحو، إذا ما كان مؤلفه شيعي.

إن سياجا من القوانين والمعاملات الطائفية يحيط بالشيعة الإمامية من كل جانب، ليمنعهم من التمدد أو التوسع، وقد أزداد هذا السياج قوة مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران، التي أثارت الرعب في جميع دول المنطقة، وعلى رأسها مملكة السلفيين، هذا الرعب الذي أشعل نار الحرب العراقية / الإيرانية والتي دامت ثمانية أعوام، أحرقت اليابس والأخضر، وابتلعت الألوف من الأرواح، والملايين من الدولارات. وراح ضحيتها ملايين من الأبرياء بين قتيل وسجين أو مشرد هنا وهناك.

إعلان الحرب على الثورة الإسلامية:

إن هذه الحرب الدموية المسلحة التي قادها طاغية أهوج، واستخدم فيها كل الأسلحة المحرمة دوليا. واكبتها حرب أخرى أشد ضراوة وأخطر وقعا، لأن آثارها ستتجاوز الحدود الجغرافية للصراع المسلح، لتشمل العالم الإسلامي بأسره. إنها الحرب التي يشنها الكتاب المرتزقة على الشيعة والتشيع انطلاقا من المملكة السلفية، وبدعم من مؤسستها الدينية. كرديف للحرب المسلحة وخلفية فكرية ودينية تدعم هذه الحرب، وتجد لها المبررات العقائدية، كي يموه على العالم الإسلامي، فلا يتعاطف مع المظلوم ولا يشجب الظالم.

لقد كتب المرتزقة عن الثورة الإسلامية في إيران بأنها ثورة مجوسية تريد أن تكتسح المنطقة وتقضي على الإسلام. لذلك صنعوا لها قادسية عربية،

٦٦١
قادسية صدام الجديدة التي ستفتح بلاد الفرس من جديد ؟ !.

وغير ذلك من الأكاذيب والافتراءات التي صنعها الإعلام العربي الموجه من طرف الدول الخائفة من الثورة الإسلامية، ورغم ما قيل من كذب وما حرف وزور من حقائق، إلا أن الحق أبي إلا أن ينطق على لسانهم. فالإعلام الذي كان بالأمس يصف الجيش العراقي بأنه جيش إسلامي يقف أمام المد الفارسي المجوسي، ويدافع عن بوابة العرب الشرقية، وأن قتلاه شهداء عند ربهم يرزقون. سينقلب على هذا الجيش وعلى حاكمه، بعد ما حول جهاده لغزو الدول الخائفة من الغزو " الفارسي المجوسي " ؟ !.

لقد انقلبت الموازين رأسا على عقب، وأصبح صدام كافرا ومجرم حرب، وجيشه أداة إجرامية قذرة. وأعلن السلفيون الجهاد ضد هذا الكافر وجيشه، وكشفت الأوراق التي أريد لها أن تحرف وتزور. وكان مما استفادته الشعوب في المنطقة والعالم الإسلامي بأسره، أن بدأت الحكومات تكشف أسرارها.

فدول الخليج أعلنت صراحة بأنها كانت تدعم العراق بالمال والسلاح أثناء حربه ضد الثورة الإسلامية. والعراق لم يبق مكتوف الأيدي وهذه الدول تستدعي الجيوش الغربية لحربه، بل كشف مجموعة من أسرار الدول الخائفة.

وهكذا كانت الشعوب على موعد مع الحقيقة، في لحظة اختلطت فيها الحسابات بين الإخوة الأعداء.

فغنمت الشعوب بعضا من الحقائق التي يمكن أن تتخذ كأمثلة للتأمل وأخذ العبرة. والطريف في الأمر هو الموقف الجديد من الثورة الإسلامية، فقد تقدم زعماء الدول الخائفة بالاعتذار للدولة والثورة التي أصبحت إسلامية. بين عشية وضحاها ! وتسابق القوم لإقامة علاقات ودية مع الثورة الإسلامية. أما الإعلام السلفي ومرتزقته فقد أسكتتهم المصالح السياسية وذهبت حقائقهم مع الريح الجديد. ووضعوا في الثلاجة إلى حين الاحتياج إليهم من جديد.

٦٦٢

أكاذيب سلفية

الهجمة الإعلامية الشرسة على الجمهورية الإسلامية:

لقد ظهرت إبان الحرب العراقية الإيرانية كتب كثيرة، تطعن في الشيعة وعقائدهم، وتصفهم بالمجوس واليهود، وتنبه المسلمين من خطرهم على الإسلام. يقول عبد الله الغريب: " فمنذ أكثر من عشرين عاما وأنا أتتبع أنشطة الرافضة ومخططاتهم في عالمنا الإسلامي... أتتبع ما يلجأون إليه من وسائل وطرق في نشر دعوتهم في المناطق الآهلة بالسنة، وأجمع الأرقام والإحصائيات عن عدد القبائل والأفراد الذين تشيعوا خلال قرن من الزمن في كل من إيران والخليج والعراق ولبنان (٧٥).

وبعد ذلك يملأ كتابه بالكذب المحض والافتراءات الرخيصة، ولا شك أن هذا الكتاب صناعة مخابراتية لأنه مشحون بالأرقام والتقارير، كما أن قوله أجمع الأرقام والإحصائيات عن المتشيعين يثير الشكوك في شخصه.

والكتاب من أوله إلى آخره يريد أن يظهر للمسلمين السنة إن الثورة الإسلامية في إيران هي دعوة مجوسية يسعى أصحابها كما يقول إلى " إعادة مجد كسرى ونار مزدا " (٧٦). وهذا الكلام لا يحتاج إلى رد لأن الحمق لا يناقش، ولأن الغرض من هذا الكذب الرخيص هو إبعاد أبناء الصحوة الإسلامية عن التأثر بالثورة، لأن ذلك يشكل خطرا عن أنظمة وحكومات لا شرعية لها.

(٧٥) وجاء دور المجوس الأبعاد التاريخية والعقائدية والسياسية للثورة الإسلامية، الدكتور عبد الله محمد الغريب، ١٩٨١ م، ص ٣ - ٤.

(٧٦) المرجع السابق، ص ٩.

٦٦٣
ويظهر ذلك جليا في قوله: " وتنافست معظم الجماعات الإسلامية في تأييد الثورة الإيرانية وهذه الجماعات التي تنتسب إلى مذهب أهل السنة متناحرة فيما بينها متخاصمة، ومن الصعوبة جدا أن توحد صفها، لكنهم جميعا متفقون على ضرورة تأييد الثورة الإيرانية والتعاون والتنسيق مع البطل الإسلامي الخميني كما يقولون (٧٧).

وهذا الاتفاق بين الحركات الإسلامية والثورة الإيرانية هو الذي يؤرق أجهزت الأمن في العالم الإسلامي. وهذه الحركات فيها العلماء والفقهاء، وزعماء الحركات الإسلامية الكبرى، وقد أجمعوا على إسلامية هذه الثورة ووجوب الوقوف بجانبها في حربها ضد الإمبريالية وأذنابها في المنطقة. فهذا أبو الأعلى المودودي زعيم الجماعة الإسلامية في باكستان يرد على سؤال مجلة الدعوة القاهرية عدد ٢٩ أغسطس (آب) ١٩٧٩ م، حول الثورة الإسلامية في إيران. أجاب العالم المجتهد الذي أجمعت الحركة الإسلامية أنه واحد من أبرز روادها في هذا القرن: " وثورة الخميني ثورة إسلامية والقائمون عليها هم جماعة إسلامية وشباب تلقوا التربية في الحركات الإسلامية وعلى جميع المسلمين عامة والحركات الإسلامية خاصة أن تؤيد هذه الثورة وتتعاون معها في جميع المجالات " (٧٨).

ويستعرض الأستاذ فتحي يكن مؤامرات الاستعمار والقوى الدولية ضد الإسلام فيقول في كتابه (أبجديات التصور الحركي للعمل الإسلامي، ص ٤٨): " وفي التاريخ القريب شاهد على ما نقول ألا وهو تجربة الثورة الإسلامية في إيران هذه التجربة التي هبت لمحاربتها وإجهاضها كل قوى الأرض الكافرة ولا تزال، بسبب أنها إسلامية وأنها لا شرقية ولا

(٧٧) المرجع السابق، ص ٨.

(٧٨) السنة والشيعة ضجة مفتعلة، الدكتور عز الدين إبراهيم. منظمة الإعلام الإسلامي، ١٤٠٥ ه‍، ص ٣٣ - ٣٤.

٦٦٤
غربية " (٧٩).

وعليه ففي الوقت الذي يشهد زعماء الحركات الإسلامية قاطبة للثورة الإيرانية بالإسلام. يقول مرتزقة السلفية إن هذه الثورة مجوسية جاءت لتعيد ملك كسرى ونار مزدا ؟ !.

يقول الدكتور عز الدين إبراهيم وهو مفكر وزعيم حركي في فلسطين المحتلة: " بدأ بعضهم يشن حملة مشبوهة ومفاجئة ضد الثورة الإسلامية التي اكتشفوا أخيرا أنها ثورة شيعية، وأن الشيعة فرقة ضالة أو كافرة وأن آية الله الخميني الذي قالوا إنه هز العروش وهو يجلس فوق سجادته أصبح أيضا ضالا كافرا ! وبدأ يتكرر أمامنا مشهد الشباب المسلم (!) الذي يحمل كتابا سعوديا مليئا بالمغالطات والافتراءات. يحمله من مسجد إلى مسجد يشرحه للناس ويبشر بما فيه من أضاليل...

أدرك أن بعض هؤلاء الشباب يتحرك بحسن نية متوهما أنه يعمل لله، تماما كما أدرك إن الطريق إلى جهنم ملئ بمثل هذه النوايا الحسنة. فمتى يكتشف مثل هذا الشباب أنهم وبحسن نية ينفذون مخططا استعماريا، وإن عليهم أن ينقذوا أنفسهم قبل فوات الأوان ؟...

ويضيف الدكتور قائلا: إنني أفهم جيدا إن موقف بعض قواعد الحركة الإسلامية المعادي للثورة والمثير للضجة المفتعلة حول السنة والشيعة ليس موقفا جذريا أصيلا، ولكنه موقف طارئ فرضه آخرون (!) على هذا الشباب

(٧٩) المرجع نفسه، ص ٣٤. أيد أغلب رؤساء الحركات الإسلامية الثورة الإسلامية في إيران واعترفوا بها. منهم الأستاذ عصام العطار الذي أعلن تأييده للثورة وقامت مجلته " الرائد " بشرح مواقف الثورة ودعمها. وفي السودان زار زعيم الحركة الإسلامية هناك الدكتور حسن الترابي إيران وأيد الثورة وزعيمها. وفي تونس كتب الأستاذ راشد الغنوشي في مجلة المعرفة، مرشحا الإمام الخميني لإمامة المسلمين مما أدى إلى أغلاق المجلة. وفي الأردن أعلن الأستاذ محمد عبد الرحمان خليفة المراقب العام للأخوان المسلمين تأييده للثورة قبل وبعد زيارته لإيران. أما في مصر فقد وقفت مجلة " الدعوة " و " الإعتصام " و " المختار الإسلامي " إلى جانب الثورة مؤكدة إسلاميتها ومؤيدة لها ولزعيمها أنظر المرجع السابق.
٦٦٥
المخلص الطاهر بعد أن وضعوه في دوامة الشك واليأس وهو يكتشف أخيرا إن الثورة التي أوقدت آماله وأشعلتها ليست ثورة إسلامية ولكنها شيعية وإن الشيعة كفار (٨٠).

والحقيقة أن هذه الكتب إنما تخدم هذا الهدف. لقد تبين للدول الخائفة من الثورة الإسلامية أن الجيش العراقي لن يصد رياح الثورة، وأن أبناء الصحوة الإسلامية يتابعون يوميات هذه الثورة ويتشوقون لمعرفة أخبارها، خصوصا بعد ما تبين لهم إن الجيش الصدامي يمارس حربا عدوانية، الغرض منها القضاء على هذه الثورة. لذلك استدعى خبراء الأمن، الكتاب المرتزقة وبدأوا في تأليف الأكاذيب والأضاليل، لمحاصرة الثورة إعلاميا وفكريا ودينيا، مستندين على تراث حشوية الحنابلة، الذين وجدوا الفرصة مناسبة، لتوزيع الكذب والخرافات، وتحقيق الانتصارات المذهبية الوهمية.

والحقيقة أن هذا الكذب السلفي قد وجد آذانا صاغية داخل قطاعات واسعة من أبناء الصحوة الإسلامية، لأن أغلبهم لا طاقة لهم بمعرفة المكر السياسي وأحابيل الصراع المذهبي، وهم قبل ذلك يخافون من الكفر والشرك ويبحثون عن الحق والتوحيد. وقد امتلأت كتب هؤلاء السلفية بوصم الشيعة بالكفر والشرك ومخالفة قواعد الإسلام والإيمان، فالشيعة يسبون الصحابة، ويدعون تحريف القرآن الكريم، ولهم قرآن آخر غير الذي بيد المسلمين ؟ !.

وهم يفضلون أئمتهم على الرسول والأنبياء، إلى غير ذلك من الهرطقات.

كل ذلك في سبيل إبعاد أبناء الصحوة عن التأثر بالثورة الإسلامية، لأن في هذا التأثر نهاية صروح عالية تمتص دماء المسلمين، وتعبث بتاريخهم ودينهم وثرواتهم الطبيعية ؟ !.

(٨٠) المرجع السابق، ص ١٢ - ١٣.
٦٦٦

الحمق لا يناقش:

من هذه الكتب التي ظهرت ونشرت على نطاق واسع، كتاب " تبديد الظلام وتنبيه النيام إلى خطر التشيع على المسلمين والإسلام لإبراهيم سليمان الجبهان، وهذا الرجل كتب كلاما غريبا عن الشيعة، فهو يقول بعد ما ذكر فرق الشيعة: " الأصل بين جميع هذه الطوائف واحد.. وهو الإلحاد المتستر ببدعة التشيع " (٨١) ؟ ! !.

ويقول في أوجه الشبه والاختلاف بين التشيع والشيوعية: " كلاهما يجمع الأحرف الأولى من الشؤم والهدم واليأس والعناء، كلاهما من صنع يهودي.

وكلاهما يهدف إلى الخراب والتدمير.. ما تبنيه الإنسانية يهدمه التشيع بلا عقل، وتهدمه الشيوعية بلا ضمير.. ائتني بشيعي صغير أخرج لك منه شيوعيا كبيرا وائتني بشيوعي صغير أخرج منه يهوديا كبيرا، وائتني بيهودي صغير أثبت لك أن الشيطان واحد من عملائه...

يقطع الشيعي الشجرة التي تظله، ويقطع الشيوعي الغصن الذي يجلس عليه (٨٢).

ويبلغ به الغلو في الكذب فيقول: " إن طائفة الشيعة الإمامية يا سادتي يتدينون بدين لا يمت إلى الإسلام إلا بصلة واهية هي أشبه ما تكون بخيط العنكبوت. لا بل إنه دين يقف مع الإسلام على طرفي نقيض (٨٣) ؟ ! ولا يكفيه أن يخرج فئة عريضة من الإسلام بجرة قلم بل يذهب إلى رد سنة الرسول (ص)، فعل شيخهم ابن تيمية الذي سن لهم هذا الطريق.

يقول هذا الجبهان: زعموا أي الشيعة الإمامية. أن النبي (ص) قال: تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي (٨٤). وهذا الحديث الذي يقول

(٨١) تبديد الظلام، ط ٣ ١٩٨٨ م، ص ١١.

(٨٢) المرجع نفسه، ص ٢١٥ - ٢١٦.

(٨٣) المرجع السابق، ص ٤٩١.

(٨٤) المرجع السابق، ص ٥٠١.

٦٦٧
الكاتب السلفي بأن الشيعة زعموا أن الرسول (ص) قاله. هو في صحيح مسلم باب فضائل علي بن أبي طالب (ج ٥ ص ١٢٢). وصحيح الترمذي (ج ٥ ص ٣٢٨)، ومستدرك الحاكم (ج ٣ ص ١٤٨) ومسند الإمام أحمد بن حنبل (ج ٣ ص ١٧). وهو قول الرسول (ص): " أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي ". وقال أيضا في رواية أخرى. " يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وإني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور وأهل بيتي، أذكر كم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي ".

إننا لن نستطيع أن نرد على كل ما جاء في الكتاب أو نورده هنا، لأنه من الصعب على العاقل أن يناقش الجنون، جنون الحقد الأعمى. إن أفضل رد وأحسنه، هو أن ندعو أبناء الصحوة الإسلامية لقراءة كتب الشيعة، وأن يضعوا بجانبهم هذه الكتب السلفية وليقارنوا بعد ذلك.

أما إحسان إلهي ظهير المفكر السلفي الباكستاني، الذي انتدبته المؤسسة الدينية السلفية للرد على الشيعة، فقد أتى في كتبه بما يحير العقول وتشيب له الأطفال من الكذب والتحريف والتزوير للحقائق. أنظر إليه وهو يعرف الشيعة الإمامية يقول: " ويسمون أيضا الرافضة أو الروافض لرفضهم مناصرة أئمتهم ومتابعتهم، وغدرهم بهم وعدم وفائهم لهم كما وصفهم علي رضي الله عنه " (٨٥).

وليسارع القارئ إلى كتب الفرق الإسلامية ليبحث عن مثل هكذا تعريف للشيعة الإمامية ؟ ! لكننا نحن ننصح القارئ بألا يضيع وقته في البحث عن شئ لا وجود له إلا في عقول وأوهام كتاب السلفية. ويكفي إحسان إلهي ظهير أنه أشعل فتنة طائفية بين أفراد الشعب الباكستاني الذين كانوا

(٨٥) الشيعة والتشيع فرق وتاريخ. الناشر إدارة ترجمان السنة. لاهور، باكستان، ط ٤، ١٩٨٤ م، ص ٢٧٠.
٦٦٨
يعيشون في أمن وأمان مئات السنين. قبل أن يطلع عليهم قرن الدعوة السلفية وأتباعها. وأخبار القتل وإحراق المساجد في باكستان تملأ الصحف والمجلات وتتناقلها إذاعات العالم. فقد نشرت الصحف في عام (١٣٨٢ ه‍) إن رجال الشرطة في مدينة كراتشي أعلنوا إن (١٢٠ شخصا) من المسلمين قد قتلوا كما أصيب ١٦ شخصا آخرين على إثر معارك دامية نشبت بين السنة والشيعة في قرية ثاري التي تبعد (٢٥ ميلا) عن العاصمة الباكستانية، وأن النيران اشتعلت في القرية التي دارت فيها المعارك، وأن اشتباكا مماثلا وقع في لاهور راح ضحيته شخصان (٨٦).

ويستمر مسلسل القتل في باكستان والهند وتحرق المساجد إرضاء للإسلام السلفي وأتباعه، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

إن هذه الكتب السلفية التي تنشرها المملكة السلفية للطعن في عقائد الشيعة، تساهم من جانب آخر في نشر التشيع، لأنه يكفي أن يطلع أبناء الصحوة على عقائد الشيعة في كتبهم ومجلاتهم وعند المقارنة تنهدم صروح الكذب السلفي بسرعة، ويتحول أبناء الصحوة بعد اكتشاف الحقيقة إلى أعداء للدعوة السلفية ومبادئها، ويعتنقون التشيع زرافات، وهذا ما يقع حاليا.

وإن كان زعماء الدعوة السلفية اكتشفوا ذلك فبدأوا يصدرون الفتاوى في حرمة قراءة كتب الشيعة، ويطلبون من أتباعهم عدم فتح النقاش مع الشيعة، وألا يقتنون أي كتاب من كتبهم. وذلك لحرمة اقتناء أو قراءة كتب الضلال.

نحن نقول لأبناء الصحوة لا تخافوا من كتب الشيعة، إن المكتبات وأسواق الكتب ممتلئة بكتب سارتر وماركس وداروين ومن هب ودب من فلاسفة الغرب والشرق، من ملحدين وفسقة وضالين، وقد كنا ونحن نواجه من يؤمن ببعض أفكار هؤلاء، نقتني مؤلفاتهم ونقرأها ونستوعب ما تحتويه، ثم نخرج أشد إيمانا بالإسلام، ونرد على من يعتنق مثل هذه الأفكار. إن الإسلام قوي

(٨٦) على دروب التقريب بين المذاهب الإسلامية، م. س، ص ٣٤.
٦٦٩
بما فيه الكفاية، ولا يخاف من استخدام العقل. وإذا كانت الحكمة ضالة المؤمن، فليبحث عنها أنى وجدها فهو أحق بها.

ورحم الله الشريف المرتضى حين قال: " إن المذاهب يجب أن تؤخذ من أفواه قائليها، وأصحابهم المختصين بهم ومن هو مأمون في الحكاية عنهم، ولا يرجع فيها إلى دعاوي الخصوم، فإنه إن يرجع إلى ذلك في المذهب اتسع الخرق، وجل الخطب، ولم تثق بحكاية في مذهب ولا استناد مقالة " (٨٧).

على أبناء الصحوة ألا يخافوا من البحث والقراءة واستخدام العقل في التمحيص والمقارنة. لأن هذا هو السبيل الوحيد، الذي يحفظهم من السقوط في أحابيل المصالح السياسية المختلفة والمتناقضة، والتي لا يعلمون عنها شيئا.

لقد كانت البواخر أو الطائرات تفرغ حمولات ضخمة من كتب ونشرات وكتيبات، توزع في الجزائر وتكفر الشيعة وتبيح دمهم، ولم تكن تحمل توقيعا ولا إشارة لمؤسسة أصدرتها.

لكنها تبتدئ ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم "، وبعد ذلك يأتي تكفير الشيعة وعرض عقائدهم المحرفة والرد عليها. ولم يكن أحد يتساءل من وراء هذه الشحنات الورقية، ومن يطبعها ؟ ! ولماذا توزع في الجزائر ؟ !.

فليس في الجزائر طائفة شيعية مثلا، ولا يشكل الشيعة نسبة مئوية من الشعب الجزائري، حتى يقال بأن هناك صراعا اجتماعيا مذهبيا ؟ !.

لكن السياسة الماكرة كانت تخطط بطريقة استراتيجية. الغرض منها صنع سد منيع بين أبناء الصحوة هناك والتأثر بالثورة الإسلامية في إيران، فكان لها ما أرادت وزيادة، أنظر ماذا يقول أحد الإسلامين الجزائريين: " والجماعة الإسلامية المسلحة سلفية عقيدة ومنهجا وسلوكا وموقفها من الشيعة معروف، وهو الحكم عليهم بالردة والخروج عن شرائع الإسلام " (٨٨) ونحن على يقين

(٨٧) نقلا عن المرجع السابق، ص ١٤٤.

(٨٨) جريدة الحياة اللندنية، الأحد ٤ أيلول ١٩٩٤ م.

٦٧٠
إن من يقول هذا الكلام، لم يقرأ يوما ما كتابا شيعيا، ولم يعرف عن الشيعة سوى ما كتبه ابن تيمية في منهاجه، وما ينشره السلفيون من كتب كالتي ذكرنا.

الخلط والخبط السلفي:

وحرب الشيعة لم يقتصر فيها على الكتاب وإنما هناك كم هائل من الأشرطة والمحاضرات المسجلة والتي توزع على نطاق واسع، وهذه المحاضرات يلقيها دكاترة وشيوخ من داخل المملكة السلفية، يحرفون فيها الحقائق ويشحنون عقول المستمعين لهم بالمغالطات والكذب المحض، وبما أن المستوى التعليمي بسيط جدا هناك، فإن أحدا لا يعترض على ما يقوله هؤلاء، علما أن الشيعة لا يسمح لهم بحضور هذه المحاضرات التي غالبا ما تلقى في المساجد، في نجد والحجاز، ولو حضر شيعي وقدم اعتراضا فإن مصيره سيكون القتل لا محالة، وإذا لم يقتل فإن السلطة استلمته لتزج به في السجن.

بين يدي شريط كاسيت للدكتور ناصر بن عبد الله القفاري الأستاذ في كلية الشريعة وأصول الدين بفرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في القصيم، حول " مصدر تلقي العقيدة عند الباطنية "، وهي محاضرة ألقاها في أحد المساجد، سمعت هذا الشريط مرات عدة، وجلست أفكر في المستوى العلمي لهؤلاء الدكاترة، وكيف يحصل أنصاف المتعلمين على درجة الدكتوراه، وقلت في نفسي نحن العرب نمسخ كل ما نستورده من الغرب، الديمقراطية أفرغناها من محتواها وميعنا مبادئها، حتى أصبحت سندا للاستبداد ووسيلة لانتهاك حقوق الإنسان ؟ !. وهذه الدرجة العلمية " الدكتوراه " يحصل عليها الباحث والدارس في جامعات الغرب بعد سنين من البحث والمعاناة، أما نحن فنسلمها لأشخاص لم يتجاوزوا المراحل الأولى في التحصيل العلمي ؟ ! لماذا أقول هذا الكلام ؟ ! لأن هذا الدكتور السلفي سيخلط

٦٧١
المربى بالزيت، والطحين بالتراب والحابل بالنابل ؟ !.

يقول في تعريف الباطنية: " مجموعة فرق وطوائف تعمل في الظلام وتنشر مذهبها في الخفاء وتندرج بفريستها عبر مراحل عندهم ودرجات في الدعوة والاحتواء.. لهم كما يقول الشهرستاني اسم في كل مكان ودعوة بكل لسان، فقد يتظاهرون بالتشيع في البيئة التي تغلو في التشيع لأهل البيت وتطعن في صحابة رسول الله (ص). وقد يستخدمون العلمنة والعلمانية...

وينخرطون في سلكهم لحرب الإسلام والمسلمين. وقد يرفعون شعار البعث للوصول إلى أهدافهم. وقد يرفعون شعار الحداثة للوصول إلى أهدافهم، ولذلك قال الغزالي في فضائح الباطنية إن ظاهر مذهبهم الرفض يعني التشيع لأهل البيت وباطنه الكفر المحض. وأقول إن ظاهر مذهبهم قد يكون الرفض وقد يكون البعث، وقد يكون الحداثة وقد يكون العلمنة وقد يكون وقد يكون... (٨٩).

ماذا يقول الإنسان في هذا الهراء، سنين طويلة ونحن نتصفح كتب الفلسفة وعلم الكلام وكتب التاريخ والفكر ولم نقرأ ولم نسمع أن حزب البعث العربي الاشتراكي الحاكم الآن في العراق وسورية حزب باطني، والعلمانية والحداثة، ما علاقة هذه المفاهيم والأيديلوجيات بالباطنية ؟ ! وهل ظاهر العلمانية والحداثة والبعث، الرفض والتشيع ؟ !.

من قال ذلك ؟ ! ! ما هذا الخلط والخبط يا أتباع السلف الصالح ؟ ! وفي مملكة السلف الكثير ممن يؤمنون بالعلمانية والحداثة والبعث، ومن بينهم أفراد الأسرة الحاكمة. فهل هؤلاء باطنية ؟ ! ؟.

إن نقاش هذا الحمق يجلب الصداع للرأس. وبعد هذا يتابع الدكتور السلفي محاضرته ليبين بأن العلماء عرفوا عقائد هؤلاء الباطنية من خلال

(٨٩) الشريط، تسجيلات ابن الجوزي الإسلامية، الدمام شارع ابن خلدون.
٦٧٢
كتاباتهم التي بدأوا ينشرونها ويذكر اسم مصطفى غالب. وهو يعني كتب الإسماعيلية، وهذه فرقة معروفة في التاريخ والحاضر. لكن ما علاقة هؤلاء بالحداثة والعلمانية وحزب البعث ؟ ؟ ! !.

ويختم الدكتور محاضرته بمربط الفرس والهدف من هذا الهراء. ليدعي بأن هؤلاء الباطنية تمثلهم اليوم طائفة الشيعة الاثنا عشرية المتواجدة في المنطقة الشرقية داخل المملكة. وأن هذه الفرقة هي المقصود بالباطنية ! !.

ويخرج البدو السذج من المحاضرة يلهجون بكفر وزندقة ملايين من المسلمين، أخرجهم هذا الدكتور بعبقريته الفذة وعلمه الواسع، من الإسلام ووضعهم ضمن الباطنية التي تسعى على حد قوله للكيد للإسلام والمسلمين.

هذه المحاضرات والكتب هي التي يتغذى عليها أبناء الصحوة الإسلامية، فيحكمون على نصف أبناء الإسلام بالردة والكفر. ويتحينون الفرصة للتقرب إلى الله بدمهم. إنه تصدير الجهل البدوي والسذاجة المعرفية المدعومة بالمكر السياسي ؟ ! ومع الأسف وجد هذا الجهل أرضا خصبة في أماكن من العالم الإسلامي، كالجزائر مثلا، فنما وترعرع وبدأ يعطي ثمارا مرة، أحلاها انتكاسة الصحوة الإسلامية وتشويه الإسلام في أعين المؤمنين به وأعدائه على السواء.

نموذج آخر من نماذج نشر الجهل السلفي، يتمثل هذه المرة في محاضرة سلفي آخر سجلت على شريط وتوزع للمساهمة في " نشر الخير " كما يدعي موزعوها. ألقاها عبد الله السبت تحت عنوان: " يزيد ابن معاوية ". وللسلفيين ولع ببني أمية وحب يفوق الوصف، و نحن نعجب لهذا الحب وكيف أن علماء أهل السنة أغفلوهم وتناسوهم ولم يعتدوا بهم، واعتبروا أغلب ملوكهم - باستثناء عمر بن عبد العزيز - فسقه ومجرمين، أساؤوا للإسلام وأهله.

لنستمع ماذا يقول عبد الله السبت بخصوص هذا الإمام السلفي الزاهد يزيد بن معاوية، يقول: انقسم الناس في يزيد ثلاثة مذاهب منها: " قوم من بقايا مجوس وباطنية ووثنية قد كفروه وعدوه زنديقا وتكلموا في عرضه وفي

٦٧٣
كتاب السلفية بين أهل السنة والإمامية للسيد محمد الكثيري (ص ٦٧٤ - ص ٦٩٦)
٦٧٤
وتكفينه والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين (٩٤).

نفس الكلام تجده في أغلب كتب التاريخ، وهذا السلفي يعلم بذلك، لكنه يحرف الحقائق جهرا ويكذب على مستمعيه ؟ ! وتراه يقول بأن السيوطي رغم أنه من المدافعين عن بني أمية إلا أنه " تورط في سب يزيد ولعنه " ؟ ! وبعد ذلك يأتي بالعجائب والغرائب.، يقول بأن يزيد بن معاوية الفاسق كان زاهدا.

وأن الإمام أحمد بن حنبل عده من الزهاد ؟ ! وهنا يختلط الحابل بالنابل ؟ !

فمن نصدق، لقد نقلنا قبل قليل إن الإمام أحمد لعنه، وإن طائفة من علماء الحنابلة وعلى رأسهم ابن الجوزي، لعنوه وأباحوا لعنه، وألف ابن الجوزي في ذلك كتابا. وتبعهم علماء أهل السنة فلعنوه ورفضوه واعتبروا قتله للإمام حسين بن علي وإحراق الكعبة وقتل التابعين في مدينة الرسول (ص) من الموبقات.

كما أن ابنه خالد لما مات يزيد صعد المنبر وأعلن علمه بسوء منقلب أبيه، واعتزل الخلافة ؟ ! وهذا مسجل في التاريخ. فلماذا المغالطات والتدجيل وتزوير الحقائق ؟ لكن الكذب كان وما زال ديدن حشوية الحنابلة مطيتهم للوصول إلى تحقيق أهدافهم. أنظر لما يقوله ابن كثير في سيرة الشيخ عبد المغيث بن زهير الحربي: " كان من صلحاء الحنابلة، وكان يزار وله مصنف في فضل يزيد بن معاوية، أتى فيه بالغرائب والعجائب، وقد رد عليه أبو الفرج ابن الجوزي فأجاد وأصاب (٩٥).

(٩٤) أنظر يوم انحدر الجمل من السقيفة، بيروت - ليماسول، ط ٣، ١٩٩٥ م، ص ١٧.

(٩٥) البداية والنهاية، ج ١٢، ص ٣٥٠، صعد معاوية الثاني المنبر بعد وفاة أبيه يزيد وخطب خطبة ومما قال: " يا أيها الناس إن جدي معاوية نازع الأمر أهله ومن هو أحق به منه لقرابته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو علي بن أبي طالب. وركب بكم ما تعلمون حتى أتته منيته، فصار في قبره رهينا بذنوبه وأسيرا بخطاياه، ثم قلد أبي الأمر (يزيد)، فكان أهل لذلك وركب هواه وأخلفه الأمل وقصر عنه الأجل، وصار في قبره رهينا بذنوبه وأسيرا بجرمه، ثم بكى حتى جرت دموعه وقال: إن من أعظم الأمور علينا =

٦٧٥
وبعد، فهذا قليل من كثير في سيرة يزيد بن معاوية وأقوال العلماء فيه، وليس فيهم " رافضي " أو شيعي. إلا إذا اعتبرنا ابن كثير وابن الجوزي والسيوطي وابن الأثير روافض ؟ !. لكنه الجهل السلفي والحقد الأعمى تجاه شيعة أهل البيت، ورثه هؤلاء النجديون عن زعيمهم ابن تيمية الحراني.

إن هناك المئات من الكتب والأشرطة توزع في العالم الإسلامي مملوءة بالكذب والمغالطات. تنتصر للمذهب الحنبلي الحشوي وتهاجم خصومه من أهل السنة والشيعة الإمامية، ومن المؤسف أن غالبية ابناء الصحوة يقعون فريسة هذا الصراع المذهبي المقيت دون علمهم، ويخدمون الأغراض السياسية الخبيثة بدون قصد، فترى السلفيين الجزائريين مثلا يرفضون الحكم السعودي ويسبون ملوكه، في الوقت الذي يعتبر انتماؤهم السلفي جزءا من استراتيجية الدعوة السعودية السلفية، فمن يطبع الكتب التي يتغذى عليها سلفيوا الجزائر ؟ ومن يوصل لهم آلاف الفتاوى والكتيبات والمنشورات ذات الطباعة الفاخرة ؟ إنها أموال آل سعود، ولولاها لما كتب على أغلفة هذه الكتب والكتيبات " يوزع مجانا "، " لا يباع "، وقف لله " وغير ذلك.

السلفي الحائر:

وأرجع لقائمة الكتب التي ألفها السلفيون في نقض مذهب الشيعة الإمامية، لأستحضر ما وقع لي مع شاب جزائري من تلامذة علي بلحاج المرشد السلفي لجبهة الإنقاذ. فقد تعرفت عليه يوما، وكان يتابع دراسته

= علمنا بسوء مصرعه وبؤس منقلبه، وقد قتل عترة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأباح الحرم وخرب الكعبة. وما أنا بالمتقلد ولا بالمتحمل تبعاتكم فشأنكم وأمركم.. " يقول الدكتور رشدي فكار: " هكذا أورد لنا الكندي (في كتاب الولاة والقضاة ص ٤٥ وما يليها " هذه الشهادة الهامة للخليفة الثالث الأموي معاوية الثاني، وكيف كان البلاء نتيجة للخلافة وهمومها ". بلاء الوجود في ديار الإسلام، دار البلاغ القاهرة، ط ١ - ١٩٩٥ م، المجلد ٢١، ص ٨٩.
٦٧٦
الشرعية في إحدى معاهد الشام الإسلامية. ولما توطدت العلاقة بيننا، وكنا نجلس ساعات طوال نناقش قضايا التمذهب والخلافات العقائدية والفقهية بين المذاهب الإسلامية. وما كنت ألاحظه هو بساطة المعرفة وقلة الاطلاع على مذاهب أهل السنة الأصولية والفقهية، أما الشيعة الإمامية، فمعرفته بهم لا تعدو أن شيخ الإسلام ابن تيمية قد كفرهم، ولا حاجة بعد ذلك للمزيد أو الاطلاع، فهذا موضوع قد فرغ منه.

وشيخ الإسلام قد فصل فيه فارتاح وأراح. قلت له يوما ونحن نناقش موضوع إيمان الشيعة وكفرهم. أنا أعرف أمين المكتبة في إحدى المدارس الدينية الشيعية، فما رأيك لو زرنا هذه المكتبة ؟ ! فقبل ولم يمانع، وكان هذا من انفتاح الشاب وجرأته. لأن دعاة السلفية يحرمون على أتباعهم قراءة كتب الشيعة أو مناقشتهم فكيف بالدخول إلى مدارسهم. وقد أعلن أحد كتابهم أن على السلفي إذا دخل حيا يسكنه الشيعة أن يقول " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " وهذا دعاء دخول الكنيف لقضاء الحاجة.

أقول قبل صديقي السلفي زيارة المدرسة الشيعية، وفعلا وصلنا للمدرسة و طلبنا زيارة المكتبة، فسمح لنا بالدخول. لقد كانت مفاجأة صديقي أو لنقل صدمته قوية ! !.

لقد وجد كتب أهل السنة والسلفية كلها جنبا إلى جنب كتب الشيعة.

وجد صحيح البخاري ومسلم والترمذي وسنن ابن ماجة والنسائي ومستدرك الحاكم ومسند الإمام أحمد بن حنبل. وجميع التفاسير القرآنية وعلى رأسها تفسير ابن كثير وسيد قطب. ومعظم الموسوعات الفقهية الخاصة بالمذاهب الأربعة، بالإضافة إلى مجمل كتب التاريخ ومصادره الأساسية.

قلت لصديقي السلفي: هذه الكتب ليست للعرض وإنما للاستفادة، وعلماء الشيعة يأخذون منها كما يأخذون من كتبهم الخاصة كموسوعات الأحاديث المروية عن الرسول (ص) وأهل بيته. ووجهت انتباهة لبعض

٦٧٧
الموسوعات الفقهية الشيعية، قائلا: لا توجد مسألة فقهية هنا إلا ولها أساس ومصدر في فقه أهل السنة وكتب الحديث التي تعرفها.

كان الذهول باديا على صديقي السلفي، لأني كنت أعلم أن ذهنه محشو بأفكار وأوصاف للشيعة لا وجود لها إلا في بطون الكتب السلفية وعقولهم.

لذلك لما فكرت في دعوته لزيارة المكتبة الشيعية كان غرضي إيصاله لهذه الحالة من الذهول والاستغراب ؟ ! لدرجة أنه شك في نفسه وفي وجوده وهل هو حقا داخل مكتبة شيعية أما أن في الأمر خدعة. لكني كنت أدرك تساؤلاته واستغرابه الوضح.

كنت أقرأ عناوين الكتب التي يعرفها جيدا وأشير إلى مكانها بين الكتب والمصادر الشيعية الخاصة. لكن المفاجأة هذه المرة كانت مذهلة ولا تصدق.

عندما وقفنا أمام رفوف الكتب العقائدية. لأن صديقنا ستقع عينه على مجموعة الكتب التي يصدرها السلفيون ضد الشيعة، لقد وجد كل الكتب التي تسب الشيعة وتطعن في مذهبهم وعقيدتهم، مثل كتب إحسان إلهي ظهير والجبهان ومحمد الغريب وغيرها. مما تطبعه مطابع السعودية وتوزعه دور النشر المرتبطة بالسلفية.

أخذ صديقي السلفي يتصفح تلك الكتب ويقرأ بعض محتوياتها، وكأنه غير متيقن من وجودها هنا ؟ ! قلت له إنها نفسها الكتب التي قرأت في الجزائر، أن إدارة المكتبة هنا حريصة على اقتناء مثل هذه الكتب، وتطلبها من داخل السعودية، ولا تكاد مكتبة شيعية تخلو من مثل هذه الكتب. وهناك ردود مكتوبة ومطبوعة تجدها بجانب هذه الكتب، ألفها علماء الشيعة وفقهاؤهم.

قلت لصديقي السلفي أنت مستغرب من وجود هذه الكتب هنا وهي تسب الشيعة وتطعن في عقيدتهم ؟ ! وهي في نظرك قد تكون خطرا على الطلبة الشيعة وفيهم شباب صغار السن قليلوا الاطلاع على المذهب ؟ ! لكني

٦٧٨
لن أجيبك على ذلك، وسأترك قيم المكتبة يجيبك لأني سألته نفس السؤال يوما فأجابني ! !.

ذهبنا إلى قيم المكتبة وصديقي يحمل الجزء الأول من كتاب الرد على المراجعات وسألناه حول وجود هذه الكتب " الخطيرة " على مذهب التشيع، داخل مكتبة مدرسة دينية شيعية. تبسم قيم المكتبة ورد في هدوء وكأن الأمر لا يستحق السؤال والجواب قائلا: إن أحد أئمتنا عليهم السلام قال " الحمد لله الذي جعل أعداءنا من الحمقى "، وهذه الكتب مصداق لهذا القول.

إن هذه الكتب مملوءة بالكذب والافتراءات علينا، ونحن نأتي بها لنعرف مدى قوة أعدائنا المذهبيين وحجم أدلتهم، وماذا يقولون عنا. وهذه الكتب ألف علماء الشيعة الكثير من الردود عليها. وهي في متناول أي طالب شيعي، يأخذها أو يستعيرها، ونحن كما ترون وضعناها ضمن كتب العقائد ليستفيد منها من أراد، مثلها مثل بقية الكتب. قلت أنا سائلا قيم المكتبة، ألا تخافون من انحراف الطلبة الجدد عن المذهب إذا هم قرؤوها واطلعوا على ما فيها ؟ ! قال لي مبتسما:

يا أستاذ نحن نكتب إعلانا خاصا داخل المكتبة عندما تصلنا مثل هذه الكتب من السعودية. وليس هناك أي قرار لمنع قراءتها، ولو أردنا ذلك لما وضعناها ضمن الكتب كما شاهدتم ؟ ! والطلبة عندما يقرأون مثل هذه الكتب يزدادون يقينا بما عندهم من الحق، وإذا استشكل على أحدهم أمر في هذه الكتب، يسأل أحد المدرسين، فيجيبه أو يوجهه لقراءة كتاب يزيح جميع الغموض لديه. فهذه الكتب تخد منا نحن الشيعة من حيث لا يدري أصحابها. فحبل الكذب قصير كما تعلم. وأصغر الطلبة سنا ومعرفة يرد على هذه الكتب، ويسفه أحلام كتابها فأين الخطر إذن ؟ !.

صحيح يقول أمين المكتبة: هذه الكتب تضر إخواننا من أبناء السنة لأن غالبيتهم قد لا يعرف عن التشيع شيئا. فتأتي هذه الكتب السلفية لتضللهم وتمنع عنهم الحقيقة، لكننا نعاتب علماءهم ومثقفيهم إذا ما تورطوا في تكرار

٦٧٩
ما تأتي به هذه الكتب. لأن المطابع اليوم لم تترك لهم أي عذر، فالجهل بعقائد الشيعة ومذهبهم الفقهي شئ لا يمكن السكوت عنه. وقد انتشر الكتاب الشيعي في بقاع العالم كافة. كما يمكن تحصيله بسهولة ويسر ؟ !.

طلب صديقي السلفي من قيم المكتبة أن يعيره كتاب الرد على المراجعات فوافق لأنني تعهدت له بإرجاعه، ثم غادرنا المكتبة. وقبل أن نغادر المدرسة جلسنا مع جمع من الطلبة ودار بيننا حوار حول الاختلافات المذهبية. وقد أدلى كل الطلبة بدلوهم في النقاش، وشعرت أن صديقي السلفي قد انتابه الخجل وبدأ يتململ من الضيق والحرج، لأنه لم يستطع أن يجيب عن التساؤلات التاريخية والعقلية التي كان الطلبة يطرحونها، رغم تقدمه في تحصيل العلوم الشرعية، بل إنه من الأوائل المشهود لهم بالتفوق والمعرفة.

ولما غادرنا المدرسة ظل صديقي صامتا، فبادرته بالسؤال، إن شيخك ابن تيمية يكفر الشيعة، فهل الطلبة الذين جلست معهم قبل قليل كفار ؟ ! فلم يرد جوابا ! ! لكنه علق مستغربا جدا حول تنوع المكتبة الشيعية واحتضانها الكتب السلفية المؤلفة ضد الشيعة، في الوقت الذي يستحيل أن تجد كتابا شيعيا في مكتبة سلفي أو مؤسسة سلفية ؟ !.

محاربة الكتاب الشيعي:

بل إن السلفية يحاربون الكتاب الشيعي في كل مكان، ويمنعون دخوله إلى بلدهم. ويحرمون قراءته. وفي الجزائر يتعرض أي شاب ملتزم للإهانة بل ربما للضرب والمحاكمة إذا ما وجد بحوزته كتاب أو مجلة شيعية ؟. لماذا هذا الخوف من الكتاب الشيعي يا دعاة السلفية ؟ !.

إذا كان ما معكم وما تدعون له هو الحق ؟ فإن الحق أقوى من الباطل والضلال ! ! والمكتبات في عالمنا الإسلامي مملوءة بكتب الأديان والمذاهب والنحل المناهضة لكل الأديان والإسلام بالخصوص. وقد كان أبناء الصحوة

٦٨٠