×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السيف والسياسة / الصفحات: ١٨١ - ٢٠٠

لا صلة له بالدين وإنما هو من نتاج واقع باركه فقهاء يسيرون في ركاب الحكام وأضفوا عليه المشروعية بروايات واجتهادات ألزمت بها الأمة بتوجيه الحكام..

يقول مالك للمنصور العباسي: لو لم تكن أهلا لما ولاك الله تعالى.. (٥).

ومثل هذا القول إنما يعكس فقه المتغلب الذي تبناه القوم في مواجهة حالات اغتصاب الحكم من قبل من هو على شاكلة المنصور..

ويقول أبو يوسف: إن أمير المؤمنين - هارون - سألني أن أضع له كتابا جامعا يعمل به في جباية الأموال والعشور والصدقات والجوالي - الجماعات الجائلة غير المستقرة في مكان محدد - وغير ذلك مما يجب عليه النظر فيه والعمل به.. (٦).

وقد حدد أبو يوسف واجبات الحاكم فيما يلي:

- إقامة حدود الله..

- رد الحقوق لأصحابها..

- إحياء سنة الحكام الصالحين..

- منع الظلم والمساواة بين الناس في تطبيق أحكام الشرع..

- أمر الناس بما أمر الله ونهيهم عما نهى عنه..

- لا يؤخذ من الرعية إلا بالحق ولا ينفق إلا بالحق.. (٧).

أما واجبات المسلمين تجاه الحاكم فقد حددها بما يلي:

- ألا يعصوه أو يقاتلوه..

- ألا يسبوه أو يغشوه..

(٥) أنظر مناقب أبو حنيفة للكردي. وقد قام مالك بتأليف كتاب الموطأ بتكليف من المنصور. أنظر مقدمة الموطأ ط القاهرة..

(٦) أنظر مقدمة كتاب الخراج لأبي يوسف..

(٧) أنظر المرجع السابق..

١٨١
- أن يصبروا عليه ويخلصوا النصح له..

- أن ينهوه عن المنكر ويعاونوه على الخير.. (٨).

إن الشروط التي اشترطها الفقهاء في الحكام لم تتوافر في حاكم ممن ولي أمر المسلمين منذ وفاة الرسول‍ (صلى الله عليه وسلم) وحتى اليوم. كما أن الواجبات التي من المفروض أن يؤدوها تجاه الأمة لم يلتزموا بشئ منها وضربوا بها عرض الحائط ولم يعترض الفقهاء على هذا الوضع بل عايشوه وطالبوا الأمة بالصبر عليه.. (٩).

إن الفقهاء قد حددوا شكل الدولة الإسلامية ومقوماتها وصفات الحاكم من خلال سلوك ومواقف الخلفاء الثلاثة وبني أمية وبني العباس متجنبين الإمام علي ومواقفه ونموذج دولته لكون طرحه ونموذجه يتناقض مع الطرح والنموذج السائد الذي يسيرون في ركابه..

لقد كانت تجربة الإمام علي في الحكم هي التجربة التي تعكس صورة الدولة الإسلامية الحقة والتي قام الخط الأموي بالتعتيم عليها وتشويهها حتى لا تكتشف حقيقة الحكم الأموي وتناقضه مع الإسلام..

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ما هي ملامح دولة الإمام علي..؟

إن الإمام علي كان زاهدا في الحكم كما كان زاهدا في الدنيا. وما كان يهدف إليه هو أن تستقيم الأمة على نهج الإسلام النبوي وتسترشد بعلمه الذي ورثه عن الرسول (صلى الله عليه وسلم).

من هنا فحين طالبه الناس بالبيعة بعد مصرع عثمان قال: دعوني والتمسوا غيري.. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب.. وأنا لكم وزير خير لكم مني أميرا.. (١٠)

(٨) المرجع السابق..

(٩) أنظر شرح مسلم للنووي كتاب الإمارة. وشرح البخاري لابن حجر كتاب الأحكام وكتاب الفتن. ح‍ ١٣ وانظر كتب العقائد والفقه وهي تحوي شروحات وتبريرات واسعة لهؤلاء الفقهاء تجاه الحكام ومواقفهم وانحرافاتهم وانظر كتاب العواصم من القواصم. وكتابنا فساد عقائد أهل السنة..

(١٠) أنظر نهج البلاغة خطبة رقم ٩ / ٢٥٩..

١٨٢
ولقد حدد الإمام علي نهجه في الحكم فور تسلمه السلطة بقوله: لم تكن بيعتكم إياي فلتة. وليس أمري وأمركم واحد. إني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم. أيها الناس أعينوني على أنفسكم وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه.

ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وإن كان كارها.. (١١).

إن الإمام يوضح من خلال كلمته عدة حقائق وإشارات هامة حول صورة الحكم. فهو يوجه نقده لطريقة وصول أبي بكر للحكم مشيرا أن بيعته إنما تمت بإرادة المسلمين وحريتهم دون ضغوط كما حدث في أمر السقيفة. ثم هو يعلنها صراحة أنه سوف يضرب أصحاب المصالح والأهواء والقبليين الذين استثمروا الأوضاع السابقة لصالحهم وحققوا المكاسب على حساب المسلمين وبواسطة أنظمة الحكم السابقة..

ولقد أوضح الإمام الرؤية للمسلمين كحاكم بقوله: لن يسرع أحد قبلي إلى دعوة حق وصلة رحم وعائدة كرم. فاسمعوا قولي وعوا منطقي عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضى فيه السيوف وتخان فيه العهود حتى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة.. (١٢).

والإمام بتوضيح هذه الرؤية للرعية إنما يضرب مثلا رائعا في الأمانة والمصارحة لهم في مواجهة الأحداث القادمة التي تهدد وحدة الأمة..

والإمام يرفض اغتصاب السلطة والاستسلام للأمر الواقع بقوله: أيها الناس إن أحق الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله فيه فإن شغب شاغب استعتب فإن أبى قوتل. ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس فما إلى ذلك سبيل ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار.. (١٣)

(١١) أنظر المرجع السابق خطبة رقم ١٣٤ / ٣٣٩ (١٢) المرجع السابق خطبة رقم ١٣٧ / ٣٤٤..

(١٣) المرجع السابق خطبة رقم ١٧١ / ٤٠٨..

١٨٣
ويؤكد الإمام من خلال قوله هذا أيضا رفضه لبيعة الحكام في معزل عن الجماهير كما وقع مع الخلفاء الثلاثة من قبله وكما وقع للمسلمين من بعده..

لقد رفع الإمام شعار العدل في وجه الظالمين ومغتصبي حقوق المسلمين وفي وجه أقارب عثمان وقام بمصادرة ممتلكاته وقطائعه التي ملكها بأموال المسلمين والتي وزعها على أقاربه وأعوانه..

يقول الإمام عن عثمان وقطائعه: والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق.. (١٤).

وفي عهد الإمام علي لمالك الأشتر حين وجهه إلى مصر ملامح نظرية الحكم الإسلامي على نهج النبوة وأسس دستور يحقق العدل والاستقرار والأمن والتقدم للأمة..

يقول الإمام لمالك بعد أن أمره بطاعة الله وتقواه:.. وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم ولا تكون عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم.. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وممن لك فيه هوى من رعيتك فإنك إلا تفعل تظلم ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده. وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل وأجمعها لرضا الرعية فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة. وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك - أبغضهم - أطلبهم لمعائب الناس. وإن شر وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا ومن شركهم في الآثام فلا يكونن لك بطانة. وألصق بأهل الورع والصدق. ولا يكونن المحسن والمسئ عندك بمنزلة سواء. وأعلم أنه ليس شئ بأدعى إلى حسن ظن راع رعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عليهم.، ولا تنقضن سنة صالحة عمل بها صدر هذه الأمة واجتمعت به الألفة وصلحت عليه الرعية. وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك. وأعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض ولا غنى ببعضها عن بعض. ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك. ثم أكثر تعاهد قضائه

(١٤) المرجع السابق خطبة رقم ١٥ / ١١٨..
١٨٤
وأفسح له في البذل ما يزيل علته وتقل معه حاجته إلى الناس. ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارا ولا تولهم محاباة وأثرة. ثم أسبغ عليهم الأرزاق فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم. وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله. ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا. ثم الله. الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى - المرضى وأصحاب العاهات - وتفقد أمور من لا يصل إليك منهم. وتعهد أهل اليتيم وذوي الرقة في السن ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه. واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك وتجلس لهم مجلسا عاما.. فلا تطولن احتجابك عن رعيتك فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق وقلة علم بالأمور. والزم الحق من لزمه من القريب والبعيد وكن في ذلك صابرا محتسبا. وإن ظنت الرعية بك حيفا - ظلما - فأصحر - أظهر - لهم بعذرك وأعدل عنك ظنونهم بإصحارك. ولا ترفضن صلحا دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمة فحط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالأمانة. وإياك والدماء وسفكها بغير حلها. وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها وحب الاطراء. وإياك والعجلة بالأمور قبل أوانها.. (١٥).

ولا شك أن هذه الأسس التي حواها عهد الإمام للأشتر لا وجود لها في واقع الدول التي سادت من بعد صفين. ولا وجود لها في سلوك الحكام ومواقفهم أولئك الحكام الذين باركهم الفقهاء وطالبوا المسلمين بالصلاة والحج والجهاد من خلفهم.. (١٦).

ولقد أبرز لنا الإمام من خلال سلوكه ومواقفه ملمحا هاما وخاصية فريدة يجب

(١٥) المرجع السابق ج‍ ٢ / خطبة رقم ٥٤ / ٦٢١.

(١٦) أنظر عهد الأشتر للشيخ محمد مهدي شمس الدين ط بيروت وعهد الأشتر لمحمد باقر الناصري والراعي والرعية للفكيكي ط بيروت. وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وغيره..

١٨٥
أن تتوافر في الحاكم المسلم ألا وهي خاصية الحوار مع الخصوم حتى ولو شهروا سيوفهم في وجه الدولة.

والإمام بانتهاجه هذا السلوك والتزامه بهذا الموقف إنما يبرز روح التسامح ويفسح المجال أمام الرأي الآخر ليقدم حججه وبراهينه التي تدعم موقفه ورؤيته.

ويمنح الفرصة للمنشقين كي يعودوا إلى صفوف الجماهير بقناعة ورضا..

برز هذا الموقف في حواره مع أصحاب الجمل..

وبرز في حواره مع أنصار معاوية في صفين..

وبرز في حواره مع الخوارج المنشقين عليه..

يقول الإمام لابن عباس حين أرسله إلى الزبير قبل وقعة الجمل: لا تلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصا قرنه يركب الصعب ويقول: هو الذلول ولكن الق الزبير فإنه ألين عريكة فقل له: يقول لك ابن خالك: عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق. فما عدا مما بدا.. (١٧).

ويقول الإمام في أهل صفين وقد نهى أصحابه عن سبهم: اللهم أحقن دماءنا ودماءهم وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوى عن الغي والعدوان من لهج به.. (١٨).

وفي كتاب للإمام إلى معاوية يقول فيه: ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك والسلام.. (١٩).

وفي كتاب له أيضا إلى معاوية يقول الإمام: وكيف أنت صانع إذا تكشفت

(١٧) أنظر نهج البلاغة ج‍ ١ / خطبة رقم ٣١ / ١٤٩..

(١٨) المرجع السابق ج‍ ١ خطبة رقم ٢٠٤ / ٤٩٢..

(١٩) المرجع السابق ج‍ ٢ خطبة رقم ٦ / ٥٤٣

١٨٦
عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها وخدعت بلذتها دعتك فأجبتها وقادتك فاتبعتها وأمرتك فأطعتها.. (٢٠).

وفي كتاب آخر يقول له: أما بعد فإنا كنا نحن وأنتم على ما ذكرت من الألفة والجماعة ففرق بيننا وبينكم أمس أنا آمنا وكفرتم. واليوم أنا استقمنا وفتنتم وما أسلم مسلمكم إلا كرها وبعد أن كان أنف الإسلام كله لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) حزبا.. (٢١).

ويقول الإمام في الخوارج حين رفعوا شعار لا حكم إلا لله: كلمة حق يراد بها الباطل. نعم لا حكم إلا لله. لكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلا لله.. (٢٢).

ويقول مخاطبا الخوارج لما حكموا على الإمام بالخطأ في التحكيم وشرطوا للعودة إلى طاعته أن يعترف بأنه كان قد كفر ثم آمن: أصابكم حصب - ريح شديدة - ولا بقي منكم آبر. أبعد إيماني بالله وجهادي مع رسول الله أشهد على نفسي بالكفر. لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.. (٢٣).

وكان الإمام علي قد أرسل ابن عباس ليحاور الخوارج بعد أن انشقوا عليه.

وأقام ابن عباس عليهم الحجة وعاد معه منهم ثلاثة آلاف.. (٢٤).

ولقد اضطر الإمام لمقاتلة الخوارج فيما بعد إلا أنه لم يقاتلهم بسبب الأفكار التي تبنوها أو بسبب خروجهم عليه وإنما قاتلهم بسبب عدوانهم على المسلمين واستباحتهم دماءهم وأموالهم وهم بهذا الفعل قد استووا مع المحاربين الذين يسعون في الأرض فسادا ويجب على الإمام استئصالهم.

إن تبني الإمام علي لنهج الشورى والعدل والمساواة والحوار قد جذب إلى نهجه

(٢٠) المرجع السابق ج‍ ٢ / ١٠ / ٥٤٦ (٢١) المرجع السابق ج‍ ٢ / ٦٥ / ٦٦٢..

(٢٢) المرجع السابق ج‍ ١ خطبة ٤ / ١٦٣..

(٢٣) المرجع السابق ج‍ ١ / خطبة ٥٨ / ١٧٩..

(٢٤) أنظر محاورة ابن عباس للخوارج في كتاب جامع بيان العلم ط القاهرة..

١٨٧
الموالي والجنسيات الأخرى غير العربية وعلى رأسهم الفرس الذين وجدوا في طرحه ما ينشدون من العدل والمساواة والحرية وهو ما كانوا يفتقدونه في الطرح الأموي الذي كان يقوم على أساس القبلية والعنصرية..

ولعل هذا يفسر سر ارتباط الفرس بالإمام علي وآل البيت من بعده إذ وجدوا في خطهم الخلاص من الظلم والتفرقة العنصرية التي كانوا يعيشونها في ظل بنى ومما سبق يتبين لنا مدى الفروق الشاسعة والهوة السحيقة بين دولة الإمام علي ودولة بني أمية التي يمكن تحديدها فيما يلي:

إن دولة الإمام علي هي دولة متغيرة حسب متطلبات الواقع ومصالح الجماهير بينما دولة الأمويون ثابتة المعالم والأطر.

إن دولة الإمام علي دولة جماهير بينما دولة معاوية وقومه دولة حكام..

إن دولة الإمام هي دولة العدل والمساواة والشورى بينما هذه الأسس الثلاث لا وجود لها في واقع الدول الأخرى..

إن دولة الإمام علي هي دولة الحوار بينما الدول الأخرى عدوة له وتغلق الأبواب أمامه..

لقد ارتبطت فكرة الدولة في الطرح السني بالاستبداد والفصل بين سلطة الفقهاء وسلطة الحكام وعدم التدخل في شئون الحاكم والاستسلام المطلق له وهذه هي أخطر انعكاسات الإسلام الأموي مما أدى إلى ضياع الشورى والعدل والمساواة من واقع المسلمين..

بينما ارتبطت فكرة الدولة في طرح آل البيت بالشورى وعدم الفصل بين السلطتين لضرورة أن يكون الحاكم فقيها كما ارتبطت بالعدل والمساواة والجماهير ووضعت الحاكم تحت رقابتها..

ويحاول الطرح السني أن يلزم الأمة بفكرة ثابتة وشكل ثابت للدولة الإسلامية وهو الشكل الذي تمخض عن الواقع القبلي الأموي والذي يقوم على سلطة

١٨٨
الحكام وسلطة الفقهاء ونتيجته الدائمة هي سقوط الفقهاء في شباك السياسة وخضوعهم للحاكم..

ويبدو أن هناك تخبط واضح لدى الطرف السني في تحديد معالم الدولة وشكلها وهذا التخبط إنما هو ناتج من اختلاف ممارسات الحكام ومواقفهم واختلاف شكل الدولة من حكم لآخر.

فدولة أبي بكر غير دولة عمر.

ودولة عمر غير دولة أبي بكر.

ودولة عثمان غير دولة عمر.

ودولة معاوية تختلف عن دولة الثلاثة.. (٢٥).

أما دولة الإمام علي فهي نموذج آخر غير هذه النماذج والقوم لم يعتدوا به من الأصل ولعل لهم عذرهم في هذا فهم لم يعايشوه وإنما عايشوا حكم بني أمية وبني العباس.

إن الدولة الإسلامية في منظور آل البيت ليس لها شكل محدد ومعالم وأطر ثابتة وهي متحررة تماما من النزعة الإلهية. ومثل هذه الأمور إنما هي متروكة للاجتهاد. ولعل طرح فكرة ولاية الفقيه من قبل الإمام الخميني وتطبيقها في إيران اليوم يشير إلى ذلك.. (٢٦).

الفكر الإسلامي

انعكس الخط الأموي على الفكر الإسلامي بعد مرحلة صفين كما انعكس خط

(٢٥) أنظر كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي وهو يؤرخ من دولة أبي بكر إلى عصر المماليك. ويبدو للمطالع لهذا الكتاب مدى الفوارق والخلافات بين دول الإسلام التي قامت منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وحتى اليوم.

(٢٦) قام الإمام الخميني بطرح فكرة ولاية الفقيه وتطبيقها عمليا لأول مرة في تأريخ الشيعة. وقد اصطدم به كثير من فقهاء الشيعة وعارضوه في هذه الفكرة حيث أن أغلب فقهاء الشيعة يرون عدم جواز حكم الفقيه في عصر غيبة الإمام المهدي. وفي هذا الموقف إشارة إلى أن مسألة الحكم عند الشيعة ليس بالضرورة أن يتولاها فقيه من رجال الدين وليست فكرة الدولة تقوم على أساس الماضي كما هو الحال عند السنة.

والشيعة لا ترفض فكرة الجمهورية أو الانتخاب الحر أو الأحزاب..

١٨٩
آل البيت. غير أن خط آل البيت لم يقدر له البروز إلا في بعض فترات العصر العباسي وكانت أول صور البروز الفاعلة على يد الإمام جعفر الصادق في عهد الخليفة المنصور. بينما كان الخط الأموي هو السائد وقنواته هي القنوات المشروعة..

من هنا حرم الفكر الإسلامي من الاستفادة بخط آل البيت الذي عزل عنه تحت ضغط السياسة ليصبح الخط الأموي هو المصدر الوحيد له.

ولذا فقد اعتمد الفكر الإسلامي على مرتكزات الإسلام الأموي وأنبنت على أساسها مفاهيمه وتصوراته وأطروحته بشكل عام..

لقد انعكست على هذا الفكر قضية الروايات المختلقة..

وانعكست عليه نظرية الرأي الواحد..

وانعكست عليه فكرة الحكم الإلهي..

وأخطر هذه الانعكاسات إنما تنحصر في هذا الكم من الروايات المختلقة التي بني الإسلام الأموي على أساسها وتأثر هذا الفكر بها. فعلى أساس هذه الروايات أضفيت المشروعية على حكام بني أمية والحكام من بعدهم حتى يومنا هذا..

وعلى أساس هذه الروايات أضفيت المشروعية والقداسة على العناصر التي تم انتخابها من بين الصحابة لتكون مصدرا للتلقي والتوجيه..

وعلى أساس هذه الروايات استنبطت الأحكام الفقهية التي سارت الأمة على أساسها حتى اليوم والتي نتجت عنها الكثير من المشكلات التي عانى منها المجتمع المسلم ولا زال يعاني وكانت الرواية ولا تزال سلاحا يشهر في وجه المخالفين وأصحاب الرأي من أجل إرهابهم وإلزامهم بالسير وفق الخط السائد.. (٢٧)

(٢٧) من هذه الروايات الروايات الخاصة بالحكام التي أشرنا لها والروايات الخاصة بالصحابة التي تمجد معاوية وابن العاص المغيرة وأبو هريرة وعائشة وابن عمر وغيرهم ممن تحالفوا مع بني أمية وساندوهم وقد روى هؤلاء وعلى رأسهم أبي هريرة وعائشة وابن عمر الكثير من الروايات الخاصة بالأحكام على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم) واعتمدها الفقهاء وبنوا على أساسها الكثير من الأحكام والاجتهادات. وهناك روايات اخترعت خصيصا لمواجهة الرأي الآخر وإباحة دماء المعرضين مثل رواية من بدل دينه فاقتلوه. ورواية من
١٩٠
إن أزمة الفكر الإسلامي على مر الزمان إنما تكمن في هذه الروايات التي قام على أساسها وطوق بها وحالت بينه وبين المرونة والتجديد ومواكبة المتغيرات..

مثل هذه الروايات هي التي ولدت التصور الأوحدي لهذا الفكر ذلك التصور الذي يقوم على أساس الهيمنة الفكرية والاستعلاء العقائدي على الآخرين. فكون هذا الفكر قد نشأ في مناخ استبدادي خال من التيارات المنافسة قد ولد هذا الوضع لديه حالة من الاستعلاء والمثالية نابعة من تصور انحصار الحق في دائرته ذلك التصور الذي تفرخت منه فكرة الفرقة الناجية أو أهل الحق الذين يسمون أنفسهم أهل السنة والجماعة... (٢٨).

ولم يحدث طوال فترات التأريخ أن دخل أهل السنة أو ممثلو الفكر الإسلامي النابع من الخط الأموي في حوار مع التيارات الأخرى. فالحكومات لم تكن لتفسح الطريق لذلك..

من هنا يمكن القول إن الفكر السني لم يختبر حتى يتبين مدى صلاحيته ومواءمته للواقع ولذا فقد تأصلت فيه روح الاستبداد والتعصب وهذه هي أهم ملامحه التي انعكست عليه من الخط الأموي..

وعلى ضوء هذه الروايات أيضا نشأت فكرة الحكم الإلهي وتشبع بها هذا الفكر بحيث أصبحت إحدى مقوماته البارزة. فقد سقط هذا الفكر ضحية الروايات التي تقدس الحكام وتوجب طاعتهم وتلزم الأمة باتباعهم والصلاة والحج والجهاد من خلفهم وإن كانوا فجارا ومجرمين حتى تحولت هذه الفكرة إلى أصل من أصول الاعتقاد في الفكر السني (٢٩)

= خرج عليكم وأنتم جميع فاضربوه ضربة رجل واحد كائنا من كان. أنظر لنا كتاب جريمة الرأي في تاريخ الإسلام..

(٢٨) يعتبر أهل السنة أنفسهم أهل الحق والفرقة الناجية من النار وجميع الفرق الأخرى هالكة وقد بنوا. هذا التصور على حديث يقول: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة. فرقة ناجية والباقي في النار رواة الترمذي وغيره ومثل هذا التصور إنما هو نابع من كونهم الأغلبية الظاهرة الآمنة وبقية الاتجاهات الأخرى قليلة ومستترة (٢٩) أنظر كتب العقائد والفرق..

١٩١
ولقد نتجت أطروحات هذا الفكر بمعزل عن المشاركة في الحكم فمن ثم فقد تأصلت فيه فكرة الفصل بين الدين والدولة وأصبحت من ملامحه. فقد قبض الحكام على السلطة السياسية بينما تركوا الدين لطبقة الفقهاء الذين يدينون لهم بالطاعة والولاء والذين بنوا اجتهاداتهم وتفسيراتهم للنصوص على أساس هذا الوضع..

من هنا وأمام ممارسات الحكام وانحرافاتهم ظهرت اتجاهات تقول بكفر مرتكب الكبيرة والمصر على المعصية وتقول بوجوب الخروج على الحاكم الفاسق والظالم.

وقد تصدى الفقهاء لهذه التيارات وقالوا بعدم كفر مرتكب الكبيرة والمصر على المعصية وعدم جواز الخروج على الحاكم بأي صورة ولأي سبب وتحولت هذه الأقوال بعد ذلك إلى عقائد ومفاهيم ثابتة في الفكر الإسلامي وما هي في الحقيقة إلا فتاوى اخترعت للدفاع عن الحكام وتبرير سلوكياتهم المنحرفة... (٣٠).

واعتبر الفقهاء كل من يخرج عن هذه العقائد والمفاهيم ويخالفها من أهل البدع والزندقة الذين يجب مقاومتهم والقضاء عليهم فمن ثم أعطوا الضوء الأخضر للحاكم كي يقضي عليهم ويستأصلهم.. (٣١).

ولقد أضفى فقهاء القوم المشروعية والقداسة على القرون الثلاثة الأولى التي نشأ وقنن فيها الفكر الإسلامي اعتمادا على رواية تقول: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.. (٣٢).

وعلى هذا فإن كل الجرائم والانتهاكات والبطش والتنكيل والانحرافات التي وقعت طوال القرون الثلاثة الأولى أضيفت عليها المشروعية وأمكن تبريرها على ضوء هذه الرواية وبالتالي تم اعتبار عصر الخلفاء وبنو أمية وبنو العباس العصر الذهبي المبارك..

(٣٠) أنظر كتب العقائد.

(٣١) يقول ابن حنبل: إن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف. أنظر طبقات الحنابلة. وانظر كتب العقائد. وانظر لنا جريمة الرأي..

(٣٢) أنظر البخاري ومسلم..

١٩٢
وإذا كان الفكر الإسلامي السني قد نشأ في كنف الحكومات وتحت رعايتها فإن الفكر الإسلامي الشيعي نشأ في ظل إرهاب الحكومات وبطشها..

الفكر السني نشأ في العلن آمنا..

والفكر الشيعي نشأ في السر خائفا..

من هنا فإن الفكر السني قام على أساس الاستسلام للواقع والتعايش معه. بينما الفكر الشيعي قام على أساس رفض الواقع ومقاومته..

وقد نتج عن هذا الوضع أن تبنى الفكر السني طاعة الحكام وتقديسهم..

وتبنى الفكر الشيعي رفض الحكام ولعنهم..

وتبنى الفكر السني الروايات التي جمعت طوال القرون الثلاثة الأولى وأقام على أساسها أطروحته.

ورفض الفكر الشيعي هذه الروايات لكونها صادرة عن جهات مشبوهة لا يثق بها..

وتبنى الفكر السني فكرة توثيق الراوي على أساس أخلاقي ينحصر في مفهومي الصدق والأمانة دون حساب لسلوكيات الراوي ومواقفه السياسية أو الاجتماعية أو الفكرية..

وتبنى الفكر الشيعي فكرة توثيق الراوي على أساس متكامل مع وضع سلوكياته ومواقفه في الحساب..

وعلى هذا الأساس قبل في الفكر السني رواة الحديث من الخوارج والنواصب والمشكوك في صحبتهم للرسول وأهل الأهواء والبدع.. (٣٣).

بينما اعتبر الفكر الشيعي موالاة الحكام ومعاداة آل البيت ومناصرة الفرق من المواقف التي توجب رفض رواية الراوي والقدح فيه..

(٣٣) أنظر كتب الرجال وسوف تجد من هذه النماذج الكثير. وانظر هدى الساري مقدمة شرح البخاري لابن حجر وفيها يدافع عن رواة البخاري المطعون فيهم..
١٩٣
وتبنى الفكر السني الكثير من الروايات المناقضة للقرآن والعقل على أساس أن رواتها عدول..

واعتبر الفكر الشيعي مطابقة الرواية للقرآن والعقل شرط صحتها..

وينحصر مصدر التلقي في الفكر السني في الصحابة والتابعين وتابعيهم..

بينما ينحصر مصدر التلقي في الفكر الشيعي في آل البيت..

ونتيجة لارتباط الفكر السني بالسياسة وخضوعه للأطروحة الأموية أغلق باب الاجتهاد في دائرته منذ قرون طويلة.

بينما ظل باب الاجتهاد مفتوحا في ظل الفكر الشيعي إلى يومنا هذا..

وأصبحت المؤسسة الدينية السنية رهينة الحكومات يرتبط مصيرها ومستقبلها بها..

بينما تحررت المؤسسة الدينية الشيعية من سلطة الحكومات وأصبح مصيرها وقرارها بيدها..

والفكر السني اعتمد على عائشة وابن عمر وأبي هريرة ومعاوية وابن العاص والمغيرة بن شعبة بالإضافة إلى الخلفاء الثلاثة ومن تحالفوا معهم مثل سعد بن أبي وقاص وطلحة والزبير وابن عوف بينما رفض الفكر الشيعي هؤلاء الرجال والتلقي منهم واعتمد على الإمام علي وذريته الأئمة الاثني عشر بالإضافة إلى الصحابة الذين تحالفوا مع آل البيت وساروا على خط الإمام علي مثل أبو ذر وعمار وسلمان وبلال وحذيفة والمقداد وغيرهم.. (٣٤).

وعلى مستوى التابعين وتابعيهم اعتمد الفكر السني على كل من سار وفق الخط الأموي والعباسي ممن عايشوا رموزه من الصحابة ومن لم يعايشوهم..

بينما رفض الفكر الشيعي اعتماد كل من خالف أهل البيت وتابع حكومات بني أمية وبني العباس من التابعين وتابعيهم..

ونتيجة لالتزام الفكر السني بالخط الأموي تبنى الكثير من الادعاءات والقضايا

(٣٤) أنظر فتح الباري شرح البخاري ج‍ ٧ /...
١٩٤
الوهمية التي تهدف إلى تشويه خط الإمام علي وإثارة الشبهات من حول شيعته..

وعلى رأس هذه الادعاءات والقضايا الوهمية:

تمجيد معاوية والبيت الأموي..

اعتماد أبو هريرة (٣٥) كراوي أساسي لأحاديث الرسول..

تبني فكرة السبأية وابن سبأ وإلصاقها بالشيعة..

ربط نشأة الشيعة والتشيع بالفرس..

تضخيم الرجال من الصحابة ورفع مكانتهم..

التقليل من شأن الإمام علي ومكانه..

التقليل من شأن شيعته من الصحابة..

إعلاء كتابي البخاري ومسلم وتقديسهما..

تبني فكرة عدالة الصحابة وتقديسهم..

تبني فكرة الترتيب الرباعي للخلفاء: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي..

تبني فكرة الاجماع واعتمادها كمصدر من مصادر التشريع..

التقليل من شأن آل البيت وأهميتهم..

أما تمجيد معاوية والبيت الأموي فأمر لا يقوم على أساس شرعي ولم تصح فيه رواية بشهادة فقهاء القوم والمحدثين وعلى رأسهم إسحاق بن راهويه أستاذ البخاري الذي قال: لم تصح في معاوية منقبة. وابن حجر في شرحه للبخاري.. (٣٦)

(٣٥) أنظر فتح الباري ج‍ ٧ باب ذكر معاوية.

(٣٦) اختلف الفقهاء، والمؤرخون في أبي هريرة واسمه أكثر من عشرين خلافا وأصح الأسماء التي مال إليها بعضهم هي عبد الرحمن بن صخر. وقد أسلم أبو هريرة يوم خيبر كما يروى فمن أين أتى بكل هذا العلم الذي رواه على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم) والذي فاق خمسة آلاف رواية وهو بهذا تفوق على خير الأمة أبي بكر وعلى عمر. وإذا كان هذا هو حال أبو هريرة وعلمه فلماذا لم يضعوه في مقدمة الأمة ويفضلوه على أبي بكر وعمر..؟ ويذكر أن أبا هريرة قد هوجم من عمر وعائشة وكثير من الصحابة بسبب إكثاره.

الرواية على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم).. أنظر تاريخ ابن عساكر وهدى الساري والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر والإستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر وأسد الغابة لابن الأثير..

١٩٥
ومسألة أبو هريرة من أوهام القوم ونتاجات السياسة إذ لا يعقل أن شخصا مثل هذا أسلم يوم خيبر ولا وزن له ولا تعرف هويته يروي هذا الكم الهائل من الروايات عن الرسول (صلى الله عليه وسلم).. (٣٧).

وقضية ابن سبأ قضية وهمية من اختراع بني أمية. فابن سبأ مشكوك في صحة وجوده تاريخيا والطبري هو الوحيد من بين المؤرخين الذي ذكره وروى عن أخباره والذين تناولوا ابن سبأ من المؤرخين مثل الذهبي وابن كثير وابن خلدون إنما أخذوا منه. وراوي أخبار ابن سبأ هو سيف بن عمر وهو راوي متهم بالكذب عند فقهاء القوم.. (٣٨).

أما قضية فارسية التشيع فالهدف منها التشكيك في هوية التشيع ونشأته بربطه بالفرس المجوس. وقد نسي مخترعو - هذه القضية أن الفرس الذين يتهمونهم بالتستر بدعوة التشيع لضرب الإسلام هم الذين نقلوا لهم الإسلام إلى بلاد الهند وآسيا وهم الذين دونوا العلوم الإسلامية وجمعوا الأحاديث النبوية التي يتعبد بها القوم حتى يومنا هذا.. (٣٨).

وإن اختراع قضية التضخيم لبعض الصحابة كان الهدف منها التغطية على الإمام علي والتمويه عليه والتقليل من شأنه وشأن أتباعه من الصحابة. كذلك كان الهدف منها التغطية على آل البيت والتقليل من شأنهم وإهمالهم. فما دام أفضل الأمة أبي بكر ثم عمر ثم عثمان فمعنى هذا أن الإمام علي وآل البيت ليسوا بهذا القدر والمكانة التي يصورها شيعتهم. وما دام هناك من هو أفضل منهم فسوف تتجه نحوه الأمة وتعتبره، مصدر التلقي والقدوة..

وما دامت الأمة قد اتجهت نحو أبي بكر وعمر وعثمان فسوف تتجه تلقائيا نحو

(٣٧) أنظر ترجمة سيف ابن عمر في كتب الرجال. وانظر عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى للسيد مرتضى العسكري ط بيروت. و عبد الله بن سبأ دراسة تأريخية سلسلة حوليات كلية الآداب جامعة الكويت. ولا تجد ذكرا لابن سبأ في تأريخ المسعودي أو الكامل لابن الأثير أو الفتوح لابن الأعثم..

(٣٨) أشهر فقهاء السنة وجامعي الأحاديث التي يتعبد بها القوم هم من الفرس مثل أبو حنيفة والغزالي والجويني والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة والنسائي وغيرهم..

أنظر تراجم هؤلاء وغيرهم في وفيات الأعيان لابن خلكان. وسير أعلام النبلاء للذهبي والأعلام للزركلي وانظر لنا كتاب مصر وإيران.. والأولى أن يقال فارسية التسنن

١٩٦
بني أمية وخطهم الذي يعد امتداد لخط الخلفاء الثلاثة وهذا هو الهدف من وراء عملية التضخيم.. (٣٩).

ولقد وجهت السياسة الفقهاء نحو اعتبار البخاري أصح الكتب بعد كتاب الله يليه مسلم ثم إن بقية كتب السنن الأخرى محل أخذ ورد وقبول ورفض.

وحسب قواعد علم الحديث وشهادة فقهاء القوم ينطبق على البخاري ومسلم حال الكتب الأخرى. وسر التركيز على هذين الكتابين يكمن في كونهما يحويان الكثير من الروايات التي تقلل من شأن الإمام علي وتحط من قدره ولا تروي شيئا لآل البيت.

أما فكرة عدالة الصحابة فهي قمة الوهم إذ تهدف هذه الفكرة إلى إضفاء القداسة والتقوى والمثالية الفائقة على جميع الصحابة وبالتالي يدخل معاوية وشيعته في دائرة العدالة بصفتهم من الصحابة. وقد انبنى على مفهوم العدالة مفهوم التوقف في الصحابي وعدم الخوض فيه أو سبه أو التقليل من شأنه. وعلى أساس هذه الفكر يمكن تمرير الإسلام الأموي لكون مؤسسيه من الصحابة (٤٠).

ومسألة العدالة هذه تضفي صفة الملائكية على مجتمع الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو ما لا يستقيم مع النصوص القرآنية وحتى النبوية التي تكشف وجود منافقين حول الرسول. كما لا يستقيم مع العقل أيضا..

وقد اعتمد فقهاء القوم على فكرة العدالة وبنوا على أساسها علم الحديث والرواية وقبلوا تجريح سلسة رواة الحديث عدا الصحابي باعتبار أن من ثبتت صحبته ثبتت عدالته.. (٤١)

(٣٩) أنظر فضائل الصحابة في كتب السنن. وانظر لنا باب تضخيم الرجال في كتاب الخدعة وتبدو الروايات التي تساند الإمام علي وتدعم آل البيت في كتب السنن الأخرى مثل النسائي ومسند أحمد والترمذي والطبراني وغيرهم. وقد شكك فقهاء القوم في هذه الكتب وأجازوا رفض ما بها من الروايات لكونها ضعيفة أو موضوعة بينما استثنوا البخاري ومسلم من هذه القاعدة..

(٤٠) جميع الصحابة عدول عند السنة الذي عاش عمره مع الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهاجر وقاتل معه والذي لم يره سوى دقيقة واحدة أو ولد في عصره. ومن الواضح أن لهذه الفكرة دلالات سياسية..

(٤١) أنظر كتب علم الرجال عند أهل السنة مثل تدريب الراوي ومقدمة ابن الصلاح والعلل ومعرفة الرجال والجرح والتعديل..

١٩٧
وتأتي فكرة الترتيب الرباعي لتكشف لنا مدى تدخل السياسة وانعاكسها على الفكر السني فهذا الترتيب لا يوجد له سند شرعي من كتاب أو سنة صحيحة والهدف منه إلزام الأمة بخط الخلفاء الذي يرتكز عليه الخط الأموي.. (٤٢).

أما الاجماع فهو السند الأساسي الذي يرتكز عليه الفكر السني لسد النقص في الأدلة والنصوص التي تدعم مفاهيمهم وعقائدهم. فإن فكرة تضخيم الصحابة ومعاوية خاصة وفكرة العدالة وفكرة السبأية واعتبار البخاري ومسلم أصح الكتب وفكرة الترتيب الرباعي كل هذه الأفكار سندها الوحيد هو الاجماع. بالإضافة إلى أن جميع الروايات التي تقلل من شأن الإمام علي وآل البيت والصحابة الذين تشيعوا لهم هي محل إجماع القوم.. (٤٣).

والفكر الشيعي لا يعتمد شيئا من هذه الأوهام لكونه يعتبر العقل أحد مصادر التشريع بعد الكتاب والسنة وهو أن ركز على الإمام علي وآل البيت ورفع من مكانتهم وشأنهم فهو لا يبتدع هذا الموقف إلا على أساس نصوص الكتاب والسنة الصحيحة لا على أساس الروايات المختلقة والإجماع الكاذب كما هو حال الفكر السني.

إن الفكر الشيعي إنما يقوم على أساس النص. بينما الفكر السني يقوم على أساس أقوال الرجال وهذا الفرق الجوهري بين الفكرين إنما يعكس مدى ارتباط الفكر الشيعي بالإسلام النبوي ومدى ارتباط الفكر السني بالسياسة والحكام..

التيارات الإسلامية

تبنت التيارات الإسلامية الأطروحة السنية كما هي ودخلت بها في صراع مع

(٤٢) أنظر هذا الترتيب في كتب العقائد.

(٤٣) هناك الكثير من الروايات التي تطعن في الإمام علي وتقلل من شأن آل البيت في البخاري ومسلم وكتب السنن الأخرى ومن هذه الروايات رواية خطبة الإمام علي بنت أبي جهل على فاطمة وغضب الرسول منه. ورواية ترك الإمام صلاة الليل ورفضه أمر الرسول له بتأديتها. ومنها رواية جهل الإمام بحكم المذي.

وجميع الروايات التي تضخم من أبي بكر وعائشة وعمر وعثمان الهدف منها ضرب آل البيت والتقليل من شأنهم. أنظر البخاري ومسلم وكتب السنن.. وانظر لنا كتاب الخدعة..

١٩٨
الواقع فكانت النتيجة أن أخفقت في تحقيق أهدافها وإقامة الدولة الإسلامية المنشودة..

تبنت التيارات الإسلامية أطروحة حكومية دون أن تدري ودخلت بها في صراع مع الحكومات فكانت النتيجة أن تخلخل بناءها الفكري وتصدت لها المؤسسة الدينية الرسمية لتواجهها بنفس الأطروحة وتعرقل مسيرتها..

لقد سقطت التيارات الإسلامية ضحية الإسلام الأموي بعد أن غاب عنها الإسلام النبوي وضلت عن سبيله.

والإسلام الأموي لم يعطها سوى الجمود والفرقة الشتات..

الإسلام الأموي جعلها لقمة سائغة للحكومات وأفقدها ثقة الجماهير وعزلها عن الواقع.. ثم تلقفت التيارات الإسلامية إسلام الخوارج من السعودية في الحقبة النفطية المعاصرة فكانت النتيجة أن ازدادت تخلفا عن الواقع.

وتبدو لنا أزمة التيارات الإسلامية المعاصرة في النظرية التي تتبناها في مواجهة الواقع وصورة الدولة التي تنشد إقامتها..

ومن خلال النظرية وصورة الدولة تبرز لنا انعكاسات الإسلام الأموي وإسلام الخوارج على هذه التيارات التي تشبعت بهذين الإسلامين والتصقت بهما.

فقد تبنت هذه التيارات عقائد ومفاهيم السلف مجملة كما تبنت نتاجات الفقهاء..

وتبنت الروايات الواردة عن طريقهم..

وتبنت تقديس الصحابة والسلف وعدم الخوض فيهم..

وتبنت شكل الدولة الإسلامية السلفية..

وتبنت فكرة الصلاة وراء كل بر وفاجر..

وتبنت فكرة الفرقة الناجية والاستعلاء على المخالفين..

١٩٩
وتبنت خط الخلفاء الثلاثة وخط الملوك من بعده..

وتبنت فكرة مساواة معاوية بالإمام علي..

وتبنت منهج التبرير والتأويل..

وتبنت اجتهادات فقهاء السلف ومواقفهم..

وتبنت فكرة الرفض لكل ما هو مخالف..

ولقد كان نتيجة تبنيها هذه الأفكار أن أصبحت هناك فجوة كبيرة بين نظريتها وبين الواقع حالت بينها وبين التفاعل معه وكسبه إلى صفها..

كان تبني التيارات الإسلامية الفكر السني قد أدى إلى إخفاقها أمام الواقع وافتقادها القدرة على مواجهته..

فالفكر الذي يساند الحكام ويبرر جرائمهم كيف يمكن أن تبنى عليه نظرية مواجهة معهم..؟

والفكر الذي يستعلي على الواقع والجماهير كيف يمكن أن يحقق الاستقرار والتقدم للدعوة..؟

والفكر الذي يعيش على عقل الماضي كيف يمكن أن يواجه الحاضر..؟

والفكر الذي يتبنى شكل الحكم القبلي والأموي والعباسي كيف يمكن أن يتجاوب معه الواقع..؟

والفكر الذي يقوم على روايات مختلقة ومناقضة للقرآن والعقل كيف يمكن أن يتحقق له الثبات والصمود في وجه الأحداث والمتغيرات..؟

ولقد ازداد الموقف تعقيدا حين تبنت التيارات الإسلامية الأطروحة الوهابية الحنبلية التي تعد امتدادا لإسلام الخوارج بعد سقوطها في قبضة الأخطبوط السعودي..

وازدادت حدة الأزمة الفكرية والحركية التي تعيشها هذه التيارات في مواجهة

٢٠٠