×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السلفية بين أهل السنة والإمامية / الصفحات: ٦١ - ٨٠

فلكون خصومهم المعتزلة يعتمدون العقل، أما النقل فيلجأون إليه في حدود ضيقة لخوفهم - أي المعتزلة - من السقوط في الحشو، وما أدخل في الحديث النبوي من عقائد فاسدة. وإذا لماذا خاصمهم أصحاب الحديث وشنعوا عليهم ورموهم بالانحراف ؟.

الحقيقة أن فريقا مخصوصا من أهل الحديث هم من حمل راية الهجوم على " أوائل أهل السنة " ووصفوهم بالابتداع. هذا الفريق هم " حشوية أهل الحديث "، وهم سلف " السلفية الحشوية " كما ذكرنا سابقا. والنصوص التي تدعم هذا الرأي كثيرة.

يرى أهل السلف أو بمعنى أدق " الحنابلة " وخاصة المتأخرين منهم، إنه ضاق بابن كلاب والقلانسي وأضرابهما النفس بضآلة معرفتهم بالسنن وتركهم قبولها، والتجائهم إلى العقل، وهذا خطأ كبير من الحنابلة، لأن ابن كلاب والقلانسي كانا من أعمق المحدثين، ولكنهما اعتبرا الآثار الواردة في أن كلام الله حروف وأصوات قديمة، أخبار آحاد لا توجب علما. والحنابلة لا يرون هذا، ويرون أن ابن كلاب والقلانسي وغيرهما " التزموا ما قالته المعتزلة، وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر (٦٦). وقول النشار " الحنابلة " ليس دقيقا لأن من قال بأن كلام الله حرف وصوت وهو قديم، إنما هم " حشوية الحنابلة ". أما باقي الحنابلة فقد كانوا على رأي الأشاعرة " أهل السنة " في الأصول. أو مفوضة متوقفين على الخوض في هذه المسائل.

ومما يؤكد هذا القول أن ابن خزيمة صاحب كتاب " التوحيد " يعتبر من أهم رجالات " الحشوية السلفية " قديما وحديثا وقد كان من أعداء مدرسة ابن كلاب ومن تبعه من الأشاعرة متقدمين ومتأخرين.

إن المفهوم الاصطلاحي الجديد " لأهل السنة " سيعني بعد ظهور الأشعري

(٦٦) نشأة الفكر الفلسفي، م س، ج ١ ص ٢٨٢.
٦١
وانتشار مذهبه في الآفاق، مدرسة كلامية في العقائد تقابل مدرسة الاعتزال.

وسيكون لها منهجها الخاص في تناول العقائد وترتيبها وتفريعها والدفاع عنها. لم يكن لأهل الحديث مدرسة فكرية عقائدية متكاملة أو مدونة يجتمعون عليها قبل الأشعري وتلامذته. إنما تشاطرتهم عدة آراء وأفكار ومعتقدات متضاربة سيتميز فيها تيار الحشو السلفي، الذي سيكون لنفسه فيما بعد مذهبا خاصا في الأصول بعد ظهور المحدث الكبير أحمد بن حنبل على الساحة الدينية الإسلامية واشتهاره.

وأتباع أبي الحسن الأشعري عندما يعرضون لمنهج أستاذهم وطريقته الجديدة التي أتى بها، لا يعتبرونه مجرد عالم بالعقائد يتبع أصحاب الحديث وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، بل أكدوا على أن منهجه هو التوفيق بين طرفين متقابلين. ولدينا شاهد واضح على ذلك هو نص طويل للجويني يذكره ابن عساكر في " تبيينه ". فالقاضي المشهور يبين كيف اتبع إمامه، في أمهات المسائل طريقا وسطا بين إفراط المعتزلة وتفريط الحشوية، وهم في الحقيقة من غلاة الحنابلة (٦٧).

ويرى الدكتور مصطفى الشكعة أن الإمام أبا الحسن الأشعري قد استطاع أن يصدر أحكاما في قضايا العقائد في جو من الاعتدال والصفاء بعيدا عن التهور والاندفاع، بالرغم من أن بعض الفقهاء ارتابوا في عقيدته وأن " الحنابلة " رموه بالكفر، فإن ذلك لم ينهض دليلا على زيغه (٦٨) بل نصره كبار العلماء كأبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين الجويني والإسفرائيني وغيرهم من الأعلام الذين تبنوا أفكاره بعد موته. وقد سمي هؤلاء الأعلام رأي الأشعري بمذهب " أهل السنة والجماعة " (٦٩). ويعزز ابن خلدون المؤرخ هذا الرأي كذلك،

(٦٧) لويس غرديه، وج قنواتي، فلسفة الفكر الديني بين الإسلام والمسيحية، ج ١ ص ١٠٢.

(٦٨) الدكتور مصطفى الشكعة، إسلام بلا مذاهب، الدار المصرية للطباعة والنشر بيروت ص ٤٦٢.

(٦٩) فلسفة الفكر الديني، م س، ج ١ ص ٩٢.

٦٢
حينما يعلن بأن منهج الأشعري توسط بين الطرق. وقد ذهب الدكتور الشكعة وغيره من المؤرخين إلى أن أول من لقب " بأهل السنة " هم الأشاعرة.

حيث أصبح المذاهب الذي خرج به أستاذهم هو بالذات " مذهب أهل السنة " في الإسلام (٧٠) وبعد ظهور أبو منصور الماتريدي وتصنيفه في العقائد " قرر الكثير من علماء المذهب الحنفي أن النتائج التي وصل إليها تتفق تمام الاتفاق مع ما قرره أبو حنيفة في العقائد. كما قرروا أن آراء أبي حنيفة في العقائد هي الأصل الذي تفرعت منه آراء الماتريدي ". وقد خالف الماتريدي أصحاب الحديث جميعا لأنه اعتمد على العقل بإرشاد الشرع، كما أوجب النظر العقلي.

ولذلك اعتبر هذان المذهبان في العقائد والأصول هما " مذهب أهل السنة الكلامي " في مقابل المعتزلة وحشوية الحنابلة. لقد سلكت مدرسة الأشعري والماتريدي - كما يقول المؤرخون من أهل السنة - سبيل التوسط والتوفيق، الأشعري توسط بين أهل الحديث والمعتزلة، والماتريدية توسطوا بين الأشاعرة والمعتزلة، ينتصرون لأهل الحديث حينا، ولبعض آراء المعتزلة حينا آخر.

وقد عرفت مدرسة الأشعري الكلامية خصوصا، شهرة واسعة وانتشارا كبيرا، غطت معه أو كادت على مدرسة الماتريدي الكلامية. وعلل بعض المؤرخين ذلك إلى انطلاقة هذه المدرسة من بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية، وتبني بعض الحكومات لمذهبها العقائدي بالخصوص. ومهما يكن فقد نال الأشعري بذلك منزلة عظيمة وصار له أنصار - كما يقول الشيخ أبو زهرة - فتعقب خصومه من المعتزلة وأهل الأهواء والكفار، وبث أنصاره في الأقاليم يحاربون خصوم

(٧٠) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب، العميد عبد الرزاق محمد أسود، الدار العربية للموسوعات، بيروت ط ١ - ١٩٨٠ م، ج ٣ ص ٢٢١.
٦٣
الجماعة (٧١)، ومخالفيها ولقبه أكثر علماء عصره بإمام " أهل السنة والجماعة " (٧٢). لكن حشوية الحنابلة ومن تبعهم من السلفية لم يرتضوه إماما لهم. فشكوا أولا في حقيقة توبته من الاعتزال، ثم كفروه وأصحابه. ودارت بين الفئتين حروب الدامية، وفتن ومساجلات فكرية عليه طول التاريخ الإسلامي وإلى يوم الناس هذا. كلا المدرستين تدعي لنفسها اتباع السلف، وتعتبر نفسها دون غيرها المستحق للقب " أهل السنة " لكن المحقق في عقائد الفريقين، الأشاعرة والماتريدية " أهل السنة " و " حشوية الحنابلة " السلفية، يجد تباينا واضحا واختلافا كبيرا ينطلق من المنهج ويتعمق من خلال النتائج وتفريعاتها.

وهذه الاختلافات العقائدية، وما جرى بين الفريقين من تطاحن واقتتال على مدى أكثر من عشرة قرون يوضح بما لا مجال للشك أن مدرسة " أهل السنة " الكلامية ممثلة ب‍ " الأشاعرة والماتريدية " وخصومهم " حشوية الحنابلة " أو " السلفية " وعلى رأسهم زعيمهم ابن تيمية الحنبلي. فرقتان أو مدرستان مختلفتان تماما عن بعضهما البعض في المنطلقات وفي النتائج. وأن أي محاولة لدمج المنهجين، واعتبار الفريقين يمثلان تيارا واحدا يسمى تارة بأهل السنة والجماعة، وتارة بالسلف أو السلفية، إنما هي محاولة قاصرة ينقصها التحقيق والمعرفة الدقيقة بكلا المدرستين. وإن وجد بعض الكتاب قديما وحديثا يخلطون في إيراد هذين المصطلحين ويقصدون بهما مفهوما معينا واحدا فيقولون: " السلف أو مذهب السلف " ويقصدون به " أهل السنة " من أشاعرة وماتريدية وكذلك يوردون مصطلح " أهل السنة " ويقصدون به " الحشوية الحنبلية ".

(٧١) سمي العام الذي أخذ فيه معاوية بن أبي سفيان الخلافة من الحسن بن علي بعام الجماعة، وما كان عام جماعة بل كان عام فرقة وقهر وجبر وغلبة أنظر الصراع بين الأمويين ومبادئ الإسلام، دكتور نوري جعفر، ص ٤٧.

(٧٢) المذاهب الإسلامية: ص ٢٧٨.

٦٤
وقد كثر استعمال هذا المصطلح " أهل السنة " لدى " السلفية الوهابية " المعاصرة في كتبهم وبحوثهم. وليس يعني عندهم سوى منهج ابن تيمية بالخصوص، وتلميذه ابن القيم الجوزية. الصادرين عن الإطار العام لمذهب الإمام أحمد بن حنبل، وباقي السلف من الحشوية الحنبلية وأهل الحديث.

***
٦٥

الصراع على لقب " أهل السنة " أو " السلفية "

أجمع علماء المدرسة الأشعرية ومن تبعهم قديما وحديثا على اعتبار أنفسهم أصحاب لقب " أهل السنة " والجماعة " وأتباع السلف المستحقين لذلك دون غيرهم. " لأنهم لم يأتوا بشئ جديد، وإنما اتبعوا في مذاهبهم مذهب السلف الذي يعني مذهب الصحابة والتابعين (٧٣). وعندما يناقش الدكتور علي سامي النشار - وهو من المعاصرين والمدافعين عن الأشاعرة - ابن تيمية الزعيم السلفي في مسألة الأسباب والعلل يقول: " لقد أعمت عداوة ابن تيمية لأهل السنة والجماعة بصيرته وأغلقت فكره فأثبت الأسباب (٧٤) ". وأهل السنة والجماعة هنا لا تعدو كونها اللقب التاريخي للأشاعرة على الخصوص. كما درج كبار الأشاعرة على تلقيب أنفسهم ب‍ " أهل السنة والجماعة " دون لقب السلف أو السلفية، بل تميزا عنهم وعن غيرهم.

وبين يدي الآن رسالة شكوى قدمها علماء الأشاعرة إلى الوزير نظام الملك منتصرين للشيخ أبي نصر بن القشيري رئيس الأشاعرة في عصره وقد هاله ما ينشره حشوية الحنابلة من عقائد التجسيم والتشبيه فقام ضدهم فشغبوا عليه. ومما جاء في الرسالة (٧٥). "... ولم أسمع منه (أي القشيري) غير مذهب أهل الحق من " أهل السنة والجماعة " وبه أدين الله عز وجل وإياه أعتقد وهو الذي أدركت أئمة أصحابنا عليه واهتدى به خلق كثير من المجسمة

(٧٣) المدخل إلى دراسة الأديان والمذاهب، مرجع سابق، ج ٢ ص ٩٣.

(٧٤) د. سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت ط ٣ - ١٩٨٤ م، ص ٢١٠.

(٧٥) تجد نص الرسالة كاملا في فصل السلفية وأهل السنة.

٦٦
وصاروا كلهم على مذهب أهل الحق...

" الإمام الشيخ الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري جمل الله الإسلام به وكثر في أئمة الدين مثله من عقد المجالس وذكر الله عز وجل بما وصف به نفسه من التنزيه ونفي التشبيه عنه وقمع المبتدعة من المجسمة والقدرية وغيرهم ولم نسمع منه غير مذهب أهل الحق من (أهل السنة والجماعة) وبه ندين الله عز وجل... ".

"... ونفى التشبيه عنه واستوفى في الاعتقاد ما هو معتقد أهل السنة بأوضح الحجج وأقوى البراهين رفع هذا المحضر الإمام أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه إلى نظام الملك فعاد جوابه لهم بإنكار ما يقع والتشديد على الحشوية.. فسكن الحال ثم أخذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى، وهو شيخ الحنابلة إذ ذلك وجماعته يتكلمون في الشيخ أبي إسحاق ويبلغونه الأذى بألسنتهم فأمر الخليفة بجمعهم والصلح بينهم بعد ما ثارت بينهم فتنة هائلة قتل فيها نحو من عشرين قتيلا فلما وقع الصلح وسكن الأمر. أخذ الحنابلة يشيعون أن الشيخ أبا إسحاق تبرأ من مذهب الأشعري فغضب الشيخ غضبا لم يصل أحد إلى تسكينه... وانقمعت الحشوية وتنفس " أهل السنة " الصعداء إلى الله عاقبة الأمور " (٧٦).

وقال ابن عساكر مستندا إلى أبي القاسم القشيري: " اتفق أصحاب الحديث أن الأشعري كان إماما من أئمة الحديث ومذهبه هو مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين على الملة سيفا مسلولا. ومن طعن فيه أو لعنه أو سبه فقد بسط

(٧٦) جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج ١ ص ٣١٧ - ٣١٨ - ٣١٩ إلى ٣٢٣.
٦٧
لسان السوء في جميع أهل السنة " (٧٧).

أما الحنابلة فقد كفروه ولم يكتفوا بسببه أو لعنه فقط. وأما ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فقد اعتبراه في مسألة الأفعال جبريا. ولا شك أن أتباع الأشعري هم الذين أفتوا بسجن ابن تيمية، لأنه خالف عقائدهم ودعى للتجسيم والتشبيه، إلى أن مات في سجنه. وانتشرت فتوى في دمشق أنه من كان على دين ابن تيمية فقد حل دمه. إن حشوية الحنابلة أو " السلفية " لم يعترفوا يوما ما بإمامة الأشعري في الأصول، ولم يأخذوا بأقواله أو أقوال أصحابه. يقول الدكتور علي عبد الحليم محمود وهو سلفي معاصر:

" كان الإمام أحمد - رحمه الله - إماما لجميع أهل السنة في الأصول والفروع، باستمساكه في أصول الدين والعبادات بنصوص الكتاب والسنة وما صح عن علماء الصحابة من فهم وهدى وعمل مفسر لهما (٧٨) كما اعترض على اعتبار الشهرستاني - كما ذكرنا - عبد الله بن سعيد الكلاب، وأبي العباس القلانسي والحارث بن أسد المحاسبي " أوائل أهل السنة "، من جملة السلف. فهو لا يعتبرهم من السلف. لأنهم باشروا الكلام، ولأن المتكلمين في عرف " السلفية " ليسوا من السلف. فهؤلاء ومن جاء بعدهم كالأشعري وأتباعه ليسوا من أهل السنة بهذا الاصطلاح في نظر الدكتور السلفي.

ولا يلبث هذا السلفي المعاصر أن تزل قدمه في تناقض غير مستغرب منه ولا من أصحابه وهو قوله: في محاولة لإخراج مذهبه من شرنقة الحشو الحنبلي، " ومذهب السلف هذا ليس مذهب الحنابلة فقط، أو الإمام ابن تيمية أو الشيخ محمد بن عبد الوهاب - وحدهم - بل هو مذهب أئمة الإسلام

(٧٧) عبده الشمالي، دراسات في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية وآثار رجالها، دار صادر، بيروت ط ٥ - ١٩٧٩ م، ص ٢١٠.

(٧٨) السلفية ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، م س، ص ٤٥.

٦٨
قاطبة - الإمساك عن التأويل مطلقا، مع نفي التشبيه والتجسيم - فالأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، ومحمد بن الحسن وسعيد بن معاذ المروزي، وعبد الله بن المبارك، وسفيان الثوري والإمام البخاري وأبو داود السجستاني وغيرهم كلهم كانوا على هذا المسلك " (٧٩).

والحقيقة التي ينكشف عنها هذا الخلط والجمع لعدد من أسماء الفقهاء والمحدثين، أن الدكتور يتجنى على التاريخ ويحرفه ليموه على القارئ. والذي يكشف تناقضه هو عدم اعتباره المتكلمين من السلف في الوقت الذي نجد أن مدرسة أبي منصور الماتريدي في علم الكلام - كما ذكرنا سابقا - قد انبثقت عن أقوال الإمام أبي حنيفة وصدرت عن أقواله. كما يقول محققوا هذه المدرسة. وسيتبعهم غيرهم في الإقرار بذلك، فالبغدادي في كتابه " الفرق بين الفرق " وهو يضع الخطوط العريضة " لمذهب أهل السنة والجماعة " يجعل " أول متكلمي أهل السنة وأرباب المذاهب ": أبو حنيفة والشافعي. فأبو حنيفة له كتاب في الرد على القدرية سماه " الفقه الأكبر " وله رسالة أملاها في نصرة قول أهل السنة أن الاستطاعة مع الفعل... وللشافعي كتابان في الكلام.. " (٨٠) وقد اشتهر عدد من الصحابة والتابعين بردودهم على تساؤلات بعض الأفراد أو الفرق. مما يعتبر من صلب القضايا الكلامية كالقدر والجبر والصفات الإلهية. منهم الإمام علي ابن أبي طالب وابن عباس والحسن البصري وجعفر بن محمد الصادق وغيرهم كثير.

وأبو حنيفة والشافعي ومالك، إذا كانوا حقا من السلف ومطلوب الاقتداء بهم لماذا يرفض السلفيون الوهابيون اليوم إنتاجهم الفقهي والأصولي جملة وتفصيلا، بل يعتبرون مذاهبهم الفقهية مقابلا لما جاء به الرسول (ص). وبذلك لا ينفون على أصحابها صفة " السلف " ولكن يعتبرونهم دخلاء على الإسلام.

(٧٩) المرجع السابق، ص ٤٢.

(٨٠) الدكتور عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، دار العلم للملايين، ج ١ ص ٦٧٥.

٦٩
وقد أفصح الشيخ ناصر الدين الألباني وهو من دعاة (السلفية الوهابية المعاصرة وأحد محققيها) عن موقف فرقته من المذاهب الإسلامية الفقهية، حينما اعتبر الفقه الحنفي صنوا للإنجيل المزيف. وإنه خلاف الشرع المحمدي الأصيل. وابن تيمية عندما قسم طرائق العلماء في فهم العقائد الإسلامية إلى أربعة أقسام: جعل القسمين الأول والثاني من نصيب الفلاسفة والمعتزلة وبين طريقتهم، أما القسمين الأخيرين فهما ما سلكه الأشعري والماتريدي في فهم العقائد. " وبعد هذا التقسيم قرر ابن تيمية إن منهاج السلف ليس واحدا من هذه الأربعة بل هو غيرها " (٨١). والمحصلة المنطقية لهذا الكلام وغيره مما يعتقد به السلفية المعاصرون هو أن مذاهب " أهل السنة والجماعة " في الأصول والفروع ليست من السلف الصالح في شئ. وهذا حكم على إسلام وإيمان ملايين من المسلمين في الماضي والحاضر بالضلال والانحراف الكامل ! ! ؟.

والحقيقة أن ما يستفاد من كلام الدكتور السلفي الأخير هو التعريف الدقيق الذي يضعه لنا " للسلفية " والذي تضمنه النص دون قصد منه: فالسلفية: هي " مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب " لا غير.

على أن انتساب السلفية لمذهب أحمد بن حنبل مما لا يقرهم عليه " بعض فضلاء الحنابلة " (٨٢) كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة، وعلى رأسهم الذهبي المعاصر لابن تيمية والمحقق الكبير. وكذلك ابن الجوزي الخطيب والفقيه الحنبلي، الذي أنكر أن يكون ما يذهب إليه " حشوية السلفية " في العقائد هو رأي الإمام أحمد بن حنبل. لكن محمد بن عبد الوهاب باعث السلفية المعاصرة ومحيي عقائدها في شبه الجزيرة العربية سيحسم النقاش لصالح حقيقة واضحة يتحرج بعض السلفيين اليوم من إعلانها، وذلك عندما أفتى بجواز قتل من يعتقد " عقيدة أهل السنة والجماعة " من الأشاعرة خصوصا.

(٨١) المذاهب الإسلامية، مرجع سابق، ص ٣١٥.

(٨٢) نفسه، ص ٣١١.

٧٠
بذلك فصل بين التيارين، ووضع حدا بين الطريقتين. وهو ليس أول حنبلي يكفر " أهل السنة " الأشاعرة، بل سبقه إلى ذلك كثير من مشايخ الحشوية الحنبلية.

لقد احتدم الصراع المذهبي بين حشوية السلفية والأشاعرة " أهل السنة " وسالت من جراء ذلك دماء غزيرة. كان الحنابلة باعتراف المؤرخين هم السباقون لسفكها. يثيرون القلائل والفتن لأتفه الأسباب، ثم يتعقبون أهل السنة في الطرقات ويقتلونهم ويحرقون منازل علمائهم، وقد سطر التاريخ هذه الأحداث كشهادات واقعية على مدى الاختلاف بين هذين الفرقتين ومدى بعد بعضهما على البعض. لحد سفك الدماء والتقاتل وإعلان التكفير المتبادل. إن مفهوم " أهل السنة " كما ثبت تاريخيا وعليه المحققون المعاصرون يطلق ويقصد به " المدرسة الكلامية للأشعري والماتريدي " ومن تبعها وارتضى ما توصلت إليه من عقائد وأفكار. أما " السلفية " فهم بالتحديد أتباع ابن تيمية وتلميذيه ابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب النجدي. والجامع بين هؤلاء هو انتسابهم وصدورهم عن المذهب الحنبلي. أما الصفة أو النعت الذي عرفوا به تاريخيا فهو: " الحشوية الحنبلية ". للتمييز بينهم وبين غيرهم ممن ينتسب لهذا المذهب دون أن يعتقد بما تذهب إليه هذه الفرقة الموسومة بالحشوية.

أهل السنة: مفهوم فضفاض وواسع:

طبعا تبقى هناك إشكالات أخرى يطرحها مفهوم " أهل السنة ": منها إضافة لفظ " الجماعة " فيقال " أهل السنة والجماعة "، ولفظ " الجماعة " هذا ظهر عندما اغتصب معاوية بن أبي سفيان الخلافة من الحسن بن علي وتصالح مع الإمام الحسن بشروط، وقد سميت تلك السنة ب‍ " عام الجماعة ". وقد يقصد به مفهوم الأغلبية التابعة أو المقلدة وجماهير الناس بشكل عام. والمعنى الأول يضفي على مصطلح " أهل السنة والجماعة " بعدا سياسيا، وقد نجد لذلك

٧١
مصداقا وتحققا بمراجعة أصول أهل السنة والجماعة.

فهم يعترفون بشرعية خلافة الخلفاء الأربعة. وبعدم وجود النص التعييني على الإمامة أو الخلافة، عكس ما يذهب إليه الشيعة وخصوصا الإمامية منهم، كما ويعتبرون مقياس الأفضلية بين هؤلاء الخلفاء، تبعا لتوليهم منصب الخلافة. فالأول أفضل ويليه في الأفضلية الخليفة الثاني تم الذي يليه فالخليفة الرابع.

ومفهوم " أهل السنة والجماعة " بهذا اللحاظ سيصبح عند الإطلاق، شعارا ورمزا يدل على كل من قال بشرعية خلافة أبي بكر وعمر وعثمان. ورفض النص أو التعيين الذي قال به الشيعة بخصوص الإمام علي. وعليه أصبح " أهل السنة والجماعة " شعارا لكل من يؤمن ليس فقط بشرعية الخلفاء الأربعة، بل جميع الخلفاء الذين جاؤوا بعدهم من أمويين وعباسيين. كما أصبح لفظ الشيعة يستوعب كل من قال بوجود النص النبوي على ولاية الإمام علي وأهل بيته، وأنهم أحق بالخلافة من غيرهم.

وحتى هذه المسألة التي يلتقي فيها " السلفية " بأهل السنة والجماعة " فإن تطرف السلفية في موالاة ملوك بني أمية والدفاع من فسقهم وفجورهم، قد باعد الشقة بينهم وبين بعض العقلاء المنصفين من " أهل السنة والجماعة "، وخصوصا المتأخرين منهم. لذلك أصبح مصطلح " أهل السنة والجماعة يطلق ويقصد به في كتب التاريخ والأدب والسياسة غير الشيعة والعكس صحيح كذلك ". إن المفهوم اللغوي لمصطلح " أهل السنة " يفيد كما ذكرنا سابقا " أصحاب الحديث والأثر " على اعتبار أن السنة مرادف للحديث النبوي، وبإضافة (أهل) سيصبح المعنى أصحاب سنة الرسول أو المنتسبون إليها العاملون بها، دون غيرهم من أصحاب الرأي أو البدع. وهذا المفهوم وإن كان متضمنا لمصطلح " أهل السنة "، فقد أوضحنا التطور الاصطلاحي الذي خضع له هذا الشعار. والمفاهيم العقائدية والسياسية التي شحن بها، حتى جعلته

٧٢
عنوانا على اتجاه ومدرسة في تاريخ الفكر الإسلامي، وهي مدرسة أبي الحسن الأشعري، وأبي منصور الماتريدي على الخصوص. بالإضافة إلى المذاهب الفقهية الأربعة، الرديف والمكمل للاتجاه العام لهاتين المدرستين.

أما محاولة إطلاق هذا المصطلح " أهل السنة والجماعة "، وجعله يختص بأهل الحديث أو الأثر وأصحابه والمشتغلين به والملتزمين بالسنة والحديث النبوي في عقائدهم وفقههم. فإن جميع الطوائف والفرق الإسلامية سيشملها حينئذ هذا الشعار " أهل السنة ". فما من فرقة إلا وقد ادعت اعتمادها على الحديث النبوي الشريف، وسيصبح الترجيح بينهم صعبا، ودون مرجح متفق عليه. فقد اختلف في مقاييس صحة الحديث وشروط قبوله. وعليه سيصبح " حشوية الحنابلة " أولى الناس بهذه التسمية لاعتمادهم على عدد كبير من الأحاديث. خصوصا المكذوبة على الرسول وما حشئت به أحاديثه (ص).

وكذا جميع الفرق الأخرى، مما دفع الدكتور التيجاني السماوي وهو متشيع معاصر إلى اعتبار " الشيعة الإمامية " هم أهل السنة (٨٣) الحقيقيون وليس غيرهم، وأنهم أولى الفرق الإسلامية بهذه التسمية. لأنهم أخذوا بما روي عن الرسول من أحاديث كثيرة ومتواترة في ولاية الإمام علي وأهل بيته، والتزموا القول بمضمونها. في حين رفضها غيرهم وضرب عنها كشحا.

وننهي بحثنا بتقرير ما توصلنا إليه، وهو أن مصطلح " أهل السنة والجماعة "

(٨٣) يقول التيجاني: " وقد بهرتهم هذه التسمية البراقة (أهل السنة والجماعة) ولم يعرفوا خفاياها ودسائسها التي وضعها دهاة العرب ولو علموا يوما بأن علي بن أبي طالب هو محض السنة المحمدية وهو بابها الذي يؤتى منه للدخول إليها، قد خالفوه في كل شئ وخالفهم، لتراجعوا عن موقفهم ولبحثوا الموضوع بجد، ولما وجدت (أهل السنة) إلا شيعة لعلي وللرسول (ص). ولكل ذلك لا بد من كشف حقيقي لتلك المؤامرة الكبرى التي لعبت أخطر الأدوار في إقصاء السنة المحمدية وإبدالها ببدع جاهلية سببت نكسة المسلمين وارتدادهم عن الصراط المستقيم وتفرقهم واختلافهم، ثم تكفير ومقاتلة بعضهم البعض ".

أنظر الشيعة هم أهل السنة، ص ٢٥ وما بعدها.

٧٣
إذا أطلق فإنما يراد به " المدرسة الكلامية والفقهية " لأتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي، وأئمة الاجتهاد الفقهي الأربعة بالتحديد. وقد وقع الاختلاف حول الإمام الرابع أحمد بن حنبل، هل له مدرسة خاصة في الأصول أم لا ؟ وهل يعتبر فقيها ؟ لأن بعضهم أثار غبارا كثيفا حول نسبة هذا الفقه المدون الآن إليه. كما أن الصراع قد احتدم قديما وإلى الآن بين أتباعه.

فمن اعتقد بإمامة الأشعري أو الماتريدي فقد عد من " أهل السنة والجماعة "، أما من قال بغير ذلك فقد نسب نفسه إلى " السلفية " أو مذهب " الحشوية الحنبلية " بالتحديد العلمي.

***
٧٤

الشيعة الإمامية

تعريف:

يقول ابن دريد (المتوفى سنة ٣٢١): " فلان من شيعة فلان، أي: ممن يرى رأيه، وشيعت الرجل على الأمر تشييعا إذا أعنته عليه. ومشايعة الرجل على الأمر مشايعة، وشياعا إذا مالأته عليه " (٨٤).

ويقول ابن منظور " وأصل الشيعة الفرقة من الناس، ويقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ومعنى واحد. وقد غلب هذا الاسم على من يتوالى عليا وأهل بيته، رضوان الله عليهم أجمعين، حتى صار لهم اسما خاصا، فإذا قيل، فلان من الشيعة عرف إنه منهم. وفي مذهب الشيعة كذا أي عندهم. وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة، قال الأزهري: والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ويواليهم (٨٥).

فالشيعة والتشيع، والمشايعة في اللغة تدور حول معنى المتابعة، والمناصرة والموافقة بالرأي والاجتماع على الأمر، أو الممالأة عليه (٨٦).

يقول الشهرستاني: " الشيعة هم الذين شايعوا عليا رضي الله عنه على الخصوص وقالوا بإمامته وخلافته نصا ووصية، إما جليا، وإما خفيا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج من أولاده، وإن خرجت فبظلم يكون من غيره، أو بتقية

(٨٤) ابن دريد، جمهرة اللغة، ج ٣ ص ٦٣.

(٨٥) ابن منظور، لسان العرب، مادة شيع، ج ٧ ص ٢٥٨.

(٨٦) ناصر بن عبد الله الغفاري، أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ج ١ ط ١ / ١٩٩٣.

٧٥
من عنده. وقالوا: ليست الإمامة قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل عليهم الصلاة والسلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله... وهم خمس فرق، كيسانية، وزيدية وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية، وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال، وبعضهم إلى السنة، وبعضهم إلى التشبيه (٨٧)...

وقال ابن حزم الأندلسي: " ومن وافق الشيعة في أن عليا أفضل الناس بعد رسول الله وأحقهم بالإمامة وولده من بعده، فهو شيعي. وإن خالفهم فيما ذكرنا فليس شيعيا " (٨٨).

الفرق الشيعية والاختلاف بينها:

ومن يراجع كتب الفرق يجد أن لقب " الشيعة " قد أطلق على عدد كبير من الفرق، المختلفة المشارب والمتعددة الاتجاهات. وإنما استحقت هذا اللقب كما قال ابن حزم لإجماعها على القول بأفضلية علي ابن أبي طالب، على سائر الصحابة بعد رسول الله وأحقيته في الخلافة.

على أن أغلب هذه الفرق قد ارتبطت في بداية نشأتها بشخص صنعته الأحداث المتتالية التي عرفها المجتمع الإسلامي بعد وفاة الرسول (ص) ومن ثم نمت أفكاره وترعرعت وأصبح لها أتباع، وتكونت لها مدرسة مستقلة. كما حدث لباقي الفرق الإسلامية. لذلك ظهر الاختلاف بين هذه الفرق وتوسعت شقته، جعلت مؤرخي الفرق الكلامية والمذهبية يفردون لكل واحدة منها فصلا خاصا بها يعرضون فيه لآراء أصحابها ومذاهبهم الاعتقادية

(٨٧) بحوث في الملل والنحل، ج ١ ص ١٤٦ - ١٤٧. من خلال تعريف الشهرستاني للشيعة يظهر أنه ذكر ثلاث فرق كبيرة في الأصول، المعتزلة وأهل السنة والمشبهة. وهذا يعني أن التشبيه ليس من أصول أهل السنة وإنما عرف بذلك " حشوية الحنابلة " فهم مشبهة هذه الأمة، وهم بذلك حسب الشهرستاني ليسوا من أهل السنة.

(٨٨) الفصل في الملل والنحل، ج ٢ ص ١١٣.

٧٦
والسياسية. ويعتبر هذا العمل في الحقيقة منهجا علميا، كان من نتائجه أن عرفت عقائد الفرق وتميزت عن بعضها البعض، وعرفت نقاط التقائها واختلافها. كما فعلنا نحن فيما يخص بيان الفرق بين مفهومي " السلفية " و " أهل السنة ".

والذي يقرأ ما كتبه الشهرستاني - بغض النظر عن صحة كل ما جاء فيه أو العكس - يجد أن الاختلافات كبيرة ومتعددة بين الفرق الخمسة التي ذكرها تحت عنوان " الشيعة " لدرجة أن لقب " الشيعة " يضيق عن استيعابها كلها. فإذا كان " التشيع "، حب علي بن أبي طالب والقول بأفضليته بعد رسول الله (ص) وأحقيته في الإمامة والخلافة. فإن الادعاء بكونه رضي الله عنه " إلها " أو حل فيه الله، يخرج صاحبه عن هذا المفهوم الاصطلاحي للتشيع بل يخرجه عن الإسلام ويصبح كافرا بالرسالة المحمدية عموما.

وهكذا تتعدد الاختلافات الفكرية والعقائدية بالخصوص. فمنها ما يخرج عن الإسلام أصلا، ومنها ما يخرج عن المفهوم المصطلح عليه للعنوان الكبير، الذي تنضوي تحته هذه الفرق المتعددة وهو هنا " التشيع ".

لذلك لا بد من وجود مرجع واضح المعالم يكون بمثابة الفيصل عند التفرقة والتمييز، نعرف به مدى بعد الفرق والأشخاص عن هذا " المرجع " أو قربها منه. وهذا " المرجع سيتمثل في الفرقة الأم التي إليها ترجع التسمية بالشيعة.

ومنها ومن غيرها انبثقت الفرق المتعددة الأخرى التي أطلق عليها مؤرخو الفرق اسم " الفرق الشيعية ".

***
٧٧

الإمامية الاثنا عشرية

إذا كان لقب الإمامية قد أطلق على مجموعة من الفرق الشيعية بادئ الأمر، فإنه سيطلق فيما بعد ويقصد به " الاثنا عشرية " خصوصا، " ولعل أول من ذهب إلى ذلك شيخ الاثنا عشرية في زمنه " المفيد " في كتابه أوائل المقالات، وأشار السمعاني إلى أن ذلك هو المعروف في عصره فقال: " وعلى هذه الطائفة - يشير إلى الاثنا عشرية - يطلق الآن الإمامية ".

وقال ابن خلدون " وأما الاثنا عشرية فربما خصوا باسم الإمامية عند المتأخرين منهم ". وأشار صاحب مختصر التحفة الاثنا عشرية، إلى أن الاثنا عشرية هي المتبادر عند إطلاق لفظ الإمامية. ويقول الشيخ زاهد الكوثري " والمعروف أن الإمامية هم، الاثنا عشرية " (٨٩).

والاثنا عشرية هم الطائفة الشيعية التي ساقت الإمامة بعد جعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم، ثم إلى علي الرضا، ثم إلى محمد الجواد، ثم إلى علي الجواد، ثم إلى علي الهادي، ثم إلى الحسن العسكري، ثم إلى محمد بن الحسن العسكري الإمام الثاني عشر... " (٩٠). وتعريفهم ب‍ " الاثني عشرية " تمييزا لهم عن باقي الفرق التي توقفت عند أحد الأئمة وانحرفت على غيره.

لقد تمسك الإمامية الاثنا عشرية بالنص أو التعيين، وقالوا بمضمون وصية الرسول (ص) للإمام علي بالخلافة والإمامة. وبقيت تلك الجماعة تسير على المنهاج الأول. وتتمسك بالوصية بعد أن تفرقت بالشيعة السبل وتقطعت

(٨٩) أصول مذهب الشيعة الإمامية، مرجع سابق، ج ١ ص ١٠٠.

(٩٠) المدخل إلى دراسة علم الكلام، مصدر سابق، ص ١٠٢.

٧٨
بينهم الأسباب، وانفصلت عنهم مع الزمن مجموعة الفرق غير الإسلامية.

وهم الغلاة أمثال الكيسانية والهاشمية والمغفيرية وغيرها، ثم انبثقت عنهم الفرق الشيعية الأخرى كالزيدية والإسماعيلية وفروعهما... وبعد أن حصلت الغيبة بعد منتصف القرن الثالث للهجرة بقليل سميت الفرقة الشيعية المذكورة ب‍ " الإمامية " أو الاثني عشرية (٩١).

لقد تشبث الإمامية بالنص والتعيين على خلافة الإمام علي بن أبي طالب وآمنوا بإمامة أحد عشر إماما من بعده. الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين آخرهم محمد بن الحسن الحجة المهدي، الذي يعتقد الإمامية وغيرهم من الفرق الإسلامية بظهوره آخر الزمان، ليملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا، وأحاديثه وأخباره تملأ الموسوعات الحديثية، وسائر كتب السنن لدى كل من أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية.

أسباب ظهور التشيع:

أما متى ظهر التشيع فإن الباحثين من الشيعة وغيرهم قد افترقوا في الإجابة على ذلك ثلاث فرق: منهم من يرى أن التشيع، أي حب علي وموالاته ظهر زمن النبي (ص). وقد كان جملة من الصحابة يصدرون عن معاملة الرسول الخاصة له، وحبه إياه ومؤاخاته مع نفسه، لذلك يذهب النوبختي: بأن أول الفرق الشيعية وهم فرقة علي بن أبي طالب (ع)، المسمون شيعة علي (ع) في زمان النبي وبعده معروفون بانقطاعهم إليه والقول بإمامته " (٩٢).

ويعضد قول النوبختي ما ذكره محمد كرد علي في كتابه " خطط الشام ".

قال: عرف جماعة من كبار الصحابة بموالاة علي في عصر رسول الله (ص)

(٩١) د. عبد الله فياض، تاريخ الإمامية وأسلافهم من الشيعة، مؤسسة الأعلمي، بيروت ط ٣ - ١٩٦٨ م، ص ٢٧.

(٩٢) فرق الشيعة، ص ١٥.

٧٩
مثل سلمان الفارسي القائل: بايعنا رسول الله على النصح للمسلمين والائتمام بعلي بن أبي طالب والموالاة له. ومثل أبي سعيد الخدري الذي يقول: أمر الناس بخمس فعملوا بأربع وتركوا واحدة، ولما سئل عن الأربع، قال:

الصلاة، والزكاة، وصوم شهر رمضان، والحج، قيل: فما الواحدة التي تركوها ؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب، قيل له: وإنها لمفروضة معهن ؟ قال:

نعم هي مفروضة معهن، ومثل أبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذو الشهادتين خزيمة بن ثابت، وأبي أيوب الأنصاري، وخالد بن سعيد وقيس ابن سعد ابن عبادة " (٩٣)...

وقد عد السيد شرف الدين الموسوي (٩٤)، الصحابة ممن كانوا يتشيعون لعلي بن أبي طالب فذكر أكثر من مائتين. أما الشيخ أحمد الوائلي (٩٥)، فقد ذكر مائة وثلاثين صحابيا بأسمائهم ممن كانوا يوالون عليا ويؤمنون بأحقيته في الخلافة وأنه معين من طرف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

ويظهر أن الروايات التي أشارت إلى ظهور التشيع في عهد النبي (ص) كثيرة، إلى حد أن السيد حامد حسين اللكناهوري، وهو من الكتاب المحدثين ملأ بها صفحات كتابه الموسوم ب‍ " عبقات الأنوار " وهو يزيد على عشر مجلدات " (٩٦)...

أما الرأي الثاني فهو القول بأن التشيع لعلي، إنما ظهر زمن السقيفة حين اعتزل الإمام علي (ع) ولم يبايع أبا بكر. واعتزل معه مجموعة من الصحابة منهم العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس. والزبير بن العوام وباقي الصحابة الذين أدرج المؤرخ محمد كرد علي أسمائهم في " خططه ".

(٩٣) خطط الشام، ج ٥ / ٢٥١، بتوسط السبحاني، بحوث في الملل والنحل، ج ٦ ص ١١١.

(٩٤) أنظر الفصول المهمة.

(٩٥) أنظر هوية التشيع.

(٩٦) تاريخ الإمامية، مرجع سابق، ص ٣٦.

٨٠