×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحابة في حجمهم الحقيقي / الصفحات: ٢١ - ٤٠

٢١

كلمة الصحبة ومشتقاتها في القرآن

وقبل الخوض في هذا الموضوع بتفاصيله وأبعاده نرى لزاماً علينا أن نأتي على كلمة الصحبة ومشتقاتها من القرآن الكريم، لنرى أنّها استعملت في معان عديدة مختلفة.

يقول تعالى في كتابه المجيد مخاطباً مشركي قريش: (مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّة)(١) ، فأنت ترى أن الله جعل عتاة قريش الذين اتهموا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالجنون، تراه يخاطبهم بأنهم أصحابه، وهذا المعنى لا يخفى على كل فطن، إذ معناه رسولكم الذي أُرسل إليكم.

نفس هذا المعنى تجده في قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى)(٢) .

ويتكرّر هذا المعنى في قوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُون)(٣) .

١) سورة سبأ: ٤٦.

٢) سورة النجم: ٢.

٣) سورة التكوير: ٢٢.

٢٢
كذلك يطلق لفظ الصاحب أو الصحابي في القرآن على النسبة إلى مكان، كقوله تعالى: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ)(١) ، فبالرغم من أنّ رفيقي يوسف (عليه السلام)كانا كافرين بدليل قوله تعالى: (أَ أَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ)(٢) .

لكن لانّه جمعهما مكان واحد مع يوسف، صارا صاحبين له نسبة إلى المكان الذي اجتمعوا فيه.

هذا المعنى موجود أيضاً في قوله تعالى: (وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(٣) ، وأصحاب النار كما هو معلوم بالبداهة أهلها وساكنوها.

ونفس المعنى أيضاً موجود في الايات التالية:

(أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً)(٤) .

(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا

١) سورة يوسف: ٣٩.

٢) سورة يوسف: ٣٩.

٣) سورة البقرة: ٢٧٥.

٤) سورة الفرقان: ٢٤.

٢٣
عَجَباً)(١) .

(وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ)(٢) .

(وَنَادَى أَصْحَابُ الاَعْرَافِ)(٣) .

(وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الاَيْكَةِ لَظَالِمِينَ)(٤) .

(وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ)(٥) .

(وَأَصْحَابَ مَدْيَنَ)(٦) .

(أَصْحَابَ القَرْيَةِ)(٧) .

(أَصْحَابِ القُبُورِ)(٨) .

١) سورة الكهف: ٩.

٢) سورة التوبة: ٧٠.

٣) سورة الاعراف: ٤٨.

٤) سورة الحجر: ٧٨.

٥) سورة الحجر: ٨٠.

٦) سورة الحج: ٤٤.

٧) سورة يس: ١٣.

٨) سورة الممتحنة: ١٣.

٢٤
(أَصْحَابُ الاُخْدُودِ)(١) .

هذا وقد تُطلق كلمة الصاحب أو الصحابي أو الاصحاب نسبة إلى زمان كقوله تعالى: (... كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ)(٢) .

وقد يطلق لفظ الصحبة نسبة إلى حيوان كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ)(٣) و: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ)(٤) .

كذلك يطلق لفظ الصحبة نسبة إلى آلة كقوله تعالى: (وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ)(٥) .

كما يطلق لفظ الصحبة أو الصاحبة على الزوجة كما في قوله تعالى:

١) سورة البروج: ٤.

٢) سورة النساء: ٤٧.

٣) سورة الفيل: ١.

٤) سورة القلم: ٤٨.

٥) سورة العنكبوت: ١٥.

٢٥
(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ)(١) ، و: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً)(٢) ، و: (يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيِهِ)(٣) .

وقد يطلق معنى الصحبة على رجل يحاور آخر بغض النظر عن كفر أو إيمان الصاحب كقوله تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذي خَلَقَكَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً)(٤) .

كذلك يُطلق لفظ الصحبة نسبة إلى الحق أو الباطل كقوله تعالى:

(فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى)(٥) .

١) سورة الانعام: ١٠١.

٢) سورة الجن: ٣.

٣) سورة المعارج: ١٢.

٤) سورة الكهف: ٣٧.

٥) سورة طه: ١٣٥.

٢٦
(فَأَصْحَابُ المَيْمَنَةِ)(١) .

(وَأَصْحَابُ المَشْئَمَةِ)(٢) .

(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ)(٣) .

ويطلق لفظ الصحبة كذلك نسبة إلى شخص كقوله تعالى:

(قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى)(٤) .

(فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطى فَعَقَرَ)(٥) .

وهكذا ترى أن لفظ الصحبة ومشتقاتها ليس له أىّ فضل في ذاته ولا أىّ مزيّة، بل نستطيع أن نقول إنّه لفظ محايد.

بعد هذا الاستعراض لهذه الايات القرآنية نأتي إلى تعريف الصحابي لغة:

يقول الخليل بن أحمد الفراهيدي في مادة «صحب»: «الصحاب يُجمع بالصَّحب والصحبان والصحبة والصحاب. والاصحاب: جماعة الصحب والصحابة مصدر قولك: صاحبك الله وأحسن صِحابتك. ويقال عند الوداع: مصاحباً معافى... إلى أن يقول: «وكلّ شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه»(١) .

هذا وقد أعرضنا عن بقية كتب اللغة خشية التطويل.

١) سورة الواقعة: ٨.

٢) سورة الواقعة: ٩.

٣) سورة الواقعة: ٤١.

٤) سورة الشعراء: ٦١.

٥) سورة القمر: ٢٩.

٢٧

الصحابي اصطلاحاً

يقول ابن حجر العسقلاني في كتابه الاصابة في تمييز الصحابة: «الصحابي من لقي النبىّ (صلى الله عليه وسلم) مؤمناً به ومات على الاسلام، فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته له أو قصرت، ومن روى عنه أو لم يرو، ومن غزا معه أو لم يغز، ومن رآه رؤية ولم يجالسه، ومن لم يره لعارض كالعُمي، ويخرج بقيد الايمان من لقيه كافراً ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أُخرى...»(٢) .

وقال الامام البخاري في تعريف الصحابي مايلي: «ومن صحب النبي (صلى الله عليه وسلم) أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه»(٣) .

١) كتاب العين للخليل: ٢ / ٩٧٠ حرف الصاد.

٢) كتاب الاصابة ١: ٤.

٣) صحيح البخاري ٥: ٢.

٢٨
وعلى هذين التعريفين يكون كلّ شعب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صحابة من الطفل الصغير إلى الشيخ الكبير إلى المرأة.

وياليت الامر وقف عند هذا الحدّ، بل إنّ علماء السنّة أجمعوا على أن كل الصحابة عدول ثقات!!

٢٩
٣٠

عدالة الصحابة

يقول ابن الاثير في مقدمة كتابه أُسد الغابة في معرفة الصحابة ما يأتي: «والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ الجرح والتعديل، فإنهم كلّهم عدول لا يتطرق الجرح إليهم، لانّ الله عزّوجلّ ورسوله زكّياهم وعدّلاهم، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره»(١) .

أما ابن حجر العسقلاني فيقول عن عدالة الصحابة: «اتفق أهل السنّة أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، فمن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)(٢) وقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ اُمَّةً وَسَطاً)(٣) ، وقوله: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ

١) مقدمة ابن الاثير في كتابه أُسد الغابة ١: ١٠.

٢) سورة آل عمران: ١١٠.

٣) سورة البقرة: ١٤٣.

٣١
المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ)(١) ، وقوله: (وَالسَّابِقُونَ الاوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرينَ وَالاَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)(٢) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ)(٣) ، وقوله: (لِلْفُقَراءِ المُهَاجِرينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) إلى قوله: (إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)(٤) ، في آيات كثيرة يطول ذكرها وأحاديث شهيرة يكثر تعدادها...، وجميع ذلك يقتضي القطع بتعديلهم ولا يحتاج أحد منهم مع تعديل الله لهم إلى تعديل أحد من الخلق...، إلى أن يقول إلى أن روى بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حق والقرآن حق وما جاء به حق، وإنما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة وهؤلاء (وهم) يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب

١) سورة الفتح: ١٨.

٢) سورة التوبة: ١٠٠.

٣) سورة الانفال: ٦٤.

٤) سورة الحشر: ٨.

٣٢
والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة انتهى...»(١) .

فعلى رأي علماء أهل السنّة كل شعب رسول الله الذي آمن به صحابة، وهم أيضاً عدول كلّهم لا يتطرق الشك إليهم أبداً حتّى إلى واحد منهم.

وقالوا: من يطعن في صحابي واحد فهو زنديق، وقالوا: إنّ الله طهرهم وزكّاهم جميعاً.

وحتّى يتبيّن لك الامر تعال إلى كلام الله المجيد وانظر رأي القرآن في الصحابة أو فقل رأيه في كثير منهم.

١) الاصابة في تمييز الصحابة ١: ٦ ـ ٧.

٣٣

الصحابة في القرآن

يقول تعالى في سورة الفتح: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الاِنْجِيلِ كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً»(١) .

فمن ينظر إلى أول الاية يرى أن الممدوحين مع رسول الله هم عموم الصحابة، لكن انظر إلى قوله تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ...) .

فلم يَعِدْ الله جميع الصحابة بالمغفرة والاجر، بل فقط مَنْ آمن وعمل صالحاً، ولو كان الوعد للجميع لقال: (وعدهم الله...) فتأمل.

ويقول تعالى في نفس هذه السورة: (إِنَّ الَّذينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ

١) سورة الفتح: ٢٩.

٣٤
أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)(١) .

وأنت ترى في هذه الاية أنّ الله تعالى يحذّر الناكثين بأنهم إنّما ينكثون على أنفسهم وليسوا بضارّي الله تعالى شيئاً.

ولدى قراءة سورة الحجرات تصادف هذه الاية: (إِنَّ الَّذينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَآءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَروُا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)(٢) .

فانظر لوصف الله تعالى هذه الفئة من المسلمين حيث وصفهم بأبشع وصف وهو أنهم لا يعقلون، وقد وصفهم الله في صدر السورة بأنهم يرفعون أصواتهم فوق صوت النبي مع أنهم مؤمنين به (صلى الله عليه وآله وسلم).

ويقول في سورة الحجرات أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(٣) .

ومن المعلوم والمشهور أن هذه الاية نزلت في الوليد بن عقبة، وهو أخو عثمان بن عفان لامه، عندما بعثه إلى بني المصطلق فرجع وكذب على

١) سورة الفتح: ١٠.

٢) سورة الحجرات: ٤ ـ ٥.

٣) سورة الحجرات: ٦.

٣٥
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)(١) ، فالله يصف الوليد بالفاسق، وأئمة السنّة يقولون إنّه عدل؟!

ويقول تعالى في سورة التوبة: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الاَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرينَ)(٢) .

في هذه الاية يذكر الله ويشنّع على المسلمين فرارهم يوم حنين حيث تركوا النبي مع ثلة قليلة عدد أصابع اليد وفرّوا، وقد اغترَّ المسلمون في حنين بكثرتهم حتّى قال أبو بكر: «لن نُغلَب اليوم من قلّة»(٣) .

وقال الله أيضاً مخاطباً الصحابة: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الاَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الاخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِل قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(٤) .

١) أنظر تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) في سورة الحجرات: ٦، تفسير الطبري ٢٦: ٧٨، تفسير الدرّ المنثور ٧: ٥٥٥.

٢) سورة التوبة: ٢٥.

٣) أنظر تفسير الفخر الرازي (التفسير الكبير) في سورة التوبة: ٢٥.

٤) سورة التوبة: ٣٨ ـ ٣٩. يقول الفخر الرازي في تفسير سورة التوبة: وهذا يدل أنّ كل المؤمنين كانوا متثاقلين في ذلك التكليف، وذلك التثاقل معصية. ويقول الرازي بعد ذلك، إنّ خطاب الكل وارادة البعض مجاز مشهور في القرآن.

٣٦
فالله هنا يقرّع الصحابة بسبب تثاقلهم عن الغزو وكما لايخفى فإن الله تعالى توعّد الصحابة في هذه الاية بالعذاب الاليم وباستبدالهم بقوم آخرين ـ الفرس على رأي ـ إذا لم ينفروا في سبيله، فأين مدح الله للصحابة هنا؟!

وفي نفس سورة التّوبة هذه تقرأ قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يُلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ)(١) .

المشهور أن هذه الاية نزلت في أحد الصحابة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو ثعلبة بن حاطب الانصاري، الذي شكا لرسول الله الفقر وطلب أن يدعو له الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغنى والثروة، ولمّا أعطاه الله سؤله رفض دفع الزكاة وقال: إنّها الجزية أو أخت الجزية، فأنزل الله فيه هذه الاية.

إنّ ثعلبة صحابي أنصاري عاش مسلماً مؤمناً بالله ورسوله لكنه يوصف بالنفاق كما قال تعالى; فأين عدالة الصحابة جميعاً ؟! وأين ما يدّعيه علماء

١) سورة التوبة: ٧٥ ـ ٧٧.

٣٧
أهل السنة وأئمتهم ؟! ثم يأتي من يقول: إذا انتقصت أحداً من الصحابة فأنت زنديق !! فها هو الله ينتقص بعضهم بل كثير منهم، افتونا بعلم إن كنتم صادقين.

ويقول تعالى في سورة الاحزاب: (وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً)(١) .

قد يقول كثير من علماء أهل السنة: إنّ هذه الاية خاصة بالمنافقين ولا دخل لها بالصحابة (وسنُبيّن أن المنافقين هم صحابة كذلك فيما بعد) ولكن من ينظر مليّاً إلى الاية فسيجدها تقصد فئتين، المنافقين ثم فئة أُخرى غير المنافقين وهم الذين في قلوبهم مرض.

يقول الله تعالى عزّوجلّ في سورة الاحزاب أيضاً: (يَا أَيُّهَا الَّذينَ ءامَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَام غَيْرَ نَاظِرينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيث إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْي مِنْكُمْ وَاللهُ لاَ يَسْتَحْي مِنَ الحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاء حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً)(٢) .

وقد قال الامام الفخر الرازي في تفسيره: «القائل هو طلحة بن عبيدالله

١) سورة الاحزاب: ١٢.

٢) سورة الاحزاب: ٥٣.

٣٨
الذي قال: لئن عشتُ بعد محمّد لانكحنّ عائشة»(١) .

ويقول تعالى في آية أُخرى من سورة الاحزاب: (يَا نِسَاءَ النَّبِيّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً)(٢) .

نعم هذا هو منطق القرآن لا قرابة بين الله وبين أحد من خلقه ولا مجاملة من الله ولا من رسوله لاحد، لا لصحابي ولا لزوجة النبيّ، إنّ أكرم الخلق عند الله أتقاهم بما في ذلك الانبياء والمرسلين، بل إنّ صحبة الرسول مسؤولية خطيرة وكذلك الزوجيّة له (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن لم يراعها حقّ رعايتها كان عذابه مضاعفاً لمارأى من الحق ومن هدي الرسول الكريم، فهل بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من هاد وهل بعده من عظيم؟! ولولا رسول الله لاخذ عذاب الله كثيراً من الصحابة كما أخذ السامريّ ومن كان قبل الصحابة من أتباع وأصحاب الانبياء، ألا ترى إلى قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ

١) تفسير الفخر الرازي لهذه الاية ٢٥: ١٨٠، تفسير الدرّ المنثور ٦: ٦٤٣، وأنظر تفسير الالوسي حيث يورد رواية عن ابن عباس لكنّه كعادة القوم لم يذكر طلحة بالاسم فيها وإنّما بلفظ «رجل»، ثمّ أورد إسمه في رواية ثانية حاول تضعيفها بدون أيّ دليل ! أنظر روح المعاني للالوسي البغدادي ١١: ٢٤٩ ـ ٢٥٠.

٢) سورة الاحزاب: ٣٠.

٣٩
وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(١) .

ويقول الله تعالى في سورة الاحزاب: (إِنَّ الَّذينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاخِرَةَ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُّهِيناً)(٢) .

إنّ الله لا يتأذّى ولكن أذى الله من أذى الرسول، وعليه فكلّ من آذى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)صحابيّاً أو غيره فقد آذى الله، وهذا نظير قوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ)(٣) ، وما أكثر من آذى الرسول من الصحابة والصحابيّات، ومن أراد اليقين فليبحث فسيرى عجباً.

ويقول الله تعالى في سورة آل عمران: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الُمؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١ ƒ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيَّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنونَ)(٤) .

ويقول الفخر الرازي في تفسيره: «أنها نزلت في حيّين من الانصار همّا

١) سورة الانفال: ٣٣.

٢) سورة الاحزاب: ٥٧.

٣) سورة النساء: ٨٠.

٤) سورة آل عمران: ١٢١ ـ ١٢٢.

٤٠