×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشفاعة حقيقة إسلامية / الصفحات: ٤١ - ٦٠

أما الآيات الشريفة التي تحدثت عن الكافرين وخلودهم في النار وأنواع العذاب، وعدم غفران ذنوبهم، فإنها شخّصت الاطار العام للصفات والافعال التي إذا تميّز بها الاِنسان فإنّه يدخل النار، ومن ذلك على سبيل المثال قوله تعالى: (إنَّ اللهَ لا يَغفِرُ أنْ يُشرَكَ بِهِ وَيَغفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ)(١).

والآية كما ترى تتحدث عن المغفرة يوم القيامة، وأنّها لا تنال الذين ماتوا وهم مشركون.

وعلى هذا فكيف تكون الشفاعة موجبة لجرأة الناس على الذنوب والمعاصي ؟ مع أنّ ارتكاب الذنب من قبل المؤمن لابدّ أن تعقبه التوبة طلباً للغفران.. لاَنّ هذه صفة المؤمن بالله تعالى واليوم الآخر، فإنه دائماً يراقب نفسه لئلا يقع في معصية، فإنْ استولى عليه الشيطان وأغواه وارتكب المعصية تذكّر وتاب إلى الله توبةً نصوحاً فضلاً عن أن يصرّ على الذنب الواقع منه.

فالاِيمان ليس لوناً نضفيه على الاِنسان، بل هو يتجسد في المحتوى الداخلي للاِنسان وعلاقته بربه وسلوكه الاِجتماعي المنضبط بأوامر الله سبحانه وتعالى ونواهيه.

ولعل ما يشير إلى ذلك الآية الشريفة: (وَالَّذينَ إذا فَعَلُوا فَاحِشَةً أو ظَلَمُوا أنفُسَهُم ذَكَرُوا اللهَ فاستَغفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذنُوبَ إلاّ اللهُ وَلَم

(١) النساء ٤: ٤٨.

٤١

يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُون)(١).

فالآية القرآنية هنا تتحدث عن صنفٍ من الناس حددت طبيعة سلوكهم ولم تعيّن أشخاصهم.. كما أنّها لم تحدد نوع الفاحشة أو الظُلم.. ولكنها تشير إلى أنّهم بعد ارتكابهم الظلم والفاحشة يذكرون الله ويستغفرون لذنوبهم وأنّهم لا يُصرّون عليها.. هؤلاء الناس يغفر الله ذنوبهم، ولولا الاستغفار لما نالوا هذا الوعد الاِلهي بغفران ذنوبهم.

وإلى ذلك يشير الحديث الشريف، فعن علي بن ابراهيم، عن محمد ابن عيسى، عن يونس، عن عبدالله بن سنان، قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يرتكبُ الكبيرة من الكبائر فيموت هل يُخرجه ذلك من الاِسلام ؟ وإن عُذّب كان عذابه كعذاب المشركين، أم له مُدّة وانقطاع ؟ فقال عليه السلام: «من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم أنّها حلال أخرجه ذلك من الاِسلام وعذّب أشدّ العذاب، وإن كان مُعترفاً أنّه أذنب ومات عليه ـ أي مصرّاً على الذنب ـ أخرجه من الاِيمان ولم يخرجه من الاِسلام وكان عذابه أهون من عذاب الاَول» (٢).

الاِشكال الخامس

إنّ العقل قد يحكم بإمكانية وقوع الشفاعة بالاِفادة من آيات القرآن الكريم، ولكنه لا يستطيع أن يحكم بفعلية وقوعها خصوصاً وأنّ في القرآن ما ينفي الشفاعة مطلقاً كقوله تعالى: (.. لا بيعٌ فيه ولا خلّة ولا

(١) آل عمران ٣: ١٣٥.

(٢) اُصول الكافي ٢: ٢٨٥ | ٢٣ كتاب الايمان والكفر باب الكبائر.

٤٢

شفاعة)(١)، وبعضها الآخر يقيّد الشفاعة بقيود كما في قوله تعالى: (إلا بِإذنِهِ..)(٢)، وقوله تعالى (.. اِلاّ لِمَنْ ارْتَضَى..)(٣)، ولكن هذه الآيات وغيرها لا تدل دلالة قطعية على وقوع الشفاعة وحصولها اليقيني، فالقرآن الكريم ينفي الشفاعة آونة، ويقيّدها أُخرى برضا الله سبحانه وتعالى، ويذكر القرآن الكريم مرة اُخرى أنّ الشفاعة لا تنفع، كقوله تعالى (... فَمَا تَنْفَعُهُمُ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(٤).

والجواب عليه:

إنّ ملخص الجواب هو أنّ الآيات التي يُستدل بها على نفي الشفاعة، لا تنفي الشفاعة مطلقاً، بل إنّها تنفيها عن بعض الناس وقد وردت هذه الاستثناءات في آيات عديدة.

أما فيما يتعلق بالقيود الموجودة في حصول الشفاعة من جهة، وقبولها من جهة أخرى، فإنّ ذلك لا يعني نفيها بل يؤكد وقوعها واثباتها، على خلاف ما ادّعاه النافون من أنّها لا تنفع، مُستدليّن على ذلك، بقوله تعالى: (فَمَا تَنفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(٥).

وهذا الاستدلال غير صحيح؛ لاَنّ سياق الآيات التي تسبق هذه الآية تتحدث كلّها عن المجرمين المستقرين في سقر، حيثُ تقول الآيات:

(١) البقرة ٢: ٢٥٤.

(٢) البقرة ٢: ٢٥٥.

(٣) الانبياء ٢١: ٢٨.

(٤) المدثر ٧٤: ٤٨.

(٥) المدثر ٧٤: ٤٨.

٤٣

(كُلُّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إلاّ أصحابَ اليمِين * في جَنَّاتٍ يَتَسآءَلُونَ) ثم تقول الآيات الشريفة: (عَنِ الُمجرِمِينَ * مَا سَلَكَكُم في سَقَر * قَالُوا لَم نَكُ مِنَ المُصَلِيّنَ * وَلَم نَكُ نُطعِمُ المِسكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخائضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ * حتَّى أتَانَا اليَقِينُ * فَمَا تَنفَعُهُم شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ)(١).

وهكذا يتضح من خلال هذا السياق: إنّ الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين هم هؤلاء المستقرون في سقر الذين لم يكونوا من المُصلّين، وكانوا يكذّبون بيوم الدين، حتى أتاهم اليقين حين وجدوا أنفسهم في سقر فلا تنفعهم بعد صفاتهم تلك شفاعة الشافعين.

بعد هذا العرض السريع للاِشكالات التي يوردها النافون للشفاعة والردود عليها، يتضح أنّ الشفاعة ليست من الاُمور التي تقع ضمن دائرة الاثنينية في الجزاء الاِلهي، والمقصود بالاثنينية «تعدد الجزاء مع وحدة الفعل» ولا هي متناقضة مع عدالة الله بل هي تثبيت لهذا العدل باعتبارها كانت وعداً تقدم والجزاء به هو وفاء لذلك الوعد.

كما أنّها ليست ناتجة عن علم جديد أو انصراف عن فعل مقرر من قبل، بل هي علم سابق وفعل مقرر، وهي أيضاً لا توجب الجرأة على المعصية بل توجب الحيطة والحذر، والخشية من ارتكاب الذنب، إذ لم تُصرح الآيات بجميع الذنوب التي تقبل فيها الشفاعة.

وهي أخيراً ثابتة موجودة، لكنها لا تنال بعض الاَصناف من الناس الذين وردت صفاتهم في القرآن الكريم، وأنّها لا تحصل إلاّ بإذن الله تعالى

(١) المدثر ٧٤: ٣٨ ـ ٤٨.

٤٤
٤٥

الفصل الثالث
أثر الشفاعة في المصالح الدنيوية

تقدم في الفصول السابقة، الحديث عن الشفاعة فيما يتعلق بالآخرة، حيثُ الغفران من الذنوب ورفع العقاب يوم الحساب.

وقد ناقشنا هناك الاِشكالات التي وردت على الشفاعة، وبات واضحاً أن الشفاعة وأثرها في الحياة الآخرة هي قضية ثابتة بصريح القرآن الكريم والاَحاديث النبوية الشريفة. لكن هناك مناقشات، تدور حول أثر الشفاعة في الحياة الدنيا، وهي مناقشات تتمحور حول الاجابة عن السؤال التالي:

هل أنَّ طلب الشفاعة في أمور الدنيا من غير الله جائزٌ شرعاً، وهل أنَّ لها أثراً ايجابياً في الحياة الدنيا كالرزق والشفاء من الاَمراض والنجاح في الاَعمال، أو الاِنقاذ من الاَخطار وغيرها من شؤون الحياة الدنيا، أم إنّها غير جائزة، وغير ذات فائدة في الدنيا ؟

أما في مسألة الجواز: فقد تقدم أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أخبر عن رجال ارتضاهم ليشفعوا عنده في عباده الذين ارتضى.. وقد وردت عدة روايات تؤيد ذلك نقلناها سابقاً، هذا فيما يتعلق بالشق الاَول من السؤال.

٤٦

أما فيما يتعلق بالشق الثاني منه، وهو: هل أنَّ للشفاعة أثراً وفائدة في تحصيل المصالح والمنافع الدنيوية أم لا ؟

فنقول: إنّ الشفاعة تعطي ـ بالاضافة إلى المعاني التي تقدمت في أول البحث ـ معنى الدعاء أيضاً، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما يشفع لمؤمن فإنه يدعو الله سبحانه وتعالى، فقد ذكر السيد العاملي أنَّ «شفاعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو غيره عبارة عن دعائهِ الله تعالى لاَجل الغير وطلبه منه غفران الذنب وقضاء الحوائج، فالشفاعة نوع من الدعاء والرجاء. حكى النيسابوري في تفسير قوله تعالى: (مَّن يَشفَعْ شَفَاعةً حَسَنةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنها وَمَن يَشفَعْ شَفَاعةً سَيّئةً يَكُن لَّهُ كِفلٌ مِّنها)(١)عن مقاتل أنَّه قال: الشفاعة إلى الله إنما هي الدعوة لمسلم، لما رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من دعا لاَخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له وقال له الملك ولكَ مثلُ ذلك» (٢).

وعلى هذا الاَساس، فإنَّ دعاء المؤمن لاَخيه المؤمن في حياته في حاجة من حوائج الدنيا أمر مقبول لا غبار عليه ولا مناقشة فيه بعد الذي تقدم، ولما ورد من الحث على دعاء المؤمنين للمؤمنين: عن ابراهيم بن أبي البلاد رفعه وقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سألكم بالله فاعطو، ومن أتاكم معروفاً فكافوه، وإن لم تجدوا ما تكافونه فادعوا الله له حتى تظنّوا أنكم قد كافيتموه» (٣).

(١) النساء ٤: ٨٥.

(٢) كشف الارتياب، للسيد محسن العاملي: ١٩٦.

(٣) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للشيخ محمد الحر العاملي ١١: ٥٣٧ | ٥ كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب فعل المعروف.

٤٧

وقولك لاَخيك المؤمن «جزاك الله خيراً» هو نوع من الدعاء والشفاعة له عند الله، أو غير ذلك من الدعاء الذي نمارسه في حياتنا العادية مع أصدقائنا وإخواننا وأقاربنا.

وهذا اللون من الدعاء والشفاعة لا غبار عليه ولا مناقشة فيه كما قدّمنا.

لكن المناقشة تدور عادة بين المنكرين لجواز الشفاعة وتأثيرها في حاجات الدنيا، وبين القائلين بجوازها وتأثيرها، حول طلب الشفاعة من الاَموات أو الذين غادروا الحياة الدنيا على قول أدّق.

رأي ابن تيمية ومناقشته

فقد ذهب ابن تيمية ومن تابعه إلى أنَّ طلب الشفاعة في حاجات الدنيا أو غيرها من «الاموات» شرك «... وإن قال أنا أسأله لكونه أقرب إلى الله مني ليشفع في هذه الاُمور، لاَني أتوسل إلى الله كما يُتَوَسَل إلى السلطان بخواصه وأعوانه فهذا من أفعال الذين يزعمون أنهم يتخذون أحبارهم ورهبانهم شفعاء يستشفعون بهم في مطالبهم، والمشركين الذين أخبر الله عنهم أنهم قالوا: (ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى الله زُلفى)..» (١).

وتهافت وفساد هذا الرأي الذي يذهب إليه ابن تيمية أنّه جعل طلب الدعاء والشفاعة بمنزلةٍ مساويةٍ لـ «عبادة غير الله»، مع أنَّ الشفاعة أصلاً لا تعني العبادة لا بمعناها اللغوي ولا بمعناها الاصطلاحي، كما أنّ الداعي الداخلي والنفسي لطلب الشفاعة تعني شيئاً آخراً غير الداعي النفسي لعبادة الاَصنام والبشر أو غير ذلك مما يتوسل بها المشركون والكافرون

(١) زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور، لابن تيمية: ١٥٦. والآية من سورة الزمر ٣٩: ٣.

٤٨

لتقربهم على حدٍ زعمهم إلى الله زلفى.

وقد تقدّم في هذا البحث أنَّ أبا بكر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته وكشف عن وجهه وسلّم عليه وطلب منه الدعاء له عند الله، كما ورد نفس الاَمر عن الاِمام علي عليه السلام. وطلبه ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (١) يدل بما لا مزيد عليه على صحة الطلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد وفاته.

وإذا دققنا في الآية القرآنية الشريفة: (وَلا تَحسَبنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أمَواتاً بَل أحياءٌ عِندَ رَبّهمِ يُرزقُونَ..)(٢) والآية الشريفة: (وَلا تقُولُوا لمِن يُقتَلُ في سَبيلِ اللهِ أمواتٌ بَلْ أحيَاءٌ وَلَكن لا تَشعُرُونَ...)(٣) نجد أنهما واضحتان في الدلالة على الحياة بعد مفارقة الدنيا، ولكن الاِنسان بطبيعته المادية لا يدرك هذه الحياة ولا يلمسها ولا يعرف حقيقتها إلاّ بعد الموت. ويقول العلاّمة الطباطبائي في تفسيره لآية (ولا تَقُولُوا لِمن يُقتل..): فالآية تدلُ دلالة واضحة على حياة الانسان البرزخية، كالآية النظيرة لها وهي قوله تعالى: (وَلا تَحسبنَّ الَّذِينَ قُتِلوا في سَبيلِ اللهِ أمواتاً بَلْ أحيَاءٌ عِندَ رَبْهِم يُرزقُونَ..)(٤).

أما الموتى من المؤمنين من غير الشهداء فإنَّهم كما عبّرت روايات

(١) فتح الملك العلي في اثبات صحة حديث باب مدينة العلم علي، للسيد أحمد بن الصديق الغماري الشافعي ـ طبعة حديثة ١٩٩٥ م.

(٢) آل عمران ٣: ١٦٩.

(٣) البقرة ٢: ١٥٤.

(٤) الميزان في تفسير القرآن، للطباطبائي ١: ٣٤٧ ـ ٣٤٨.

٤٩

كثيرة يعيشون في البرزخ ويزورون أهلهم...

عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عُمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: «إنّ المؤمن ليزور أهله فيرى ما يُحب ويُستر عنه ما يكره، وانّ الكافر ليزور أهله فيرى ما يكره ويُستر عنه مايُحب،... ومنهم من يزور كل جمعة، ومنهم من يزور على قدر عمله»(١).

وبعد وضوح كل ذلك، فما المانع من أن يكون هؤلاء الذين غادروا الحياة الدنيا إلى الحياة الآخرة، يسمعون ويرون ويدعون الله للذين لم يلحقوا بهم من المؤمنين والشهداء في قضاء حوائجهم (فَرحِينَ بِمَا آتَاهُم اللهُ مِن فَضلِهِ وَيَستبشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلفِهِم ألاّ خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزنُون * يَستبشِرُون بِنِعمةٍ مِّنَ اللهِ وفَضلٍ وأنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أجرَ المؤمِنينَ..)(٢).

وكل ما تقدم يدل دلالة واضحة على أنَّ الاِنسان بعد الانتقال من الحياة الدنيا فإنَّه يعيشُ حياة اُخرى، يرى الكافر فيها العذاب فيتألم، ويرى المؤمنون فيها النعيم فيفرحون ويستبشرون، وهكذا يبطلُ زعم القائلين بأنَّ الاِنسان إذا مات انقطعت كل أسباب العلاقة بينه وبين الاَحياء في الدنيا وهو مذهب القائلين بعدم جواز التوسل بالاَموات، وهو مذهب فاسد كما علمت لاَنّه مخالف لصريح القرآن الكريم.

وقبل أن نختم هذا الفصل لا بأس بإيراد رواية صحيحة تروى عن

(١) الكافي ٣: ٢٣٠ | ١ باب ان الميت يزور أهله.

(٢) آل عمران ٣: ١٧٠ ـ ١٧١.

٥٠

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما تنفع في هذا الباب.

بعد أن انتهت معركة بدر الكبرى بانتصار المسلمين، وقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على قتلى المشركين فقال: «يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذبّتموني وصدّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس... ـ حتى قال ـ: هل وجدتم ما وعدكم ربي حقاً»(١).

فلو كان هؤلاء القتلى الذين غادروا الحياة الدنيا لا يسمعون، فهل كان عبثاً حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معهم، وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يُوحى؟

(١) السيرة النبوية ١: ٦٣٩. والسيرة الحلبية ٢: ١٧٩ ـ ١٨٠. كما أشار إلى قصة حديث الرسول الاَكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع قتلى قريش وقوله للسائلين يا رسول الله أتكلم قوماً موتى ؟ «وما أنتم باسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون ان يجيبوني» ذكر ذلك الكثير من المحدثين والمؤرخين من الفريقين، وتجد ذلك في صحيح البخاري ٥: ٧٦ ـ ٧٧ و ٨٦ ـ ٨٧ في معركة بدر. وصحيح مسلم ٨: ١٦٣ كتاب الجنة باب مقعد الميت. وسنن النسائي ٤: ٨٩ ـ ٩٠ باب أرواح المؤمنين. وبحار الانوار ١٩: ٣٤٦.

٥١

الفصل الرابع
الشفعاء والمشفّع لهم

أولاً: الشفعاء

هل حدد القرآن الكريم الشفعاء ؟ وهل أخبر عن اسمائهم أو عن صفاتهم ؟

إنّ التدبر في آيات القرآن الكريم يوّضح أنّ الله سبحانه وتعالى لم يحدد في الآيات القرآنية الشريفة وفي آيات الشفاعة اسم أحد من الشافعين، لكن القرآن الكريم أشار إلى مجموعة من الصفات التي إن توفرت في أحد فهو من الشفعاء بعد أن يأذن الله له في ذلك.

ونجد من خلال دلالة الآيات القرآنية الشريفة أنَّ الاَنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والمؤمنون الصالحون يشفعون أيضاً، والعمل الصالح يشفع لصاحبه كذلك.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يشفع النبيّون والملائكة والمؤمنون فيقول

٥٢

الجبّار: بقيت شفاعتي» (١).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «يشفع يوم القيامة الاَنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» (٢).

وإلى جانب ذلك فإنّ تعلّم القرآن يعطي لصاحبه الاَهلية لاَن يشفع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من تعلم القرآن فاستظهره فأحلّ حلاله وحرّم حرامه أدخله الله به الجنة وشفعّه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار...» (٣)

، وجاء في نهج البلاغة: «إنّه من شفع له القرآن يوم القيامة شُفع فيه» (٤).

وانّ العمل الصالح والالتزام بالتعاليم الاِسلامية يعطي لصاحبه الاَهلية لاَن يشفع، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إنّ أقربكم مني غداً وأوجبكم عليَّ شفاعة: أصدقكم لساناً، وأدّاكم لاَمانتكم، وأحسنكم خلقاً، وأقربكم من الناس» (٥).

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الشفعاء خمسة: القرآن، والرحم، والاَمانة، ونبيكم، وأهل بيت نبيكم» (٦).

وجاء عن الاِمام زين العابدين علي بن الحسين عليهما السلام في دعائه: «اللهمّ اجعل نبينا صلواتك عليه وعلى آله يوم القيامة أقرب النبيين منك مجلساً وأمكنهم

(١) صحيح البخاري ٩: ١٦٠.

(٢) سنن ابن ماجه ٢: ١٤٤٣ | ٤٣١٣. وراجع الخصال، للشيخ الصدوق: ١٤٢ بلفظ آخر: «ثلاثة يشفعون إلى الله عزَّ وجل فيشفعون. الاَنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء».

(٣) سنن الترمذي ٤: ٢٤٥.

(٤) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد ٢: ٩٢.

(٥) تيسير المطالب في أمالي الاِمام علي بن أبي طالب عليه السلام، للسيد يحيى بن الحسين: ٤٤٢ ـ ٤٤٣.

(٦) المناقب، لابن شهر آشوب ٢: ١٤.

٥٣

منك شفاعة..» (١).

وسنستعرض بإيجاز الآيات القرآنية الشريفة التي تعطي الدلالة الواضحة على كلِّ صنف من أولئك الشفعاء.

أ ـ الاَنبياء

فالآية الشريفة التالية تؤكد أنَّ الاَنبياء يشفعون قال تعالى: (وَمَآ أرسَلنا مِنَّ رسولٍ إلاّ لِيُطاع بإذنِ اللهِ وَلَوْ أنَّهم إذ ظَّلَمُوا أنفُسَهُم جاءُوك فاستَغفَرُوا اللهَ وَاستَغفَر لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً)(٢) وفي الآية أعلاه قيود دقيقة لابدّ من الالتفات إليها وهي:

جاء في تفسير (ظلموا أنفسهم) أي بخسوها حقّها بادخال الضرر عليها بفعل المعصية من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب بفعل الطاعة، وقيل (ظلموا أنفسهم) بالكفر والنفاق (جاءوك) تائبين مقبلين عليك مؤمنين بك (فاستغفروا الله) لذنوبهم ونزعوا عمّا هم عليه (واستغفر لهم الرسول) أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم (لوجدوا الله) أي لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم (٣).

وإلى جانب الآية المتقدمة، فالآية التالية توضح أيضاً شفاعة الرُسل قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخذَ الرَّحمنُ وَلداً سُبحَانَهُ بَل عِبادٌ مُّكرَمُونَ * لا يَسبِقُونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأمرهِ يَعمَلُونَ * يَعلَمُ مَا بَينَ أيدِيهِم وَمَا خَلفَهُم وَلا

(١) الصحيفة السجادية ٢: ١٩٨.

(٢) النساء ٤: ٦٤.

(٣) مجمع البيان، للطبرسي ١: ٨٧.

٥٤

يشفّعُون إلاّ لمنِ ارتَضَى وَهُم مِّن خَشيَتهِ مُشفِقُونَ)(١).

والآية تشير إلى الرسل الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى إلى البشر فقال الكافرون: إنّهم أبناء الله، لكن القران الكريم يصرّح بأنّهم عباد الله أكرمهم بالرسالة وإنّهم لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى سبحانه..

وقد تنطبق هذه الاية على الملائكة، فقد تكرّر في القرآن الكريم وفي مواضع عديدة الاِشارة إلى قول الكافرين والمشركين بأنَّ الملائكة بنات الله، تعالى سبحانه عن ذلك علواً كبيراً.

ب ـ الملائكة

وأما شفاعة الملائكة فتدلّ عليها الآية التالية قال تعالى: (وَكَم مِّن مَّلَكٍ في السَّمَواتِ لا تُغنِي شَفَاعَتُهم شَيئاً إلاّ من بَعدِ أن يَأذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرضَى..)(٢).

ودلالة الآية جلّية وواضحة على أنَّ الملائكة تشفعُ بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.

جـ ـ المؤمنون

وأما شفاعة المؤمنين والشهداء فتدلّ عليها الآية الشريفة قال تعالى: (وَلا يَملِكُ الَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ إلاّ مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وَهُم يَعلمُونَ...)(٣).

(١) الانبياء ٢١: ٢٦ ـ ٢٨.

(٢) النجم ٥٣: ٢٦.

(٣) الزخرف ٤٣: ٨٦.

٥٥

والذين شهدوا بالحق هم المؤمنون الصالحون الذين جعلهم الله شهوداً على أممهم مع الاَنبياء والاَوصياء.

وقد جعل الله المؤمنين مع الشهداء حيثُ قال تعالى: (والَّذِينَ آمنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِم...)(١).

وقد جاءت الروايات مؤكدة لهذه الآيات ومبينة لها، فقد روى الصدوق بسنده عن الرسول الاَكرم صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «ثلاثة يشفعون إلى الله عزَّ وجلّ فيشفّعون: الاَنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء..» (٢).

وقبل أن نغادر هذا الفصل نلفت نظر القاريء الكريم إلى ظاهرة مهمة تكررت في الآيات القرآنية الشريفة التي تحدثت عن الشفيع أو المشفوع له، وهي ظاهرة «الرضى» الاِلهي عمن يريد أن يشفع وعمن يراد أن يُشفع له، واعتبار ذلك الرضى قيداً لازماً لا تؤتي الشفاعة ثمارها بدونه، فالشفيع يجب أن يرضى الله شفاعته لتكون في محلها. والمشفوع له يجب أن يكون مرضيّاً عنده سبحانه وتعالى ليقبل فيه شفاعة الشافعين.

وبناء على هذا لو راجعنا الآيات القرآنية الكريمة والتي أشارت إلى «رضى» الله تعالى عن بعض عباده، نجدها تشير إلى مواصفات غاية في السمو والتألّق.. ونحن هنا نورد أمثلة من الآيات القرآنية التي ذكرت بالصراحة «رضى» الله عن بعض عباده الصالحين.

قوله تعالى: (قَالَ اللهُ هَذا يَومٌ يَنفَعُ الصَّادِقينَ صِدقُهُم لَهم جَنَّاتٌ تَجري

(١) الحديد ٥٧: ١٩.

(٢) الخصال: ١٤٢.

٥٦

مِن تَحتها الاَنهارُ خَالدِينَ فِيها أبداً رَّضِيَ اللهُ عنهمُ ورَضُوا عَنهُ ذَلِكَ الفَوزُ العَظِيمُ)(١). والآية الشريفة هنا تشير بصراحة إلى «الصادقين» بكلِّ ما لكلمة الصدق من معنى.

وقوله عزّ شأنه: (وَالسَّابِقُونَ الاَوَّلُونَ مِنَ المهاجِرينَ وَالاَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبعُوهُم بإحسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ وأعدَّ لَهم جَنَّاتٍ تَجرِي تَحتَها الاَنهارُ خَالدِينَ فِيها أبداً ذَلِكَ الفَوزُ العَظيمُ)(٢).

وقوله تعالى: (لاتَجدُ قَوماً يُؤمِنُونَ باللهِ واليَومِ الآخِر يُوادُّونَ مَن حآدَّ اللهَ ورَسَولهُ وَلَو كانُوا آباءَهُم أو أبنآءَهُم أو إخوانَهُم أو عَشِيرَتهُم اُولئِكَ كَتَبَ في قُلُوبهِمُ الاِيمانَ وأيّدهُم برُوحٍ مِّنهُ ويُدخِلُهُم جَنَّاتٍ تَجرِي مِن تَحتها الاَنهارُ خَالِدينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عنهُم ورَضُوا عَنهُ اُولئِكَ حِزبُ الله ألاّ إنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ المفلِحُونَ)(٣). وفي الآية الكريمة إشارة صريحة إلى المؤمنين الحقيقيين الذين لا يُلقون بالود لاَعداء الله والرسول ولو كان هؤلاء الاَعداء آباءً أو ابناءً أو إخواناً لهم، وهذه الصفة هي من صفات المبدأية والرسالية العالية التي يجب أن يتصف بها المؤمنون.

وقوله عزّ من قائل: (إنّ الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ اُولئِكَ هُم خَيرُ البَريَّةِ * جَزآؤهُم عِندَ رَبِّهِم جَنَّاتُ عَدنٍ تَجرِي مِن تَحتها الاَنهارُ خَالدِينَ فِيها أبدَاً رَّضِيَ اللهُ عَنهُم وَرَضُوا عَنهُ ذَلِكَ لمَنْ خَشِيَ رَبّهُ)(٤).

(١) المائدة ٥: ١١٩.

(٢) التوبة ٩: ١٠٠.

(٣) المجادلة ٥٨: ٢٢.

(٤) البينة ٩٨: ٧ ـ ٨.

٥٧

نحسب أنَّ التدبر في مضامين هذه الآيات الشريفة سيكشف أمامنا أُفقاً واسعاً من المعرفة بهؤلاء الذين هم خالدون في جنات تجري من تحتها الاَنهار أبداً، وأنَّ الله عزَّ وجل قد رضي عنهم، وأنّهم رضوا عنه.

وهنا هي قمة العظمة والسمو في الوصف والبيان.. فمن هم هؤلاء الذين رضوا عنه؟

إنّهم الصادقون في إيمانهم وأعمالهم مع الله الذين عملوا الصالحات وخشوا الله والسابقون الاَولون من المهاجرين والاَنصار والتابعين لهم «باحسان»، والمؤمنون الذين لايوادّون من حآدَّ الله ورسوله.

ثانياً: المشمولون بالشفاعة

لقد عرفنا فيما تقدّم من البحث أنّ الكافرين ـ بشكل خاص ـ والذين هم في النار خالدون، لا تنالهم الشفاعةُ مطلقاً بدلالة الخلود في النار أبداً.

إذن فمن هم اُولئك الذين تنالهم الشفاعة ؟ ومن هم الذين لا تنالهم ؟

أ ـ المؤمنون المذنبون

السؤال الذي يُطرح هنا هو أنّ مفهوم الشفاعة يعني غفران الذنب ورفع العقاب المستتبع له، فكيف يمكن الجمع إذن بين صفة الاِيمان بالله واليوم الآخر وبين صفة ارتكاب الذنب ومقارفة المعصية ؟

وللجواب على ذلك نقول: إنّ للمؤمنين درجاتٌ بما امتلك كل مؤمن من الصفات، وقد أشار القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى حقيقة التفاوت والدرجات بين المؤمنين، مثل قوله تعالى: (.. لا يَستَوِي

٥٨

القَاعِدُونَ مِنَ المؤمنِينَ غَيرُ أُولي الضَّررِ وَالمجاهِدُون في سَبيلِ اللهِ بأموالِهِم وأنفُسِهِم فَضَّل اللهُ المجاهِدِينَ بأموالِهِم وَأنفُسِهِم عَلى القاعدِين دَرَجةً وكُلاًّ وَعَد اللهُ الحُسنَى وفَضَّل اللهُ المجاهِدِينَ على القَاعدِينَ أجراً عَظِيماً)(١).

والتأمل في الآية الشريفة الآنفة يكشف عن عدّة أمور مهمة، منها أنّ القاعدين عن الجهاد بأموالهم وأنفسهم مع عدم وجود ما يمنعهم من عذر شرعي من نقص في الاَعضاء أو فقر لا يتساوون مع المجاهدين، لكنّ الله وعد كليهما الحسنى في الآخرة، لكنّ الله سبحانه وتعالى فضّل المجاهدين على القاعدين من ناحية الاَجر والثواب، ووصفه بأنّه أجرٌ عظيم.

إنَّ المؤمن يذنب لكنه يستغفر الله ويتوب، وهو أيضاً يحتاج إلى الشفاعة، فقد سُئل الاِمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن: المؤمن هل له شفاعة ؟ قال: «نعم»، فقال رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قال: «نعم، إنّ للمؤمنين خطايا وذنوباً وما من أحدٍ إلاّ يحتاج إلى شفاعة محمد يومئذ» (٢).

ولا محل هنا بعدما تقدم للاعتراض: بأنّ المؤمنين لا يكونون مؤمنين حتى يتحركوا بنفس المستوى من الفعل عند اتحاد الداعي للفعل، لاَنّ هذا الاعتراض تغافل عن مقتضيات الطبيعة البشرية، والله أعلم بعباده وقوله عزّ شأنه يوضح قانوناً من قوانين الخلقة وبعد هذا.. فالتفاوت بين البشر حقيقة ثابتة لا يمكن نكرانها وإن كان بين المؤمنين.

(١) النساء ٤: ٩٥.

(٢) تفسير العياشي ٢: ٣١٤.

٥٩

كما أنّ الحديث المروي عن الاِمام الصادق عليه السلام يكشف صراحة عن أنّ للمؤمنين خطايا وذنوباً، وإنّهم بحاجة إلى شفاعة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم لهم يوم القيامة.

وننقل القاريء الكريم إلى التدبر في الآيات القرآنية الشريفة التالية: (وَسَارِعُوا إلى مَغفرةٍ مِّن رَّبِّكُم وَجَنّةٍ عَرضُها السَّمواتُ وَالاَرضُ أُعدِت لِلمُتَّقين * الَّذينَ يُنفِقُونَ في السّرّآءِ والضّرّآءِ وَالكاظمِينَ الغَيظَ وَالعافِينَ عَنِ النَّاسِ واللهُ يُحبُّ المحسِنينَ * وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فاحِشةً أو ظَلَمُوا أنفُسَهُم ذَكرُوا اللهَ فاستَغفرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلاّ اللهُ وَلَم يُصرُّوا عَلى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلمُونَ * اُولئِكَ جَزآؤهُم مَّغفِرةٌ مِّن رّبِّهِم وَجنَّاتٌ تَجرِي مِن تَحتِها الاَنهارُ خَالِدِينَ فِيها وَنِعمَ أجرُ العَامِلينَ)(١).

ومحل الشاهد في الآيات الشريفة هو التصريح بأنّ الذين يستغفرون الله لذنوبهم بعد فعل الفاحشة أو ظلم النفس ولم يصرّوا على الاستمرار على ذلك الفعل فإنَّ الله وعدهم جنات تجري من تحتها الاَنهار خالدين فيها.. ويتضح إنَّ عدم الاِصرار على الذنب ومن ثم الاستغفار والتوبة هي من صفات المؤمنين؛ لاَنَّ الله لا يعدُ أحداً بالجنة والنعيم إنْ لم يكن مؤمناً مرضيّاً عند الله سبحانه وتعالى.

ولكن المؤمن إذا ارتكب معصية أو اقترف إثماً وأصرّ عليه، فهل يبقى على صفة الاِيمان بمعناه الحقيقي الذي يريده سبحانه وتعالى متجسداً عند الاِنسان بالفعل والسلوك والعمل وليس بمجرد الادعاء والعادة ؟

(١) آل عمران ٣: ١٣٣ ـ ١٣٦.

٦٠