×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

السيف والسياسة / الصفحات: ١٦١ - ١٨٠

١٦١

ركائز الإسلام الأموي




- مصحف عثمان..
- الـصحـابة..
- الـروايات..



١٦٢
١٦٣
كانت صفين هي المنعطف التأريخي الذي انبثق منه الإسلام الأموي وساد واقع المسلمين. وكان ضرب خط الإسلام النبوي الذي رفع لواءه الإمام علي وتقوقعه هو بداية غياب التصور الإسلامي الصحيح من هذا الواقع..

ومنذ ذلك الحين بدأ معاوية وبني أمية من بعده عملية تأسيس جديدة للإسلام معتمدين فيها على الخط القبلي ورموزه البارزة وعلى الرموز الأخرى التي تحالفت معهم..

وأصبح هذا الإسلام هو الإسلام الشرعي الذي حاز على رضا الحكام على مر الزمان من بني العباس وغيرهم فقد وجدوا فيه الحصانة والشرعية التي تؤهلهم لمواجهة الإسلام النبوي والخارجين عليهم.

أصبح الإسلام الأموي مباحا وخط الإمام علي محظورا ومجرما يبطش بأتباعه وينكل بهم..

وأصبح الإسلام النبوي إسلام باطل يقود إلى النار..

وأصبح الإسلام الأموي حق يقود إلى الجنة..

ولقد عاش الإسلام الأموي في كنف الحكومات ورعايتها وحمايتها فتحققت له السيادة والبقاء..

وضرب الإسلام النبوي واغتيل أئمته فاضطر إلى الاختفاء.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هي ركائز الإسلام الأموي..؟

والإجابة هي أن هذا الإسلام قد قام على ثلاثة ركائز أساسية:

الركيزة الأولى: مصحف عثمان

أحدث عثمان فتنة كبيرة بإحراقه المصاحف وإلزامه الأمة بمصحف محدد بهدف خدمة الخط السائد وضرب خط آل البيت والتعتيم على الإسلام النبوي. (١).

(١) أنظر لنا الخدعة فصل القرآن. ولولا إحراق عثمان للمصاحف ما قامت دولة بنو أمية..
١٦٤
ولقد مهد عثمان بعمله هذا لبروز الإسلام الأموي ودعم أطروحته إذ أن المصاحف الأخرى كانت بين يدي صحابة من شيعة على الملتزمين بالإسلام النبوي..

كان هناك مصحف ابن مسعود..

ومصحف أبي بن كعب..

ومصحف ابن عباس..

ثم مصحف الإمام علي..

وهؤلاء الأربعة تلقوا القرآن من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة فمن ثم هم قاوموا عثمان ورفضوا قراره هذا مما اضطره إلى البطش بالرافضين..

ووجه الخلاف بين مصحف عثمان وبين مصحف الإمام علي ومصاحف الصحابة ينحصر في أمرين:

- أنه مرتب ترتيبا خاصا..

- أنه مجرد من الحواشي والتفسيرات التي كانت بالمصاحف الأخرى..

وبالنسبة لأمر الترتيب فقد اعتمد فيه عثمان على عدد من الصحابة الذين ليس لهم سابقة في كتابة القرآن أو حفظه. (٢).

ومن وجهة أخرى هو اعتمد مصحف حفصة من دون بقية المصاحف التي كانت موجودة. ومصحف حفصة هو المصحف الذي جمعه أبو بكر وعمر: فكأنه بهذا لا يريد للمسلمين أن يخرجوا عن حدود القرآن الذي جمعه أبو بكر ولا يريد أن يلتزم المسلمون بمصحف الإمام علي أو ابن مسعود أو أبي أو ابن عباس لأن هؤلاء من شيعة على ومصاحفهم لا تخدم الخط القبلي وخط بن أمية الذي يقوم بالتمهيد له. (٣).

(٢) أنظر كتب تاريخ القرآن. والبخاري كتاب فضل القرآن وفتح الباري ج‍ ١٣. وكتابنا الخدعة.

(٣) أنظر المراجع السابقة..

١٦٥
إن عثمان بإلزامه الأمة بمصحف حفصة إنما يريد أن يلزمها بالخط القبلي وأن يقضي على أية بادرة تنحرف بالأمة عن هذا الخط..

وما دامت المصاحف كانت موجودة بين الصحابة فلم يكن هناك من دافع قوي يدفع بعثمان إلى فعله هذا سوى ضرب الإسلام النبوي ومحاصرة الإمام علي الذي بدأ نجمه في البروز نتيجة لكثرة المظالم والانحرافات في عهده..

وإذا كانت مسألة القراءات هي الدافع لعمل عثمان هذا كما يصور المؤرخون وفقهاء القوم فتد كان ممن الممكن لعثمان أن يلزم الأمة بقراءة واحدة دون أن يحرق المصاحف. (٤).

لو كانت المسألة مسألة قراءات ما تصدى له الصحابة ولا اصطدم به ابن مسعود..

ومن المعروف تأريخيا أن مصحف الإمام علي كان مرتبا ترتيبا زمنيا ولا شك أن مثل هذا الترتيب من شأنه أن يسهم في فهم مدلولات النص القرآني. (٥).

وعندما تكون هناك آيات مدنية في سورة مكية وآيات مكية في سورة مدنية فإن هذا سوف يخلخل مضمون السورة.

والهدف من الترتيب العثماني هو التمويه على نصوص القرآن الخاصة بآل البيت والتي ترمي إلى معان محددة لا تخدم الخط السائد بوضعها في وسط آيات تموه على معناها الحقيقي وتذهب بها مذهبا آخر..

ومن أمثلة ذلك وضع قوله تعالى في سورة الأحزاب: (إنما يريد الله ليذهب

(٤) أنظر المراجع السابقة ومقدمات كتب التفسير وليس المقصود بالقراءات هنا الأحرف السبعة وإنما قراءة الآيات بتفسيراتها التي أخذت عن الرسول، مثل قراءة ابن عباس لقوله تعالى (فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن) سورة النساء.. وفقهاء القوم يهاجمون هذه القراءة ويعتبرونها شاذة سيرا مع الخط القبلي...

(٥) اصطدم ابن مسعود وهو من حملة القرآن بعثمان ورفض الاعتراف بمصحفه حتى مات. وهذا الموقت يشير إلى أن المسألة لم تكن مسألة قراءات. وإذا كان هذا موقف ابن مسعود وهو تلميذ الإمام علي فكيف يكون موقف الإمام؟ إن كتب التاريخ قد عتمت على هذا الموقف. وللمزيد من التفاصيل حول هذا الأمر أنظر المراجع السابقة..

١٦٦
عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) في وسط آيات خاصة بنساء النبي حتى يتوطن في ذهن المسلم أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من أهل البيت وبالتالي يضيع المفهوم الحقيقي لأهل البيت والخاص بالإمام علي وفاطمة وذريتهما ويتشتت بين نساء النبي وذرية على. (٦).

وبالنسبة للأمر الثاني فإن تجريد المصحف من المعاني والتفسيرات التي تلقاها الصحابة عن الرسول صلى الله عليه وسلم يعني حرمان المسلمين من الوسيلة الشرعية لفهم القرآن التي تحسم الخلاف الذي من الممكن أن يقع حول تفسيره. وقد وقع هذا الخلاف..

ويعني من جهة أخرى الحيلولة دون فهم القرآن على نهج النبي صلى الله عليه وسلم ودفع المسلمين إلى تلقي هذا الفهم من جهة محددة هي الجهة التي سوف يفرضها الحكم..

ومن أمثلة ذلك ما كان في مصحف ابن عباس فقد كان يقرأ قوله تعالى في سورة النساء: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) كان يقرأها: فما استمتعتم به منهن - إلى أجل مسمى - فآتوهن أجورهن. (٧).

ولا شك أن مصحف كهذا سوف يخدم خط بني أمية ويسهم في دعم نموذج الإسلام الذي فرضوه على الأمة. فهو مصحف قابل للتأويل ويمكن استثمار نصوصه بهذا الشكل لصالحهم..

الركيزة الثانية: الصحابة

ولقد كانت العناصر التي تحالفت مع معاوية والتي أمكن استقطابها من قبله بمثابة صمام أمن للخط الأموي وركيزة أساسية في بناءه..

(٦) أنظر المراجع السابقة. وقد كان مصحف الإمام يبدأ بسورة العلق.. وانظر تفسير سورة الأحزاب في كتب التفسير. وقد ذم القرآن نساء النبي في سورة التحريم. أنظر كتب التفسير. وهذا الذم فيه دلالة على أنهن لسن المقصودات بالتطهر في الآية..

(٧) أنظر مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل آل البيت. وانظر لنا عقائد السنة وعقائد السنة.

١٦٧
ومن أبرز العناصر التي تحالفت مع معاوية وبني أمية من بعده ودعمت الإسلام الأموي في مواجهة الإسلام النبوي: عمرو بن العاص وعائشة والمغيرة بن شعبة وأبو هريرة وابن عمر وسمرة بن جندب وأنس بن مالك وزيد بن أرقم والأشعث بن قيس وجرير بن عبد الله. وجميع هؤلاء من الصحابة الذين احتكوا برسول الله صلى الله عليه وسلم واستثمرهم معاوية..

والمتابع لسيرة هؤلاء في كتب الرجال وكتب التأريخ يتبين له أن التزامهم بنهج الرسول كان ضعيفا ومشبوها وقد وردت على لسان الرسول أحاديث كثيرة بذمهم وكذلك على لسان الإمام علي ولا ترى في كتب السنن أية فضائل لهؤلاء من الممكن أن ترفع مكانتهم وتخرجهم من دائرة الشك (٨).

ويروى أن عليا كان يقنت في صلاة الفجر وفي صلاة المغرب ويلعن معاوية وعمرا والمغيرة والوليد بن عقبة وأبا الأعور والضحاك بن قيس وبسر بن أرطأة وحبيب بن مسلمة وأبا موسى الأشعري ومروان بن الحكم وكان هؤلاء يقنتون عليه ويلعنونه. (٩).

ويقول الإمام علي في ابن العاص: أنه ليقول فيكذب ويعد فيخلف. ويسأل فيحلف ويسأل فيبخل ويخون العهد ويقطع الآل - الرحم - إنه لم يبايع معاوية حتى شرط أن يؤتيه أنية ويرضخ له على ترك الدين رضيخة - ولاية مصر. (١٠).

وقال في مروان بن الحكم حين أسره يوم الجمل:.. لا حاجة لي في بيعته إنها كف يهودية. لو بايعني بكفه لغدر بسبته. أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه وهو أبو الأكبش الأربعة وستلقى الأمة منه ومن ولده يوما أحمر: الوليد. سليمان.

يزيد. هشام. (١١).

(٨) أنظر كتب تأريخ القرآن..

(٩) أنظر كتب التراجم. وانظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (١٠) شرح نهج البلاغة (١١) نهج البلاغة ح‍ ١ / خطبة رقم ٨٢..

١٦٨

الركيزة الثالثة: الروايات

ولم يكن وقوف هؤلاء الصحابة مع معاوية ومناصرتهم للخط الأموي يقف عند حد القتال معه ونصرته بالسيف والبيان. بل تجاوز هذا الحد إلى اختراع الروايات المنسوبة للرسول صلى الله عليه وسلم والتي تدعم معاوية وتشكك في الإمام علي وتضفي المشروعية على الإسلام الأموي.

وهذه الروايات إنما تنقسم إلى قسمين:

الأول: روايات خاصة بضرب الإسلام النبوي والتشكيك في الإمام علي..

الثاني: روايات خاصة بالمسلمين وإخضاعهم للإسلام الأموي..

ومنذ ذلك الحين انقسمت الروايات الواردة في كتب الأحاديث إلى قسمين:

قسم من رواية أنصار معاوية والإسلام الأموي..

وقسم من رواية أنصار الإمام علي والإسلام النبوي..

ولقد دعمت السياسية رواة القسم الأول وسلطت الأضواء على أحاديثهم المنسوبة للرسول والكتب التي تحويها في الوقت الذي قامت بالتعتيم على رواة القسم الثاني والتشكيك في رواياتهم والكتب التي تحويها..

ومن هنا قدم البخاري على غيره من الكتب لكونه يحوي روايات أنصار الإسلام الأموي ولا يحوي شيئا من الروايات التي تدعم الإسلام النبوي..

والروايات الخاصة بضرب الإسلام النبوي أكثر من أن تحصى وهي روايات تقود إلى التشكيك في الإمام علي ويبدو أن القوم لم يكتفوا بهذا فاخترعوا روايات خاصة بالإمام لتهز مكانته وقدره في نفوس المسلمين..

ومن هذه الروايات القول المنسوب لرسول صلى الله عليه وسلم: الناس تبع لقريش. ولا يزال هذا الأمر - الحكم - في قريش ما بقي منهم اثنان. (١٢).

(١٢) أنظر البخاري ومسلم وكتب السنن.
١٦٩
والقول الأخر: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا: كتاب الله وسنتي (١٣).

وحديث شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر وعثمان بدخول الجنة. (١٤).

وحديث؟ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ. (١٥).

وحديث أثبت أحد فإن عليك نبي وصديق وشهيدان أي أبو بكر وعمر وعثمان. (١٦).

وحديث خصومه على وعم النبي العباس بسبب المال وسب بعضهما البعض. (١٧).

وحديث خطبة الإمام علي ابنة أبي جهل على فاطمة الزهراء وغضب الرسول لذلك. (١٨).

وحديث أفضل الرجال أبو بكر ثم عمر. ثم عثمان. (١٩).

ومثل هذه الروايات إنما تهدف إلى دعم الإسلام القبلي ورموزه التي تشكل من جانب آخر دعما للإسلام الأموي الذي ارتكز عليه ونبع منه. وهي من جهة أخرى تشكل طعنا في الإسلام النبوي الذي رفع رايته الإمام وتشكل أيضا طعنا شخصيا له بتشويه صورته وتقديم الآخرين عليه..

(١٣) مسلم كتاب الإمارة وانظر موطأ مالك والحاكم..

(١٤) رواه مالك في الموطأ والحاكم في مستدركه..

(١٥) البخاري ومسلم كتاب فضائل الصحابة.. باب فضل أبي بكر وعمر وعثمان..

(١٦) أنظر مستدرك الحاكم..

(١٧) البخاري ومسلم كتاب فضائل الصحابة..

(١٨) أنظر البخاري. كتاب الإعتصام بالكتاب والسنة باب / ٥..

(١٩) البخاري. كتاب النكاح..

١٧٠
أما الروايات الخاصة بالمسلمين والتي تهدف إلى إخضاعهم لخط بني أمية فهي أكثر من أن تحصى:

يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: من يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني. (٢٠).

ويروى: السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك. (٢١).

ويروى: على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره. (٢٢).

ويروى: إسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم. (٢٣).

يروى: تسمع وتطيع للأمير وأن جلد ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع. (٢٤).

ويروى على لسان معاوية أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس. (٢٥).

ويروى: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات ميتة جاهلية. (٢٦).

ويروى: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية. (٢٧).

(٢٠) البخاري. كتاب فضائل الصحابة. ويروي البخاري على لسان علي أنه أقر بتقديم أبي بكر وعمر وعثمان عليه. أنظر باب فضل أبي بكر..

(٢١) مسلم كتاب الإمارة وانظر البخاري..

(٢٢) المرجعين السابقين (٢٣) مسلم كتاب الإمارة،.

(٢٤) المرجع السابق..

(٢٥) المرجع السابق..

(٢٦) المرجع السابق. وقد روى هذا الحديث عدة رجال من أنصار معاوية مثل جابر بن سمرة. وابن عمر.

والمغيرة بن شعبة. ومروان الفزاري انظر باب لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق.

(٢٧) المرجع السابق..

١٧١
ويروى: من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان.. (٢٨).

ويروى: من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه.. (٢٩).

وهناك روايات توجب عدم قتال الحكام والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة.. (٣٠).

ومن الواضح أن هذه الروايات من اختراع السياسة وليس من المعقول أن يحض الرسول على دعم المنكر والظلم وطاعة الحكام الفجرة الذين يسلبون الناس أموالهم ويعذبونهم. وهل جاء الإسلام ليقر الظلم والفساد..؟

وإذا كان الحاكم يسلب الأموال ويجلد الظهور فهو بهذا يكون طاغية أو قاطع طريق وهل مهمة الحكام إلا حفظ الأمن والحقوق والعدل بين الناس ودفع المظالم عنهم..؟

إن مثل هذه الروايات إنما تعكس الوجه الحقيقي للإسلام الأموي الذي ساد الأمة حتى يومنا هذا. فهو إسلام استسلامي مداهن للحكام يبرر الظلم والفساد..

وهو إسلام ينصر الحكام على الشعوب وينصر الأغنياء على الفقراء..

وهو إسلام يضخم الفروع على حساب الأصول..

وهو إسلام يزرع بذور الشقاق والانقسام في الأمة..

وهو إسلام يهين الرسول وآل البيت.. (٣١).

(٢٨) المرجع السابق..

(٢٩) المرجع السابق..

(٣٠) المرجع السابق. وما أسهل إقامة الصلاة على الحكام ما دامت سوف تكسبهم طاعة الجماهير وانقيادها لسياساتهم..

(٣١) أنظر لنا كتاب الخدعة. فصل الرسول والنساء. وانظر عقائد الشيعة وعقائد السنة باب الرجال..

١٧٢
هذه هي صورة الإسلام الأموي وأهم معالمه وهي على ما يبدو تتناقض تماما مع صورة الإسلام النبوي الذي رفع رايته الإمام علي الذي يرتبط بالجماهير ويتصدى للحكام وينصر الفقراء والمحرومين ويوحد صفوف الأمة ويركز على الجوهر والأصول ويكرم الرسول ويضعه في مكانته الشرعية كما يضع آل البيت في مكانتهم.

١٧٣

إنعاكسات الإسلام الأموي




- الدولة الإسلامية..
- الفكر الإسلامي..
- التيارات الإسلامية..



١٧٤
١٧٥
أربعة خطوط برزت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) خط آل البيت بقيادة الإمام علي وهو يمثل الإسلام النبوي..

وخط أبو بكر وعمر وهو يمثل الإسلام القبلي..

وخط عثمان ومعاوية وهو يمثل الإسلام الأموي..

وخط الخوارج وهو يمثل الإسلام القشري..

وقد انتهى الإسلام القبلي بمصرع عمر وبقيت في الساحة الخطوط الثلاثة الأخرى..

بقي خط آل البيت في أبناء الإمام علي من بعده ثم في شيعتهم من بعدهم..

وبقي الإسلام الأموي في كنف الحكومات حتى يومنا هذا..

وبقي الإسلام القشري منبوذا ومحاصرا حتى تبنته الحركة الوهابية وقامت بنشره الدولة السعودية بين صفوف المسلمين والتيارات الإسلامية المختلفة في كل مكان..

ولقد تغلغل الإسلام الأموي في الفكر الإسلامي على مر الزمان حتى صبغه بصبغته ثم جاء الإسلام القشري ليلقي بظلاله على هذا الفكر مع الحقبة النفطية المعاصرة بينما قدر للإسلام النبوي أن يظل محصورا في فئة قليلة مستضعفة هي فئة الشيعة. ويظل بعيدا عن الأضواء محاربا من الحكومات حتى قيض الله له دولا رفعت رايته وقوت شوكته في عدة بقاع ولفترة من الزمن.

ومن أشهر هذه الدول الدولة الفاطمية في مصر. والدولة الصفوية في إيران.

إلا أن البروز المعاصر للإسلام النبوي على يد الثورة الإسلامية في إيران يعد أكثر الصور فاعلية وتأثيرا في التاريخ الإسلامي إذ بعثت الروح في هذا الإسلام بعد أن طمرته السياسة قرونا طويلة..

من هنا فنحن اليوم نعاصر ثلاث صور للإسلام:

الأول: الإسلام الحكومي الذي تفرخ من الإسلام الأموي..

١٧٦
الثاني: الإسلام السعودي الذي تفرخ من إسلام الخوارج..

الثالث: الإسلام الشيعي الذي يعبر عن الإسلام النبوي..

وسوف نعرض في هذا الباب انعكاسات هذه الصور الثلاث على القضايا التالية:

- الدولة الإسلامية..

- الفكر الإسلامي..

- التيارات الإسلامية..

الدولة الإسلامية

أقام الأمويون نظاما ملكيا هو الأول من نوعه في الإسلام وسارت الحكومات التي جاءت من بعدهم على هذا النهج. وساير الفكر الإسلامي هذا الوضع وبنى نظرية الدولة الإسلامية على أساسه..

ولقد كانت أهم ملامح نظام الحكم الإسلامي على مر التاريخ تنحصر فيما يلي:

الاستبداد..

البذخ..

الملكية..

افتقاد حرية الرأي واحترام الإنسان..

ولم يحدث في تاريخ الفكر الإسلامي أن اصطدم الفقهاء بهذه القواعد بل عايشوها وتفاعلوا معها تماما كما يتعايش فقهاء اليوم مع الحكومات المعاصرة. فقد كان الحاكم هو الذي يعين القضاة ويتدخل في الأحكام وهو الذي يعين الخليفة من بعده وهو صاحب الرأي الأوحد في البلاد ويعيش حياة مترفة على حساب المسلمين الكادحين المطحونين..

وما يأسف له المرء أن هذه الصورة المنحرفة للحكم الإسلامي باركها الفقهاء

١٧٧
ودعموها ونسجوا من حولها الروايات والفتاوى التي تبرر هذه الصورة وتدفع بالمسلمين إلى التعاطف معها.. (١).

فهم قد دافعوا عن انحرافات عثمان وبرروها..

ودافعوا عن بني أمية وبني العباسي..

ثم عن الأيوبيين والمماليك والعثمانيين..

ثم ها هم يبكون اليوم على دولة الخلافة العثمانية ويحلمون بعودة حكم الخلفاء. ناسين أو متناسين الجرائم والانتهاكات والدماء التي أراقها الخلفاء طوال فترات التاريخ الإسلامي من أجل تثبيت عروشهم..

إن هؤلاء الفقهاء لا تعنيهم ممارسات الحكام ومواقفهم لكونها لا تمس الدين ولا تصطدم بهم فما دامت لا تمس الدين ولا تصطدم بهم فهي إذن في صالح المسلمين..

وكيف للحكام أن يمسوا الدين وهو ركيزتهم الأساسية ووسيلة تأمين وجودهم ومستقبلهم؟

وكيف لهم أن يصطدموا بالفقهاء وهم حلفائهم وآداتهم في تطويع المسلمين وتحذيرهم..؟

(١) تكتظ كتب السنن بالكثير من الروايات التي تدعم الحكام وتباركهم وتفرض على المسلمين طاعتهم والاستسلام لهم. ومن هذه الروايات المنسوبة للرسول (صلى الله عليه وسلم): إسمعوا وأطيعوا - للحكام - فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم.. تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.. من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية.. من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيام لا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة - للحكام - مات ميتة جاهلية.. من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه.. فمن أراد أن يرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان.. أنظر مسلم كتاب الإمارة والبخاري وكتب السنن الأخرى..

ومثل هذه الروايات هي التي بني على أساسها الفقهاء موقفهم وتصورهم حول الحكم والدولة وجعلوه من المفاهيم والعقائد الثابتة التي لا يجوز للمسلم أن يتجاوزها. أنظر كتب العقائد وانظر لنا فساد عقائد أهل السنة..

١٧٨
ومثل هذا الموقف إنما هو نابع من التصور الأحادي الذي يجعلهم يتصورون كل ما يخرج عن دائرتهم ودائرة إسلامهم هو الباطل والضلال المبين. فمن ثم يحق للحاكم أن يقتل وأن ينهب وأن ينتهك الحرمات ما دام كل ذلك يجري في دائرة المخالفين.

وإن أهم انعكاسات الخط الأموي على فكرة الدولة وشكلها ومقوماتها إنما يتمثل في اعتماد الفقهاء لثلاثة صور لقيام الحكم في الإسلام هي مستنبطة من واقع حكم الخلفاء الثلاثة أبو بكر وعمر وعثمان..

الصورة الأولى: الشورى من خلال أهل الحل والعقد وهي مستنبطة من السقيفة ومن فعل أبي بكر وفعل عمر حين أوصى بالستة..

الصورة الثانية: الوصية وهي مشتقة من فعل أبي بكر حين أوصى لعمر وقد مهدت هذه الفكرة لقيام الملكية فيما بعد..

الصورة الثالثة: ولاية العهد وهي مستنبطة من سلوك معاوية وحكام بني أمية وبني العباس وقد أضفت هذه الصورة المشروعية على نظم الحكم الملكية التي قامت في بلاد المسلمين طوال فترات التاريخ..

يقول القاضي أبو يعلى عن كيفية اختيار الحاكم: وهي فرض على الكفاية مخاطب بها طائفتان من الناس إحداهما: أهل الاجتهاد حتى يختاروا.

والثانية: من يوجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب أحدهم الإمامة.

أما أهل الاختيار فيعتبر فيهم ثلاثة شروط أحدها:

العدالة. والثاني: العلم الذي يتوصل به إلى معرفة من يستحق الإمامة.

والثالث أن يكون من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من هو للإمامة أصلح..

وأما أهل الإمامة فيعتبر فيهم أربع شروط. أحدها: أن يكون قرشيا من الصميم وقد روى أحمد: لا يكون من غير قريش خليفة.

الثاني: أن يكون على صفة من يصلح أن يكون قاضيا: من الحرية والبلوغ والعقل والعلم والعدالة.

١٧٩
كتاب السيف والسياسة للكاتب صالح الورداني (ص ١٨٠ - ص ٢٠٥)
١٨٠