×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السيف والسياسة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الناس في إمارته. فقام رسول الله فقال: إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل. وأيم الله إن كان لخليقا بالإمارة وإن كان لمن أحب الناس إلي. وإن هذا - أسامة - لمن أحب الناس إلي بعده.. (٢٢).

والرواية الثانية تجلى لنا الموقف بصورة أكثر وضوحا وهو أن هناك طعنا في أسامة ورفضا لإمارته. وإن هذا الموقف كان قد اتخذ مسبقا من إمارة أبيه في غزوة مؤتة التي استشهد فيها..

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: أليس الطعن في إمارة أسامة يعد طعنا في أمر الرسول الذي عينه..؟

وهل هذا الموقف كان يتركز في أسامة بشخصه أم في أهداف البعثة؟ إن الأمر على ما يبدو يتجاوز المسألة الشخصية ويشير إلى أن هناك قضية أخرى أكبر من أسامة ومن بعثته..

وكعادة الروايات التي تروى في كتب السنن خاصة الصحيحين وتتعلق بمواقف الصحابة وتجاوزاتهم. فإنها تكون مبتورة المعنى أو لا تسمي الشخص أو لا تفصل الحدث..

والهدف من وراء ذلك هو محاولة التمويه على الحقيقة وعدم إثارة الشبهات حول شخصيات معينة حتى لا تهتز في أعين المسلمين.. وهو أمر يعود أولا وأخيرا إلى أمانة الراوي.

أنظر حديث عائشة: خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في مرضه وهو مستند على رجلين أحدهما العباس ورجل آخر. وكان الرجل الآخر الذي لم تسمه عائشة هو علي.. (٢٣).

وانظر حديث أبو هريرة: حفظت وعاءين عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وعاء بثثته. أما الآخر فلو بثثته لقطع هذا الحلقوم.. (٢٤).

(٢٢) البخاري باب بعث أسامة.

(٢٣) البخاري. كتاب المغازي. باب مرض النبي ووفاته. وانظر مسلم..

(٢٤) البخاري. كتاب العلم..

٢١
وانظر حديث ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس: اشتد برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعه. فقال ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع. فقالوا ما شأنه أهجر. فذهبوا يردون عليه. فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه وأوصاهم بثلاث. قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها..

فالبخاري هنا لم يخبرنا من الذي قال عن الرسول: ما شأنه أهجر. وهي طعن في الرسول واتهامه بالتخريف والهلوسة.. ثم أنه لم يخبرنا عن الثالثة هل سكت عنها ابن عباس أم سكت عنها هو، وهو على ما يبدو من الرواية متأرجح بين أن يكون ابن عباس سكت عنها أو نسيها هو. كما فاته أن يذكر أن الذي طعن في الرسول وهو على فراش المرض هو عمر بن الخطاب..

ومثل هذا الأمر ينطبق على الروايات المتعلقة بجيش أسامة فقد ذكرت رواية البخاري: استعمل النبي أسامة فقالوا فيه..

وفي الرواية الثانية فطعن الناس في إمارته..

ولم يخبرنا البخاري من الذين قالوا في أسامة ومن الذين طعنوا في إمارته من الصحابة..؟ إن مثل هذا الأمر يطابق النهي عن الخوض في خلافات الصحابة واعتبار ذلك من المحرمات ومن أصول العقيدة كما تنص على ذلك كتب العقائد.. (٢٥).

فكلا الأمرين الهدف منهما التغطية على أحداث التاريخ التي تتعلق بالصحابة حتى لا تهتز صورتهم في أعين المسلمين وتفقد الثقة فيهم وتكون النتيجة هي خروج المسلمين عن خط أهل السنة وخط الحكام على ما سوف نبين.

ومن المعروف أن جيش أسامة كان فيه كبار الصحابة وعلى رأسهم أبي بكر وعمر عدا الإمام علي الذي أبقاه الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى جواره..

(٢٥) أنظر العقيدة الطحاوية والواسطية والعواصم من القواصم وانظر لنا عقائد السنة وعقايد الشيعة باب الرجال:.
٢٢
وهنا تتضح لنا معالم جديدة حول هذا الحدث.

ماذا كان يهدف الرسول من وراء تأمير فتى كأسامة على أبي بكر وعمر وكبار الصحابة ثم يصر على ضرورة خروجهم من المدينة في أسرع وقت. وهو الذي على فراش الموت. ومن الممكن أن يتوفاه الله في أية لحظة فلا يكون إلى جواره في المدينة أحد من الصحابة لعل هذا الأمر أثار الريب في نفوس الصحابة وجعلهم يتلكأون في الخروج محتجين بصغر سن أسامة.

ولعل جواب الرسول (صلى الله عليه وسلم): أن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل يشير إلى شكه في موقفهم مذكرا لهم أن هذا الموقف اتخذتموه من قبل من أبيه زيد ولم يكن زيد صغير السن..؟

إذن هؤلاء القوم كانوا يضمرون في نفوسهم أمرا ويتحججون بحجج واهية كي لا يخرجوا من المدينة. ولكن لماذا يريدون البقاء في المدينة..؟

إن الجواب على هذا السؤال تكشفه لنا الرواية التي ذكرناها آنفا وهي رواية يوم الخميس حين طلب الرسول (صلى الله عليه وسلم) أن يكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده. فهاجوا وماجوا وطعن بعضهم في الرسول حتى يفوتوا عليه كتابة هذا الكتاب. فهذا الحدث قد كشف لهذه الطائفة التي يتزعمها عمر على ما يبدو وعلى ما سوف نبين أن الرسول يضمر شيئا يتعلق بالأمر من بعده. فمن ثم هم لا يريدون أن يفوتهم هذا الأمر.

ومما يؤكد هذا الظن أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد كرر هذا الموقف في غزوة تبوك مع الإمام علي وصرح أمام الصحابة بمقالة فيه أثارت الريب في نفوسهم..

يروي البخاري أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) خرج إلى تبوك واستخلف عليا. فقال:

أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنه ليس نبي بعدي.. (٢٦)

(٢٦) البخاري. كتاب فضائل الصحابة. باب مناقب علي.
٢٣
ولعل الصحابة تذكروا هذا النص حين أمرهم بالخروج في بعث أسامة وأدركوا أن الأمر يحمل أبعادا أخرى تتعدى مسألة الخروج خاصة بعد أن رأوا الرسول قد استبقى عليا مع إصراره على خروجهم من المدينة.

إن بعث أسامة يكشف أمامنا قضية هامة وهي قضية التفضيل. تفضيل الصحابة على بعضهم. وتفضيل أبي بكر وعمر على الصحابة بل على الأمة. فإن هذا التفضيل لو كان حقيقة ما جعل رسول الله أسامة أميرا على أبي بكر وعمر وما استبقى عليا.. كما يكشف لنا من جهة أخرى أنه لو كان الرسول قد نص على استخلاف أبي بكر كما يقال ما وضعه على مقدمة الجيش بينما هو على فراش المرض الذي توفي فيه (*).

يقول ابن حجر: كان تجهيز أسامة قبل موت الرسول بيومين فندب الناس لغزو الروم في آخر صفر. ودعا أسامة فقال؟ سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش.. فعقد الرسول لأسامة لواء بيده. وكان ممن انتدب مع أسامة كبار المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وأبي عبيدة وسعد وسعيد وقتادة بن النعمان وسلمة بن أسلم ثم اشتد على الرسول وجعه: فقال انفذوا بعث أسامة. فتكلم في ذلك قوم منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي. فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف.. (٢٧).

وقد أنكر ابن تيمية أن يكون أبو بكر وعمر كانا في بعث أسامة. لكن ابن حجر رد عليه وأورد عدد من الروايات التي تبطل قوله.. (٢٨).

وهنا يطرح أمامنا السؤال التالي: لماذا يحاول ابن تيمية نفي وجود أبو بكر وعمر في بعث أسامة..؟.

أليس وجودهما يعد امتثالا لأمر الرسول وهو شرف لهما..؟.

(*) ليست هذه المرة الأولى التي وضع فيها أبو بكر وعمر في هذا الموضع فقد سبق أن وضعهما الرسول صلى الله عليه وسلم تحت إمرة عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل. أنظر البخاري. باب مناقب أبو بكر وشرح الرواية فن فتح الباري ج‍ ٧.

(٢٧) فتح الباري ح‍ ٨ / ١٥٢ كتاب المغازي باب ٨٧.

(٢٨) المرجع السابق.

٢٤
لماذا يحاول ابن تيمية أن ينفي عنهما شرف الامتثال لطاعة الرسول والجهاد في سبيل الله؟.

إن ابن تيمية قد اتخذ هذا الموقف في معرض رده على العلامة الحلي أبرز علماء الشيعة المعاصرين له. وقد اضطر في مواجهته إلى التشكيك في حديث الثقلين المروي في صحيح مسلم وهو ما دأب ابن تيمية على فعله في مواجهة خصومه من العلماء داخل أهل السنة وخارجها خاصة من الشيعة.. (٢٩).

والطريف في هذا الأمر هو تجهيز أبو بكر للجيش بعد وفاة الرسول وبعثه إلى الروم.. يقول ابن حجر: ولما جهزه أبو بكر بعد أن استخلف سأله - أي أسامة - أن يأذن لعمر بالإقامة - في المدينة - فأذن.. تأمل.. (٣٠).

لماذا عمل أبو بكر على استثناء عمر من جيش أسامة..؟

لقد جهز أبو بكر الجيش امتثالا لأمر الرسول حيث أنه قد رفع شعارا مفاده إنما أنا متبع وليست بمبتدع.. وعمد إلى تقليد الرسول في كل مواقفه وممارساته.. فإذا كان هو كذلك فلماذا عمل على استثناء عمر. أليس ذلك مخالفة لسنة الرسول وأمره. وهو قد استثنى نفسه بحكم تسلمه الخلافة فبأي حجة استثنى عمر..؟

هل يمكن أن نتهم أبو بكر بالسطحية في فهم النصوص إذ أن الغرض من بعث أسامة قد انتفى بوفاة الرسول واستخلافه. بينما هو يصر على خروجه ويستثني منه عمر. أم أن أبا بكر يحاول أن يموه على الهدف الحقيقي من بعثة أسامة؟

ولنترك القوم مع جيش أسامة على أبواب المدينة ينتظرون ويراقبون من بعد تطورات مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهم بموقفهم هذا قد تحايلوا على أمر الرسول: فلا هم نفذوا أمره ولا هم ظاهرون أمامه. وبدا وكأنهم يوهمون الرسول أنهم خرجوا..

هل مثل هذا السلوك يصح من أناس تخرجوا من مدرسة الرسول..؟

(٢٩) أنظر منهاج السنة وهو رد على كتاب العلامة الحلي منهاج الكرامة في إثبات الولاية لآل البيت.. ط بيروت.

(٣٠) فتح الباري ح‍ ٨ / باب ٨٧ كتاب المغازي..

٢٥

بين المرض والوفاة

روى البخاري عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس.. وما يوم الخميس؟

اشتد برسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعه: فقال: إئتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا. فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع: فقالوا ما شأنه أهجر استفهموه. فذهبوا يردون عليه. فقال دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعوني إليه. وأوصاهم بثلاث.

قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب. وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم.

وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها..

وفي رواية: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وفي البيت رجال: فقال النبي هلموا أكتب لم كتابا لا تضلوا بعده. فقال بعضهم أن رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا. فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. ومنهم من يقول غير ذلك. فلما أكثروا اللغو والاختلاف. قال رسول الله: قوموا.

قال ابن عباس: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.. (٣١).

وفي رواية ثالثة عن ابن عباس: لما اشتد بالنبي وجعه قال: إئتوني بكتاب أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. قال عمر: إن النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا.

فاختلفوا وكثر اللغط. قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع. فخرج ابن عباس يقول: أن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه.. (٣٢).

قال القرطبي وغيره ائتوني أمر وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال. لكن ظهر لعمر مع طائفة أنه ليس على الوجوب وأنه من باب الارشاد إلى الأصلح فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قول الله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شئ) وقوله: (تبيانا لكل شئ)..

(٣١) البخاري كتاب العلم وانظر كتاب المرضى. وانظر مسلم كتاب الوصية ومسند أحمد ح‍ ١ / ٣٥٥.

(٣٢) المراجع السابقة.

٢٦
وقال الخطابي: إنما ذهب عمر إلى أنة لو نص بما يزيل الخلاف لبطلت فضيلة العلماء وعدم الاجتهاد..

وقال ابن الجوزي.. وإنما خاف عمر أن يكون ما يكتبه في حالة غلبة المرض فيجد بذلك المنافقون سبيلا إلى الطعن في ذلك المكتوب..

ويقول ابن حجر معلقا على قول ابن عباس: إن الرزية كل الزرية ما حال بين رسول الله وبين كتابه.. وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر. بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يحدث بهذا الحديث. وجزم ابن تيمية في الرد على الرافضي - الحلي - بما قلته.، إنما تعين حمله على غبر الظاهر لأن عبيد الله بن عباس راوي الحديث تابعي من الطبقة الثانية لم يدرك القصة في وقتها لأنه ولد بعد النبي بمدة طويلة ثم سمعها من ابن عباس بعد ذلك بمدة أخرى.. (٣٣).

وروت عائشة أن الرسول في حال احتضاره كان يقول: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٣٤).

ويروى أن الناس قد ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا. فقالت: متى أوصى إليه فقد كانت مسندته إلى صدري (أو قالت حجري) فدعا بالطست.. فلقد انخنث في حجري وما شعرت أنه مات. فمتى أوصى إليه..؟ (٣٥).

وروي عن عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده. فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث على نفسه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي عنه..

وقد أذن له في أن يمرض في بيت عائشة من قبل نسائه لما يعلمن محبته لها وارتياحه إليها.. (٣٦)

(٣٣) أنظر فتح الباري ج‍ ١٣ / ٣٣٦ و ح ٨ / ١٣٢ وما بعدها وقول ابن حجر هذا يفتح باب الشك في طرق الرواية عند أهل السنة.

(٣٤) البخاري ومسلم.

(٣٥) البخاري ومسلم.

(٣٦) البخاري. كتاب المغازي. باب مرض النبي ووفاته.. وانظر مسلم.

٢٧
وفي بيت عائشة اشتد به الوجع. وكان يقول: أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لعلي أعهد إلى الناس. ثم خرج عاصبا رأسه بعد أن صب عليه الماء فجلس على المنبر ثم قال: أيها الناس إن آمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر.

ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ولكن إخوة الإسلام. لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر. وإني فرط لكم. وأنا شهيد عليكم. وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن. وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض. وإني والله ما أخاف أن تشركوا من بعدي ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها.. (٣٧).

ويروى عن عائشة قالت: قال لي رسول الله في مرضه أدعي لي أبا بكر أباك وأخاك. حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر.. (٣٨).

ولما حال المرض بين رسول الله وبين الخروج قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس. فقالت عائشة: يا رسول الله: إن أبا بكر رجل أسيف (رقيق) وأنه إذا قام مقامك لم يكد يسمع الناس. فقال: أنكم صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس.. (٣٩).

ويروى عن عائشة أنها قالت: ورأساه: فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ذلك لو كان وأنا حي وأستغفر لك وأدعو لك. فقال عائشة، واثكلتاه والله إني لأظنك تحب موتى ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك..

فقال النبي: بل أنا وارأساه. لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون. ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون أو يدفع الله ويأبى المؤمنون.. (٤٠).

وإذا ما قمنا بمناقشة هذه النصوص المتعلقة بمرض الرسول ووفاته فسوف تتكشف

(٣٧) البخاري. كتاب المغازي. باب مرض النبي. وكتاب فضائل الصحابة. باب فضل أبي بكر.

(٣٨) مسلم. كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر. وانظر البخاري كتاب الأحكام باب الاستخلاف..

(٣٩) مسلم كتاب الصلاة. باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر..

(٤٠) البخاري. كتاب الأحكام. باب الاستخلاف..

٢٨
كتاب السيف والسياسة للكاتب صالح الورداني (ص ٢٩ - ص ٥٣)
٢٩
أغلقوا الباب في وجه السياسة إلى الأبد. فقد استثمرت السياسة مواقف الصحابة أفضل استثمار. واشتقت من أحداث السقيفة ومواقف عمر وعثمان ما بنيت على أساسه قواعد العلاقة بين الحاكم والمحكوم.. (٤٥).

إلا أن هذا الاستدلال الذي بناه ابن حجر على الآية يعد من فلتاته. فقد تابع أهل السنة في مواقفهم التي تبرر أفعال الصحابة وممارستهم على أساس السياسة وعلى أساس كونهم عدول مجتهدون.. (٤٦).

والحق أن موقف عمر كان رزية كبيرة تسببت في تعويق مسيرة الإسلام وضياع الأمة وشتاتها بين الحكام والفقهاء وأهل الأهواء.. وهو فعل يضاف إلى سيئات الرجل وليس محمدة له كما يحاول فقهاء التبرير تصوير ذلك.

والعقل لا يقبل أن يحمل مثل هذا السلوك من قبل عمر على محمل الخير. أي خير في معارضة نبي؟ وإذا اعتبرناه مجتهدا فهل يحق له الاجتهاد على أمر رسول الله..؟

وقول عمر حسبنا كتاب الله قول مغرض. فهو لم يكن من الحافظين لكتاب الله المسلمين بأحكامه وإن كان مخترعو الأحاديث وفقهاء التبرير قد حاولوا أن يضفوا عليه صفة الفقيه المجتهد ويدل على ذلك موقفه بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) حين ادعى عدم موته وهدد القائلين بموته وهو موقف لا ينم عن علمه بطبيعة الرسالة ودور الرسول. ولم يتخذ هذا الموقف أحد سواه حتى جاء أبو بكر ففقهه بالآية.

فقال كأني أسمعها أول مرة.. (٤٧).

إن موقف عمر ومن حالفه إنما يشير إلى أن هناك جبهة من الصحابة كانت ضد كتابة الوصية وموقف هذه الجبهة إنما ينبع من يقينها أن هذه الوصية ليست في صالحها. إذ لا يعقل أن ترفض أمة وصية نبيها في احتضاره وهي تعلم أنه خاتم الرسل. فإن عدم وجود رسل من بعده يجعل الحاجة لهذه الوصية أشد وأكثر مصيرية.

(٤٥) سوف نبين الأمر في الفصول القادمة..

(٤٦) أنظر العواصم وكتب العقائد. ويعتبر أهل السنة عدالة الصحابة من العقائد..

(٤٧) أنظر المحطة الثالثة

٣٠
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا استجاب الرسول لعدم الكتابة وطرد الجميع.. وكان من الأولى له كرسول خاتم أن يصر على كتابها لكونها مسألة مصيرية تتعلق بمستقبل الإسلام والمسلمين..؟

إن الجبهة المعارضة لكتابة الوصية كانت تعلم بموقفها هذا أنها لن تحول بين الرسول وبين الوصية. فهي لن تستطع بحال أن تمنع الرسول من أداء مهمته لكونه مؤيد من قبل الله تعالى ومن مهمته أن يوصي أمته حال وفاته. فالوصية جزء من البلاغ الذي هو أساس مهمته والذي بعث من أجله..

لكن هناك فرق بين أن يكتب الرسول الوصية وبين أن يبلغها شفاهية. عندما يكتبها تكون حجة على المخالفين إلى يوم الدين ويصبح من العسير تحريفها..

وعندما تكون شفاهية فهنا يكون الباب مفتوحا للتأويل والتزييف. فإن تحريف القول أيسر من تحريف الكتاب..

وهذا هو هدف جبهة عمر أن تحول دون كتابة الوصية وليس منعها وهو ما حدث

دور عائشة

ويلاحظ أن معظم الروايات الخاصة باحتضار الرسول ووفاته إن لم نقل جميعها تروى على لسان عائشة. ومثل هذا الأمر يثير في النفس تساؤلات عديدة.. أولها:

لماذا اختصت عائشة بهذه الروايات دون غيرها من نساء النبي..؟ والإجابة على هذا التساؤل تدفعنا إلى مناقشة حقيقتين تتعلقان بعائشة.

الأولى: تتعلق بفضائلها وموقعها من الرسول صلى الله عليه وسلم..

والثانية: تتعلق بموقفها من الإمام علي..

فبخصوص فضائلها فهي كما يرويها البخاري ومسلم وغيرهما تنقل على لسانها.

أي ترويها هي عن نفسها كحال أبي هريرة الذي روى جميع فضائله عن نفسه.

وهو أمر مرفوض عقلا إذ أن الفضائل من المفروض أن يرويها عنها غيرها حتى تكون مقبولة عقلا بينما يلاحظ أن فضائل الإمام علي يرويها عنه كثير من الصحابة ولم يروها هو عن نفسه.

٣١
والمتأمل في الأحاديث التي تختص بفضائل عائشة يجد أن هذه الأحاديث لا تشير إلى فضيلة بل ربما أشارت إلى العكس من ذلك.

لنتأمل على وجه المثال الأحاديث التي تروى على لسانها عن غيرتها من خديجة ومن نسوة الرسول عموما..

روى مسلم عن عائشة أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ذكر خديجة فغرت فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها. إلى هنا تنتهي رواية مسلم. إلا أن هناك رواية أخرى رد فيها الرسول عليها قائلا: لا والله ما أبدلني الله خيرا منها.

وروت عائشة: ما غرت للنبي على امرأة من نسائه ما غرت على خديجة لكثرة ذكره إياها وما رأيتها قط.. (٤٨).

وفي هذا رد كاف على عائشة وكون خديجة أفضل منها. وماذا يمكن أن تكون قد قدمت عائشة للدعوة من بذل وعطاء حتى تفضل خديجة؟ أنها لم تقدم شئ سوى كم كبير من الأحاديث التي خدمت الخط الأموي ونصرته على آل البيت.

وتأمل قول فقهاء التبرير في الرواية المذكورة..

ينقل النووي شارح مسلم قولهم: الغيرة مسامح للنساء فيها لا عقوبة عليهن فيها لما جبلن عليه من ذلك ولهذا لم يزجر - أي الرسول - عائشة عنها.. (٤٩).

وقال القاضي: وعندي أن ذلك جرى من عائشة لصغر سنها وأول شبيبتها ولعلها لم تكن بلغت حينئذ.. (٥٠).

فإذا كان القوم يبررون تجاوزات عائشة مع الرسول بصغر سنها فبماذا يبررون مواقفها الأخرى. وهل صغر سنها يبرر لها أن تتجاوز حدودها مع الرسول؟.

(٤٨) مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل خديجة..

(٤٩) أنظر شرح صحيح مسلم باب فضائل عائشة..

(٥٠) المرجع السابق.

٣٢
وتأمل الرواية التي تقول إن عائشة إذا كانت راضية عن الرسول تقول ورب محمد وإذا كانت غاضبة عليه تقول ورب إبراهيم أي أنها إذا أغضبت من الرسول كانت لا تذكر اسمه.. (٥١).

هل هذا سلوك يليق بامرأة نبي..؟.

وكيف لها أن لا ترضى عن رسول الله..؟.

وما هو حكم من لا يرضى عن رسول الله في فقه القوم..؟.

إن مثل هذا السلوك لا يكون إلا من امرأة غير راشدة تلهو في حجر رسول الله أو كما تقول الروايات تلعب بالبنات عند الرسول.. (٥٢).

ويروي مسلم عن عائشة أن نسوة النبي أو فدن إليه فاطمة (ع) وهو مضطجع معها تسأله على لسانهن العدل في ابنة أبي قحافة. فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم): أي بنية ألست تحبين ما أحب؟ فقالت: بلى. قال: فأحبي هذه (عائشة)..

فأرسل نسوة النبي بعد ذلك زينب بن جحش فسألت الرسول العدل في ابنة أبي قحافة. ثم وقعت في عائشة واستطالت عليها والرسول ساكت. وهنا هجمت عائشة على زينب وحسبما تقول الرواية على لسان عائشة: فلما وقعت بها لم أنشبها حتى أنحيت عليها. وفي رواية أخرى: فلما وقعت بها لم أنشبها أن أثخنتها غلبة.. (٥٣)

(٥١) مسلم باب فضائل عائشة.

(٥٢) يروي مسلم عن عائشة: كنت ألعب بالبنات في بيته - بيت الرسول - وكانت تأتيني صواحبي فكن ينقمعن من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكان رسول يسربهن إلي..

تأمل. هل كان الرسول متفرغا لرعاية عائشة في طفولتها واللعب معها..؟

وهل طغى شوق الرسول إليها فدفعه إلى الزواج بها في هذا السن الصغيرة وفي طبقات ابن سعد ح‍ ٨ / ٥٨ ما يفيد أن رسول الله تزوج عائشة وكانت ثيبا يروي ابن سعد: خطب رسول الله عائشة فقال أبو بكر: يا رسول الله إني كنت قد أعطيتها مطعما لابنة جبير فدعني حتى أستلها منهم فاستلها منهم فطلقها فتزوجها رسول الله..

(٥٣) مسلم فضائل عائشة.

٣٣
والمتأمل في هذه الرواية يتبين له كم هي تحط من قدر الرسول وتظهره بمظهر الرجل المنشغل بنسائه المتعلق بهن المشغول بمشاكلهن الشغوف بابنة أبي بكر بحيث لا يفارق خدرها ولا يمل جوارها..

وكيف يطالب الرسول بالعدل وهو الذي بعث لتحقيقه بين الناس..؟

وإذا كان الرسول عاجز عن تحقيق العدل بين نسائه وقد قرب عائشة على حسابهن أليس من الأولى أن يكون عاجزا عن تحقيق العدل بين الناس..؟

إن هذا الصدام بين امرأتين من نساء الرسول على مشهد منه بينما هو يواجهه بالتبسم قائلا لزينب: إنها ابنة أبي بكر. ليدل على تهاون من قبل الرسول وإصرار منه على تقديم عائشة وظلم بقية نساءه. وكيف لنا أن ننسب إلى الرسول هذا اللهم لا تؤاخذنا. لكنها روايات القوم..

ولنتأمل رواية ثالثة على لسان عائشة تكشف لنا مدى انشغال الرسول بها حتى وهو مع نساءه في ليلتهن: تقول الرواية: إن كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليتفقد - نساءه - يقول أين أنا اليوم؟ أين أنا غدا.؟ - استبطاء ليوم عائشة -.. (٥٤).

إن الرسول بهذه الصورة التي تصورها لنا هذه الرواية ليس إلا مجرد عاشق ولهان ليس على لسانه سوى عائشة كما ليس في قلبه سواها. وما علاقته بنساءه الآخريات سوى علاقة فاترة لا نشوة لها ولا أثر. فإن النشوة والأثر لا يكون إلا مع عائشة فهل يرتضي مسلم أن يكون رسوله بهذه الصورة الفاضحة..؟.

ثم إن هذه الرواية كما تؤكد عائشة كانت قبل وفاة الرسول بساعات قليلة أي أن عمر الرسول وقتها قد جاور الستين ببضع سنين بينما هي لم تتجاوز الثمانية عشر عاما. فهل يعقل أن شيخا في مثل هذا السن يكون متعلقا بالنساء إلى هذا الحد..؟

تقول عائشة استكمالا للرواية السابقة: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري.. أي أن الرسول بعد أن أفلت من نساءه وظفر بعائشة توفاه الله دون أن يقضي وطره منها. أي أن الرسول مات في حضن عائشة..

(٥٤) مسلم والبخاري
٣٤
هل يمكن أن يحتمل العقل والوجدان المسلم مثل هذه الوقاحة في حق نبيه..؟

ويروي البخاري نفس الرواية السابقة بشئ أكثر فجاجة وتعرية للرسول أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول أين أنا غدا..؟

حرصا على بيت عائشة. قالت عائشة: فلما كان يومي سكن (٥٥).

وهذه الرواية كأنها تقول لنا أن الرسول رغم مرضه كان شغوفا بالجنس والطواف على نسائه اللواتي لم يشبعن شغفه حتى جاء إلى عائشة فتتحقق له السكن معها وهذا التفصيل الفاضح لم تكشفه رواية مسلم السابقة..

ويروي مسلم عن عائشة أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة يبتغون بذلك مرضاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم.. (٥٦).

وهذه الرواية تكشف لنا أن علاقة الرسول بنسائه كانت على الملأ. حتى أن الناس كانوا يعرفون يوم عائشة من بين الأيام الأخرى التي يطوف فيها على نسائه وهذا يعني أن حركة الرسول بين نسائه كانت تحت رقابة الناس انتظارا ليوم عائشة فيهرعون نحوها بهداياهم تقربا للرسول..

إن هذا الحديث يشير إلى دلالة خطيرة وهي أن الطريق إلى رضا الرسول يكون بواسطة عائشة. وهذا يعني أن عائشة سيطرت على قلب الرسول ووجدانه وأحاسيسه للدرجة التي جعلتهم يستثمرون هذا الحب في كسب رضا الرسول عن طريق رشوة عائشة بهداياهم. مما يعني بطريق غير مباشر رشوة الرسول الذي تصوره الرواية أنه يغضب لغير الله ويرضى لغيره سبحانه وبواسطة عائشة يكسب الناس رضاه. فهل سيطرت عائشة على الرسول إلى هذا الحد..؟

إن البخاري يروي نفس هذه الرواية بشئ من التفصيل. تقول الرواية: إن نساء النبي اجتمعن بأم سلمة بسبب أن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وقلن للرسول: إنا نريد الخير كما تريده عائشة. وطلبن من الرسول أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث دار. فذكرت أم سلمة الأمر للرسول ثلاثا وهو

(٥٥) البخاري كتاب فضائل الصحابة. باب فضل عائشة..
٣٥
يعرض عنها ثم أجابها في الثالثة بقوله: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها.. (٥٧).

وظاهر الرواية يفيد أن نسوة النبي استفزهن أمر الهدايا فاجتمعن لهذا الغرض وأوفدن أم سلمة للتحدث بلسانهن مع الرسول الذي كان في مكانه المعتاد إلى جوار عائشة. فهل كان الرسول لا يشغله سوى النسوة ومشاكلهن..؟

أن الرواية تقول إن الرسول انحاز إلى عائشة كما انحاز إليها في الرواية السابقة ضد بقية زوجاته معتبرا أن مثل هذا السلوك يعتبر أذى له مؤكدا أن درجة عائشة أعلى من درجتهن لأن الوحي كان ينزل في لحافها ولم ينزل في لحافهن فهل كان الوحي يتنزل على الرسول وهو في لحاف عائشة..؟

أليس هذا امتهانا للوحي وللرسول أن تتنزل آيات الله في هذا الموضع..؟

لقد بلغ القوم مبلغا عظيما في محاولاتهم اختراع المناقب لعائشة إلى الدرجة التي أهانوا فيها الرسول وأهانوا فيها الوحي وأهانوا فيها بقية زوجات الرسول..

وتستمر عائشة في رواية فضائلها قائلة: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يا عائش هذا جبريل يقرأ عليك السلام. فقلت: وعليه السلام ورحمة الله. وهو يرى ما لا أرى.. (٥٨).

ويبدو أن القوم أرادوا أن ينتزعوا لعائشة منقبة على لسان الوحي بعد أن عجزوا عن انتزاعها من لسان الرسول. حتى أن أنس بن مالك يروي على لسان الرسول قوله: فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام.. (٥٩).

ألم يجد الرسول شيئا يفضل به عائشة على غيرها سوى الطعام..؟.

هل كان الرسول أكولا وعاشقا للطعام إلى الحد الذي يضرب به المثل..؟.

تروي عائشة: كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا خرج أقرع بين نسائه فطارت القرعة

(٥٦) مسلم فضائل عائشة وانظر البخاري..

(٥٧) البخاري. فضل عائشة..

٥٨١) مسلم فضائل عائشة..

(٥٩) المرجع السابق..

٣٦
على عائشة وحفصة فخرجتا معه جميعا. وكان الرسول إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث معها. فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك فتنظرين وأنظر. قالت: بلى. فركبت عائشة على بعير حفصة وركبت حفصة على بعير عائشة. فجاء رسول الله إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم ثم سار معها حتى نزلوا. فافتقدته عائشة فغارت. فلما نزلوا جعلت تجعل رجلها بين الإذخر وتقول يا رب سلط علي عقربا أو حية تلدغني.. رسولك ولا أستطيع أن أقول شيئا.. (٦١).

إن هذا النص يفرض عدد من التساؤلات:

هل كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يأخذ نساءه معه عند الخروج..؟

ولماذا ندمت عائشة على ما فعلت مع حفصة..؟

وهل الغيرة تدفع بأم المؤمنين إلى محاولة الانتحار بوضع رجلها في نبت تكثر فيه الهوام كالحيات وغيرها..؟

إن القرآن يكشف لنا أن رسول الله كان يخلف دائما النساء والصبيان والعجزة عند خروجه للغزو. وهو الدافع الوحيد لخروجه فلم يكن يخرج لسبب آخر فلم نسمع أن الرسول خرج للصيد أو التنزه فلم يكن لديه الوقت لمثل هذه الأمور والذي تؤكده كثير من الروايات أن مسؤوليات وتبعات الدعوة كانت ثقيلة عليه بحكم كونه خاتم الأنبياء. والإسلام هو خاتم الرسالات (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)..

فهل رسول خاتم يحمل مثل هذه المسؤولية لديه وقت للهو مع النساء..؟

وهل يمكن لامرأة مثل عائشة أن تتدلل على الرسول إلى هذا الحد..؟

وهل الرسول بمثل هذه السذاجة بحيث تنطلي عليه حيلة حفصة فيأخذها وهي على بعير عائشة ويسلم عليها ولا يعرفها..؟

وتروي عائشة: فلما نزل برسول الله (صلى الله عليه وسلم) المرض - ورأسه على فخذي غشي

(٦٠) المرجع السابق
٣٧
عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف ثم قال: اللهم الرفيق الأعلى.

قالت عائشة قلت إذا لا يختارنا.. (٦١).

هل طمعت عائشة في رسول الله إلى الحد الذي تريد أن تجعل الرسول يفضلها على الرفيق الأعلى ويختار جوارها على جواره..؟

كم حطت هذه الروايات من قدر الرسول وأهانته حتى وهو على فراش المرض جعل من فخذي عائشة وسادته..

ولقد بلغ من خيال القوم في صنع مناقب عائشة أن جعلوا الرسول (صلى الله عليه وسلم) يحلم بها وهو في مكة وربما من قبل أن تولد..

تروي عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فاكشف عن وجهك فإذا أنت هي: فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه.. (٦٢).

وإذا ما تبين لنا أن روايات عائشة لا تصرح بمناقب لها بقدر ما تعريها وتفضحها وتحط من قدر الرسول ومكانته أدركنا أن الهدف من هذه الروايات ليس هو عائشة في ذاتها وإنما الخط الذي سوف يتولد منها. وأدركنا أيضا حجم مكانتها وموقعها من الرسول وموقفه منها.

إن اختلاق مثل هذه الروايات ليدل على أن موقع عائشة من الرسول كان مهزوزا وأن موقف الرسول منها كان لا ينم عن الرضا عنها أو عن أبيها.

فلو كان موقع عائشة من الرسول حسنا ما كانت هناك حاجة إلى خلق مثل هذه الروايات التي تسئ إليها قبل أن تسئ للرسول. ولترك الأمر للأطراف الأخرى تروي محاسنها وتصف موقعها وتعدد مناقبها. لكن الأمر كما هو واضح أمامنا هو من اختلاق عائشة أو اختلق على لسانها..

وهذا الأمر ندركه بقليل من التأمل في مناقب خديجة فقد جاء على لسان الإمام

(٦١) البخاري ومسلم.

(٦٢) مسلم فضائل عائشة والبخاري..

٣٨
علي أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خير نسائها مريم بنت عمران. وخير نسائها خديجة بنت خويلد (٦٣).

ويروي أبو هريرة: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله هذه خديجة قد أتتك فأقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (٦٤).

وتروي عائشة: بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد ببيت في الجنة (٦٥).

ويروى أيضا: أن الرسول إذا ذبح الشاة يقول: أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة فأغضبته يوما فقلت خديجة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني قد رزقت حبها (٦٦).

فهاهي مناقب خديجة تروى على لسان الآخرين حتى على لسان عائشة نفسها وهاهي الروايات تثبت أن خديجة أفضل من عائشة..

وهاهو الرسول يبشرها ببيت في الجنة ولم يبشر عائشة.

وهاهو الرسول بعد موتها يظل وفيا لذكراها ويكرم خلانها وأقربائها حتى أدى الأمر إلى غضب عائشة..

وهاهو الرسول يصرح أنه قد رزق حبها.

وها هو جبريل يقرأها السلام من الله سبحانه من قبل أن يتزوج الرسول بعائشة وبمقارنة النصوص الواردة في خديجة والروايات التي ترويها عائشة عن نفسها يتبين لنا صحة مناقب خديجة وبطلان مناقب عائشة. كما يتبين لنا عظيم مكانة خديجة وموقعها من الرسول وضعف موقف عائشة (٦٧).

لقد كانت عائشة صغيرة السن وقد تركها الرسول وعمرها ثمانية عشر عاما.

(٦٣) مسلم فضائل خديجة أم المؤمنين.. وتأمل فضائل فاطمة أيضا..

(٦٤) المرجع السابق..

(٦٥) المرجع السابق.

(٦٦) المرجع السابق..

(٦٧) تأمل فضائل زوجات النبي الآخريات وقارن بينها وبين فضائل عائشة..

٣٩
فكيف يمكن لمن في مثل سنها أن ترث كل هذا العلم الذي ينسبونه إليها وقد قضت سني بلوغها مع الرسول في شكل وغيرة وغرام كما تحكي الروايات على لسانها؟.

وكيف يمكن للرسول أن يأتمن امرأة في مثل هذا السن على علم السماء؟ أليس هذا يتناقض مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة (٦٨).

وقد قيل عنها أنها روت عن الرسول أربعين ألف حديث فكيف وعت كل هذا الكم من الأحاديث عن الرسول في فترة البلوغ القصيرة التي قضتها مع الرسول.؟. إن مثل عائشة كمثل أبي هريرة كلاهما روى كما هائلا من الأحاديث على لسان الرسول في مدة تثير الشك في هذا الكم ومدى تناسبه مع فترة معايشتهم.

إن الأمر على ما يبدو يتجاوز عائشة وأبو هريرة. إنه خط يريد أن يفرض على الأمة من خلالهما مما سوف يتضح عند استعراضنا موقف عائشة من الإمام علي وإن محاولة إرجاع موقف عائشة العدائي من الإمام إلى حادث الإفك وقول الإمام للرسول (تزوج يا رسول الله إن النساء كثيرات) إنما هو تسطيح لحقيقة الموقف وجذوره. فقد وقفت عائشة من بعد وفاة الرسول إلى جوار أبيها ضد الإمام وأنصاره من الصحابة وضد فاطمة التي اصطدمت بأبيها بسبب ميراث الرسول وقاطعته وتوفت غاضبة عليه..

ولا شك أن الإمام كان يمثل خط آل البيت الذي اصطدم بجبهة القبليين والمنافقين بعد وفاة الرسول بسبب الخلافة. وعندما يتبين لنا أن عائشة كانت تقف في صف الجبهة المناوئة للإمام تتكشف لنا جذور موقفها العدائي منه..

ودور عائشة في مواجهة الإمام إنما برز بشكله السافر في عهد الإمام وبعد مقتل عثمان. فلم تكن هناك حاجة لبروزها في عهد أبيها وعهد عمر من بعده لسيادة الخط القبلي واختفاء خط الإمام.

وبعد سيادة الخط الأموي بعد مرحلة صفين استثمرت مواقف عائشة من الإمام

(٦٨) البخاري. كتاب المغازي. باب كتاب النبي إلى كسرى وقيصر.
٤٠