×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الشيعة هم أهل السنة (تحقيق مركز الأبحاث العقائدية) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

أفكاره وعلومه بقيت من خلال كتابه الذي قد يُطبَعُ مئات المرّات عبر الأجيال، فيستلهم الناسُ منه الهداية والتوفيق.

وإذا كان الشهيد حيّاً عند ربّه يُرزق، فكذلك العالم الذي كان سبباً في هداية الناس، فهو حيٌّ عند ربّه وعند العباد يذكرونه بأحسن ذكر، ويدعون له ويستغفرون.

أمّا أنا فلستُ من العلماء ولا أدّعي ذلك لنفسي، وأعوذ بالله من الأنانيّة، بل أنا من خدّام العلماء والباحثين في فضلاتهم، واللاحسين من بقاياهم، والمتّبعين خُطاهم كما يتبع الخادمُ سيّدَهُ.

ولمّا ألهمني الله لكتابة "ثمّ أهتديتُ" ولقيتُ تشجيعاً من عديد من القرّاء والباحثين، ثمّ أردفته بالكتاب الثاني "لأكون مع الصادقين" والذي لقيَ هو الآخر قبولا حسناً، ممّا شجّعني على مواصلة البحث والتنقيب، فكتبتُ الكتاب الثالث "فاسألوا أهل الذكر" دفاعاً عن الإسلام وعن نبيّ الإسلام لإزالة الشُّبهات التي أُلصِقت بحضرته المقدّسة، وكشف المؤامرة التي دُبّرت ضدّه وضدّ أهل بيته الأطهار.

وتلقّيتُ رسائل كثيرة من كلّ أنحاء العالم العربي والإسلامي، تحملُ في طياتها عبارات الودّ والولاء والمحبّة والإخاء، كما دُعيتُ لحضور العديد من المؤتمرات الفكريّة في أنحاء العالم والتي تُقيمها المؤسّسات الإسلامية، فحضرتها في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي الجمهورية الإسلامية، وفي بريطانيا، وفي الهند والباكستان، وفي كينيا وغرب إفريقيا والسويد.

وكلّما التقيت مجموعة من الشباب المثقَّف ومن رجال الفكر، وجدت لديهم إعجاباً وتعطُّشاً لمزيد من المعرفة، فيسألون هل من مزيد، وهل هناك

٢١

كتابٌ جديد؟

فحمدتُ الله وشكرته على هذا التوفيق، وطلبت منه مزيداً من العناية والهداية، واستعنت به على هذا الكتاب الذي أضعه بين يدي المسلمين الباحثين، والذي يدور في فلك الكتب الثلاثة السابقة، عسى أن ينتفع به بعض المثقّفين والباحثين عن الحقّ، ليعلموا أنّ الفرقة المستهدفة والتي تُسمّى بـ "الشيعة الإماميّة" هي الفرقة الناجية، وأنّهم ـ أي الشيعة ـ هم أهل السنّة الحقيقيّة، وأقصد بالسنّة الحقيقية السنّة المحمّديّة التي صدع بها نبيّ الإسلام بوحي من ربّ العالمين.

فهو لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، وسأُبيّن للقرّاء الكرام بأنّ الاصطلاح الذي اتّفق عليه مناوئوا الشيعة وخصومهم، وتسمّوا بـ "أهل السنّة والجماعة" ما هي في الحقيقة إلاّ سنّة مزعومة سمّوها هم وآباؤهم، ما أنزل الله بها من سلطان، والنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) منها بريء.

فكم كُذبَ على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)! وكم مُنِعَتْ أحاديثُه وأقواله وأفعاله أن تصل إلى المسلمين بحجّة الخوف من اختلاطها بكلام الله، وهي حجّة واهية كبيتِ العنكبوت!! وكم من أحاديث صحيحة أصبحت في سلّة المهملات ولا يُقام لها وزن ولا يُعبأ بها؟! وكم من أوهام وخزعبلات أصبحت من بعده أحكاماً تنسبُ إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!

وكم من شخصيّات وضيعة يشهد التاريخ بخسّتها وحقارتها، أصبحتْ بعده سادة وقادة تقود الأُمّة، ويُلتمس لأخطائها الأعذار والتأويلات!

وكم من شخصيّات رفيعة يشهد التاريخُ بسُمُوِّها وشرف منبتها، أصبحتْ بعدَه مهملةٌ لا يعبأُ بها ولا يُلتفتُ إليها، بل تُكفّرُ وتُلعنُ من أجل مواقفها

٢٢

النبيلة!! وكم من أسماء برّاقة جذّابة تُخفي وراءها الكفر والضلال! وكم من قبور تُزار وأصحابها من أهل النار!!

وقد عبَّر ربّ العزّة والجلالة عن كلّ ذلك بأحسن تعبير، فقال: {وَمِنَ الناسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ * وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ المِهادُ}(١).

ولعلّي لستُ مبالغاً إذا عملتُ بالحكمة القائلة: "لو عكستَ لأصبتَ"، وعلى الباحث المحقّق أن لا يأخذ الأشياء على ما هي عليه بأنّها من المُسلّمات، بل عليه أن يعْكسها ويشكّك فيها في أغلب الأحيان، ليصل إلى الحقيقة المطموسة التي لعبتْ فيها السياسة كلّ أدوارها.

وعليه أن لا يغتَرَّ بالمظاهر ولا بكثرة العدد، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ }(٢).

فقد يَلبسُ الباطلُ لباس الحقّ للتمويه والتضليل، وقد ينجحُ في أغلب الأحيان لبساطة عقول الناس أو لحسن ظنّهم به، وقد ينتصرُ الباطلُ أحياناً لوجود أنصار مؤيّدين لَهُ، فما على الحقّ إلاّ الصبر وانتظار وعد الله بأن يزهق الباطل، إنّ الباطل كان زهوقاً.

وأكبر مثل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم في قصّة يعقوب وأولاده، إذ { وَجاؤُوا أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ * قالُوا يا أَبَانَا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ

١- البقرة: ٢٠٤ ـ ٢٠٦.

٢- الأنعام: ١١٦.

٢٣

مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِن لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ }(١).

وكان من المفروض لو كانوا أهل الصدق أن يقولوا: "وما أنتَ بمؤمن لنا لأنّا كاذبون".

فما كان من سيّدنا يعقوب، وهو نبيُّ الله يُوحَى إليه، إلاّ أن استسلم إلى باطلهم واستعان بالله على الصبر الجميل رغم علمه بأنّهم كاذبون، قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}(٢).

وماذا عساه أنْ يفعل أكثر من ذلك، وهو يواجه أحَدَ عشر رجلا اتّفقوا كلّهم على كلمة واحدة، ومثّلوا مسرحيّة القميص والدّم، وكلّهم يبكون على أخيهم المفقود.

فهل يكشف يعقوب كذبهم ويدحض باطلهم، ويُسارع إلى الجبّ ليخرج ابنه الصغير الحبيب لقلبه، ثمّ يُعاقبهم على فعلتهم الشنيعة؟

كلاَّ، إنّ ذلك فعل الجاهلين الذين لا يهتدون بحكمة الله، أمّا يعقوب فهو نبيّ يتصرّف تصرُّف الحكماء العلماء، وقد قال الله في شأنه: {وَإِنَّهُ لَذُو عِلْم لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ الناسِ لا يَعْلَمُونَ}(٣).

فما كان من علمه وحكمته إلاّ أن تولّى عنهم وقال: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}(٤).

ولو تصرّف يعقوبُ مع أبنائه كما قدّمنا بأن أخرج ابنه من الجبّ،

١- يوسف: ١٦ ـ ١٧.

٢- يوسف: ١٨.

٣- يوسف: ٦٨.

٤- يوسف: ٨٤.

٢٤

وعنّفهم على كذبهم، وعاقبهم على جريمتهم لاشتدّ بُغضهم لأخيهم، ولوصل بهم الأمر إلى اغتيال أبيهم، وربّما عبروا عن ذلك بقولهم لأبيهم: {قَالُواْ تَاللّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}(١).

ومن كلّ هذا نستنتجُ بأنّ السكوت في بعض الأوقات مستحبٌّ إذا كان في معارضة الباطل مفسدة أو هلاك، أو كان في السكوت عن الحقّ مصلحة عامة ولو آجلة.

ولابدّ أن يُفهم من الحديث النبوي الشريف القائل: "الساكتُ عن الحقّ شيطانٌ أخرس" هذا المدلول الذي يتّفق مع العقل ومع كتاب الله المجيد.

ولو تتبعنا حياة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لوجدناه يسكتُ في كثير من الأوقات لمصلحة الإسلام والمسلمين، حسبما يُروى في الصحاح من السيرة النبويّة كصلح الحديبية وغيرها.

ورحم الله أمير المؤمنين عليّاً الذي سكت بعد وفاة ابن عمه ـ بأبي هو وأمّي ـ وقال في ذلك قولته المشهورة: "وطفقتُ أرتأي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيتُ أن الصبر على هاتا أحجى، فصبرتُ وفي العين قذى وفي الحلق شجا..."(٢).

ولو لم يسكت أبو الحسن عن حقّه في الخلافة، وقدّم في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين، لما كان للإسلام بعد محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ يعيش أبداً على ما رسمه الله ورسوله.

١- يوسف: ٨٥.

٢- نهج البلاغة ١: ٣١، الخطبة: ٣.

٢٥

وهذه هي الحقيقة التي يجهلها أكثر الناس الذين يحتجّون علينا دائماً بصحّة خلافة أبي بكر وعمر لأنّ عليّاً سكتَ عنهما، ويضيفون كما يحلو لهم: "لو كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عيَّن عليّاً للخلافة بعده لما جاز له أن يسكتَ عنها لأنّها من حقّه، والساكت عن الحقّ شيطان أخرس" هذا ما يقولونه ويردّدونه.

وهذا لعمري هو الفهم الخاطئ للذي لا يعرف من الحقّ إلاّ الذي يتماشى مع ميوله وهواه، ولا يُدركُ الحكمة التي تتمخّضُ عن ذلك السكوت، والمصالح الآجلة التي لا تُقدّر بقيمة إذا ما قيستْ بالمصلحة العاجلة نتيجة الثورة على الباطل الذي له أنصارٌ ومؤيِّدون كثيرون.

وإذا كان سكوت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم الحديبية على الحقّ وقبوله بشروط قريش وباطل المشركين، حتى ثارتْ ثورة عمر بن الخطّاب فقال للرسول: "أولستَ نبيّ الله حقاً؟! أولسنا على الحقّ وهم على الباطل؟ فلماذا نعطي الدنيّة في ديننا؟"(١).

أقول: إذا كان سكوتُه (صلى الله عليه وآله وسلم) سلبياً بنظر عمر بن الخطّاب وأغلب الصحابة الذين حضروه، فإنّ الواقع يثبتُ بلا شكّ أنّه إيجابيّ لمصلحة الإسلام والمسلمين وإن لم تكن تلك المصلحة عاجلة، فقد ظهرت نتائجه الإيجابية بعد عام واحد، عند ما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكّة المكرّمة بدون حرب ولا مقاومة، ودخل الناسُ في دين الله أفواجاً، عند ذلك استدعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمر بن الخطّاب، وأطلعه على نتائج سكوته على الحقّ والحكمة من وراء ذلك.

١- مسند أبي يعلى ١: ٣٦٥، صحيح ابن حبان ١١: ٢٤٤، البداية والنهاية ٤: ٢٠٠.

٢٦

ونحن إذ نقدِّمُ هذه الاستدلالات للتعبير عن الواقع الذي لا مفرّ منه، ألا وهو انتصار الباطل على الحقّ إذا وُجِدَ لَه أنصارٌ ومؤيِّدون، فبالرغم من أنّ علياً مع الحقّ والحقّ معه يدور حيث دار، إلاّ أنّه لم يجد له أنصاراً ومؤيِّدون لمقاومة معاوية وباطله، ولأنّ هذا الأخير وجدَ أنصاراً كثيرين لمقاومة الحقّ ودحضه، فالناس عبيد الدنيا والدّين لعقٌ على ألسنتهم، فهم لا يحبّون الحقّ ويميلون مع الباطل، فالحقّ مرٌّ وصعبٌ، والباطل سهل ميسور.

وصدق الله العظيم إذ يقول: {بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ}(١).

وانتصر باطل يزيد على حقّ الحسين لنفس الأسباب، كما انتصر باطل الحكّام الأمويين والعبّاسيين على حقّ الأئمّة من أهل البيت الذين استشهدوا كلّهم ساكتين لمصلحة الإسلام والمسلمين.

كما غاب الإمام الثاني عشر واختفى خوفاً من الباطل، وسكت حتّى يجد لنصرةِ الحقّ أعواناً ومؤيّدين، عند ذلك يأذن اللهُ له بالخروج لتكون ثورة الحقّ ضدّ الباطل عالمية، فيملأها عدلا وقسطاً كما مُلِئَتْ ظُلماً وجوراً، وبتعبير آخر: يملأها حقّاً بعد ما مُلِئَتْ بالباطل.

وبما أنّ أكثر الناس للحقّ كارهون فهم أنصار الباطل، ويبقى في الناس عدد قليل محبّ للحقّ، فلا ينتصرون على أهل الباطل إلاّ بإعانة الله لهم عن طريق المعجزات، وذلك ما سجّله كتاب الله الكريم في كلّ المعارك والحروب التي جمعتْ أهل الحقّ ضدّ أهل الباطل: {كَم مِّن فِئَة قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}(٢).

١- المؤمنون: ٧٠.

٢- البقرة: ٢٤٩.

٢٧

فالذين يصبرون على الحقّ رغم قلّة أعوانه ينصرهم الله سبحانه بالمعجزات، فيبعث الملائكة المسوّمين يُقاتلون معهم، ولولا تدخّل الله مباشرة لما انتصر الحقّ على الباطل أبداً.

وها نحنُ نعيش اليوم هذه الحقيقة المؤلمة، والمؤمنون الصادقون أنصار الحقّ مغلوبون على أمرهم، ومقهورون مشرّدون ومنكوبون، بينما أنصار الباطل الذين يكفرون بالله يحكمون ويلعبون بمصير الشعوب وبأرواحهم، ولا يمكن للمؤمنين المستضعفين أن ينتصروا في معركتهم ضدّ الكافرين المستكبرين إلاّ بإعانة الله تعالى، ولذلك وردتْ الروايات بأنّ المعجزات ستظهر بظهور المهدي (عليه السلام).

وليستْ هذه دعوةً للركود والانتظار، كيف يصحّ ذلك وقد قدّمتُ آنفاً بأنّه لا يظهر إلاّ بوجود الأنصار والأعوان، ويكفي المؤمنين الصادقين أن يحملوا فكر الإسلام الصحيح المتمثِّل في ولاية أهل البيت ـ أعني بذلك التمسُّك بالثّقلين كتاب الله وعترة النبيّ ـ ليكونوا من أنصار وأعوان المهدي المنتظر (عليه وعلى آبائه أفضل الصلاة وأزكى السلام).

أقول قولي هذا واستغفر الله إن كنت مُخطئاً على رأي الأكثرية من الناس، ومُصيباً على رأي الأقليّة منهم، فلا أُبالي بلوم الأكثرية، ولا أُباهي بمدح الأقلية ما دمت أبتغي رضى الله ورسوله، ورضى الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام).

أمّا رضى الناس فهو غاية لا تُدرك، لأنّ الناس لا يرضون إلاّ عمّا يعجبهم، ولا يميلون إلاّ مع أهوائهم، وأهواؤهم شتى {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ

٢٨
٢٩

التعريف بالشّيعة

إذا أردنا الكلام عن الشيعة(١) بدون تعصّب ولا تكلّف، قلنا: هي الطائفة الإسلامية التي تُوالي وتقلّد الأئمة الاثني عشر من أهل بيت المصطفى علياً وبنيه، وترجع إليهم في كلّ المسائل الفقهيّة من العبادات والمعاملات، ولا يفضّلون عليهم أحداً سوى جدّهم صاحب الرسالة محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

هذا هو التعريف الحقيقي للشيعة بكلّ اختصار، ودعك من أقوال المرجفين والمتعصّبين من أنّ الشيعة هم أعداء الإسلام، أو أنّهم يعتقدون بنبوّة علي وأنّه صاحب الرسالة، أو أنّهم ينتمون إلى عبدالله بن سبأ اليهودي.

وقد قرأت كتُباً ومقالات عديدة يُحاول أصحابها بكلّ جهودهم تكفير الشيعة وإخراجهم من الملّة الإسلامية.

ولكن أقوالهم كلّها محض افتراء وكذبٌ صريح، لم يأتوا عليه بحجّة ولا بدليل، سوى أنّهم يُعيدون ما قاله أسلافهم من أعداء أهل البيت، والنواصب الذين تسلّطوا على الأُمّة وحكموها بالقوّة والقهر، وتتبّعوا عترة النبيّ ومن

١- ونقصد بالشيعة هنا: (الإماميّة الاثني عشرية) والمسمّاة أيضاً بالجعفرية نسبة للإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، ولا يتعلّق بحثنا بالفرق الأُخرى كالإسماعيلية والزيدية ولا يهمّنا من أمر هؤلاء ما دمنا نعتقد بأنّهم كسائر الفرق الأُخرى التي لم تتمسّك بحديث الثقلين، ولا ينفع اعتقادهم بإمامة علي (عليه السلام) بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة (المؤلّف).

٣٠

تشيّع لهم، فقتلوهم وشرّدوهم، ونبزوهم بكلّ الألقاب.

ومن هذه الألقاب التي تتردّد كثيراً في كتب أعداء الشيعة لقب الرافضة، أو الروافض، فيخيّل للقارئ لأوّل وهلة أنّ هؤلاء رفضوا قواعد الإسلام ولم يعملوا بها، أو أنّهم رفضوا رسالة النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يقبلوا بها.

ولكنَّ الواقع على غير هذا، إنّما لُقِّبوا بالرّوافض; لأنّ الحكّام الأوّلين من بني أُميّة وبني العبّاس، ومن يتزلّف إليهم من علماء السوء أرادوا تشويههم بهذا اللقب; لأنّ الشيعة والوا عليّاً ورفضوا خلافة أبي بكر وعمر وعثمان أوّلا، كما رفضوا خلافة كلّ الحكّام من بني أُميّة وبني العبّاس ولم يقبلوا بها ثانياً.

ولعلّ هؤلاء كانوا يُموِّهون على الأُمّة بإعانة بعض الوضّاعين من الصحابة بأنّ خلافتهم شرعيّة لأنّها بأمر الله سبحانه، فكانوا يُروِّجون بأنّ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}(١) تخصّهم ونازلة في حقّهم، فهم أولو الأمر الواجبة طاعتهم على كلّ المسلمين، وقد استأجروا من يروي لهم كذباً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قول: "ليس أحد خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلاّ مات ميتةٌ جاهلية"(٢)، فليس من حقّ أيّ مسلم أن يخرج عن طاعة السلطان.

وبهذا نفهمُ بأنّ الشيعة إنّما استُهدفوا من قبل الحكّام; لأنّهم رفضوا بيعتهم

١- النساء: ٥٩.

٢- مسند أحمد ١: ٣١٠ وصرح محقق الكتاب العلاّمة أحمد محمّد شاكر بصحته، صحيح البخاري ٨: ٨٧ (كتاب الفتن، باب قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): سترون بعدي أموراً تنكرونها).

٣١

ولم يقبلوا بها، واعتبروها اغتصاباً لحقِّ أهل البيت، فكان الحكّام وعلى مرّ العصور يوهمونَ العامّة بأنّ الشيعة رافضون للإسلام، بل يريدون هدمه والقضاء عليه، كما عبّر عن ذلك بعض الكتّاب والمؤرّخين ممّن يدّعي العلم من السابقين واللاّحقين.

وإذا رجعنا إلى لعبة تلبيس الحقّ بالباطل، فسندرك بأنّ هناك فرقاً بينَ مَنْ يُريد هدم الإسلام، وبين مَنْ يريد هدم الحكومة الجائرة الفاسقة التي تعمل ضدّ الإسلام.

فالشيعة لم يخرجوا على الإسلام، إنّما خرجوا على الحكّام الجائرين، وهدفهم إرجاع الحقّ إلى أهله لإقامة قواعد الإسلام بالحاكم العادل، وعلى كلّ حال فالذي عرفناه خلال البحوث السابقة من كتاب "ثمّ اهتديت"، و "مع الصادقين"، و "أهل الذكر"، أنّ الشيعة هم الفرقة الناجية; لأنّهم تمسّكوا بالثّقلين: كتاب الله وعترة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

وإذا أنصفنا المنصفين، فإنّ البعض من علماء "أهل السنّة" يعترف بهذه الحقيقة، فقد قال ابن منظور في كتابه "لسان العرب" في تعريف الشيعة:

"والشيعة هم: قومٌ يهوون هوى عترة النبيّ ويوالونهم"(١).

كما يقول الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بعد استعراض هذا المقطع من الكتاب المذكور: "وإذا كان الشيعة هم الذين يهوون هوى عترة النبيّ ويوالونهم، فَمَنْ من المسلمين يرفض أن يكون شيعيّاً؟!".

هذا وقد ولّى عصر التعصّب والعداوة الوراثيّة، وأقبل عهد النور والحرية

١- لسان العرب ٨: ١٨٩، مادة (شيع).

٣٢

الفكرية، فعلى الشباب المثقّف أن يفتح عينيه، وعليه أن يقرأ كتب الشيعة ويتّصل بهم، ويتكلّم مع علمائهم كي يعرف الحقّ من بابه، فكم خُدِعْنا بالكلام المعسول، وبالأراجيف التي لا تثبتُ أمام الحجّة والدليل.

والعالم اليوم في متناول الجميع، والشيعة موجودون في كلّ بقاع الدنيا من هذه الأرض، وليس من الحقّ أن يسأل الباحث عن الشيعة أعداء الشيعة وخصومهم الذين يخالفونهم في العقيدة، وماذا ينتظر السائل من هؤلاء أن يقولوا في خصومهم منذ بداية التاريخ؟

فليست الشيعة فرقة سرّيّة لا يطلع على عقائدها إلاّ مَنْ ينتمي إليها، بل كتبها وعقائدها منشورة في العالم، ومدارسُها وحوزاتها العلمية مفتوحة لكلّ طلاّب العِلم، وعلماؤهم يُقيمون الندوات والمحاضرات والمناظرات والمؤتمرات، ويُنادون إلى كلمة سواء وإلى توحيد الأُمّة الإسلامية.

وأنا على يقين بأنّ المنصفين من الأُمّة الإسلامية إذا ما بحثوا في الموضوع بجدّ، سوف يستبصرون إلى الحقّ الذي ليس بعده إلاّ الضلال; لأنّ مانعهم من الوصول هو فقط وسائل الدعاية المغرضة والإشاعة الكاذبة من أعداء الشيعة، أو تصرّفٌ خاطئ من بعض عوام الشيعة(١).

ويكفي في أغلب الأحيان أنْ تُزاح شُبهة واحدة، أو تنمحي خرافة باطلة، حتى ترى مَن كان عدوّاً للشّيعة يصبحُ منهم.

ويحضرني في هذا الصدد قصة الشامي الذي ضلّلته وسائل الإعلام في

١- ستعرف في آخر هذا الكتاب بأنّ أعمال بعض العوام من الشيعة ينفّر الشباب المثقّف من أهل السنّة ولا يشجّعهم على مواصلة البحث للوصول إلى الحقيقة (المؤلّف).

٣٣

ذلك العهد، عندما دخل المدينة المُنوّرة لزيارة قبر الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وجد رجلا يركب فرسه عليه هيبة ووقار، وحوله كوكبة من أصحابه يحوطونه من كلّ جانب وهم طوع إشارته.

استغرب الشامي وتعجّب أن يكون في الدّنيا رجلٌ له من الهالة والتعظيم أكثر من معاوية في الشام، فسأل عن الرجل، فقيل له: إنّه الحسن بن علي بن أبي طالب، قال: هذا هو ابن أبي تراب الخارجي؟ ثمّ أولغ سبّاً وشتماً في الحسن وأبيه وأهل بيته.

وشهر أصحاب الحسن سيوفهم كلّ يريد قتله، ومنعهم الإمام الحسن ونزل عن جواده، فرحب به ولاطفه قائلا له:

يبدو أنّك غريب عن هذه الديار يا أخا العرب؟ قال الشامي: نعم أنا من الشام من شيعة أمير المؤمنين وسيّد المسلمين معاوية بن أبي سفيان، فرحّب به الإمام من جديد وقال له: أنت من ضيوفي، وامتنع الشامي ولكنّ الحسن لم يتركه حتّى قَبِلَ النزول عنده، وبقي الإمام يخدمه بنفسه طيلة أيام الضيافة ويلاطفه، فلمّا كان اليوم الرابع بدا على الشامي الندم والتوبة ممّا صدر منه تجاه الحسن بن علي، وكيف يسبّه ويشتمه فيقابله بالإحسان والعفو وحُسن الضيافة، فطلب من الحسن ورجاه أن يُسامحه على ما صدر منه، وكان بينهما الحوار التالي بمحضر من أصحاب الحسن:

الحسن: أقرأتَ القرآن يا أخا العرب؟

الشامي: أنا أحفظ القرآن كلّه.

الحسن: هل تعرف من هم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم؟

٣٤

الشامي: إنّهم معاوية وآل أبي سفيان.

استغرب الحاضرون وتعجّبوا، وابتسم له الحسن قائلا: أنا الحسن بن علي، وأبي هو ابن عمّ رسول الله وأخوه، وأُمّي فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين، وجدّي رسول الله سيّد الأنبياء والمرسلين، وعمّي حمزة سيّد الشهداء، وجعفر الطيار، ونحن أهل البيت الذي طهّرنا الله سبحانه، وافترض مودّتنا على كلّ المسلمين، ونحن الذين صلّى الله وملائكته علينا وأمر المسلمين بالصلاة علينا، وأنا وأخي الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة.

وعدّد له الإمام الحسن بعض فضائل أهل البيت، وعرّفه حقيقة الأمر، فاستبصر الشامي وبكى، وأخذ يقبِّل أنامل الحسن ويلثم وجهه معتذراً عمّا صدر منه في حقّه قائلا:

والله الذي لا إله إلاّ هو إنّي دخلتُ المدينة وليس لي على وجه الأرض أبغض منكم، وها أنا أخرج منها وليس على وجه الأرض أحبّ إليَّ منكم، وإنّي أتقرَّب إلى الله سبحانه بحبِّكم ومودّتكم وموالاتكم، والبراءة من أعدائكم.

التفتَ الإمام الحسن إلى أصحابه قائلا: لقد أردتم قتله وهو بريء; لأنّه لو عرف الحقّ ما كان ليعانده، وإنّ أكثر المسلمين في الشام مثله لو عرفوا الحقّ لاتّبعوه.

ثمّ قرأ قول الله تعالى: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ}(١)(٢).

١- فصلت: ٣٤.

٢- راجع بحار الأنوار ٤٣: ٣٤٤.

٣٥

نعم، هذا هو الواقع الذي يجهله أكثر الناس مع الأسف، فكم من إنسان يُعادي الحقّ ويُعانده ردحاً من عمره، حتّى يكتشف في يوم من الأيام أنّه على خطأ فيُسارع بالتوبة والاستغفار، وهذا هو واجب كلّ إنسان فقد قيل: "الرجوع للحقّ فضيلة".

وإنّما المصيبة في الذين يرون الحقّ عياناً ويلمسونه بأيديهم، ثمّ يقفون ضدّه ويحاربونه من أجل أغراض خسيسة، ودنيا دنيئة، وأحقاد دفينة.

وهذا النمط من الناس قال في حقّهم ربّ العزّة والجلالة: {وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}(١).

فلا فائدة في تضييع الوقت معهم، وحرق الأعصاب من أجلهم، وإنّما الواجب علينا أن نضحّي بكلّ شيء مع أُولئك المنُصفين الذين يبحثون عن الحقّ، ويبذلون جهدهم للوصول إليه، والذين قال في حقهم ربّ العزّة والجلالة: {إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَة وَأَجْر كَرِيم}(٢).

فعلى المستبصرين من الشيعة في كلّ مكان أن ينفقوا من أوقاتهم ومن أموالهم في سبيل التعريف بالحقّ لكلّ أبناء الأُمّة الإسلامية، فلم يكن أئمّة أهل البيت حكرة على الشيعة وحدهم، إنمّا هم أئمّة الهدى ومصابيح الدّجى لكلّ المسلمين.

وإذا بقي الأئمّة من أهل البيت مجهولين لدى عامّة المسلمين، وخصوصاً

١- يس: ١٠.

٢- يس: ١١.

٣٦

منهم المثقّفين من أبناء "أهل السنّة والجماعة" فإنّ الشيعة يتحمّلون مسؤولية ذلك عند الله.

كما إذا بقي الناس كفّاراً وملحدين، لا يعرفون دين الله القويم الذي جاء به محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) سيّد المرسلين، فالمسؤولية تقع على كلّ المسلمين.

٣٧

التعريف بأهل السنّة

هم الطائفة الإسلامية الكبرى التي تمثِّل ثلاثة أرباع المسلمين في العالم، وهم الذين يرجعون في الفتوى والتقليد إلى أئمّة المذاهب الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.

وقد تفرّع عنها فيما بعد ما يسمَّى بالسّلفية، التي جدّد معالمها ابن تيميّة الذي يسمّونه مجدّد السنّة، ثمّ الوهّابية التي ابتدعها محمّد بن عبد الوهّاب، وهو مذهب السعودية.

وكلّ هؤلاء يُسمّون أنفسهم "بأهل السنّة"، وفي بعض الأحيان يضيفون كلمة الجماعة، فيُقال: "أهل السُنّة والجماعة".

ويتبيّنُ لنا من خلال البحث التاريخي أنّ كلّ مَن انتمى إلى ما يُسمّى عندهم بالخلافة الراشدة، أو الخلفاء الراشدين وهم: "أبو بكر وعمر وعثمان وعلي"(١) واعترف بإمامتهم، سواء في عهدهم أو في عصرنا، فهو سنّي من "أهل السنّة والجماعة".

وكلّ من رفض تلك الخلافة واعتبرها غير شرعية، وقال بثبوت النصّ على علي بن أبي طالب، فهو شيعي من أهل الرفض.

ويتبيّن لنا أيضاً أن كلّ الحكّام، من أبي بكر وإلى آخر خلفاء بني

١- سيتبيّن لنا في أبحاث لاحقة بأنّ "أهل السنّة والجماعة" لم يُلحِقوا عليَّ بن أبي طالب بالخلفاء الراشدين الثلاثة إلاّ في زمن متأخّر جدّاً (المؤلّف).

٣٨

العبّاس، هم راضون على أهل السنّة ومتّفقون تماماً معهم، وغاضبون ومُنتقمون من الذين تشيّعوا لعلي بن أبي طالب وبايعوه بالخلافة، كما بايعوا أولاده من بعده.

وعلى هذا الأساس فإنّ علي بن أبي طالب وشيعته لم يكونوا معدودين عندهم من "أهل السنّة والجماعة"، وكأنّ هذا الاصطلاح ـ يعني "أهل السنّة والجماعة" قد وُضِعَ في مقابل علي وشيعته، وهو حسب أعتقادي السَّبب الرئيسي في تقسيم الأُمّة الإسلامية بعد وفاة الرسول إلى سنّة وشيعة.

وإذا رجعنا لتحليل الأسباب، وكشف الأستار حسب المصادر التاريخية الموثوقة، لوجدنا أنّ هذا التقسيم ظهر عقيب وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة وبدون فصل، إذ أنّ الأمر استتبّ لأبي بكر باعتلائه منصّة الخلافة، وأيّدتْه الأغلبيّة الساحقة من الصحابة، وعارضه علي بن أبي طالب وبنو هاشم، وقلّة قليلة من الصحابة الذين كانوا في أغلبهم من الموالي.

وبديهي أنّ السلطة الحاكمة أقصت هؤلاء وأبعدتهم واعتبرتهم خارجين من الصفّ الإسلامي، وعملت كلّ جهودها على شلّ معارضتهم بكلّ الأساليب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ومن المعلوم أنّ "أهل السنّة والجماعة" اليوم لا يُدركون الأبعاد السياسيّة التي لعبتْ في تلك العصور، ومدى العداوة والبغضاء التي أولدتها تلك الأدوار الخبيثة في عزل وإبعاد أعظم شخصية عرفها تاريخ البشرية بعد الرسول محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم).

و"أهل السنّة والجماعة" في هذا العصر يظنّون أو يعتقدون بأنّ الأُمور كانت على أحسن ما يُرام، وأنّها تدور وفقَ الكتاب والسنّة في زمن الخلفاء

٣٩

الراشدين، وأنّ هؤلاء كانوا يتشبّهون بالملائكة، فكانوا يحترمون بعضهم، ولم تكن بينهم أحقاد، ولا مطامع ولا نوايا سيّئة.

ولكلّ ذلك تراهم يرفضون كلّ ما يقوله الشيعة في الصحابة عامّة، وفي الخلفاء الراشدين منهم خاصّة.

وكأنّ "أهل السنّة والجماعة" لم يقرأوا كتب التاريخ التي سجّلها علماؤهم، واكتفوا فقط بما يسمعونه من أسلافهم من مديح وإطراء وإعجاب بعامّة الصحابة وخصوصاً منهم الخلفاء الراشدين، ولو فتحوا قلوبهم وأبصارهم، وتصفّحوا تاريخهم وكتب الحديث عندهم، طلباً للحقّ ومعرفة الصواب، لغيروا عقيدتهم ليس في الصحابة فحسب، ولكن في كثير من الأحكام التي يعتبرونها صحيحة وما هي كذلك.

وإنّي أحاول بهذا المجهود المتواضع أن أُبيّن لإخواني من "أهل السنّة والجماعة" بعض الحقائق التي طفحتْ بها كتب التاريخ، وأخرج لهم باختصار وجيز النصوص الجليّة التي تدحض الباطل وتظهر الحقّ، عسى أن يكون في ذلك الدّواء الناجع لتشتّت المسلمين واختلافهم، ويعمل على توحيدهم وجمع كلمتهم.

وإنّ "أهل السنّة والجماعة" كما أعرفهم اليوم ليسوا متعصّبين، وليسوا ضدّ الإمام علي وأهل البيت، بل إنّهم يحبّونهم ويحترمونهم، ولكنّهم في نفس الوقت يحبّون ويحترمون أعداء أهل البيت، ويقتدون بهم باعتبار "كلّهم من رسول الله ملتمسٌ".

و"أهل السنّة والجماعة" لا يعملون بقاعدة الولاء لأولياء الله والبراءة من أعداء الله، بل يُلْقُون بالمودّة للجميع، ويترضّون على معاوية بن أبي سفيان كما يترضّون على علي بن أبي طالب.

٤٠