×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحابة في حجمهم الحقيقي / الصفحات: ٤١ - ٦٠

بترك القتال في أُحد والعودة إلى المدينة أُسوة برأس النفاق عبدالله بن أُبي بن أبي سلول»(١) .

ويقول تعالى في سورة آل عمران حول معركة أُحد: (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الاَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُريدُ الاخِرَةَ...)(٢) .

ويقول كذلك: (إذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَد وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(٣) .

ويقول أيضاً: (إِنَّ الَّذينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمَ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ)(٤) .

١) التفسير الكبير للفخر الرازي ـ تفسير سورة آل عمران: ١٢١ ـ ١٢٢، تفسير الطبري ٤: ٤٨، الدرّ المنثور ٢: ٣٠٥.

٢) سورة آل عمران: ١٥٢.

٣) سورة آل عمران: ١٥٣.

٤) سورة آل عمران: ١٥٥.

٤١
مرحى لهؤلاء الصحابة الذين يفرّون من ساحة المعركة ويتركون الرسول خلفهم والرسول يناديهم في ذلك الموقف الشديد.

وقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره: «أنّ عمر بن الخطاب كان من المنهزمين، إلاّ أنّه لم يكن في أوائل المنهزمين!! ومن الذين فرّوا يوم أُحد عثمان بن عفان ورجلين من الانصار يقال لهما سعد وعقبة، انهزموا حتّى بلغوا موضعاً بعيداً ثم رجعوا بعد ثلاثة أيام فقال لهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): لقد ذهبتم بها عريضة»(١) !

ثم لنأت إلى سورة الجمعة ولنقرأ هذه الاية: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(٢) .

وقد نزلت هذه الاية في الصحابة الذين كانوا يصلون الجمعة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حتّى إذا دخل دحية الكلبي ـ وكان مشركاً ـ المدينة بتجارة من الشام فترك الصحابة المسجد وخرجوا إليه ولم يبق معه (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ اثنا عشر رجلاً على رواية، حتّى قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيهم: «لو اتّبع آخرهم أوّلهم لالتهب

١) تفسير الفخر الرازي في تفسير الاية ١٥٥ من سورة آل عمران، تفسير الطبري ٤: ٩٦، تفسير الدرّ المنثور ٢: ٣٥٥ ـ ٣٥٦.

٢) سورة الجمعة: ١١.

٤٢
الوادي عليهم ناراً»(١) .

ونأتي إلى سورة التحريم حيث ترى عجباً، إذ فضحت هذه السورة زوجتين من زوجات الرسول وهما عائشة وحفصة، حيث جاء في سبب نزولها أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأتي زينب بنت جحش ويأكل عندها عسلاً، فاتفقت عائشة مع حفصة على أن تقولا للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّ فيك رائحة مغافير (الثوم)، وهكذا كان إلى أن قال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «لقد حرّمتُ العسل على نفسي»، فنزلت سورة التحريم ومنها قوله تعالى: (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)(٢) .

وصالح المؤمنين كما رواه البعض هو علي بن أبي طالب (عليه السلام)(٣) .

ومعنى صغت كما قال الفخر الرازي في تفسيره: مالت عن

١) انظر تفسير الفخر الرازي سورة الجمعة، تفسير الدر المنثور ٨: ١٦٥، تفسير الطبري ٢٨: ٦٧ ـ ٦٨.

٢) سورة التحريم: ٤.

وأنظر قصة المغافير هذه في صحيح البخاري ٦: ١٩٤.

٣) أنظر تفسير روح المعاني للالوسي البغدادي ١٤: ٣٤٨. في تفسيره لسورة التحريم.

٤٣
الحقّ.

وتواصل السورة: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَات مُؤْمِنَات قَانِتَات تَائِبَات عَابِدَات سَائِحَات ثَيِّبَات وَأَبْكَاراً)(١) .

فالله يقول لعائشة وحفصة لا تظنّا أنكما أفضل النّساء لانكما زوجتا الرسول، بل يستطيع الله أن يبدله نساءاً خيراً منكنّ.

ثم يقارن الله تعالى عائشة وحفصة بامرأة نوح وامرأة لوط ليحذّرهنّ أنّ كونهما زوجتين لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يدرأ عنهما عذاب النار ولا يجعلهنّ بالضرورة من أهل الجنة، يقول تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوح وَامْرَأَةَ لُوط كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ)(٢) .

ثم يأتي علماء أهل السنة بعد كلّ هذه الادلة ليقولوا: إنّ عائشة أحبّ النّاس لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والويل لمن يقول غير ذلك!(٣) .

ثم تعال معي إلى سورة النور، حيث يقول العزيز الحكيم: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بالاِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ

١) سورة التحريم: ٥.

٢) سورة التحريم: ١٠.

٣) أنظر مثلاً صحيح الترمذي ٥: ٧٠٧ حديث رقم ٣٨٩٠.

٤٤
امْرِئ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالَّذي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(١) .

فتأمّل قوله تعالى: (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) ، ألا يعني ذلك أنهم داخلون في دائرة الصحابة، وقد ورد في التفاسير أنّ الذين جاؤوا بالافك (اتهام عائشة) هم زيادة على رأس النفاق عبدالله بن أبي سلول، حسان بن ثابت شاعر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والاسلام، وزيد بن رفاعة ومسطح بن أُثاثة وحمنة بنت جحش(٢) .

وقد يدّعي الكثير من البسطاء أنّ هذه فضيلة لعائشة حيث برّأها الله وأنزل فيها قرآناً من فوق سماواته، لكن من يتأمّل الحالة جيّداً يجد أنّ الاية نزلت لتبرأة ساحة النبي الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وتنزيهه، ولو كانت عائشة زوجة لغير رسول الله ما كان ينزل فيها حرف واحد، لانّ الله تعالى بيّن أحكامه وأحكام السرقة والخمر وغيرها في كتابه، لكن نظراً لحساسية موقع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته العظمية برأ الله ساحته ونزّهها.

ويقول الله تعالى في سورة الانفال: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الارْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذابٌ

١) سورة النور: ١١.

٢) راجع تفسير الفخر الرازي في تفسير سورة النور، تفسير الدرّ المنثور ٦: ١٤٨، تفسير الطبري ١٨: ٦٨.

٤٥
عَظيمٌ)(١) .

في هذه الايات خطاب شديد للصحابة الذين حاربوا في بدر لانهم أخذوا أسرى، وليس هذا من شأن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كما ليس من شأن الانبياء السابقين، لكن الله سمح لهم بعد ذلك بأخذ الفداء، والعجيب أنّ كثيراً من المفسّرين أدخلوا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا التهديد مع أنّ ظاهر الاية واضح في مخاطبة الصحابة، ثم أنّ رسول الله ما كان ليقوم بفعل أو قول دون إذن الله فلماذا يدخل في دائرة التهديد؟! نعم هذا ما فعلته أيدي بني أُمية الحاقدة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته فينطبق عليهم قول الله تعالى: (يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ)(٢) .

وتقرأ في سورة الانعام هذه الاية: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللهُ...)(٣) .

١) سورة الانفال: ٦٧ ـ ٦٨.

٢) سورة المائدة: ٤١.

٣) سورة الانعام: ٩٣.

أُنظر تفسير الفخر الرازي في تفسيره للسورة ١٣: ٩٣، تفسير الطبري ٧: ١٨١، تفسير الدرّ المنثور ٣: ٣١٧.

٤٦
وفي قول نزلت هذه الاية في عبدالله بن سعد بن أبي سرح أخو عثمان بن عفان والذي أهدر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دمه لانّه قال إنني أستطيع أن أقول مثل ما أنزل الله، والعجيب أنّ هذا الافّاك الاثيم يصبح في زمن عثمان أحد وزراء الدولة وقادة الجيش؟!

هذا غيض من فيض، ولولا أنّ المجال لا يتّسع لاكثر من هذا لاتينا على كلّ الايات النازلة في شأن الصحابة والتي كانت تفضح بعضاً منهم أو تُقرّع البعض الاخر أو تهدّدهم وتتوعّدهم.

وهكذا ترى أنّ القرآن يضع الصحابة في محلّهم الطبيعي.

والعجب أنّ علماء أهل السنّة كما أشرنا إلى ذلك سابقاً يزعمون أنّ الله والقرآن عدّلا الصحابة جميعاً، وعليه إنّ أىّ قدح في أىّ واحد منهم هو خروج عن الاسلام وزندقة، فها هو القرآن يكذّب آراءهم النابعة من الهوى ويقول غير ما قالوا، ولا كلام بعد كلام الله وإن كره الكارهون.

ثمّ دعنا من الصحابة ولنأت إلى أشرف ولد آدم وأفضل رسل الله ورأس أُولي العزم (عليهم السلام) حيث إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتسب تلك المنزلة العظيمة بالاماني بل بأعماله، وها هو القرآن يشير إلى هذه الحقيقة قائلاً: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ)(١) .

وحاشا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشرك، لكن هذا هو مقياس الله، لا مجاملة

١) سورة الزمر: ٦٥.

٤٧
ولا محاباة مع أىّ أحد في أحكامه وشرائعه.

ثم انظر إلى قوله تعالى في سورة الحاقة: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الاَقَاوِيلَ لاََخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ)(١) .

فليس معنى كون الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيّاً يحجزه عن العقاب إذا خرج عن حدود الله، فما بالك بعد هذا بالصحابة؟!

إنّ الصحابة هم أوّل المكلّفين في الاسلام وأوّل المسؤولين.

فهم إذن تحت الشرع وليسوا فوقه، وليس عندهم جواز عبور إلى الجنّة، هيهات ليس الامر بالاماني.

إنّ الصحابة في موضع خطير حيث أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين أظهرهم ولا حجّة لمن تعدّى حدود الله منهم غداً يوم القيامة، فقد شاهدوا نور النبوّة وآيات الله نزلت بينهم وقد تمت عليهم الحجّة والويل لمن لم يُنجِه كلّ ذلك.

١) سورة الحاقة: ٤٤ ـ ٤٦.

٤٨

رأي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصحابة

بعد استعراضنا لكثير من الايات الموضحة والمبيّنة لرأي القرآن في الصحابة، نأتي الان لنرى رأي الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في أصحابه.

نفتح صحيح البخاري ونقرأ: عن عقبة (رضي الله عنه) أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج يوماً فصلّى على أهل أُحد صلاته على الميّت ثم انصرف على المنبر فقال: «إنّي فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإنّي والله لانظر إلى حوضي الان، وإنّي أُعطيتُ مفاتيح خزائن الارض أو مفاتيح الارض، وإنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»(١) .

وجاء هذا الحديث بألفاظ أُخرى منها هذا الحديث التالي: عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وسلم)قال: «بينا أنا قائم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلمّ، فقلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ، قلت: أين؟ قال: إلى النار والله، قلت ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص

١) صحيح البخاري ٨: ١٥١، صحيح مسلم باب الفضائل.

٤٩
منهم إلاّ مثل هَمَلِ النَّعم»(١) .

فإذا نظرت إلى الحديث الاوّل ترى أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «وأنا شهيد عليكم» أي على أفعال أصحابه، وهذا يذكرنا بقول عيسى بن مريم (عليه السلام)حيث قال: (... وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ)(٢) .

فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس مسؤولاً عن أفعال أصحابه بعد حياته.

ثم انظر إلى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها».

نعم هكذا كان، حيث صار الصحابة بعد فتح البلدان من أغنى الناس كطلحة والزبير وغيرهما، ولهذا حاربوا علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) لانّه كان أشد الناس في الحق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وتأمّل هذه المفردة في الحديث (حتّى إذا عرفتهم) وهذا يعني أنهم عاشوا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وليسوا أفراداً من أُمّته متأخرين أو المنافقين كما يدّعى البعض.

ثم تأمّل هذه المفردة (إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم

١) صحيح البخاري ٨: ١٥١.

ويُراجع صحيح مسلم ٤/١٧٩٣ كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبيّنا، مسند أحمد ١: ٤٠٦.

٢) سورة المائدة: ١١٧.

٥٠
القهقرى).

نعم هكذا كان، وانظروا كتب التواريخ وما فعله كثير من الصحابة من كنز الاموال وقتل النفوس وتعطيل حدود الله وتغيير سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لترى عجباً!!

٥١

مخالفات الصحابة للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الباحث المتجرّد سيكتشف أنّ الصحابة هم أوّل من خالف الله ورسوله ولم يكونوا جميعاً مطيعين متهالكين في طاعته (صلى الله عليه وآله وسلم) كما يدّعي البعض، وإليك غيض من فيض من هذه المخالفات:

عن البراء بن عازب (رضي الله عنه) قال: «جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على الرجّالة يوم أُحد ـ وكانوا خمسين رجلاً ـ عبدالله بن جبير فقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتّى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا هَزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتّى أرسل إليكم، فهزموهم (هزيمة المشركين)، قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن قد بدت خلاخلهنّ وأسوُقُهنّ رافعات ثيابهنّ، فقال أصحاب عبدالله بن جبير: الغنيمة أىْ قوم الغنيمة، ظَهرَ أصحابكم فماتنتظرون، فقال عبدالله بن جبير: أنسيتم ماقال لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قالوا: والله لنأتيّن الناس فلنصيبنّ من الغنيمة، فلمّا أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أُخراهم، فلم يبق مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غير اثني عشر رجلاً فأصابوا منّا سبعين»(١) .

أُنظر إلى هؤلاء الصحابة يخالفون أوامر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) علانية حتّى

١) صحيح البخاري ٤: ٧٩.

٥٢
تسببوا في هزيمة المسلمين وشهادة خيار الصحابة كمصعب بن عمير وحمزة وغيرهما، ولو لم ينزلوا من الجبل لكانت معركة أُحد الضربة القاضية للمشركين، ولما تجّرأوا بعدها على خوض حروب أُخرى ضد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كغزوة الخندق وغيرها.

ويا ليته كان فرارهم الاوّل بعد هزيمتهم، لكن أعادوا نفس الفعلة في غزوة حنين.

وإليك حادثة أُخرى وقعت قبل أربعة أيام من وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهي المعروفة برزيّة يوم الخميس:

عن ابن عباس قال: «يومُ الخميس وما يوم الخميس، ثم بكى حتّى خضب دمعه الحَصْبَاء، فقال: اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبدا، فتنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقالوا: هَجَر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة»(١) .

مرحى لهؤلاء الصحابة يأمرهم الرسول فيقولون إنّ النبيّ يهجر (يخرّف)!! ولا يطيعونه حتّى يُعرض عنهم.

١) صحيح البخاري ٤: ٨٥، وصحيح مسلم ٣: ١٢٥٧ كتاب الوصية، ومسند أحمد ١: ٢٢٢.

٥٣
ويا حسرة على ذلك الكتاب الذي لم يُكتَب والذي قال عنه الرسول (لَنْ تضلّوا بعده) ولو فعل الصحابه ما أُمروا به لما اختلف مسلمان إلى يوم القيامة، فانظر إلى ما جناه علينا الصحابة من الضلال وما حرمونا منه.

حديث آخر فخذه:

«عن علىّ (رضي الله عنه) قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سريّة وأمّر عليهم رجلاً من الانصار وأمرهم أن يُطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: عزمتُ عليكم لما جمعتم حطباً وأوقدتم ناراً ثم دخلتم فيها، فجمعوا حطباً فأوقدوا، فلمّا همّوا بالدخول نظر بعضهم إلى بعض قال بعضهم: إنمّا تبعنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فراراً من النار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النار وسكن غضبه، فذكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً إنّما الطاعة في المعروف»(١) .

انظر إلى هذا الامير المتلاعب كيف يأمر الصحابة بالهلاك وسوء العاقبة في الدنيا والاخرة، وانظر استنكار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لذلك الفعل وما قاله.

والاعجب من هذا كلّه أنك تجد في كتب وصحاح أهل السنّة أحاديث في الطاعة ما أنزل الله بها من سلطان، بل مخالفة لصريح القرآن والفطرة الانسانيّة مثل هذا الحديث الاتي:

١) صحيح البخاري ٩: ١١٣، ما جاء في السمع والطاعة.

٥٤
الصحابة في حجمهم الحقيقي لـ الهاشمي بن علي (ص ٥٥ - ص ١٠٠)
٥٥
أنفسهم، أليس قد فارق علي بن أبي طالب جماعة المسلمين ولم يبايع أبا بكر إلاّ بعد ستة أشهر ؟ أليس قد خالفت عائشة هذا الحديث وخرجت على عليّ في حرب الجمل مع طلحة والزبير؟! أليس قد فارق عبدالله بن عمر الجماعة ولم يبايع عليّاً طيلة خلافته ثم بايع بعد ذلك يزيد وعبد الملك بن مروان؟!

وهناك حديث آخر يعارض هذه الاحاديث، يقول: عن عبدالله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره مالم يُؤمَر بمعصية، فإن أُمر بعصية فلا سمع ولا طاعة»(١) .

وإليك فعلة شنيعة أُخرى اقترفها صحابي ابن صحابي:

عن أسامة بن زيد بن حارثة قال: «بعثنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحُرقة (قبيلة) من جُهينة، قال فصبّحنا القوم فهزمناهم، قال ولحقتُ أنا ورجل من الانصار رجلاً منهم، قال: فلمّا غشيناه قال لا إله إلاّ الله، قال: فكفّ عنه الانصاري فطعنتُهُ برمحي حتّى قتلتُه، قال: فلمّا قدمنا بلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: فقال لي: يا أُسامة أقتلْتَهُ بعدما قال لا إله إلا الله، قال: قلتُ: يا رسول الله إنّما كان متعوّذاً (أي قالها خوفاً من القتل لا إيماناً) قال: أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ قال: فما زال يكرّرها علىّ حتّى تمنّيتُ أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم»(٢) .

١) صحيح البخاري ٩: ١١٣.

٢) صحيح البخاري ٩: ٥، مسند أحمد ٥: ٢٠٠.

٥٦
والواقع أنّ الانسان لا يجد ما يعلق عليه في هذه الحادثة، لذا نتركها للقارئ.

وإليك حادثة أُخرى:

عن أبي هريرة قال: «شهدنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لرجل ممّن يدّعي الاسلام: هذا من أهل النار، فلمّا حضر القتال قاتل الرجل قتالاً شديداً فأصابته جراحة، فقيل: يا رسول الله الذي قلت إنّه من أهل النار فإنّه قد قاتل اليوم قتالاً شديداً وقد مات، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إلى النار، قال: فكاد بعض الناس أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: إنّه لم يمت ولكن به جراحاً شديداً، فلمّاكان من اللّيل لم يصبر على الجراح فقَتل نفسه، فأخبر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك فقال: الله أكبر إني عبد الله ورسوله، ثم أمر بلالاً فنادى بالناس...»(١) .

هذا رجل مسلم، صحب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وغزا معه، والله أعلم كم غزوة شارك فيها، ولم يكفر بالله ولم يرتدّ لكنّه من أهل النار لانّه انتحر ولم يصبر على الجراح، فكيف يقال: إنّ جميع الصحابة عدول؟!

نكتفي بهذا القدر اليسير من مخالفات الصحابة لله ولرسوله وننتقل إلى بحث آخر وهو: رأي الصحابة في بعضهم البعض.

١) صحيح البخاري ٤: ٨٨.
٥٧

رأي الصحابة في بعضهم البعض

إنّ الذي يمنعنا اليوم من مجرّد ذكر حقائق وأفعال بعض الصحابة ـ التي أثبتها الله ورسوله ويدّعي أنّ ذلك طعن بالصحابة ويتهمنا بسب وشتم جميع الصحابة ـ لا يدري أنّ الصحابة أنفسهم شتم بعضهم بعضاً ولعن بعضهم بعضاً وقاتل بعضهم بعضاً، فهل «حلال عليهم، حرام علينا؟!»(١) .

وإليك بعض الامثلة على ذلك:

عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص عن أبيه قال: «أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسب أبا التراب؟! فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبّه لان تكون لي واحدة منهنّ أَحبّ إلىَّ من حُمر النِّعم. سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه فقال له علىّ: يا رسول الله خلّفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبوّة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لاعطينّ الراية رجلاً يُحبّ اللهَ ورسولَه ويحبّه اللهُ

١) مثل تونسي شائع.

٥٨
ورسولُه، قال فتطاولنا لها فقال: ادعوا لي عليّاً، فأُتي به أرمد فبصق في عينه ودفع الراية إليه ففتح الله عليه، ولمّا نزلت هذه الاية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)(١) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: اللّهم هؤلاء أهلي»(٢) .

ونحن نستخلص من شهادة سعد بن أبي وقاص هذه أشياء:

أولاً: لو كان سبّ الصحابي كفراً فما بال معاوية بن هند يأمر الصحابة ومن ضمنهم سعداً بسبّ علي بن أبي طالب؟! وما بال بني أُميّة اتخذوا سبّ علي بن أبي طالب سنّة، حتّى كانوا يلعنونه على المنابر طيلة سبعين سنة.

ثانياً: ثبت عن الصحابة أنّ المقصود من أهل البيت النبوىّ ليس زوجات الرسول بل هم: علي وفاطمة وحسن وحسين وفيهم نزلت آية التطهير حيث يقول تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وُيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(٣) فالقرآن نزل بين الصحابة وما كانت لتخفى عليهم مقاصد هذه الاية.

وثالثاً: يتبيّن كذب أحاديث قيلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنها هذا

١) سورة آل عمران: ٦١.

٢) صحيح مسلم ٤: ١٨٧١، كتاب فضائل الصحابة.

٣) سورة الاحزاب: ٣٣.

٥٩
الحديث التالي:

عن محمد بن إسحاق عن يونس بن محمد عن إبراهيم بن سعد عن عبيدة بن أبي رائطة عن عبد الرحمان عن عبد الله بن مغفّل قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه»(١) .

فإذا صحّ الحديث فمعاوية ـ وهو صحابي درجة مائة ـ كان يسبّ عليّاً وما أدراك ما علي ويأمر بسبّه; وعليّ (عليه السلام) قال فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق»(٢) .

وإليك مثال آخر على رأي الصحابة في بعضهم البعض:

عن جابر قال: «صلّى معاذ بن جبل الانصاري بأصحابه صلاة العشاء فطوّل عليهم، فانصرف رجل منّا، فصلّى، فأُخبر معاذ عنه فقال: إنّه منافق، فلمّا بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره ما قال معاذ، فقال

١) مسند أحمد بن حنبل ٩: ٨٢، وقريب من هذا الحديث حديث «أحسنوا إلى أصحابي» مسند أحمد بن حنبل: ٤٥ حديث رقم ١٧٨.

فهل أحسن عثمان إلى أبي ذر وهل أحسن معاوية لعليّ وهل أحسن يزيد (التابعي) إلى الحسين الصحابي وو...؟!

٢) أنظر سنن ابن ماجة ١: ٤٢، فضائل عليّ.

٦٠