×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحوة / الصفحات: ٢١ - ٤٠

أفكار جديدة

تعرفت بعد سنوات على صديق جديد، التقينا في المسجد، وتحدثنا بعد خروجنا، عن الاسلام وهموم المسلمين ومسألة المذاهب والتقليد، وفوجئت بأن الفتى كان يحمل بعض الأفكار الغريبة والجريئة أيضاً، خصوصاً أنني وجدته متفقاً معي في نبذ تقليد المذاهب، وعندما سألته عن مصدر معلوماته تردد قليلا في البوح بها، ولكنني ألححت عليه، فاعترف بأنه يتلقى هذه المعلومات من شيخه.

أبديت له رغبتي في التعرف على الشيخ، فوعدني خيراً، وبعد أيام طلب مني التهيؤ للقاء الشيخ.

توجهنا الى منزل الشيخ الذي استقبلنا بالترحاب ثم راح يحدثنا في مواضيع مختلفة، وتطرق في حديثه الى موضوع المذاهب واختلاف المسلمين بسببها، وأنحى باللائمة على المسلمين الذين تعلقوا ببعض المعتقدات الفاسدة، وتطرق في حديثه الى الصوفية، فراح يتهكم عليهمخمّنت أثناء الحديث أن يكون الشيخ وهابياً، ولم تكن معلوماتي عن الوهابية واضحة جداً، ولكنني كنت اُلاحظ أن جماعة الصوفية كانوا يذمونهم كثيراً، وكذلك كان إمام مسجدنا من قبل يمقتهم ويحذرنا منهم ومن بدعهم وضلالاتهم... بقيت ساهراً تلك الليلة، فاللقاء مع الشيخ كان مثيراً الى حد ما، وقفزت الى ذهني تساؤلات كثيرة لم أجد لها جواباً، لذا بكرت بالذهاب الى منزل الشيخ على غير موعد.

استقبلني بحرارة، لكنني أخبرته بأني قد جئت للتحدث معه على انفراد، فأدخلني الى البيت، وعندما استقر بنا المقام، أقبل علي الشيخ بنظرات متسائلة.

٢١

قلت بعد تردد: هل أنتم وهابيون؟

قطب حاجبيه قليلا، ثم قال مبتسماً: ماذا تعرف عن الوهابية؟

قلت: ليس كثيراً، ولكن يبدو أن هنالك أوساطاً كثيرة لا ترتاح لسيرتهم.

قال: (وأكثرُهم للحقِّ كارِهون)، ألا ترى أن أكثر الناس كانوا يحاربون الأنبياء؟

أطرقت ساكتاً: فابتدرني بالقول: نحن في الحقيقة سلفيّون، وإن عقيدتنا تقوم على التوحيد ونبذ الشرك ومحاربة البدعة، فهل ترى في ذلك بأساً؟

قلت: كلا، بل أن أساس الدين يقوم على هذه الدعائم.

قال بانشراح: فذلك ما نرمي إليه، أن نعيد الاسلام الى سيرة السلف الصالح، ونحرر المسلمين من الخرافات والبدع وننقذهم من الشرك.

ثم انبرى الشيخ للحديث بالتفصيل عن هذا الأمر مستكثراً من الشواهد القرآنية وداعماً كلامه ببعض الأحاديث النبوية الشريفة أحياناً والسيرة المثلى للصحابة الكرام. حتى خلص الى حقيقة مفادها: أن أكثر المسلمين قد انحرفوا عن الاسلام حين تركوا خط السلف.

قلت: ماذا عن الاُمور المتعارف عليها بين المسلمين، والتي أصبحت في حكم المسلّمات.

قال بحدّة: كلها بدع لا أصل لها، وهي التي قادتهم الى الشرك.

قلت: فمعظم المسلمين اليوم هم في الحقيقة مشركون؟!

قال: نعم، بالتأكيد.

شعرت ببعض الأسى، إلاّ أن الشيخ كان قوي العارضة، وكان يدعم آراءه بالشواهد القرآنية المتتالية، حتى أحسست بالعجز أمام أدلته، ولم أجد بداً من الاستسلام للفكرة الجديدة والاعتراف بصوابها.

٢٢

الدعوة

بدأت مرحلة جديدة من العمل، وبخاصة في أوساط الشباب، وكانت الفكرة التي ندعو إليها برّاقة جذابة، تتمثل في محاربة الشرك والبدعة، والدعوة الى التوحيد الخالص، وإعادة الاسلام والمسلمين الى الطريق الصحيح الذي انتهجه السلف الصالح.

تأقلمت مع الفكرة الجديدة بعد أن اقنعت نفسي بصوابها - رغم ما في النفس - واندفعت في العمل مع باقي أعضاء الجماعة، فكنا نلتقي بالشيخ اُسبوعياً حيث نتدارس القرآن، وكان الشيخ يستمع الى آرائنا ويعطينا المزيد من المعلومات، ثم يقوم بتوجيهنا، وزودنا ببعض مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم، كما لاحظت أن الشيخ كان يفسّر لنا الآيات معتمداً على تفسير (في ظلال القرآن) لسيد قطب.

حاولت في هذه الأثناء أن أجتذب أقربائي الى الفكرة الجديدة، الاّ أن معظمهم رفض الأفكار الجديدة، وعندما شكوت الى الشيخ ما اُلاقي منهم - وكنت أتوقع أن يواسيني ويسألني دعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة ـ لكنه فاجأني بقوله متمثلا بالآية الكريمة: (إنَّ الذينَ كَفروا سَواءٌ عليهم أأنذرتَهُم أم لَمْ تُنذِرهُم لا يُؤمنونَ)(١).

١- البقرة: ٦.

٢٣

الانفصام

بدأت سحب الخلاف تظهر بيني وبين الشيخ عندما ناقشته حول بعض الاُمور التي وردت في بعض الكتب التي كان يوصينا بقراءتها.

كان الأمر يتعلق بالدرجة الاولى ببعض المعلومات التاريخية التي وردت فيه، لكنني لاحظت أن الشيخ كان مقتنعاً تماماً بالاُمور التي اعترضت عليها، والمتلخص بتمجيد بني اُمية الذي كان الشيخ متحمساً فيه، بل وكان يمجّد حتى ولاة بني اُمية كالحجاج بن يوسف الثقفي وغيره، حيث اعتبرهم الشيخ من المجاهدين المخلصين للاسلام، واعتبر خلفاء بني اُمية جميعاً اُمراء للمؤمنين بحق، حيث رفعوا راية الاسلام ونشروه في مختلف الأصقاع.

وعلى الرغم من أن تاريخ ابن كثير كان معتمدنا الأول في معلوماتنا التاريخية، الاّ أن الشيخ كان يعترض أحياناً على بعض آراء ابن كثير أيضاً، خصوصاً قوله بتفسيق بعض خلفاء الاُمويين الذين اعتبرهم الشيخ كلهم اُمراء للمؤمنين لا ينبغي ذكرهم الاّ بعبارات الثناء لأنهم قد خدموا الاسلام، وأن كل ما يثار حولهم من شبهات، إنما هي من صنع أعداء الاسلام، وحتى قضية ثورة الحسين بن علي(رضي الله عنه) بدا الشيخ ميالا الى جانب يزيد وتصويب موقفه، وتخطئة موقف الحسين، وكذا حول وقعة (الحرّة)، وأن أهل المدينة قد أخطأوا بخروجهم على إمامهم يزيد بن معاوية، وأن يزيد ليس بمسؤول عما حدث.

وعندما احتججت على الشيخ بخروج معاوية على الخليفة علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)، أجابني الشيخ بأن الأمر هنالك مختلف، فمعاوية صحابي جليل، ولم يكن خروجه لغاية دنيوية ولا طلباً للملك، ولكنه كان يريد الاقتصاص

٢٤
٢٥

العربي(١). وهوامش كثيرة للشيخ محب الدين الخطيب ومحمود مهدي الاستانبولي ودار النشر التي تولت طبع الكتاب.

كان الكتاب عبارة عن محاولة من مؤلفه ومحققيه لاضفاء طابع الشرعية على كل المواقف التي اتخذها الصحابة في الفتنة التي وقعت في خلافة عثمان وما بعدها، والاعتذار لهم عن كل ما بدا منهم.

لكن الأمر الذي أثار استغرابي هو أن المؤلف يلقي آراءه من خلال الروايات التي يستشهد بها دون الاشارة الى مصادرها، ودون ذكر أسانيدها كما هو متعارف عليه عند المصنفين القدامى، وذلك ما حاول المحققون وبخاصة محب الدين الخطيب تلافيه بالارجاع الى المصادر والتعليق عليها وتفصيل ما ذكره ابن العربي مجملا. الاّ أن القاضي ابن العربي يحاول فرض آرائه على القارئ ويطالبه بتصديقها دون مناقشة، وكأنه شاهد عيان يروي كل ما جرى على حقيقته، مع اعترافه بأن الفاصلة الزمنية بينه وبين تلك الحوادث هي خمسة قرون، وكما تبين في تاريخ وفاته من ترجمته.

كنت كلما استغرقت في قراءة الكتاب، تبين لي هفواته أكثر فأكثر، فهو يرفض جملة من الأخبار عن بعض الحوادث التاريخية التي هي في حكم المسلّمات عند جمهور المسلمين بكافة طوائفهم، مثل قضية الحوأب وغيرها.

١- قال الذهبي في تذكرة الحفاظ ٤: ١٢٩٤: ذكره أبو يحيى اليسع بن حزم وبالغ في تعظيمه وتقريظه وقال: فولي القضاء فمُحِن وجرى في اعراض الامارة فلحق وأصبح تتحرك بآثاره الالسنة، نصب الشيطان عليه شباكه وسكن الادبار حراكه، فأبداه للناس صورة تُذم وسوءة تبلى، لكونه تعلق بأذيال الملك، ولم يجر مجرى العلماء في مجاهرة السلاطين وحربهم، بل داهن، ثم انتقل الى قرطبة معظماً مكرما حتى حوّل الى العدوة فقضى نحبه... قال ابن بشكوال: توفي ابن العربي بالعدوة بفاس في ربيع الآخر سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وفيها أرّخه الحافظ ابن المفضل والقاضي ابن خلكان، وفي تاريخ ابن النجار في نسخة نقلت منها: سنة ست وأربعين، والأول صحيح.

٢٦

وكانت الهفوة التي أسقطت اعتبار الكتاب في نظري، قول المؤلف:

"وأما معاوية: فعمر ولاّه، وجمع له الشامات كلها، وأمّره عثمان، بل إنما ولاّه أبو بكر الصديق(رضي الله عنه)، لأنه ولّى أخاه يزيد، واستخلفه يزيد، فأقره عمر لتعلقه بولاية أبي بكر لأجل استخلاف واليه له، فتعلق عثمان بعمر وأمّره; فانظروا الى هذه السلسلة ما أوثق عراها..."(١).

ولكن فات ابن العربي انّ السلسلة قد انقطعت بتولي علي بن أبي طالب الخلافة، ولو كان معاوية كما يصفه ابن العربي حقيقة، فلماذا لم يقرّه علي أيضاً تعلقاً بأسلافه، ولماذا أراد إزاحته عن ولاية الشام؟ اليس معنى ذلك ان معاوية قد ارتكب في خلافة عثمان اُموراً استحق عليها العزل؟ نعم، ربما كان معاوية مستقيماً في عهد أبي بكر وعمر، وبخاصة وأن عمر كان شديد الوطأة على ولاته وعمّاله يحاسبهم حساباً عسيراً، فاضطر معاوية للاستقامة خوف العزل، ولكن يبدو أن تساهل عثمان معه قد أطمعه ودفعه الى ارتكاب اُمور غير مشروعة دون خوف من عقاب أو عزل، مما حدا بعلي بن أبي طالب أن يعيد النظر في أمره ويقرر عزله فوراً عن ولاية الشام، إلاّ إذا قلنا أن علياً كان ظالماً لمعاوية دونما سبب وأراد عزله دون وجه حق، ولا أظن أن أحداً يقبل بمثل هذا القول، ولا حتى ابن العربي نفسه.

إلاّ أن عبارة للشيخ محب الدين الخطيب اعجبتني كثيراً وأفادتني فيما بعد، وهي قوله:

ومعيار الأخبار في تاريخ كل اُمة الوثوق من مصادرها، والنظر في

١- العواصم من القواصم: ٩٥.

٢٧

ملائمتها لسجايا الأشخاص المنسوبة اليهم، وأخبار التاريخ الاسلامي نقلت عن شهود عيان ذكروها لمن جاءوا بعدهم، وهؤلاء رووها لمن بعدهم. وقد اندس في هؤلاء الرواة اُناس من أصحاب الأغراض زوّروا أخباراً على لسان آخرين وروجوها في الكتب إما تقرباً لبعض أهل الدنيا، أو تعصباً لنزعة يحسبونها من الدين.

ومن مزايا التاريخ الاسلامي -تبعاً لما جرى عليه علماء الحديث- أنه قد تخصص فريق من العلماء في نقد الرواية والرواة، وتمييز الصادقين منهم عن الكذبة، حتى صار ذلك علماً محترماً له قواعد، واُلفت فيه الكتب، ونظمت للرواة معاجم حافلة بالتراجم، فيها التنبيه على مبلغ كل راو من الصدق والتثبت والأمانة في النقل، وإذا كان لبعضهم نزعات حزبية أو مذهبية قد يجنح معها الى الهوى ذكروا ذلك في ترجمته ليكون دارس أخبارهم ملماً بنواحي القوة والضعف من هذه الأخبار. والذين يتهجمون على الكتابة في تاريخ الاسلام وتصنيف الكتب فيه قبل أن يستكملوا العدة لذلك - ولا سيما في نقد الرواة ومعرفة ما حققه العلماء في عدالتهم أو تجريحهم- يقعون في أخطاء كان في إمكانهم أن لا يقعوا فيها لو أنهم استكملوا وسائل العلم بهذه النواحي(١).

عبارة الشيخ الخطيب دفعتني الى التأمل والتساؤل: لماذا أظل معتمداً على آراء الآخرين وأنتظر منهم حلّ مشاكلي الفكرية؟ لماذا لا أبدأ العمل بنفسي وأحقق كتب التراث متبعاً الاُسلوب العلمي في عصر كثرت فيه البحوث والدراسات؟ أن بامكاني حتماً أن استفيد من تجارب الآخرين وبحوثهم

١- العواصم من القواصم: ٧٦ هامش: ٦٦.

٢٨

واُقارن بين وجهات النظر المختلفة، وبعد أن أستكمل الحد الأدنى المقبول من العدة التي أحتاجها، سوف أبدأ بخوض التجربة بالاتكال على الله بعد الأخذ بالأسباب، فمسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة كما يقال.

وبدأت فعلا عملية البحث التي قادتني في رحلة طويلة بين طيات كتب التراث، والتي ساُحاول تلخيصها في هذا الكتاب والله ولي التوفيق.

٢٩

الفصل الثاني

التاريخ الإسلامي




٣٠
٣١

التاريـخ الإسلامــي

من الاُمور التي باتت تلفت الانتباه، هي النداءات الكثيرة التي تطالب بإعادة كتابة التاريخ الإسلامي وتنقيته مما قد علق به، بهدف الخروج بتاريخ صحيح يحفظ للاُمة الاسلامية تراثها العريق، ويقطع الطريق أمام محاولات الدس والتشويه فيه.

ولعل من حق الفرد المسلم أن يتساءل: أين يكمن الخلل في تاريخنا حتى بات من المحتّم إعادة كتابته من جديد؟!

لقد ظلت الاُمة تتلقى تاريخها من المصادر المعروفة التي دُوّنت قبل أكثر من ألف عام، وبالتحديد عندما ظهرت المدوّنات التاريخية الكبرى، وبخاصة (تاريخ الاُمم والملوك) للمؤرخ الكبير (محمد بن جرير الطبري) المتوفى سنة (٣١٠ هـ)، ومنذ ذلك اليوم أصبح هذا السِّفر الضخم، هو المصدر الرئيس الذي ينهل منه المؤرخون ويستقون معلوماتهم عن الفترة الأكثر أهمية وحساسية من تاريخ الاُمة الإسلامية، ألا وهي الفترة الممتدة من مبعث الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، ومن ثم وفاته وبدء عصر الخلافة الراشدة، وما تبع وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) من خلاف بين المسلمين، أدّى الى وقوع الفتنة الكبيرة في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، والتي آلت في نهاية الأمر الى مصرع الخليفة نفسه، ثم ما تبع ذلك من حروب دامية بين المسلمين أنفسهم وللمرة الاولى

٣٢

منذ بدء الرسالة النبوية الشريفة، ثم انتقال الخلافة الى بني اُمية بعد مصرع الخليفة الرابع علي بن أبي طالب وتنازل ابنه الحسن عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان، وإلى نهاية حكم يزيد بن معاوية، أي على مدى نصف قرن تقريباً من بدء التاريخ الإسلامي.

لقد كانت الخطوط العريضة لهذه الحوادث واضحة يتناقلها المؤرخون الذين جاءوا من بعد الطبري جيلا إثر جيل، دون تغيير مهم، حتى جاءت الموجة الجديدة من الغرب بعد نهضته، يركبها بعض الباحثين المتخصصين الذين اُصطلح على تسميتهم بالمستشرقين، فراحوا يجوبون أقطار الأرض -ومنها البلاد الاسلامية- ويستخرجون كنوزها الثقافية، منكبّين على دراستها وتمحيصها، متّبعين أساليب جديدة في البحث، أساسه النقد الموضوعي، ومن ثم تسطير آرائهم النقدية وتحليلاتهم هذه في كتب ألّفوها وقاموا بنشرها على نطاق واسع مستفيدين من تطوّر الطباعة في سرعة الانجاز والنشر.

وكانت أهداف هؤلاء المستشرقين من هذا العمل تنصبّ في اتجاهين: أحدهما نزيه يستهدف خدمة العلم وإغناء الثقافة البشرية بما يهيؤه ذلك العمل من تمازج في التراث الانساني، والاتجاه الآخر خبيث مدفوع من أوساط معيّنة تهيء للاستعمار الغربي وسيلة فعّالة للغزو الثقافي الذي هو أخطر أنواع الغزو، من خلال تنشئة جيل جديد من المسلمين، مقطوع الصِّلة بتراثه الأصيل عن طريق زرع بذور الشك في نفوس الناشئة، تمهيداً لسلخهم من تراثهم الإسلامي الأصيل، ذلك لأن "معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين، أو من المتخرجين من كليات اللاهوت، وإنهم وان تطرقوا الى

٣٣

الموضوعات الحسّاسة من الاسلام، حاولوا جهد إمكانهم ردّها الى أصل نصراني، وطائفة من المستشرقين من يهود، خاصة بعد تأسيس إسرائيل وتحكّم الصهيونية في غالبيتهم"(١).

وعلينا أن نعترف بأن اُولئك المستشرقين قد حققوا نجاحاً خطيراً في مسعاهم هذا، حيث إن البعثات العلمية التي خرجت من البلاد الإسلامية الى الغرب بهدف الدراسة في جامعاته، قد ضمّت عدداً غير قليل من الطلاب الذين وقعوا فريسة لهذا التغريب الثقافي الذي انعكس في مؤلفات العديد منهم، والتي كانت محض تعريب لأفكار وطروحات اُولئك المستشرقين الذين نجحوا في إيقاعهم في الشَّرَك.

أمام هذه الموجة الارتدادية الحضارية، بدأت تتعالى النداءات من قبل بعض الجهات في العالم الاسلامي - استجابة لنداءات المخلصين الذين راحوا يحذّرون من مكائد اولئك المستشرقين ويفضحون تخرصاتهم -تطالب باعادة كتابة التاريخ الإسلامي والمحافظة على هذا التراث الخالد، حفظاً للأجيال القادمة من عبث أعداء الإسلام بهم.

أهمية علم التاريخ

قد يعتقد بعض السطحيين أن التاريخ ليس إلاّ سرداً لوقائع ماضية قد عفا عليها الزمان، فما الحاجة الى الاهتمام به الى هذا الحد، بدلا من الالتفات الى الانجازات العلمية، ومحاولة اللحاق بالركب العالمي بدلا من الانشغال بملاحقة أحداث وقعت منذ قرون، لا يجدي البحث فيها شيئاً ولا يغني

١- تاريخ الإسلام، جواد علي: ١٠.

٣٤

الحضارة والتقدم العلمي الحديث.

لكن الحقيقة أن هذه النظرة الى التاريخ - وبخاصة التاريخ الاسلامي- قاصرة تماماً عن إستيعاب حركة الصراع الحضاري العالمي الذي يمثل التاريخ أحد أهم أوجهه، فالمسلمون ينظرون الى تاريخهم على أنه جزء لا يتجزأ من عقيدتهم الدينية نفسها، فأبطال هذا التاريخ ليسوا كأبطال التاريخ اليوناني والروماني وغيرهما من الاُمم، لأن دور اولئك الأبطال كان محدوداً بتلك الحقب التي عاشوها أو التي امتدت بعدهم الى حين، أما شخصيات التاريخ الإسلامي، فتتمثل أهميتهم في ارساء قواعد عقيدية لها ارتباط تام بفلسفة الفرد المسلم ومجتمعه الذي تتحكم فيه العقيدة الإسلامية وما يترتب على ذلك من آثار تتعلق بكافة النواحي الحياتية للفرد والمجتمع، وبما يكفل للمسلم نفحات روحية تجعل لوجوده على هذا الكوكب معنىً أسمى من مجرد بناء هياكل عمرانية واُسس حضارية خالية من القيم الروحية التي تشدّ أجزاء المجتمع الإسلامي بعرىً وثيقة لا تنفصم، تلك العرى التي تفتقر اليها معظم المجتمعات الغربية العلمانية المتحضرة، لأن تاريخها لا يمثل بالنسبة اليها جزءاً من عقيدتها الدينية.

أما بالنسبة للمسلمين، فإن لتاريخهم خصوصية خاصة بالنسبة لهم "لأن هذه الاُمة ذات وضع معين في التاريخ... إنها ليست مجرد اُمة من اُمم الأرض، إنها اُمة الرسالة الخالدة التي حملت رسالة الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) الذي اُرسل الى البشرية كافة، والى قيام الساعة"(١).

١- كيف نكتب التاريخ، محمد قطب: ١٩.

٣٥

نظرتان مختلفتان للتاريخ

قلنا إن الأصوات بدأت تتعالى للبدء بكتابة التاريخ الإسلامي من جديد، إلاّ أن هذه النداءات كانت ذات اتجاهين مختلفين: أحدهما اتجاه محافظ يحاول التشبث بالتاريخ الموروث الى حدّ التطرف ورفض أي مناقشة أو تعديل فيه، وبشكل انسحب فعلا على اُسلوب كتابات عدد من المؤلفين والباحثين الذين راحوا يرددون مقالات المؤلفين القدامى بعد صياغتها في قوالب جديدة من حيث الشكل، قديمة من حيث المحتوى، وتيار آخر يعتمد الاستفادة من مناهج البحث الحديثة في نقد التاريخ الإسلامي ومحاولة الكشف عن الحقائق التي يمكن استخراجها من خلال كمٍّ هائل من الروايات المتضاربة التي تميز التاريخ الإسلامي عن بقية الاُمم.

وقد وجد كل من التيارين أنصاراً يدعمونه، إلاّ أن التيار المحافظ كان أكثر رجحاناً، لأن بعض المؤسسات الدينية - التي تستمد نفوذها غالباً من الرأي العام- قد دعمته بكل قوة، ذلك لأن هذه المؤسسات غالباً ما تميل الى تقديس تراث الأسلاف، وتعتبر المساس بهذا التراث زيغاً عن العقيدة الإسلامية، وانطلاقاً من هذه النظرة المحافظة، تحولت بعض هذه المؤسسات الى ما يشبه الكنيسة في العصور الوسطى في الغرب، والتي كانت تضطهد أصحاب الأفكار التقدمية الجديدة حتى لو كانت صحيحة، مما جعل الباحث المسلم مقيداً، فإما أن يختار الطريق الذي تتبناه هذه المؤسسات دونما اعتراض، ودون توجيه أي نقد لهذا التراث، وإما أن يتحمّل ما يترتب على تمرده من تبعات، أقلها مواجهة حملة من التشنيع، ولعل السبب في موقف هذه المؤسسات المتشدد

٣٦

يرجع الى أن بعض الباحثين قد أخطأُوا الطريق حينما انجرفوا وراء أفكار وأساليب المستشرقين المغرضين، فحاولوا الطعن في التراث والتشكيك بالعقيدة الاسلامية، فأساءوا الى روح البحث العلمي البنّاء.

وقد أدى كل ذلك الى ظهور ما يمكن تسميته بحالة (تملّق الجماهير) في كتابات كثير من المؤلفين، وفيهم من ذوي الأسماء اللامعة والمكانة العلمية عدد غير قليل، فتجد أحدهم يحوم حول موضوع البحث الحسّاس، فإذا شعر بأنه قد اقترب من منطقة الخطر، راح يفتعل التبريرات لأخطاء الماضي بشكل تظهر عليه سمات المجاملة بوضوح، وبشكل خاص عندما يكون مدار البحث حول الخلافات السياسية ذات الطابع الديني، فتجد المؤلف ينتقد بعض شخصيات هذه الأحداث، لكنه سرعان ما يتراجع قليلا بافتعال التبريرات.

لا شك أن مهمة الباحث في نقد التاريخ ليست سهلة، لكن الاخلاص للحقيقة يهوّن المصاعب دون شك، "ومما يسهّل النقد علينا، أن كثيراً مما كتب للدعاية، وضع بأشكال اُسطورية لا يقف أمام النقد، ولكن عقدة واحدة تقف أمامنا هنا، وهي اشتباك الدين بالسياسة، وإدخال اُمور لها أهميتها في فهم التاريخ في مجال العقيدة، وهذا مما يجعل المؤرخ حذراً في معالجتها لئلا يصطدم بسلك كهربائي لا يدري ماذا سيثير"(١).

وليس الباحث المعاصر هو وحده الذي يشكو من هذه العقبة، بل إن كبار المؤلفين القدامى -أمثال الطبري وغيره- قد وجدوا "أن هناك سلطاناً آخر يخضع المؤرخ في كثير من الأحيان إليه، هو سلطان الرأي العام، فالمؤرخ مضطر بحكم مقامه بين مواطنيه أن يراعي شعورهم وإلاّ عرّض نفسه

١- مقدمة في تاريخ صدر الاسلام، عبد العزيز الدوري: ١١.

٣٧

للمكروه من قول أو أذى، ولهذا يضطر أن يمرّ بالقضايا الحساسة مرّاً خفيفاً أو دون نقد ولا إبداء رأي"(١).

ويستطيع الباحث أن يلاحظ أثر الرأي العام هذا على المؤلفين القدامى، فالطبري - مثلا - قد بدأ كتابه بالاعتذار عن كل ما لا يوافق ميول الرأي العام، فأخرج الأمر من عهدته وألقاه على عاتق الرواة الذين نقل عنهم، فقال في مقدمة سفره التاريخي: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه. أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة ولا معنىً في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤتَ من قِبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا(٢).

ومما تجدر الاشارة إليه، ان الطبري رغم اعتذاره مقدماً، وتهيئته ذهن القارئ الى وجود اُمور قد لا يرتضيها في هذا التاريخ، فإنه قد تنكّر أحياناً لمبدئه، ولم ينقل كثيراً من الروايات (لبشاعتها وشناعتها) على حد تعبيره، أو لأنه وكما يقول: (كرهت ذكرها)، أو (لأن العامة لا تحتمل سماعها) في أحيان اُخرى.

وغير الطبري من المؤلفين قد خضعوا أيضاً لسلطان الرأي العام، فإبن هشام -صاحب السيرة النبوية المعروفة- والتي رواها عن اُستاذه ابن إسحاق، قد اعترف بأنه قد اختصر سيرة ابن إسحاق وحذف منها اُموراً وصفها بأن (بعضها يشنع الحديث عنه) و (بعض يسوء بعض الناس ذكره) و (بعض لم يقرّ لنا البكائي بروايته)، وبهذا قدّم ابن هشام ـ المتوفّى سنة (٢١٠ هـ) ـ قبل الطبري بقرن من الزمان اعتذاره للقرّاء بأن سلطان الرأي العام يفرض عليه

١- تاريخ العرب في الاسلام، جواد علي: ١٠.

٢- تاريخ الطبري ١: ٨.

٣٨

المجاملة. وبعد هذه القرون المتطاولة، نجد الكثير من المؤلفين المعاصرين يدخلون الحلبة وهم ممزّقون بين اتجاهين:

الأول يفرض عليه مراعاة الأمانة العلمية والتجرد للحقيقة بإماطة اللثام عنها.

والاتجاه الآخر يفرض عليه الانحناء لرغبات الرأي العام الذي يطالبه بنمط معيّن من البحث يتماشى مع ميوله.

مصاعب البحث

إن أعقد ما يواجه الباحث المسلم من مصاعب في بحث التاريخ الاسلامي، هو الاتجاه الفكري الذي قد تكوّن عنده منذ نعومة أظفاره، لارتباط التاريخ الإسلامي بالعقيدة الإسلامية، فهو يدخل في مجال البحث برؤىً وقناعات سابقة قد يجد صعوبة كبيرة في التحرر من ربقتها، وهذه القناعات هي الاُخرى من افرازات الرأي العام الذي يفرض هذا القيد الثقيل على الباحث الذي يجد نفسه مضطراً في معظم الأحيان الى الاستسلام لهذه القيود الاجتماعية، فكيف السبيل للتوصل الى الحقيقة إذاً؟

نعود فنتساءل من جديد: هل نحتاج الى إعادة لكتابة تاريخنا من جديد؟

لقد قلنا فيما سبق إن النداءات قد تعالت مطالبة باعادة كتابة التاريخ الإسلامي، إلاّ ان الملاحظ ان هذه النداءات تنطلق في اتجاهين:

الأول، يستهدف تمحيص الروايات التاريخية، ولكن ليس باُسلوب نزيه يتوخى الحقيقة كما هي، بل هو يهدف الى حذف الروايات التي لا تتلاءم مع اتجاهات الرأي العام المتوارث، بغض النظر عن مدى صحة هذه الروايات

٣٩

ومطابقتها للحقيقة.

أما الأتجاه الثاني فهو يستهدف التوصل الى الحقيقة مهما كانت مرّة، لأن دفن الرؤوس في الرمال لا يجدي نفعاً، فلابد من الاستفادة من تجارب الماضي وأخطائه لتكون منطلقاً لتكوين رؤية صحيحة لتاريخنا على دعائم صحيحة وواعية، بعيداً عن المحاباة على حساب الحقائق، وعليه "فلابد أن نجعل أمام أعيننا أننا سندرس تاريخ اُمم إن كانت أخطأت في بعض تصرفاتها فليس علينا من تبعة ذلك الخطأ شيء، وليس لنا إلاّ ان نعرفه ونستفيد منه، وإن كانت أصابت المحجة فإن ذلك لا ينفعنا إذا لم يكن لنا مثل أعمالهم، لذلك يحتاج دارس التاريخ إلى سعة صدر يحتمل كل ما يرد على تاريخ قومه من نقد حتى لا تبقى حقائق الأشياء محجوبة بسُحب عاطفتي الحب والبغض"(١).

فلابد إذاً من دراسة الروايات التي جاءت في مصادرنا التراثية دراسة علمية نزيهة بعيدة عن الميول والأهواء والقناعات السابقة، ذلك "أن تاريخ العرب(٢) وإن يكن ما دوّن فيه كثير من التحري والتدقيق ومحاولة الضبط بشكل قد يفوق فيه ما دوّن عند الاُمم الاُخرى، إلاّ أنه يشكو من أدوار خطيرة بعضها قديم، وبعضها يتصل بطريقة كتابته الآن، فقد عبثت برواياته الاتجاهات الحزبية والدينية، وربما ورث هذا من نشأته، لأن تلك وثيقة الصلة بعلم الحديث والسياسة، وأحسب أن القارئ يعلم كثرة ما وضعته الأحزاب والفرق من أحاديث لتثبيت كيانها ومهاجمة خصومها"(٣).

إن مهمة إعادة كتابة التاريخ يجب أن تتصدر الأولوية من جهد الباحثين

١- محاضرات في تاريخ الاُمم الاسلامية، الخضري: ٣.

٢- الأصح تاريخ المسلمين.

٣- مقدمة في تاريخ الاسلام: ١٠.

٤٠