×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشفاعة حقيقة إسلامية / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٩ ـ عن عبدالله بن عمرو بن العاص يقول: إنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إذا سمعتم مؤذناً فقولوا مثل ما يقول ثم صلّوا عليَّ فإنّه من صلّى عليَّ صلّى الله عليه بها عشراً ثم سلوا لي الوسيلة فإنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأله لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة» (١).

١٠ ـ عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) قال: «الشفاعة» (٢).

١١ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «رأيتُ ما تلقى أُمتي بعدي... فسألت ان يوليني شفاعة يوم القيامة فيهم ففعل» (٣).

١٢ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ليخرجنَّ قوم من أُمتي من النار بشفاعتي يسمّون الجهنميين» (٤).

١٣ ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «شفاعتي نائلة إن شاء الله من مات ولا يشرك بالله شيئاً» (٥).

١٤ ـ وروي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: «لنا شفاعة ولاَهل مودتنا شفاعة» (٦).

١٥ ـ قال الاِمام زين العابدين عليه السلام: اللهمّ صلِّ على محمد وآل محمد

(١) مسند أحمد ٢: ١٦٨.

(٢) مسند أحمد ٢: ٤٤٤.

(٣) مسند أحمد ٦: ٤٢٨.

(٤) سنن الترمذي ٤: ١١٤. وسنن ابن ماجه ٢: ١٤٤٣.

(٥) مسند أحمد ٢: ٤٢٦.

(٦) أمالي الصدوق: ٢٩١.

٢١

وشرّف بنيانه وعظّم بُرهانه، وثقّل ميزانه وتقبل شفاعته» (١).

١٦ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يا بني عبدالمطلب إنَّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكني وعدت الشفاعة» (٢).

١٧ ـ قال الاِمام زين العابدين عليه السلام: «... وتعطف عليَّ بجودك وكرمك، وأصلح مني ما كان فاسداً، وتقّبل مني ما كان صالحاً، وشفّع فيَّ محمداً وآل محمد، واستجب دعائي وارحم تضرعي وشكواي...»(٣).

١٨ ـ عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «المؤمن مؤمنان: مؤمن وفى لله بشروطه التي شرطها عليه، فذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا وذلك من يشفع ولا يشفع له وذلك ممن لا تصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الآخرة، ومؤمن زلت به قدم فذلك كخامة الزرع كيفما كفئته الريح انكفأ وذلك ممن تصيبه أهوال الدنيا والآخرة ويشفع له وهو على خير» (٤).

١٩ ـ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ ربكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم وشفّع محسنكم في مسيئكم فأفيضوا مغفوراً لكم»، قال: وزاد غير الثمالي انه قال: «إلاّ أهل التبعات فإن الله عدل يأخذ للضعيف من القوي» فلما كانت ليلة جمع لم يزل يناجي ربه ويسأله لاَهل التبعات فلما وقف بجمع قال لبلال: «قل للناس فلينصتوا» فلما نصتوا قال: «إنّ ربكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم وشفّع محسنكم في مسيئكم فأفيضوا مغفوراً لكم»

(١) الصحيفة السجادية، دعاء رقم ٤٣.

(٢) الكافي، للكليني ٤: ٥٨.

(٣) الصحيفة السجادية ٢: ٢٨٢، الطبعة المحققة.

(٤) الكافي، للكليني ٢: ٢٤٨.

٢٢

وضمن لاَهل التبعات من عنده الرضا (١).

٢٠ ـ عن الاِمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في ذكر فضل القرآن: «إنّه ما توجّه العباد إلى الله تعالى بمثله، واعلموا انه شافع مشفّع وقائلٌ مصدّق، وأنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفّع فيه» (٢)

وهذه الاحاديث وغيرها كثير تدلل بما لا يدع مجالاً للشك، أنّ مسألة القول بالشفاعة لدى المسلمين قد نشأت معهم وكوّنت جزءاً من ثقافتهم وعقيدتهم الاِسلامية، وقد أقرّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة من أهل بيته عليهم السلام ذلك الاِيمان.

فهناك دلائل تاريخية توضّح اهتمام المسلمين في عصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بطلب شفاعته لهم يوم القيامة، فقد روي عن أنس بن مالك عن أبيه قوله: سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: «أنا فاعل» قال، قلتُ: يارسول الله فأين أطلبك ؟، فقال: «إطلبني أول ما تطلبني على الصراط»(٣)

جاء في متن الواسطية: (وأوّل من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأوّل من يدخل الجنة من الاَُمم أُمّته، وله صلى الله عليه وآله وسلم في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الاَولى، فيشفع في أهل الموقف حتى يُقضى بينهم بعد أنْ يتراجع الاَنبياء آدم، ونوح، وابراهيم، وموسى، وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إليه. وأما الشفاعة الثانية فيشفع في أهل

(١) الكافي، للكليني ٤: ٢٥٨.

(٢) نهج البلاغة: خطبة ١٧٦.

(٣) سنن الترمذي ٤: ٦٢١ كتاب صفة القيامة الباب ٩.

٢٣

الجنة أنْ يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له، وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها) (١).

وجاء في السيرة النبوية للحلبي إنّ أبا بكر أقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فكشف عن وجهه وأكبَّ عليه وقال «بأبي أنت وأُمي طبت حيّاً وميّتاً، إذكرنا يا محمد عند ربك ولنكن في بالك» (٢).

(١) متن العقيدة الواسطية، لابن تيمية: ٥٨ ـ ٥٩، نشر مكتبة السوادي، السعودية.

(٢) السيرة النبوية، للحلبي ٣: ٤٧٤.

٢٤
٢٥

الفصل الثاني
الشفاعة عند علماء المسلمين

يكاد يجمع علماء المسلمين على وجود الشفاعة وأنها تنال المؤمنين.. لكن بعضهم ناقش في سعة المفهوم وضيقه، ففيما يجمع أغلب أئمة الفرق والمذاهب الاِسلامية على أنّ الشفاعة تنفع في دفع الضرر والعذاب.

أولاً: آراء وأقوال العلماء حول مفهوم الشفاعة

١ ـ قال الشيخ المفيد محمد بن النعمان العكبري (ت ٤١٣ هـ):

«إتفقت الاِمامية على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أُمته، وأنّ أمير المؤمنين عليه السلام يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وأنّ أئمة آل محمد عليهم السلام كذلك، وينجي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين».

وقال في مكان آخر: «ويشفع المؤمن البرّ لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته ويشفّعه الله. وعلى هذا القول إجماع الاِمامية إلاّ من شذّ

٢٦

منهم» (١).

٢ ـ وقال الشيخ محمد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠ هـ) في تفسيره (التبيان): «حقيقة الشفاعة عندنا أنْ تكون في إسقاط المضار دون زيادة المنافع، والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيشفّعه الله تعالى ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصراط لما رُوي من قوله عليه السلام: «إدّخرتُ شفاعتي لاَهل الكبائر من أُمتي».

والشفاعة ثبتت عندنا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وكثير من أصحابه ولجميع الاَئمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين...» (٢).

٣ ـ وقال العلاّمة المحقق الفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨ هـ):

«... وهي ثابتة عندنا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولاَصحابه المنتجبين والاَئمة من أهل بيته الطاهرين عليهم السلام ولصالحي المؤمنين وينجّي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين..» (٣).

٤ ـ ويقول العلاّمة الشيخ محمدباقر المجلسي (ت ١١١٠ هـ):

«أما الشفاعة فاعلم أنّه لا خلاف فيها بين المسلمين بأنّها من ضروريات الدين وذلك بأنّ الرسول يشفع لاُمته يوم القيامة، بل للاُمم الاُخرى، غير أنّ الخلاف هو في معنى الشفاعة وآثارها، هل هي بمعنى الزيادة في المثوبات أو إسقاط العقوبة عن المذنبين ؟

(١) أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، للشيخ المفيد: ٢٩ تحقيق مهدي محقق.

(٢) التبيان، للشيخ الطوسي: ٢١٣ ـ ٢١٤.

(٣) مجمع البيان في تفسير القرآن، للشيخ الطبرسي: ١٠٣.

٢٧

والشيعة ذهبت إلى أنّ الشفاعة تنفع في إسقاط العقاب وإن كانت ذنوبهم من الكبائر، ويعتقدون بأنّ الشفاعة ليست منحصرة في النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاَئمة عليهم السلام من بعده، بل للصالحين أن يشفعوا بعد أن يأذن الله تعالى لهم بذلك...» (١).

ما تقدم كان نماذج من أقوال علماء الشيعة الاِمامية حول الشفاعة معنىً وحدوداً، أما علماء المذاهب الاِسلامية الاُخرى فقد أقرّوا بالشفاعة والاِيمان بها، وننقل فيما يلي نماذج من آراءهم وأقوالهم.

١ ـ الماتريدي السمرقندي (ت ٣٣٣ هـ):

عند تفسيره لقوله تعالى: (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ)(٢)، وقوله تعالى: (وَلا يَشْفَعُونَ إلاّ لِمَنْ ارْتَضَى..)(٣).

«إنّ الآية الاُولى وإن كانت تنفي الشفاعة، ولكن هنا شفاعة مقبولة في الاِسلام وهي التي تشير إليها هذه الآية» (٤)ويقصد بها الاَية ٢٨ من سو رة الاَنبياء.

٢ ـ أبو حفص النسفي (ت ٥٣٨ هـ):

يقول في عقائده المعروفة بـ (العقائد النسفية): «الشفاعة ثابتة للرُسُلِ

(١) بحار الانوار، للشيخ المجلسي ٨: ٢٩ ـ ٦٣.

(٢) البقرة ٢: ٤٨.

(٣) الانبياء ٢١: ٢٨.

(٤) تأويلات أهل السُنّة، لابي منصور الماتريدي السمرقندي: ١٤٨.

٢٨

والاَخيار في حق الكبائر بالمستفيض من الاَخبار» (١).

٣ ـ ناصر الدين أحمد بن محمد بن المنير الاسكندري المالكي:

يقول في الانتصاف «وأما من جحد الشفاعة فهو جدير أن لا ينالها، وأما من آمن بها وصدّقها وهم أهل السُنّة والجماعة فاُولئك يرجون رحمة الله، ومعتقدهم أنّها تنال العصاة من المؤمنين وإنّما ادُخرّت لهم...» (٢).

٤ ـ القاضي عياض بن موسى (ت ٥٤٤ هـ):

«مذهب أهل السُنة هو جواز الشفاعة عقلاً ووجودها سمعاً بصريح الآيات وبخبر الصادق، وقد جاءت الآثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الآخرة لمذنبي المؤمنين، وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السُنة عليها...» (٣).

وقد ذهب الكثير من علماء المسلمين إلى حقيّة وجود الشفاعة مما لايسع في هذا البحث الموجز حصره من أقوالهم وآرائهم لضيق المجال.

ويتضح مما تقدم، أنّ الشفاعة ـ واعتماداً على نصوص القرآن الكريم الصريحة والاَحاديث الشريفة المتواترة المنقولة عن النبي الاَكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام ـ هي من القضايا المقبولة عند أغلب الفرق والمذاهب الاِسلامية، مع وجود من يناقش في معنى الشفاعة،

(١) العقائد النسفية، لابي حفص النسفي: ١٤٨.

(٢) الانتصاف فيما تضمّنه الكشاف من الاعتزال، للامام ناصرالدين الاسكندري المالكي المطبوع بهامش الكشاف ١: ٢١٤.

(٣) نقلاً عن: شرح صحيح مسلم، للنووي ٣: ٣٥.

٢٩

فقد رفض المعتزلة الشفاعة وناقشوا فيها.. حيثُ يقول أحد أعلامهم وهو أبو الحسن الخياط وهو يفسر قوله تعالى: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أفأنْتَ تُنْقِذُ مَنْ في النَّارِ...)(١): «اِنّ الاَية تنص على أنّ من استحق العذاب لا يمكن للرسول أن ينقذه من جهنم..» وفي ردّ ذلك يقول الشيخ المفيد رضي الله عنه: «إنّ القائلين بالشفاعة لا يدّعون بأنّ الرسول هو المنقذ للمستحقين النار وإنّما الذي يدّعونه إنّ الله سبحانه ينقذهم منها إكراماً لنبيّه والطيبين من أهل بيته عليهم السلام.

هذا من جهة، ومن جهة اُخرى، فإنّ المفسرين يذهبون إلى أنّ الذين حقت عليهم كلمة العذاب هم الكفار، وإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يشفع لهم»(٢) ومن هنا يكون هذا الاِحتجاج بالآية الشريفة الآنفة على نفي الشفاعة احتجاجاً غير صحيح.

ثانياً: إشكالات وردود

مع وضوح الشفاعة كمفهوم ثابت في القرآن الكريم، فإنّ تطوّر المسائل الكلامية عند المسلمين أدّت إلى أن يثور الجدل حول هذا المفهوم من جوانب متعددة، ومن ثم إيراد الاِشكالات عليه، وهي إشكالات تنبع عادة من خلال الثوابت التي يؤمن بها كل فريق من الفرق الاِسلامية التي ناقشت هذا المفهوم.

ونورد أهم الاِشكالات التي أُثيرت هنا ثم نناقشها ونبيّن بطلانها

(١) الزمر ٣٩: ١٩.

(٢) الشيعة بين الاشاعرة والمعتزلة، لهاشم معروف الحسني: ٢١٢ ـ ٢١٣ نقلاً عن الفصول المختارة: ٥٠.

٣٠

وفسادها وكما يأتي:

الاِشكال الاَول

إنّ (نفس الذنب) الذي قد يرتكبه المؤمن يرتكبه الكافر، وإنّ الله سبحانه وتعالى قد وضع سُنّة العقاب والثواب جزاءً لاَفعال عباده، وإنّ رفع العقاب عن المؤمنين المذنبين بواسطة الشفاعة، وإنزالهِ على غيرهم من الكافرين، مُخلّ بعدالته (سبحانه وتعالى عن ذلك عُلّواً كبيراً) وهذا الاِشكال يمكن أن نسميه بـ «مشكلة الاثنينية في الجزاء مع وحدة الذنب».

والجواب عليه:

لابدّ من بيان: هل الذنب من المؤمن والكافر واحد ؟ وهل أنّ قبول الله لشفاعة الشافعين بالمؤمن المذنب وحرمان الكافر منها اثنينية في الجزاء أم لا ؟

لا ريب أنّ الذنب من أي شخص ولاَي شخص كان يقتضي استحقاق الذم والعقاب، كما أن الاِطاعة من أي شخص كان ولاَيّ شخص كانت تقتضي الثواب والمدح، وإلاّ لم يبق فرق بين المطيع والعاصي.

إلاّ أنّ الله سبحانه فرّق ـ وكلامنا فعلاً في المعصية ـ بين ما إذا كانت من مؤمن به، وما إذا كانت من كافر، فجعل الشفاعة للمؤمنين العصاة كما فتح لهم باب التوبة، وأمّا الكافرون فإنّ نيلهم الشفاعة أو قبول التوبة من الذنوب معلّق على أصل الاِيمان بالله عزَّ وجل.. تماماً كالحسنات، فإنّهم ما لم يؤمنوا لا يثابون عليها أبداً.

٣١

فصحيحٌ أنّ «الكذب» مثلاً الصادر من المؤمن والصادر من الكافر واحد، إلاّ أنهما يختلفان حكماً، وقد دلّت على هذا الاختلاف الاَدلة الواردة من قِبَل نفس المولى الذي اعتبر الكذب معصيةً له، وهي الاَدلة التي فرّقت بين المؤمن والكافر.

فهذا الاِشكال إنّما نشأ ـ في الحقيقة ـ من توهّم وحدة الذنب، وقد بيّنا أنّه يختلف ويتعدد باختلاف صاحب الذنب، وبهذا اللحاظ يختلف الحكم بجعل من المولى نفسه.

إنّ القرآن الكريم، في آياته الشريفة، قد صنّف موقف الناس يوم القيامة إلى عدة أصناف، فهناك مؤمنون، وهناك كافرون.

والكافرون هم أولئك الذين لم يؤمنوا بالله في الحياة الدنيا أو أشركوا بعبادته أحداً، ومثل هؤلاء لا تنالهم الشفاعة بصريح القرآن: (.. أم اتَّخَذّوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أوَلَوْ كَانُوا لا يَملكُونَ شَيئَاً وَلا يَعْقِلُونَ..)(١).

أو قوله تعالى: (... وَالَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤهُم الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلى الظُلُمَاتِ أُولئكَ أصْحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ..)(٢). ووا ضح ان الخلود في النار يتنافى مع مفهوم الشفاعة..

كما نجد آيات أُخرى تؤكد على ذلك.

إنّ ما قرّره الله سبحانه وتعالى من جزاء للمؤمنين والكافرين هي من

(١) الزمر ٣٩: ٤٣.

(٢) البقرة ٢: ٢٥٧.

٣٢

مختصاته سبحانه وتعالى، وإنّ الوعد بالثواب للمؤمنين والوعيد بالعقاب للكافرين والمشركين هو أمر ثابت لا يتخلف عنه الحكم الاِلهي، حيثُ لم ترد في كلِّ القرآن الكريم آية واحدة تدّل على أنّ للكافرين فرصة لنيل الشفاعة يوم القيامة بل هم خالدون في النار.

ومن هنا فإنَّ حرمان الكافرين من الشفاعة يوم القيامة ليس تخلفاً عن الحكم الالهي، بل هو وفاء للوعيد الذي سبق أنْ أخبر به الله سبحانه وتعالى الكافرين على لسان أنبيائه ورُسله.

أما المؤمن فإنّه قد فتح له باب التوبة، فقد يرتكب ذنباً «فيتوب منه»، وتوبته تصحُّ بالندم على ارتكاب الفعل وبالتالي تركه وعدم العودة إليه؛ لاَنّ الندم على ارتكاب الذنب يستدعي ترك العودة إليه، وإلاّ فإنّ العودة إلى الذنب تعني الاِصرار عليه، فإذا مات مذنباً أمكن أن يغفر له بالشفاعة التي وعدها الله للمؤمنين، وعلى هذا الاَساس يكون قبول الشفاعة في المؤمنين المذنبين وعدم قبولها في الكافرين، وفاء للوعد الاِلهي الذي جاء على لسان الاَنبياء والمرسلين.

وهنا نقدم نماذج من القرآن الكريم لكلٍّ من الوعدين:

قوله تعالى: (إنّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُم كُفّارٌ أُولئِكَ عَلَيهِم لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلائكَةِ وَالنَّاسِ أجمعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلا هُم يُنظَرُونَ)(١).

وقوله تعالى: (... وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُم عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ

(١) البقرة ٢: ١٦١ ـ ١٦٢.

٣٣

حَبِطَتْ أعْمَالُهُم فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وأُوْلَئِكَ أصحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ..)(١).

وهاتان الآيتان توضحان بجلاء حقيقة الوعد الاِلهي لمن مات وهو كافر، وهو الخلود في النار، ومعلوم أنّ الخلود في النار يتناقض تماماً مع مفهوم الشفاعة.

وقوله تعالى: (إنَّمَا التَوْبَةُ عَلَى اللهِ لَّلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةِ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فأولئك يَتُوبُ اللهُ عَلَيهم)(٢).

وقوله تعالى: (.. فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلمِهِ وأصْلَحَ فإنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحيْمٌ)(٣).

وهناك آيات كثيرة أُخرى تحدثت عن التوبة.

وبعد هذه الشواهد نقول ردّاً على الاِشكال المتقدم، إنّ الاثنينية في الجزاء إنّما جاءت بتبع الاِثنينية في الذنب، ويتلخص الجواب في عدم الوحدة في الذنب، فإنّ المولى قرّر وأخبر منذ البدء عن الفرق في تعامله بين المؤمن والكافر بالنسبة إلى الذنوب الصادرة منهما، وعلى أساس ذلك كان الكافر محروماً من الشفاعة في الآخرة بخلاف المؤمن فقد تناله، كما تقبل التوبة من ذنوبه إذا تاب. فكان جزاء كلٍّ منهما في الآخرة مطابقاً لما قرّره وأخبر به الناس على لسان الاَنبياء وأوصيائهم عليهم السلام.

(١) البقرة ٢: ٢١٧.

(٢) النساء ٤: ١٧.

(٣) المائدة ٥: ٣٩.

٣٤

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنّ شفاعته لا تنال من أشرك بالله عزَّ وجل وإنها تنال غير المشركين، فقد روى أبو ذر أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلّى ليلة فقرأ آية حتى أصبح، يركع بها ويسجد بها: (إنّ تعذّبهُم فإنّهُم عِبَادُك وإن تَغفر لهُم فإنك أنتَ العزيزُ الحكيم)(١)، فلما أصبح قلت: يا رسول الله مازلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «...إني سألت ربي عزَّ وجل الشفاعة لاُمتي فأعطانيها فهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله عزَّ وجل شيئاً» (٢).

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «شفاعتي لمن شهد أنْ لا إله إلاّ الله مخلصاً يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه..» (٣).

الاِشكال الثاني

إنّ رفع العقاب عن المذنبين يوم القيامة بعد أن أثبته الله بالوعيد به «أي العقاب» يوم القيامة إما أن يكون عدلاً أو يكون ظلماً.

فإن كان رفع العقاب عدلاً كان الحكم بالعقاب ظُلماً «تعالى الله عنه علواً كبيراً».

وإن كان رفع العقاب ظلماً، فإنّ طلب الاَنبياء والمرسلين والصالحين للشفاعة، هو طلبٌ للظلم وهذا جهلٌ لا تجوز نسبته إليهم عليهم السلام وهم المرسلون الذين عصمهم الله من الخطأ والزلل.

(١) المائدة ٥: ١١٨.

(٢) مسند أحمد ٥: ١٤٩.

(٣) مسند أحمد ٢: ٣٠٧ و ٥١٨.

٣٥

والجواب عليه:

وهو إشكالية التعارض بين أن يكون رفع العقاب (عدلاً) فالعقوبة الناتجة عن الذنب (ظلمٌ) لا يجوز على الله سبحانه وتعالى، وبين أن يكون رفعه (العقاب) ظلماً ـ بعد أن تقدّم الوعيد به في الحياة الدنيا ـ فإنّ طلب الاَنبياء أو الشفعاء بشكل عام، يُعّدُ طلباً للظُلم، وهم أبعد وأسمى من ذلك.

قد ذكرنا أنّ الذنب من المؤمن ليس علةً تامةً لوقوع العقاب عليه، وإنّما هو مقتضٍ للعقاب، فإن حصل هناك ما يمنع من وقوعه من الموانع التي قررّها المولى نفسه كالتوبة والشفاعة ارتفع العقاب، وإلاّ أثّر الذنب أثره.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «إذا قمتُ المقام المحمود تشفّعتُ في أصحاب الكبائر من أُمتي فيشفّعني الله فيهم، والله لا تشفعّت فيمن آذى ذريتي»(١).

وعلى هذا، فإنّ عقاب الله سبحانه للعبد المؤمن المذنب عين العدل، كما أنّ إعطاء الثواب للعبد المؤمن المطيع عين العدل، فلولا استحقاق العاصي للعقاب لم يبق فرق بينه وبين المطيع، إلاّ أنّ هذا الاستحقاق قد لا يصل إلى مرحلة الفعلية لتحقق مانع عنها كالشفاعة والتوبة.

وبهذا اتضح عدم التنافي بين قانون العدل الاِلهي، وقانون الشفاعة.

وحاصل ذلك: إنّ «الشفاعة» ماهي إلاّ «فضل ورحمة من الله» جعلها

(١) أمالي الصدوق: ١٧٧.

٣٦

عزَّ وجل للمؤمنين، وبها وقع الفصل بين المؤمن والكافر، غير أنها «رحمة» منه، وأي تعارض بين «الرحمة» و «العدل» ؟

إنّ الوعد الاِلهي بقبول الشفاعة بحق بعض عباده يختص باُولئك الذين حددهم بصورة عامة داخل دائرة ومساحة الاِيمان به وكتبه ورسله.

ومن هنا فإنّ رفع العقوبة عن المؤمن المرتكب للذنب هو نوع من التفضّل الاِلهي على عبادهِ المؤمنين.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «خُيرّت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أُمتي الجنّة فأخترت الشفاعة لاَنّها أعم وأكفى أترونها للمتقين ؟ لا، ولكنّها للمذنبين الخطائين المتلوّثين» (١).

وقال الاِمام الحسن عليه السلام: «إنّ النبي قال في جواب نفر من اليهود سألوه عن مسائل: وأما شفاعتي ففي أصحاب الكبائر ماخلا أهل الشرك والظلم»(٢).

أما إنزال العقاب على المشركين والكافرين فقد تقدّم بها الوعيد الاِلهي، ومن هنا فأن الاَنبياء والاَوصياء والذين ارتضى سبحانه وتعالى شفاعتهم، لا يشفعون أصلاً في الكافرين أو المشركين أو الذين وعد الله سبحانه وتعالى بخلودهم في جهنم، ويتضّح من هذا الرد أننا أمام صنفين من الناس، صنف آمن وأذنب.. وصنف كفر وأشرك، ومن هنا فإنّ افتراض أن يطّرد الجزاء وينطبق من ناحية «الهوية» على الصنفين معاً هو افتراض غير صحيح.

(١) سنن ابن ماجة ٢: ١٤٤١ | ٤٣١١. ومسند أحمد ٦: ٢٣ و٢٤ و٢٨.

(٢) الخصال، للصدوق: ٣٥٥.

٣٧

نعم الاِشكال يرد فيما لو تمّ رفع العقاب عن فرد من الصنف الاَول ولم يُرفع عن فرد آخر من نفس الصنف مع أنهما متساويان في الصفات تماماً.

هذا من جهة، ومن جهة أُخرى فإنّ «وقوع الشفاعة وارتفاع العقاب.. وذلك إثر عدّة من الاَسباب، كالرحمة والمغفرة والحكم والقضاء وإعطاء كلّ ذي حق حقه، والفصل في القضاء، لا يوجب اختلافاً في السُنّة الجارية وضلالاً عن الصراط المستقيم» (١).

الاِشكال الثالث

إنّ الشفاعة المعروفة لدى الناس هي: أن يدعو المشفوع عنده إلى فعل شيء أو ترك الفعل الذي حكم به على المشفوع له، وهذا أمرٌ لا يمكن حصوله، إلاّ إذا حدث للمشفوع عنده عِلمٌ جديد يوجب عنده قبول الشفاعة في المشفوع له، أو أنّه ينصرف عن إجراء الحكم الذي قرره رعاية للشفيع ومنزلته عنده ولو كان على حساب الحق والعدل والاِنصاف، وهذه افتراضات لا يجوز نسبتها إلى الله (تعالى عن ذلك علّواً كبيراً).

والجواب عليه:

فهو افتراض باطل من أساسه، لاَنّ الفعل الذي قررّه سبحانه وتعالى ـ وهو العقاب ـ لم يكن أثراً غير قابل للانفكاك عن «الذنب»، لما تقدّم من أنّ الذنب ليس إلاّ مقتضياً للعقاب، فالشفاعة ـ بعد أنْ كان الذنب مجرد مقتضٍ للعقاب ـ تقدّم الوعد بها، وأثبتها القرآن الكريم بصورها وحدودها

(١) الميزان في تفسير القرآن، للطباطبائي ١: ١٦٤.

٣٨

ومواصفات أشخاصها، لا تمثل عند قبولها انصرافاً عن الفعل الذي قرره سبحانه وتعالى، بل هي وفاءٌ لما قرره بحق عباده، وهي بعد هذا لا توجب معنى حصول علم جديد بعد أن تقدم العلم بها حتى ذكرها سبحانه وتعالى وأوضح الطريق والباب الذي يمكن للمؤمنين المذنبين أن يلجوه وصولاً إلى رضوانه تعالى.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإنّ الله سبحانه وتعالى قد سبق في علمه، مصائر عباده وحالهم في الدنيا والآخرة، وبعد هذا العلم الشامل، فليس في قبول الشفاعة علم جديد يحصل عنده، (تعالى عن ذلك علّواً كبيراً..).

ويتضح ذلك من قوله تعالى: (.. يَمْحُو اللهُ مَّا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أمُّ الكِتَابِ)(١).

ويقول العلاّمة الطباطبائي قدس سره: «.. نعم تغيّر العلم والاِرادة المُستحيل عليه تعالى هو بطلان انطباق العلم على المعلوم والاِرادة على المراد مع بقاء المعلوم والمراد على حالهما، وهو الخطأ والفسخ، مثل أن ترى شبحاً فتحكم بكونه إنساناً ثم يتبيّن أنّه فرس فيتبدل العلم، أو تريد أمراً لمصلحة ما ثم يظهر لك أنّ المصلحة في خلافهِ فتنفسخ إرادتك، وهذان غير جائزين في مورده تعالى، والشفاعة ورفع العقاب بها ليس من هذا القبيل كما عرفت» (٢).

(١) الرعد ١٣: ٣٩.

(٢) الميزان ١: ١٦٥.

٣٩

الاِشكال الرابع

إنّ معرفة الناس بثبوت الشفاعة لمن أذنب بواسطة الاَنبياء والصالحين يخلق عندهم الجرأة على ارتكاب الذنب على أمل نيل الشفاعة منهم يوم القيامة.

وهذا الاَمر سيؤدي إلى عبثية الاَحكام المتعلقة بالجزاء حيثُ سيضطرب النظام الاِجتماعي ويشيع الفساد في الناس وتنتهك أحكام الله التي وضعها لعبادهِ.

والجواب عليه:

إنَّ مشكلة هذا الاِشكال وضعفه: هو أنّه تجاهل ظاهرة مهمة في الآيات القرآنية التي تناولت بصورة مباشرة موضوع الشفاعة وقبولها، وكذلك الآيات التي تحدثت عن خلود الكافرين في النار.. وهذه الظاهرة هي: إنّ آيات الشفاعة لم تُعيّن على سبيل التحديد أفراد النّاس ومجاميعهم ممن تنالهم الشفاعة، كما أنّها لم تُعيّن الذنوب التي تُقبل الشفاعة فيها..

فإذا كان الاَمر كذلك، فكيف تطمئن نفسٌ أن تنالها الشفاعة، وكيف تطمئن أيضاً إلى أن ذنبها الذي ترتكبه هو من الذنوب التي تقبل بها الشفاعة.

ومن هنا فإنّ النفس والحال هذه ستبقى متعلقة، وجلةً تتملكها الخشية من ارتكاب الذنب والمعصية خوفاً أن لا تكون ممن تنالها الشفاعة، أو أن يكون ذنبها مما لا تقبل فيه الشفاعة.

٤٠