×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السيف والسياسة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

محل القطب من الرحا ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير. فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جزاء أو أصبر طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى. فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا. أرى تراثي نهبا حتى مضى الأول لسبيله فأدلى إلى فلان بعده - عمر - فيا عجبا. بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته. لشد ما تشطرا ضرعيها فصيرها في حوزة خشناء يغلظ كلمها ويخشن مسها ويكثر العثار فيها والاعتذار منها فصاحبها كراكب الصعبة أن أشنق لها خرم وأن أسلس لها تقحم. فمنى الناس - لعمر الله - بخبط وشماس وتلون واعتراض فصبرت على طول المدة وشدة المحنة. حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم أني أحدهم. فيا لله وللشورى متى أعترض الريب في مع الأول منهم حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر لكني أسففت إذ أسفوا وطرت إذ طاروا فصغى رجل منهم لضغنه. ومال الآخر لصهره مع هن وهن.. (٣٢).

مناقشة الروايات

يبدو لنا من خلال رصد الروايات التي تدور حول أحداث السقيفة أن هناك الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام التي تدور في الأذهان بمجرد قراءة هذه الروايات..

وسوف نعرض هنا لبعض الملاحظات حول هذه الروايات ونبدأ مناقشتنا لها على أساسها.

الملاحظة الأولى:

أن الأنصار أرادوا الاستئثار بأمر الخلافة وهم طائفة لا يمثلون جميع المسلمين.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: على أي أساس استند الأنصار في موقفهم هذا..؟

إن الأنصار لم يتحصنوا في موقفهم هذا بدليل شرعي محدد. فقط هم حاولوا أن يستثمروا مكانتهم ودورهم في إيواء الرسول ونصرته.. ولكن هل يعد هذا سببا كافيا لمطالبتهم بالخلافة..؟

(٣٢) نهج البلاغة ج‍ ١ خطبة رقم ٣
٦١
ليس هناك من إجابة على هذا السؤال سوى أن الدافع القبلي قد تسلط على القوم حتى أدى في النهاية إلى انقسامهم وإضعاف شوكتهم بتحالف الأوس مع جناح أبو بكر وعمر مخافة أن تسيطر الخزرج على الأمر ويصبحون تحت إمرتها.

وهذا عمل قبلي في المقام الأول قدمت فيه الحسابات القبلية على الحسابات الشرعية. أو بمعنى أكثر وضوحا قدمت فيه مصلحة القبلية على مصلحة الدعوة..

وعلى الرغم من تبعات هذا الموقف من قبل الأوس وآثاره على وحدة المسلمين واستقرار المجتمع الإسلامي إلا أن الجناح القرشي بزعامة أبي بكر استقبله بالترحاب واستثمره لصالحه..

الملاحظة الثانية:

أن عمر كان المحرك الفعلي للأحداث وبدا أبو بكر وكأنه تابع له.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تصدى عمر للأمر وتخطى كبار المهاجرين وآل البيت..؟

هناك جواب جاهز عند البعض وهو أن عمر فعل ذلك من أجل الحفاظ على الدعوة وتأمين مستقبلها وينتفي عنه أي عرض آخر لعظيم مكانته عند الرسول بحكم النصوص الواردة فيه..

إلا أن الروايات تدحض هذا التصور وتشكك فيه..

يروي البخاري: أن عمر طاف في المدينة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو يصبح مقسما: والله ما مات رسول الله. والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك. وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم. وجاء أبو بكر فقال: أيها الحالف على رسلك. فلما تكلم أبو بكر جلس عمر.. (٣٣).

أن هذه الرواية تشير إلى أن عمر لم يكن يعتقد في وفاة الرسول (صلى لله عليه وسلم) وأنه حسب روايات أخرى - ذهب ليكلم ربه ويعود كما حدث لموسى. ونحن لن نناقش هنا مدى صحة هذا الاعتقاد وكيف طرأ على ذهن واحد مثل عمر وهو من هو.

إلا أن ما نريد توضيحه أن هذا الموقف من قبله يكشف لنا أن فكرة تبنيه موضوع الخلافة كانت فكرة طارئة عليه لم تكن تشغله بعد وفاة الرسول وإنما كان يشغله

(٣٣) أنظر البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر.
٦٢
موت الرسول وبعثه وعودته حتى جاء أبو بكر فبصره بالأمر وتلى عليه قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحدا من رجالكم أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) (*).

فقال عمر كأني أسمع هذه الآية لأول مره. ثم إنه سكن وهدأ وأتاه خبر السقيفة فهرع إلى هناك مصطحبا أبا بكر وأبا عبيدة بن الجراح..

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هل كان عمر غير مستوعب لنصوص القرآن التي تتنزل على الرسول (صلى الله عليه وسلم) حتى يدعي أن الرسول سوف يعود بعد وفاته ويتوعد من يقول بوفاته؟

وإذا كان عمر بهذا المستوى من الفهم أفلا يشير هذا إلى أنه لم يفهم النصوص القرآنية الأخرى الواردة بشأن آل البيت والإمام علي ومستقبل الدعوة..؟

وإذا كان عمر قد تصدى لأمر الخلافة من باب المصلحة وكان متحمسا للأمر ويصول ويجول هنا وهناك من أجل أخذ البيعة لأبي بكر. فلماذا لم يكن صاحب المصلحة أبو بكر بنفس المستوى من الحماس ومن المفروض أن يكون حماسه يفوق حماس عمر. وقد أشارت الروايات إلى أنه كان مشغولا وقت وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بشئ آخر لم توضحه الروايات.. وكان عمر يلح على طلبه بينما هو يتمنع حتى أعلمه بخبر السقيفة فانطلق معه..

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: أي شئ كان يشغل أبو بكر غير تجهيز الرسول..؟.

وأي ما تكون الإجابة فإن الأمر المقطوع به أنه كان مشغولا بأمر غير الخلافة حتى جاء عمر فأحيا الفكرة في نفسه..

ومن هنا يتضح لنا أن فكرة الخلافة كانت طارئة أيضا على أبي بكر كما كانت طارئة على عمر وهي لا تخرج عن كونها رد فعل لموقف الأنصار ومبادرتهم السريعة المفاجئة لقريش..

(*) سورة آل عمران.
٦٣
لكن الأمر يوحي وكأن هناك طرف ثالث هو أحق بهذا الأمر ويتسابق كل من الأنصار والمهاجرين لكي يفوت عليه الفرصة.

وليس هناك من تفسير لموقف عمر وتحالفه مع أبي بكر الطاعن في السن. ضد القطاعات الأخرى. سوى أن شخصية أبي بكر كانت تتيح له ذلك..

تتيح له أن يتسلقها لكي يحقق مآربه..

وتتيح له التحصن بها في مواجهة الآخرين..

وعمر لم يكن يجرؤ على ترشيح نفسه للخلافة بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأن الظروف غير ملائمة لكنه ناولها لأبي بكر ثم تناولها منه..

ولو كان عمر بهذه المكانة التي تضعه فيها الأحاديث لكان من الأولى له أن يتصدى لأمر الخلافة وهو القوي الشديد بدلا من رجل ضعيف كهل كأبي بكر..

ولو كان عمر بهذه المكانة ما ناطحته الأنصار وتطاولت عليه عندما خطب فيهم.

واحتد معه الحباب قائلا: لا تسمعوا مقالة هذا. وعندما قال له عمر: يقتلك الله. رد عليه: بل إياك يقتل.. وما أمسك قيس بن سعد بلحيته وهدده..

إن القوم بين أن يكونوا قد طغت عليهم القبلية فنسوا أخلاق الإسلام وتجاوزوها. أو يكونوا أصحاب مقادير متساوية ووزن واحد ولا يملك كل منها ما يرجح به كفته على الآخر من نصوص الشرع.

والراجح الأمرين معا..

وإذا كان عمر قد احتج على الأنصار بقوله: ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم. فإن هذا القول يوجب عليه التنحي مع صاحبه وإفساح الطريق أمام أهل بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) فإنهم أرقى بيوت قريش، فلا هو ولا صاحبه يمثلان بيتا راقيا في قريش. وهذا هو ما استفز أبو سفيان ودفعه لتحريض الإمام بقوله: ما بال هذا الأمر في أذل قبيلة من قريش وأقلها..

وتأمل تعليق ابن حجر على قول عمر لسعد بن عبادة: اقتلوه. قتله الله..

٦٤
يقول ابن حجر: نعم لم يرد الأمر بقتله حقيقة. وأما قوله قتله الله فهو دعاء عليه وعلى الأول هو إخبار عن إهماله والإعراض عنه. وفي حديث مالك فقلت - عمر - وأنا فغضب: قتل الله سعدا فإنه صاحب شر وفتنة.. (٣٤).

إن ابن حجر بتعليقه هذا يسير على نهج التبرير والتأويل الذي يعتمده أهل السنة في مواجهة الحوادث والنصوص التي توقعهم في حرج شرعي..

ويتمادى ابن حجر في تأويل كلام عمر وتبرير مواقفه هو وصاحبه قائلا:

وتركوا لأجل أقامتها (الخلافة) أعظم المهمات وهو التشاغل بدفن الرسول حتى فرغوا منها. والمدة المذكورة - أي مدة تركهم الرسول والانشغال بالخلافة - زمن يسير في بعض يوم يغتفر مثله لاجتماع الكلمة.. (٣٥).

ويروي البخاري رواية تبريرية أخرى لمواقف عمر وممارساته في السقيفة. تقول الرواية: لقد خوف عمر الناس وأن فيهم لنفاقا فردهم الله بذلك.. (٣٦).

وقد جاءت هذه الرواية على لسان عائشة ابنة أبي بكر ومعنى هذا الكلام أن أسلوب العنف والإرهاب الذي مارسه عمر على الرافضين بيعة أبي بكر كان عملا حسنا حاز رضا الله ومعونته.

وعائشة بهذا تكون قد حكمت على كل الرافضين لخلافة أبي بكر من بني هاشم والأنصار وغيرهم بالنفاق. ألا يعني مثل هذا الكلام مساسا بعدالة جميع الصحابة التي يعتقدها أهل السنة ويفسرون على ضوئها الأحداث التي وقعت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بداية من السقيفة وحتى صفين.؟ (٣٧)

(٣٤) أنظر فتح الباري شرح البخاري ص ٧ / ٣٢.

(٣٥) المرجع السابق..

(٣٦) البخاري كتاب فضائل الصحابة. باب فضل أبي بكر..

(٣٧) أنظر كتاب العواصم من العواصم لأبي بكر بن العربي، وهو كتاب يضفي صفة العدالة على جميع الصحابة ويقوم بتأويل النصوص الواردة في ذمهم وتبرير الأحداث التي ارتبطوا بها بما لا يمسهم وبما يخدم الخط الأموي. أنظر فتاوى ابن تيمية ح‍ ٣٥. وابن كثير البداية والنهاية. وانظر المحطات القادمة من الكتاب..

٦٥

الملاحظة الثالثة: لماذا جاءت قبيلة أسلم إلى المدينة ومن الذي استدعاها.

ولماذا أيقن عمر بالنصر فور رؤيتها..؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات يدفعنا إلى إلقاء الضوء على الجانب الأكثر أهمية في أحداث السقيفة. جانب التحول من الجدال والنقاش إلى فرض الرأي بالقوة المسلحة..

لقد كان دخول قبيلة أسلم إلى المدينة أشبه بالانقلاب العسكري وهو دخول مرتب له من قبل بلا شك من قبل فريق عمر..

ويبدو أن الصراع بين فريق عمر وفريق الأنصار قد دخل طورا حرجا بحيث اهتزت كفه عمر وفريقه ورجحت كفة الأنصار أو من الممكن أن يكون الأنصار قد مالوا للإمام علي وحسموا الخلاف بينهم. وعمر وفريقه ليس بذاك الوزن الفاعل في المدينة. فضلا عن كونه من الوافدين عليها مع المهاجرين هو لا يمثل كل المهاجرين ولا جميع قريش. فهناك قطاع من المهاجرين مع الإمام. وهناك قطاع من قريش ينتظر النتيجة أو هو لا يعلم ما يجري هناك.

ولعل هذا الوضع يفسر لنا قول عمر حين رأى قوات قبيلة أسلم تدخل المدينة الآن أيقنت بالنصر. وهذا بشير بصورة غير مباشرة أن عمر وفريقه هو الذي استدعى تلك القوات. ألا يدل مثل هذا التصرف أن جانب عمر قد فقد ميزانه الشرعي والأخلاقي. كما يشير من جانب آخر إلى أن النصوص التي واجه فريق عمر فريق الأنصار بها هي نصوص من اختراع تلك المرحلة. ولو كانت هذه النصوص صحيحة ومعترف بها ما نازعهم أحد ولكانت قد حسمت الصراع في مهده..

ويبدو أن اللغط والجدال حول أحقية أبي بكر بالخلافة قد امتد إلى فترات لاحقة مما استدعى الأمر إلى ضرورة اختراع أحاديث على لسان الرسول (صلى الله عليه وسلم) تحدد الخلافة لأبي بكر في صراحة ووضوح وترفع من مكانته. لينتج عنها صنع هالة

٦٦
مقدسة حول أبي بكر تمنع المساس به أو الخوض في شخصه وتقطع الطريق أما أية محاولات لإعادة قراءة مرحلة السقيفة.. (٣٨).

ونفس هذا الأمر قد تم تطبيقه مع الخليفة الثاني حيث اخترعت له الكثير من المناقب التي رفعته حتى فوق الرسول نفسه أو ساوته به.. (٣٩).

وقاموا بنفس الأمر مع الخليفة الثالث غير أن ممارساته ومواقفه المخالفة للكتاب والسنة والمضرة بمصالح المسلمين قد فضحته وعرته.. (٤٠).

أما الإمام علي فقد فعلوا معه العكس من ذلك وبدلا من أن يضفوا عليه المناقب كما فعلوا مع السابقين. قاموا بالطعن في المناقب الواردة فيه والعمل على التقليل من شأنه بمساواته بمعاوية واعتبار الخارجين على حكمه بمثابة المجتهدين المأجورين.. (٤١).

الملاحظة الرابعة: أين الإمام علي..؟

إن المتتبع لأحداث السقيفة يكتشف غياب كثير من الرموز البارزة من الصحابة وعلى رأسهم الإمام علي فأين كان هؤلاء ولماذا انشغلوا عن هذا الحدث الضخم وهو اختيار خليفتهم؟.. أين أبو ذر. وأين المقداد. وأين الزبير. وأين جابر بن

(٣٨) أنظر البخاري ومسلم باب فضل أبي بكر. ومن هذه الروايات: أتت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأمرها أن ترجع إليه. فقالت أرأيت إن جئت ولم أجدك.. قال النبي: إن لم تجديني فأتي أبا بكر.

وعلى لسان الإمام علي رواية تقول سئل الإمام من ولده ابن الحنفية أي أناس خير بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أبو بكر. قال ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول عثمان قلت ثم أنت. قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين..

(٣٩) أنظر البخاري ومسلم. ومن هذه الروايات قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) لعمر:.. ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك. وقول الرسول فيه: لم أر عبقريا يفري فريه. وقوله كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر. أنظر لنا كتاب الخدعة. وانظر المحطة القادمة..

(٤٠) أنظر مناقب عثمان في البخاري ومسلم وشرحيهما لابن حجر والنووي. وأنظر كتاب الخدعة والمحطة الرابعة (٤١) أنظر مناقب الإمام في المرجعين السابقين. وانظر الخدعة والمحطة الخامسة.

٦٧
عبد الله. وأين أبي بن كعب وبلال بن رباح وحذيفة بن اليمان وخزيمة ذي الشهادتين وعمار بن ياسر وأبو أيوب الأنصاري وأبو سعيد الخدري والبراء بن مالك وخباب بن الأرت ورفاعة بن مالك وأبي الطفيل عامر بن وائلة وغيرهم..

لقد كان اختفاء كل هؤلاء من سقيفة بني ساعدة عامل قلق لفريق عمر. حيث أن هذه الشخصيات الغائبة لها وزنها وفاعليتها ومن الممكن أن تشكل تحديا لهذا الفريق مستقبلا..

تروى الروايات أن الإمام ومعه عصبة من الصحابة كان مشغولا بتجهيز الرسول للدفن بينما كان القوم يتصارعون على الخلافة في السقيفة.. (٤٢).

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل من أخلاق المسلمين أن يتركوا رسولهم في مثل هذا الحال ويتصارعوا على الحكم..؟.

أين ما تعلموه من الرسول إذن..؟.

لقد ترك الرسول في حياته في مواقف كثيرة من قبل هؤلاء الناس.

ترك في أحد.

وترك في مسجده وهو يخطب فيهم ونزل فيهم قوله تعالى (وتركوك قائما) وترك وهو يلفظ أنفاسه وطلب منهم إحضار قلم وقرطاس ليكتب لهم كتابا لا يضلوا بعده أبدا.

وترك بعد وفاته.. (٤٣).

ومثل هذا السلوك إن دل على شئ فإنما يدل على مدى استحكام أمر الدنيا وطغيانها على كثير من هؤلاء..

ولعل هذا هو ما يشير إليه قوله تعالى (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)

(٤٢) أنظر كتب التاريخ.

(٤٣) أنظر في السيرة والتاريخ وتفسير سورة الجمعة وراجع باب وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم)

٦٨

الملاحظة الخامسة: بيعه أبي بكر كانت فلتة.. لماذا..؟

الحمد لله إن هذه المقالة جاءت على لسان عمر مدبر أحداث السقيفة وقاطف ثمرتها ولو كانت قد جاءت على لسان سواه لكان للقوم فيها كلام آخر..

لقد قال عمر ما نصه: ألا إن بيعة أبا بكر كانت فلتة وقى الله الأمة شرها. فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. فأيما رجل بايع من غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة أن يقتلا... (٤٤).

أليس هذا اعتراف صريح من عمر بأن ما حدث في السقيفة كان أمرا بعيدا عن الشورى بل كان بعيدا عن روح الإسلام بحيث يوجب على فاعله القتل تقديرا لخطورته وجسامته وآثاره الوخيمة على الأمة..

إن قول عمر هذا يؤكد أن حروب الردة ومانعي الزكاة التي خاضتها قوات أبو بكر بقيادة خالد بن الوليد لم تكن في حقيقتها سوى حركة تمرد على حكم أبي بكر: وقد تكون هناك حالة ردة من البعض إلا أن الظاهر أن هذا الصدام العسكري كانت له أسبابه القبلية ولعل قمع خالد وتجاوزته في مواجهة هذه الانتفاضة ما يدعم هذا التصور.. (٤٥).

وكان مناسبة هذا الكلام كما يروي البخاري أن عمر بلغه كلام أناس يقولون لو مات مات عمر لتولاها فلان. فقام عمر خطيبا وقال هذا الكلام.. (٤٦).

فهل كان المقصود من كلام عمر هذا هو ردع اتجاه برز في المدينة ينادي بالشورى ويطعن في أحداث السقيفة وطريقة اختيار الخليفة الأول..؟

لا يعنينا هنا بقدر كبير الإجابة على هذا السؤال وإن كانت إجابته واضحة. وإنما

(٤٤) أنظر البخاري كتاب المحاربين ومسند أحمد ح‍ ١ وفتح الباري ح‍ ١٢.

(٤٥) أنظر حوادث الردة في عصر أبي بكر في كتب التاريخ. وقصة خالد مع مالك بن نويره.

(٤٦) أنظر البخاري وفتح الباري ج‍ ٧ كتاب فضائل الصحابة.

٦٩
يعنينا هو اعتراف عمر بأنه بيعة أبا بكر كانت فلتة وكان من الممكن أن تكون لها آثارا خطيرة على الأمة لولا لطف الله. فإن كلام عمر هذا لا يعني إلا شيئا واحدا هو أن بيعته هو أيضا كانت فلتة..

. فلماذا قال عمر عن بيعة أبي بكر أنها كانت فلتة ونسي أنه استخلف بوصية منه..؟

ويروي البخاري أن عمر قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حتى يدبرنا. فإن يك قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نورا تهتدون به بما هدى الله محمدا. وأن أبا بكر صاحب رسول الله ثاني اثنين. فإنه أولى الناس بأموركم فقوموا فبايعوه.

وقال عمر لأبي بكر إصعد المنبر. فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة.. (٤٧).

ورواية البخاري المذكورة تعطينا إشارات جديدة حول موقف عمر وكونه المحرك الأول لعملية اختيار أبي بكر. وهي تكشف لنا من وجه آخر أن أبا بكر قد أقحم في الأمر ولم تكن له رغبة فيه وهذا واضح من إلحاح عمر عليه بالصعود إلى المنبر ليبايعه الناس. وهذه إشارة إلى كونه غير منصوص عليه بشئ وأن الأمر لا يخرج عن كونه محاولة استثمار لظرف طارئ..

وهذا أبو بكر يقول: هذا عمر وأبو عبيدة فأيهما شئتم فبايعوا..

فإذا كان أبو بكر قد تنازل عن ترشيح نفسه وقدم عمر وأبو عبيدة ألا يدل هذا على أن الأمر لا يخرج عن كونه مواقف فردية ارتجلت في حينها لمواجهة الأنصار..؟

وإذا ما تأملنا قول عمر: وإنا والله ما وجدنا أمرا هو أقوى من مبايعة أبي بكر.

(٤٧) المرجع السابق.
٧٠
إنا خشينا إن فارقنا القوم - الأنصار - ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة. فإما أن نبايعهم على ما نرضى أو نخالفهم فيكون الفشل..

وتأمل قوله وهو في الطريق إلى السقيفة ومعه أبو بكر وأبو عبيدة محدثا نفسه:

كنت أزور في نفسي كلاما في الطريق فلما وصلنا السقيفة أردت أن أتكلم. فقال أبو بكر. مه يا عم.. وذكر ما كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب.. (٤٨).

من هذه الروايات نلخص إلى أن الأمر كان من ترتيب القوم بزعامة عمر ولم يكن له وجهه الشرعي ويتضح هذا الأمر من قول عمر حين وفاته: لو كان سالم مولى حذيفة حيا لوليته وسالم هو عتيق حذيفة. وهو بهذا يخالف نص الإمامة في قريش ويناقض نفسه حين احتج على الأنصار بقوله: ولكن العرب لا تمتنع أن تولي أمورها من كانت النبوة فيهم.

٧١

المحطة الثالثة
عمر بن الخطاب




وبدأ معاوية يطل برأسه..




٧٢
٧٣
إن الشورى لا تثمر إلا شورى والاستبداد لا يثمر إلا استبدادا..

ولأن ما جرى في السقيفة لم يكن له صلة بالشورى كان من الطبيعي أن تكون ثمرته مناقضة للشورى..

وهكذا جاء عمر. فلتة من فلتة. مهد لصاحبه ثم تلقفها منه بوصية من شيخ يحتضر دون حساب لرأي الأمة..

تقول وصية أبي بكر: هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة. آخر عهده في الدنيا نازحا وأول عهده داخلا بالآخرة. إني استخلفت عليكم عمر بن الخطاب فإن تروه عدل فيكم فذلك ظني به. ورجائي فيه. وإن بدل وغير فالخير أردت.

ولا أعلم الغيب. (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).. (١).

لقد كان على أبي بكر أن يقوم برد الجميل الذي أسداه إليه عمر بتوصيله للحكم فقام هو بدوره ليوصله إلى الحكم وسن لأول مرة في تاريخ الإسلام نظام توريث الحكم. ذلك النظام الذي استند عليه فقهاء التبرير فيما بعد في تبرير استيلاء بن أمية وبني العباس على السلطة في بلاد المسلمين. كما كانت هذه السنة هي الدفعة الأولى للخط الأموي الذي بدأت ملامحه تبرز في عهد عمر..

ولما كان موقف أبو بكر هذا لا سند له من شرع أو شورى فقد أثار المسلمين في المدينة وتصدى له الكثير من الصحابة بين منكرين له ورافضين..

وأول الرافضين كان الأنصار..

وثانيهم آل البيت بزعامة الإمام علي..

وثالثهم طلحة ومن شايعه الذي هرول نحو أبي بكر منكرا قائلا: ماذا تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا تفرق منه النفوس وتنفض منه القلوب.. (٢).

ومن هنا يتبين لنا أن عمر لم يكن مرغوبا فيه وأن هذا الرفض لشخصه كانت له مبرراته الناتجة من سلوك عمر ومواقفه الاستفزازية طوال فترة حكم أبو بكر..

(١) أنظر تاريخ الطبري ج‍ ٣ وطبقات ابن سعد ج‍ ٣ / ١٩٩ والإمامة والسياسة وكتب التاريخ.

(٢) أنظر طبقات ابن سعد ج‍ ٣ / ١٩٩ والطبري ج‍ ٣.

٧٤
وإذا كان ما بني على باطل فهو باطل. فإن خلافة عمر باطلة لكونها بنيت على خلافة باطلة. والأولى والثانية لم تقم بمشورة المسلمين..

وكما فرضت خلافة أبي بكر على المسلمين بقوة السيف فرضت أيضا خلافة عمر على المسلمين بقوة السيف وبدأ عمر في قمع المناهضين له وإجبارهم على بيعته وهو يكرر نفس الدور الذي كان يقوم به مع أبي بكر..

عمر والإمام علي

تعايش الإمام علي مع عمر كما تعايش مع أبي بكر من قبل. تعايش المغلوب على أمره الإيجابي في مواجهة الواقع والأحداث. المستعد على الدوام لتقديم المشورة ونصرة المظلوم والبذل والعطاء من أجل صالح الإسلام والمسلمين..

وإذا كانت هناك ضغوط على الإمام في عصر أبي بكر فإن الضغوط عليه في عصر عمر أشد لأن عمر كما بينا سابقا هو رأس الأمر كله. وكان هو الرجل الثاني في السلطة أيام أبي بكر إن لم يكن هو الحاكم الحقيقي ولم يكن أبو بكر سوى ظل له. فإذا ما تسلم عمر السلطة وهو ما كان يخطط له فلا بد وأن تكون له سياسة كثر شدة في مواجهة آل البيت والإمام علي بحكم كونه يمثل جماعة ضغط فاعلة لها وزنها الشرعي والجماهيري وهي جديرة بالحكم. فضلا عن اعتقاده بأحقيتها بإمامة المسلمين..

وأمر آخر يبرر موقف عمر المتشدد والعدائي من آل البيت هو قناعته بضآلة قدراته العلمية والقيادية أمام قدرات الإمام علي..

يقول عمر عن نفسه بعد أن كثرت أخطائه في الفتيا وقراراته التي تصطدم بأحكام الإسلام: كل الناس أفقه من عمر.. (٣).

ويقول مقرا بضآلته العلمية أمام الإمام علي: ما من معضلة ليس لها أبو الحسن.. (٤)

(٣) أنظر قصة عمر مع المرأة حين صعد المنبر ينهي عن المغالاة في المهور حين قال أصابت امرأة وأخطأ عمر في الدر المنثور ج‍ ١ / ١٣٣ / وتفسير قوله تعالى: (وآتيتم إحداهن قنطارا) في كتب التفسير.

(٤) أنظر مستدرك الحاكم ويروي الحكم لم يكن أحد من الصحابة يقول سلوني إلا علي.

٧٥
ويقول أيضا مبرزا حجم الموقف الإيجابي الذي التزم به الإمام تجاهه حفاظا على مصالح المسلمين: لولا علي. لهلك عمر.. (٥).

وكتب الحديث والتاريخ مليئة بالمواقف والممارسات والأحكام التي أصدرها عمر وتبين اصطدامها مع النصوص ومخالفتها لأحكام الإسلام مما يدل على ضآلة علمه وقلة فقهه وحاجته الماسة لمن يدعمه فقهيا.. (٦).

فهو قد حرم متعة الحج ومتعة النساء.. (٧).

وجعل الثلاث طلقات في مكان واحد طلقة بائنة بينونة كبرى لا تحل بعدها الزوجة حتى تنكح زوجا غيره.. (٨).

وشرع لصلاة التراويح جماعة ولا جماعة في نفل.. (٩).

وجعل التكبير في صلاة الجنائز أربعا بعد أن كان خمسا.. (١٠).

وأفتى في المواريث فتاوى تناقض بعضها بعضا.. (١١).

وتجسس على الناس بمجرد الظن مخالفا القرآن.. (١٢).

(٥) أنظر الإستيعاب هامش الإصابة ج‍ / ٣٩. والرياض النضرة ج‍ ٢ / ١٩٤.

(٦) أنظر النص والاجتهاد للسيد شرف الدين. ومعالم المدرستين ج‍ ٢ للسيد مرتضى العسكري. وانظر لنا فقه الهزيمة فصل الرجل..

(٧) أنظر صحيح مسلم والبخاري يتبين لك أن زواج المتعة كان معمولا به على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وشطر من عهد عمر حتى حرمها بقوله: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء..) أنظر سنن البيهقي وكتب التفسير. وانظر كتاب المتعة وأثرها في الاصلاح الاجتماعي بيروت. وانظر كتابنا زواج المتعة حلال.

(٨) أنظر صحيح مسلم وسنن البيهقي ومسند أحمد وكتب التفسير ويذكر أن الأزهر وأهل السنة عموما يطبقون رأي عمر هذا ويلتزمون به ويفتون على أساسه اليوم.

(٩) كانت صلاة التراويح تصلى مثنى مثنى في البيوت على عهد الرسول وعهد أبي بكر حتى جاء عمر فجمع الناس ليصلونها جماعة وكان يقول: إنها بدعة ونعمت البدعة أنظر البخاري ومسلم كتاب الصلاة.

(١٠) أنظر تاريخ الخلفاء للسيوطي.

(١١) أنظر البيهقي ج‍ ٦ / ٢٤٥ حيث يروي عن عبيدة قوله: إني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا.

(١٢) قصة تجسس عمر على البيوت مشهورة حين تسلق البيت على أصحابه. والله ينهى عن التجسس وانظر سيرة عمر في كتب التاريخ

٧٦
وأوقف إقامة الحد على المغيرة بن شعبة.. (١٣).

ورفض أن يورث أحدا من الأعاجم.. (١٤).

ورجم الحبلى والمضطرة وأقام الحد بغير وجه حق.. (١٥).

وأسهم في زرع الطبقية بين المسلمين وشاطر العمال أموالهم.. (١٦).

وغير ذلك من التجاوزات والمخالفات التي لا يتسع المجال لذكرها هنا والتي تؤكد عدم جدارة عمر لأمر الخلافة وأنه أقحم نفسه فيها..

ولقد كان للإمام علي دورا بارزا في التصدي لانحرافات عمر وتجاوزاته للنصوص وأحكامه الجائرة على الرعية وسياسة البطش والإرهاب التي ألقت الرعب في قلوب الناس حتى أن امرأة حاملا أسقطت جنينها خوفا منه حين بعث في طلبها وقد جمع كبار الصحابة ليشيروا عليه في حكم هذا الأمر.. (١٧).

وعندما منع زواج المتعة هدد الصحابة من المؤمنين بوجوبه والقائلين به وعلى رأسهم ابن عباس الذي لم يجهر برأيه في هذا الزواج إلا بعد وفاته.. (١٨).

إن التهديد والتخويف علامة بارزة س سياسة عمر وشخصيته من أيام

(١٣) شهد مجموعة من الصحابة على المغيرة بن شعبة أنه زنى بامرأة محصنة ذات بعل ولم يقم عمر الحد عليه بل أقامه على الشهود بتهمة القذف أنظر ترجمة المغيرة في الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر وأسد الغابة لابن الأثير..

(١٤) أنظر موطأ مالك ج‍ ٢ / ١٢.

(١٥) حاول عمر أن يقيم الحد على امرأة اضطرت للزنا ولا إثم على المضطر كما حاول أن يقيم الحد على امرأة حبلى من الزنا وامرأة مجنونة وامرأة حملت من ستة أشهر وقد تدخل الإمام علي ومع إقامة هذه الحدود وأثبت جهل عمر. أنظر كتب السنن. وانظر قصة أخذ الدية بغير حق في الإستيعاب ترجمة أبي خراش الهزلي. وانظر جهله بأحكام الصلاة فتح الباري ج‍ ٣ / ٦٩.

(١٦) قدم عمر البدريين على من سواهم والمهاجرين على الأنصار وأمهات المؤمنين على غيرهن. وكان يقتسم أموال العمال مثل أبو هريرة عامل البحرين. أنظر الأموال لأبي عبيدة وتاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي وكتب الفقه.

(١٧) أنظر تاريخ الخلفاء والبيهقي وكتب السنن وترجمة عمر في الإصابة وأسد الغابة والإستيعاب.

(١٨) قال عمر لا أوتى برجل تزوج متعة إلا غيبته تحت الحجارة. يعني الرجم.. تأمل. أنظر القرطبي تفسير سورة النساء قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) وانظر تفسير الخازن وروح المعاني للآلوسي وتفسير ابن كثير وكتب الفقه.

٧٧
كتاب السيف والسياسة للكاتب صالح الورداني (ص ٧٨ - ص ١٠٠)
٧٨
في الإمام وإظهار بمظهر الحريص على الدنيا المتهافت على مطامعها حتى أنه تخاصم مع عم الرسول بسببها..

إلا أن يعنينا هنا هو كشف موقف عمر العدائي تجاه آل البيت وبحضور عدد من خصومهم مثل أنس وسعد وعثمان والزبير و عبد الرحمن والذين من الصعب أن نحمل تواجدهم في هذا الوقت من قبيل الصدفة..

وحتى لا يتبادر إلى ذهن المسلم ما يشير إلى وجود موقف عدائي من قبل عمر للإمام علي حرص أنصار الخط الأموي على تبديد أي شك حول وجود أي خلاف بين الطرفين..

تأمل رواية مسلم عن ابن عباس يقول: وضع عمر بن الخطاب على سريره فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه قبل أن يرفع وأنا فيهم. قال فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت إليه فإذا هو علي فترحم على عمر وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك وذاك إني كنت أكثر أسمع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول جئت أنا وأبو بكر وعمر ودخلت أنا وأبو بكر وعمر. وخرجت أنا وأبو بكر وعمر فإن كنت لأرجو ولأظن أن يجعلك الله معهما.. (٢١).

ويروي البخاري على لسان الإمام جوابا على سؤال ولده محمد بن الحنفية قال: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: أبو بكر. قلت ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان قلت ثم أنت. قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين..

ويلاحظ من هاتين الروايتين أنهما لا تهدفان فقط إلى إثبات رضا الإمام عن عمر ومودته له واعترافه بأفضليته عليه. وإنما تهدفان أيضا إلى إثبات نفس الموقف على أتباع الإمام علي وشيعته من الصحابة وحتى من آل البيت. إن هؤلاء الأشياع والأتباع يوالون عمر ويحبونه مما ينفي تبعا وجود أي خلاف أو عداء بين عمر وعلي..

(٢١) مسند أحمد ١ / ٤٩. وانظر البخاري.
٧٩

عمر ومعاوية

إن الراصد لسيرة عمر يكتشف عدم وجود أية مواقف عدائية تجاه بني أمية وعلى رأسهم أبو سفيان ومعاوية ولده. بل من الممكن للراصد أن يجد العكس من ذلك. فقد قام عمر بوقف نصيب المؤلفة قلوبهم الذي كان يعطى من الزكاة على عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعهد أبي بكر وأصبح بالتالي معاوية وأبوه كبقية المسلمين بعد أن كانا من المؤلفة قلوبهم.. (٢٢).

ولم يقف الأمر عند حد تحرير معاوية وأبوه من إطار المؤلفة قلوبهم ورفعه إلى درجة المسلمين. بل تمادى عمر في موقفه المبارك لبني أمية وقام بتولية معاوية على الشام مكان أخيه يزيد.. (٢٣).

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا فعل عمر ذلك..؟

ألم يجد بين المسلمين من هو أجدر منه بهذه المهمة..؟

وهل نسي عمر تاريخ بني أمية وتاريخ أبو سفيان في مواجهة الدعوة ومحاربة الرسول..؟

وما هي المقومات التي كان يملكها معاوية حتى يسلمه الشام..؟

هل كان من المهاجرين..؟

هل كان من المجاهدين..؟

هل كان من المقربين للرسول (صلى الله عليه وسلم).

هل كان من أهل العلم..؟

بالطبع لم يكن من هؤلاء والثابت أنه. كان من الطلقاء.. (٢٤)

(٢٢) أنظر الإستيعاب ترجمة معاوية.. وكتب التاريخ..

(٢٣) أنظر الإصابة في تمييز الصحابة والإستيعاب ترجمة معاوية وانظر كتب التاريخ.

(٢٤) كان معاوية وأبوه من الطلقاء. والطلقاء تعبير أطلقه الرسول صلى الله عليه وسلم لا على أهل مكة حين فتحها بقوله: اذهبوا فأنتم الطلقاء. والطلقاء كانوا من المؤلفة قلوبهم. والثابت عند أهل العلم أنه لم تصح في معاوية منقبة أي لم يذكر الرسول فيه شيئا حسنا. أنظر فتح الباري ج‍ ٧ / كتاب فضائل أصحاب رسول الله باب ذكر معاوية.

وانظر سنن النسائي وكتابه خصائص الإمام علي. ويذكر أن النسائي قتل على أيدي أهل الشام لرفضه =

٨٠