×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحوة / الصفحات: ٧٤١ - ٧٦٠

وكانوا إذا سوّدوا رجلا عمموه عمامة حمراء، وكانت الفرس تُتوّج ملوكها، فيقال له: المتوّج(١).

وقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "العمائم تيجان العرب"(٢).

وعن علي بن أبي طالب قال: عمّمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم بعمامة، فسدلها خلفي.

وفي رواية: فسدل طرفها على منكبي، ثم قال: "إنّ الله أمدّني يوم بدر وحنين بملائكة يتعممون هذه العمّة"(٣).

وعن عبد الرحمان بن عدي البحراني، عن أخيه عبدالأعلى بن عدي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دعا علي بن أبي طالب، فعمّمه وأرخى عذبة العمامة من خلفه(٤).

وعن ابن عباس، قال: لما عمّم رسول الله (صلى الله عليه وآله) علياً بالسحاب، قال له: "يا علي العمائم تيجان العرب"(٥).

وقال الحلبي: كان له (صلى الله عليه وآله) عمامة تسمى (السحاب)، كساها علي بنأبي طالب كرم الله وجهه فكان ربما طلع عليه علي كرم اللهوجهه، فيقول (صلى الله عليه وآله): "أتاكم علي في السحاب، يعني عمامته التي وهبها له (صلى الله عليه وآله) "(٦).

١- تاج العروس ٢: ١٢.

٢- الجامع الصغير للسيوطي ٢: ١٩٣ ح ٥٧٢٣ وصححه، النهاية لابن الاثير ١: ١٩٩.

٣- مسند الطيالسي: ٢٣ ح ١٥٤.

٤- كنز العمال ١٥: ٤٨٣ ح ٤١٩١١، معرفة الصحابة لابي نعيم ١: ٣٠١، الرياض النضرة للمحب الطبري ٣: ١٧٠، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٥: ١٠.

٥- الفردوس بمأثور الخطاب للديلمي ٣: ٨٧ ح ٤٢٤٦.

٦- السيرة الحلبية ٣: ٣٤١.

٧٤١

دفع الألباني لدلالة الحديث

أورد الشيخ ناصر الدين الألباني طرق حديث الثقلين وأثبت صحته، ونعى على البعض من غير المطلعين - من حملة شهادة الدكتوراه- تضعيفهم للحديث لعدم استيعابهم طرقه، ووصفهم بالناشئين الذين ليست لهم قدم راسخة في العلم، إلاّ أنه بعد ذلك يعود ليقع في خطأ لا يقل عن أخطائهم، حيث يقول: واعلم أيها القارئ الكريم، أن من المعروف أن الحديث مما يحتج به الشيعة، ويلهجون بذلك كثيراً، حتى يتوهم بعض أهل السنّة أنهم مصيبون في ذلك، وهم جميعاً واهمون في ذلك. وبيانه من وجهين:

الأوّل: أن المراد من الحديث في قوله (صلى الله عليه وآله): "عترتي" أكثر مما يريده الشيعة، ولا يردّه أهل السنّة، بل هم مستمسكون به، ألا وهو أن العترة فيه هم أهل بيته (صلى الله عليه وآله)، وقد جاء ذلك موضحاً في بعض طرقه كحديث الترجمة "وعترتي أهل بيتي"، وأهل بيته في الأصل هم نساؤه (صلى الله عليه وآله)، وفيهن الصدّيقة عائشة رضي الله عنهم جميعاً، كما هو صريح في قوله تعالى في (الأحزاب): (إنَّما يُريدُ اللهُ ليُذهِبَ عَنكُم الرِّجسَ أَهلَ البيتِ وَيُطهّركم تَطهيراً)(١) بدليل الآية التي قبلها والتي بعدها: (يا نِساءَ النبيّ لستُنَّ كأحد مِنَ النساءِ إنْ اتقيتُنَّ...) الاية.

وتخصيص الشيعة (أهل البيت) في الآية بعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عنهم دون نسائه (صلى الله عليه وآله) من تحريفهم لآيات الله تعالى انتصاراً لأهوائهم... الخ.

والوجه الآخر: أن المقصود من أهل البيت إنما هم العلماء الصالحون منهم، والمتمسكون بالكتاب والسنّة.. الخ(٢)

١- الأحزاب: ٣٣.

٢- سلسلة الأحاديث الصحيحة: المجلد الرابع: ح ١٧٦١.

٧٤٢

إن من العجب أن يتهم الألباني غيره باتباع الهوى وينسى نفسه، فان مقالته هذه لا ينبغي أن تصدر عمن يدعي العلم والتبحر في علم الحديث، وعتابه لاُولئك الذين يفتون بغير علم، ينطبق عليه بصورة أكبر، لأنه يعلم ولكنه يحرّف الحقائق من باب التعصب ليس إلاّ، إذ أن ما يدعيه من شمول نساء النبي (صلى الله عليه وآله) بأهل البيت ترده الروايات الصحيحة، ولم يقل بمقالة الألباني إلاّ بعض المتَّهمين بمناصبة أهل البيت، لذا أجد لزاماً علي أن استعرض الروايات التي جاءت بهذا الخصوص وأترك الحكم فيها للقارئ.

أهل البيت

لقد تبيّن من الفصول السابقة، أن الحديث النبوي الشريف قد تعرّض لعملية تزييف كبيرة، بأمر من معاوية وبني اُمية حتى انتهاء دولتهم، ثم استمر بعد ذلك عدة قرون، وكانت إحدى أساليب التزييف هي وضع أحاديث في مقابل الأحاديث الصحيحة انتقاصاً من علي وأهل البيت عامة، بصرف فضائلهم الى غيرهم من الصحابة، وبخاصة الخلفاء الثلاثة الاُوَل، أو الى بعض زوجاته، ولعلك تلاحظ معي أن الألباني عندما يذكر زوجات النبي (صلى الله عليه وآله) في أهل البيت، فانه يخص عائشة بالذكر دون سواها، وكان للسياسة الإعلامية الاُموية اليد الطولى في اختلاق الفضائل لعائشة، لا لسبب إلاّ لأنها زوجة النبي الوحيدة التي حاربت علي بن أبي طالب. وقد كان الهدف من إدخال زوجات النبي في أهل البيت، هو إضفاء الشرعية على عمل عائشة لاعتبارها تمثل هي الاُخرى الثقل الثاني الذي أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالتمسك به كالتمسك بالثقل الأول الذي هو كتاب الله، وبالتالي تصبح عائشة حجة في مسائل الدين والشريعة، ويصبحعملها بالتأليب على عثمان والدعوة لقتله، واشعال الفتنة بين المسلمين، ومن

٧٤٣

ثم ضرب بعضهم ببعض في حرب ضروس سقط فيها الاُلوف منهم، عملا مشروعاً، وتدور الدائرة على علي بن أبي طالب، ويصبح عمله عملا تهوّرياً، ويكون هو المسؤول الأول عما حدث في حرب الجمل وما تبعها.

فنلاحظ من ذلك أن إدخال أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) في جملة أهل البيت الذين أمر النبي بالتمسك بهم كان لهذه الأهداف، إلاّ أن الواقع يكذب ما يدعيه الألباني من المعاصرين، وعكرمة وعروة وغيرهما من القدامى الذين كانوا يقولون بذلك، وإليك مقارنة بين الروايات التي جاءت في ذلك:

١ - عن اُم سلمة(رض) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة(رض): "ائتني بزوجك وابنيه"، فجاءت بهم، فألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليهم كساء فدكياً، ثم وضع يده عليهم، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل محمد -وفي لفظ آل محمد- فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد". قالت اُم سلمة(رض): فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي وقال: "إنك على خير"!(١).

٢ - عن أبي سعيد الخدري(رضي الله عنه) قال: لما دخل علي(رضي الله عنه) بفاطمة(رض)، جاء النبي (صلى الله عليه وآله) أربعين صباحاً الى بابها يقول: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمكم الله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا، أنا حرب لمن حاربتم، أنا سلم لمن سالمتم".

٣ - قال السيوطي: وأخرج إبن مردويه عن اُم سلمة قالت: نزلت هذه الآية في بيتي (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)، وفي

١- مسند احمد ٦: ٢٩٢، ٢٩٦، ٢٩٨، ٣٠٤، المستدرك ٣: ١٤٦ وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص، تفسير الطبري ٢٢: ٦، مجمع الزوائد ٩: ١٦٦، سنن الترمذي ٥: ٦١ كتاب المناقب، باب فضل فاطمة بنت محمد (ص).

٧٤٤
٧٤٥

وأجلس حسناً وحسيناً، كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه وأنا مستدبرهم، ثم تلا هذه الآية (إنما يريد الله...)(١)

٧ - عن ابن عباس(رضي الله عنه) قال: شهدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تسعة أشهر، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب(رضي الله عنه)، عند وقت كل صلاة فيقول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت، (إنما يريد الله...)، الصلاة يرحمكم الله" كل يوم خمس مرات!(٢).

والروايات في ذلك أكثر مما ذكرت، ولكنني ساُورد الآن الروايات المقابلة لها، والتي جمعها السيوطي في تفسيره، قال:

أخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر من طريق عكرمة(رضي الله عنه) عن ابن عباس(رضي الله عنه) في قوله: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) قال: نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) خاصة، وقال عكرمة(رضي الله عنه): من شاء باهلته أنها نزلت في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)!

وأخرج ابن مردويه من طريق سعيد بن جبير(رضي الله عنه) عن ابن عباس(رضي الله عنه)قال: نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله).

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عكرمة(رضي الله عنه) في قوله: (إنما يريد...)

قال: ليس بالذي تذهبون إليه، إنما هو نساء النبي (صلى الله عليه وآله).

وأخرج ابن سعد عن عروة(رضي الله عنه): (إنما يريد...) قال: يعني أزواج النبي (صلى الله عليه وآله)، نزلت في بيت عائشة(رض)(٣).

١- المستدرك ٣: ١٤٧، ٢: ٤١٦، وصححه مسند أحمد ٤: ١٠٧، مجمع الزوائد ٩: ١٦٦، تفسير الطبري ٢٢: ٦.

٢- المستدرك ٣: ١٣٢.

٣- الدر المنثور ٥: ١٩٨.

٧٤٦

إن نتيجة المقارنة تبدو واضحة تماماً. فادعاء عروة أنها نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) في بيت عائشة، تكذبه الروايات الصحيحة بأنها نزلت في بيت اُم سلمة، وأن تصرف النبي (صلى الله عليه وآله) بمنع اُم سلمة عن الدخول معهم تحت الكساء ليدل على استثناء نساء النبي منهم، كما أن عائشة التي شهدت إحدى الوقائع وروتها كما في صحيح مسلم لم تدع أنها نزلت في نساء النبي قط، وفضلا عن هذا وذاك فان عروة معروف بمواقفه من علي وأهل البيت ومناصبته العداء لهم كما ثبت فيما سبق.

وأما عكرمة، فترجمته تؤكد أنه كان من الخوارج الصفرية، لهذا كان مالك يدلّسه، والخوارج أعداء علي بن أبي طالب، بل ويكفرونه، فلا يستغرب أن يدعي عكرمة على ابن عباس ما يدّعيه.

فلا يعتد باقوال هؤلاء، ولا يمكن قبول رواياتهم أمام هذا الجمع من الروايات الصحيحة التي تثبت عكس مقالاتهم.

وعلى ذكر نزول آية المباهلة، والتي أجمع فيها المفسرون على أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أخذ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً لمباهلة نصارى نجران، إلاّ أن وسائل الإعلام الاُموية لم تدع هذه الحادثة أيضاً دون تزييف، حيث وضع رواية في مقابلها، فقد أخرج إبن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية (تعالوا ندع أبناءنا...) الآية. قال: فجاء بأبي بكر وولده، وبعمر وولده، وبعثمان وولده، وبعلي وولده!(١) والعجب أن تنسب هذه الرواية الى جعفر بن محمد الصادق!

١- الدر المنثور ٢: ٤٠.

٧٤٧

استدراك آخر

نقلنا فيما مضى كلام ناصر الدين الألباني في تأويل حديث الثقلين ومعنى أهل البيت، وننقل الآن ما تبقى من كلامه في محاولته ربط حديث الثقلين بحديث كتاب الله وسنّة رسوله، قال:

فتبيّن أن المراد بأهل البيت، المتمسكين منهم بسنّته (صلى الله عليه وآله)، فتكون هي المقصود بالذات في الحديث، ولذلك جعلها أحد الثقلين في حديث زيد بن أرقم المقابل للثقل الاول وهو القرآن، والحاصل أن ذكر أهل البيت في مقابل القرآن في هذا الحديث، كذكر سنّة الخلفاء الراشدين مع سنّته (صلى الله عليه وآله) في قوله: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين..."قال الشيخ القاري: "فانهم لم يعملوا إلاّ بسنّتي"، فالاضافة إليهم إما لعلمهم بها، أو لاستنباطهم واختيارها إياها.

إذا عرفت ما تقدّم، فالحديث شاهد قوي لحديث الموطأ بلفظ "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وسنّة رسوله"، وقد خفي وجه هذا الشاهد على بعض من سوّد صفحات من اخواننا الناشئين اليوم في تضعيف حديث الموطأ!(١).

الحقيقة إن حال الشيخ الالباني أسوأ من حال اُولئك الذين ينتقدهم، فانهـ وهو المحدّث الكبيرـ يلجأ إلى أساليب التأويل غير المنطقي لأجل تصحيح حديث متهافت لا اسناد له، وهو قد وضع في مقابل "وعترتي أهل بيتي" دون شك، أما احتجاجه بحديث "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين..."، فإننا مع

١- سلسلة الأحاديث الصحيحة: المجلد الرابع: ص ٣٦٠.

٧٤٨

افتراضنا صحة الحديث، فإنه يخالف المدّعى منه، فالحديث عن العرباض بن سارية قال: قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقيل: يا رسول الله، وعظتنا موعظة مودع، فاعهد إلينا بعهد، فقال: "عليكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، وسترون من بعدي اختلافاً شديداً، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم والاُمور المحدثات، فانّ كل بدعة ضلالة"(١).

الاثنا عشر خليفة

تقدّم فيما مضى أن لفظة الخليفة والخلفاء قد جاءت على لسان النبي (صلى الله عليه وآله)، وكان تارة يعني بها علي بن أبي طالب، وتارة ينسبها إلى رواة حديثه من بعده، وقد تبيّن أن هذه اللفظة لا تنطبق على من دأب الجمهور بتسميتهم الخلفاء الراشدين، لأن اُولئك لم يرووا حديث النبي (صلى الله عليه وآله)، بل وقفوا حائلا دون روايته وانتشاره، وبقي الآن أن نتناول حديثاً آخر للنبي (صلى الله عليه وآله)، وردت فيه لفظة (الخليفة)، وهو الحديث الذي تحيّر فيه علماء الجمهور، ولم يعرفوا له مخرجاً يتفق مع عقيدة الجمهور السائدة، ألا وهو حديث الاثنا عشر خليفة من قريش، وسوف اُورد الحديث بألفاظه من مصادره، ثمّ استعرض باختصار آراء علماء الجمهور فيه، وبيان تخبطهم في تفسير معناه.

فعن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: "يكون اثنا عشر أميراً"،

١- المستدرك ١: ٩٥ - ٩٩ وصحّحه ووافقه الذهبي، جامع الترمذي ح ٢٦٧٦، أبو داود ح ٤٦٠٧، شرح السنّة للبغوي ح ١٠٢، ابن ماجة ١: ١٥ من المقدمة باب اتباع سنّة الخلفاء الراشدين المهديين، مسند أحمد ٤: ١٢٦ المعجم الكبير للطبراني ح ٦١٧.

٧٤٩

فقال كلمة لم أسمعها; فقال أبي إنه قال: "كلهم من قريش"(١).

وفي لفظ مسلم عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته يقول: "إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة"، قال: ثمّ تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: "كلهم من قريش".

وفي رواية اُخرى عند مسلم: "لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلا"...(٢)

وفي لفظ الترمذي: "يكون من بعدي اثنا عشر أميراً"(٣).

وعند أبي داود قريب من ذلك أيضاً(٤).

وفي لفظ الطبراني: "يكون لهذه الاُمة اثنا عشر قيّماً لا يضرهم من خذلهم"(٥).

وقد تحيّر علماء الجمهور في من هم المقصودون بهذا الحديث، أما ابن كثير فيقول: وليسوا بالاثني عشر الذين يدّعون إمامتهم الرافضة.. بل هؤلاء من الائمة الاثني عشر المخبر عنهم في الحديث: الأئمة الأربعة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي(رضي الله عنهم)، ومنهم عمر بن عبدالعزيز بلا خلاف بين الأئمة على كلا القولين لأهل السنة في تفسير الاثني عشر كما سنذكره بعد إيراد الحديث... (وبعد أن يورد ابن كثير الروايات في هذا الخصوص، ينقل عن البيهقي قوله): ففي الرواية الاُولى بيان العدد، وفي الثانية بيان المراد بالعدد، وفي الثالثة بيان وقوع الهرج، وهو القتل بعدهم، وقد وجد هذا العدد بالصفة المذكورة إلى وقت الوليد بن يزيد بن عبدالملك، ثم وقع الهرج والفتنة

١- صحيح البخاري ٩: ١٠١ كتاب الأحكام: باب الاستخلاف.

٢- صحيح مسلم ٣: ١٤٥٢ - ١٤٥٣.

٣- سنن الترمذي ٤: ٥٠١.

٤- سنن أبي داود ٤: ١٠٦.

٥- المعجم الكبير ٢: ١٩٦.

٧٥٠

العظيمة، كما أخبر في هذه الرواية، ثم ظهر ملك العباسية.. وإنما يزيدون على العدد المذكور في الخبر، إذا تركت الصفة المذكورة فيه، أو عدد منهم من كان بعد الهرج المذكور فيه!

ثمّ ينقل ابن كثير حديث "الخلافة في قريش"، و "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" محاولا التوفيق بين النصوص، ثم يعدد أسماء الاثني عشر -كما يظنهم- ابتداءً بالخلفاء الأربعة وانتهاء بهشام بن عبدالملك، ويقول: فهؤلاء خمسة عشر! ثم الوليد بن يزيد بن عبدالملك، فإن اعتبرنا ولاية الزبير قبل عبدالملك، صاروا ستة عشر!! وعلى كل تقدير فهم اثنا عشر قبل عمر بن عبدالعزيز، فهذا الذي سلكه على هذا التقدير يدخل في الاثني عشر يزيد بن معاوية، ويخرج منهم عمر بن عبدالعزيز...!

ثمّ قال: فإن قال: أنا لا أعتبر إلاّ من اجتمعت الاُمة عليه، لزمه على القول أن لا يعدّ علي بن أبي طالب ولا ابنه، لأن الناس لم يجتمعوا عليهما!

ويظل ابن كثير يدور في حلقة مفرغة وهو يحاول تعريف هؤلاء الاثنا عشر دون جدوى، فالعدد عنده لا يستقيم، ثم يميل إلى رواية أبي الجلد ويرجحها لأنه كان ينظر في شيء من الكتب المتقدّمة، والتي مفادها: أن في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب ما معناه: إن الله تعالى بشّر إبراهيم بإسماعيل، وأنه ينمّيه ويكثّره ويجعل من ذريته اثني عشر عظيماً!(١).

ثم قال ابن كثير: قال شيخنا العلاّمة أبو العباس بن تيمية: وهؤلاء المبشّر بهم في حديث جابر بن سمرة - وقرر أنهم يكونون مفرّقين في الاُمة- ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا، وغلط كثير ممّن تشرّف بالإسلام من اليهود، فظنوا

١- العهد القديم: سفر التكوين: ١ صحاح ١٧، آية ٢٠.

٧٥١

أنهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم!!(١).

أما ابن بطّال، فيروي عن المهلب إنه لم يلق أحداً يقطع في هذا الحديث بشيء معين.

أما القاضي عياض فيحاول الجمع بين هذا الحديث وحديث "الخلافة ثلاثون سنة" ثم يقول: وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولابدّ من تمام العدة قبل قيام الساعة! أما ابن الجوزي فيقول في كشف المشكل: قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث وتطلبت مضانه وسألت عنه، فلم أقع على المقصود به، لأن ألفاظه مختلفة ولا أشك أن التخليط من الرواة.

وقال ابن المنادي: يحتمل في معنى حديث "يكون اثنا عشر خليفة" أن يكون هذا بعد المهدي الذي يخرج في آخر الزمان!

وأما ابن حجر العسقلاني، فيورد الآراء المتقدّمة دون أن يعطي نتيجة حاسمة يُقطع بها(٢).

أما السيوطي فيقول: وقد وجد من الاثني عشر: الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبدالعزيز، هؤلاء ثمانية، ويحتمل أن يضم إليهم المهدي العباسي لأنه في العباسيين كعمر بن عبدالعزيز في الاُمويين، والظاهر العباسي أيضاً لما اُوتيه من العدل، ويبقى الاثنان المنتظران، أحدهما المهدي من أهل البيت!(٣).

لكن الخلافة الإسلامية اُلغيت وسقطت ولما يظهر الخليفة الحادي عشر

١- البداية والنهاية ٦: ٢٤٨ في ذكر الأخبار عن الائمة الاثني عشر الذين كلهم من قريش، تاريخ أبي الفدا ١: ١٧ باختصار، تفسير ابن كثير ٢: ٣٤ باختصار أيضاً.

٢- فتح الباري ١٣: ١٧٩ - ١٨٣.

٣- تاريخ الخلفاء: ١٠.

٧٥٢

الذي يسبق المهدي، فمتى يظهر؟!

أما إدعاء ابن تيمية بأنهم يظهرون مفرّقين في الاُمة، فليس لديه شاهد عليه، وليس في أي من الفاظ الحديث ما يدل على ذلك.

إن الحقيقة التي يحاول الجمهور التهرّب منها بأي ثمن هي: أن هؤلاء الاثنا عشر لا يمكن إلاّ أن يكونوا علماء أهل البيت الذين رووا الحديث النبوي الشريف أباً عن جد، وورثوا علم النبوة، والفهم بكتاب الله، حتى جعلهم النبي (صلى الله عليه وآله) أعدالا للكتاب لا ينفصلون عنه، ولم يظهر في الاُمة غير اُولئك الذين تقول بهم الإمامية، فلا يمكن أن يكون غيرهم!

إنّ المشكلة التي حيّرت الجمهور، هي لفظة (خليفة) التي وردت في بعض ألفاظ الحديث، فتوهم الجمهور أن المقصود بذلك هم الخلفاء الذين جلسوا على منصة الخلافة فعلا، مع أن لفظة خليفة لا تعني الحكم بالضرورة، وإلاّ فهل كان آدم خليفة في الأرض بهذا المعنى؟

إن إحدى الألفاظ التي جاءت في حديث الثقلين المتواتر تعطينا صورة واضحة وحلاًّ أمثل لكل هذه الاشكالات، فقد جاء في بعض ألفاظه: "إني تارك فيكم الخليفتين من بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض"(١).

فقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) بأن سنّة اُولئك الخلفاء هي سنّته، فهذا يستلزم ألاّ يكون هناك خلاف في ذلك. كما ينقل الألباني عن الشيخ القاري "فإنهم لم يعملوا إلاّ بسنّتي"، ولكننا عندما نستعرض سيرة اولئك الخلفاء، نجد أنهم قد

١- مسند احمد ٥: ١٨١، ١٨٢، ١٨٩، ١٩٠، وكتاب السنّة لابن أبي عاصم: ٣٣٧، ٦٢٩ وقد صححه الألباني في (ظلال الجنة) المطبوع مع الكتاب، حديث ٧٥٤، مجمع الزوائد ٩: ١٦٢، كنز العمال ح ٨٧٢، ٩٤٧، الدر المنثور ٢: ٦٠.

٧٥٣

خالفوا النبي (صلى الله عليه وآله) في عشرات الموارد، أولها في قضية النص على الخلافة، فالجمهور يدّعي أن النبي لم ينص على خلافة أحد، وأن المسلمين هم الذين اختاروا أبا بكر لها، ولكن أبا بكر قد خالف النبي (صلى الله عليه وآله) فاستخلف عمر بن الخطاب رغم أنف بعض كبار الصحابة الذين اعترضوا عليه وقالوا: كيف تولّي علينا فضّاً غليظاً! وقد فعل عمر ما خالف به النبي أيضاً في قضية الشورى، ولربما لو اُتيح لعثمان أن يستخلف لاستخلف هو الآخر، والكلام حول مخالفة هؤلاء للسنّة النبوية المتواترة. يستلزم الكثير من الوقت، ويكفي ما أثبتناه من مخالفة عثمان بن عفان للسنّة النبوية في تقصير صلاة السفر، واعتراض الصحابة عليه، وغيرها كثير لا يسعنا تتبعها.

ما الذي حدث

لقد تبيّن من كل ما سبق أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد نصّ بالخلافة لعلي بن أبي طالب وأوصى إليه، ولكن قريشاً كانت تميل الى الاعتقاد بأن دور النبي (صلى الله عليه وآله) يتلخص في تبليغ القرآن، وليس له دخل في تولية أحد على المسلمين، وقد عبّر الخليفة عمر بن الخطاب عن هذا الاتجاه بقوله لعبد الله بن عباس: يابن عباس، أتدري ما منع قومكم منهم -أي من بني هاشم- بعد محمد؟ (قال ابن عباس): فكرهت أن اُجيبه، فقلت: إن لم أكن أدري فأمير المؤمنين يُدريني، فقال عمر: كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة، فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفّقت، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن تأذن لي في الكلام، وتُمط عني الغضب تكلمت. فقال: تكلم يابن عباس، فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت،

٧٥٤

فلو أن قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّوجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود، وأما قولك: إنهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة، فإن الله عزّوجل وصف قوماً بالكراهية فقال: (ذلكَ بأَنّهمْ كرِهُوا ما أَنزلَ اللهُ فأَحبطَ أَعمالهُمْ)(١).

فقال عمر: هيهات والله يابن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقُرّك عنها، فتزيل منزلتك عندي، فقلت: ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك، وإن كانت باطلا، فمثلي أماط الباطل عن نفسه، فقال عمر: بلغني أنك تقول: إنما صرفوها عنا حسداً وظلماً! فقلت: أما قولك يا أمير المؤمنين: ظلماً، فقد تبيّن للجاهل والحليم! وأما قولك: حسداً، فان إبليس حسد آدم، فنحن ولده المحسودون. فقال عمر: هيهات، أَبَتْ والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً ما يحول، وضغناً وغشاً ما يزول. فقلت: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بالحسد والغش، فان قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قلوب بني هاشم! فقال عمر: إليك عني يابن عباس...(٢)

ونص آخر عن عمر، يبدو أكثر جلاءً، إذ قال لابن عباس يوماً: يا عبدالله، عليك دماء البُدن إن كتمتها: هل بقي في نفس علي شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم. قال: أيزعم أن رسول الله نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق! فقال عمر: لقد كان في رسول الله من أمره ذروٌ من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعتُ من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام!

١- سورة محمد: ٩.

٢- تاريخ الطبري ٤: ٢٢٣ - ٢٢٤.

٧٥٥

وربّ هذه البنية، لا تجتمع عليه قريش أبداً! فعلم رسول الله أني علمت ما في نفسه فأمسك!!(١).

نعم، لقد اختارت قريش لنفسها دون ما اختاره الله ورسوله لها، واحتجت في ذلك بحجج كثيرة، منها كراهتها اجتماع النبوة والخلافة في بني هاشم، ومنها استصغارهم لعلي بن أبي طالب، وجاء ذلك على لسان عمر أيضاً في حوار آخر مع ابن عباس، حيث قال له: يابن عباس، ما أظن صاحبك إلاّ مظلوماً! فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردد إليه ظلامته، فانتزع يده من يدي، ثم مرّ يهمهم ساعة ثم وقف. فلحقته فقال لي: يابن عباس، ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنهم استصغروه، فقلت في نفسي: هذه شرّ من الاُولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر!(٢).

واحتج تارة اُخرى ببغض العرب لعلي بن أبي طالب لأنه قتل آباءهم وإخوانهم وأبناءهم في حروب النبي (صلى الله عليه وآله)، واحتج بذلك عثمان على علي بقوله له: ما اُصنع إن كانت قريش لا تحبكم، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين، كأن وجوههم شنوف الذهب، تصرع أنفهم قبل شفاههم!(٣).

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢: ٢١.

٢- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٦: ٤٥ والقصة باختصار: أن النبي صلى الله عليه وآله بعث ببراءة الى أهل مكة مع أبي بكر، ثم اتبعه بعلي فقال له: "خذ الكتاب فامض الى أهل مكة"، فلحقه فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر وهو كئيب، فقال لرسول الله(ص): أنزل فيّ شي؟ قال: "لا، إلاّ أني اُمرتُ أن اُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي". انظر في ذلك: سنن النسائي ٥: ١٢٨ ح ٨٤٦١، الخصائص للنسائي: ٩٢ ح ٧٦، مسند أحمد ١: ١٥١، ١: ٣، جامع الترمذي ٥: ٢٥٧ ح ٣٠٩١، المستدرك ٢: ٦١، السنن الكبرى للبيهقي ٩: ٢٢٤، فتح الباري ٨: ٣١٨، تفسير الطبري مج ٦ ج ١٠: ٦٤، مختصر تاريخ دمشق ١٨: ٦، البداية والنهاية ٧: ٣٩٤ حوادث سنة ٤٠، الرياض النضرة ٣: ١١٩، الدر المنثور ٤: ١٢٥، كنز العمال ٢: ٤٢٢ ح ٤٤٠١ وغيرها.

٣- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩: ٢٣.

٧٥٦

فكان التبرير هو الخوف من انتقاض العرب على علي إذا تولى الخلافة، لكن ما حدث هو أن العرب انتقضت رغم عدم تولي علي للخلافة، ونشبت حروب طاحنة عُرفت باسم حروب الردة، ويقيناً أن الخوف لم يكن من انتقاض العرب على علي، بل من انتقاض قريش عليه، وفي النفوس ما فيها.

فمخالفة النص أمر واقع لا يمكن إنكاره، وليست تلك بأول مخالفة لأوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقد كانت المخالفات تترى طيلة مدة حياته (صلى الله عليه وآله).

مخالفة النبي

إن تتبع مخالفة الصحابة للنبي (صلى الله عليه وآله) يدل على أنهم -كما قلنا- لم يكونوا يرون أوامره ونواهيه ملزمة إلى درجة التعبّد بها، وكانوا يجدون مسوغاً لمخالفته في كل حين، حتى في مقام الروع وساعات الخطر، فهاهم الرماة الذين أمرهم النبي (صلى الله عليه وآله) بعدم مغادرة مواقعهم على جبل اُحد مهما كلّف الأمر، سرعان ما يضربون بهذا الأمر عرض الحائط ويتركون مواقعهم لتدور الدائرة على المسلمين، وخالفه بعضهم في الخروج إلى تبوك، وإذا كان الخوف أو الخطأ في التقدير عذراً في تلك المخالفات، فإن هناك اُموراً تتعلق بمناسك الشريعة كانت أيضاً مدعاة للعصيان والمخالفة، فعن البرّاء بن عازب، قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه فأحرمنا بالحج، فلما قدمنا مكة قال: "اجعلوا حجكم عمرة"، فقال الناس: يا رسول الله، قد اُحرمنا بالحج فكيف نجعلها عمرة! قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا"، فرددوا عليه القول، فغضب فانطلق ثم دخل على عائشة غضبان، فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله. قال: "ومالي لا أغضب وأنا آمر أمراً فلا اُتّبع".

٧٥٧

وفي رواية: قالت عائشة: من أغضبك يا رسول الله، أدخله الله النار، فقال: "أوما شعرت إني أمرت الناس بأمر فاذا هم يترددون"(١).

أما عظماء الصحابة القرشيون، فكانوا من أكثر الناس مخالفة للنبي (صلى الله عليه وآله)، فعن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا; أبا بكر وعمر!! رفعا أصواتهما عند النبي (صلى الله عليه وآله) حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر... فقال أبو بكر لعمر: ما أردتَ إلاّ خلافي! قال: ما أردتُ خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله: (يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تَرفعُوا أَصواتَكُمْ...) الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر يُسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد هذه الآية حتى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر!(٢).

وقد كان لهذين الصحابيين الكبيرين دور في تثبيط عزيمة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل معركة بدر، فقد روى الواقدي، قال: وخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) فصام يوماً أو يومين، ثم رجع ونادى مناديه: يا معشر العصاة، إني مفطرٌ فأفطروا! وذلك أنه قد كان قال لهم قبل ذل "أفطروا"، فلم يفعلوا! ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى إذا كان دُوَين بدر، أتاه الخبر بمسير قريش، فأخبرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمسيرهم، واستشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناس، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قال: يا رسول الله، إنها والله قريش وعزّها، والله ما ذلّت منذ عزّت، والله ما آمنت منذ كفرت، والله لا تسلم عزّها أبداً، ولتقاتلنّك، فاتّهب لذلك

١- صحيح مسلم باب بيان وجوه الاحرام ح ١٣٠، سنن ابن ماجة ٩٩٣ باب فسخ الحج، مسند أحمد ٤: ٢٨٦، مجمع الزوائد ٣: ٢٣٣، سنن البيهقي ٥: ١٩، زاد المعاد ١: ٢٤٧.

٢- صحيح البخاري ٦: ١٧١ سنن النسائي ٨: ٢٢٦ كتاب آداب القضاء، سنن الترمذي ٥: ٣٨٧ ح ٣٢٦٦، اسباب النزول للواحدي: ٢١٥، التقول في أسباب النزول للسيوطي: ١٩٤، الدر المنثور ٧: ٥٤٦، تفسير الطبري ٢٦: ٧٦، جامع الاصول ٢: ٤٣١.

٧٥٨

اُهبته وأعدّ لذلك عدّته(١).

ولكن الطبري وابن هشام في سيرته لم يذكرا مقالة عمر المثبطة، واكتفيا بالقول: فقال وأحسن(٢).

ولكن ما جاء في صحيح مسلم، يثبت أن مقالة عمر لم تترك أثراً حسناً في نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه قال: فتكلم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلّم عمر فأعرض عنه...(٣)

فلو كان أبو بكر وعمر قد أحسنا لما أعرض عنهما النبي!

ويشبه هذا الموقف من الشيخين، موقفاً آخر لهما، فعن علي قال: جاء النبي (صلى الله عليه وآله) اُناس من قريش فقالوا: يا محمد، إنّا جيرانك وحلفاؤك، وإن اُناساً من عبيدنا قد أتوك ليس بهم رغبة في الدين ولا رغبة في الفقه، وإنما فرّوا من ضياعنا وأموالنا فارددهم إلينا. فقال لأبي بكر: "ما تقول"؟ قال: صدقوا، إنهم لجيرانك وأحلافك! فتغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم قال لعمر: "ما تقول"؟ قال: صدقوا، إنهم لجيرانك وحلفاؤك! فتغيّر وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: "يا معشر قريش، والله ليبعثن الله عليكم رجلا قد امتحن الله قلبه بالإيمان، فيضربكم على الدين، أو يضرب بعضكم"، فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله؟ قال: "لا". قال عمر: أنا يا رسول الله؟ قال: "لا، ولكنه الذي يخصف النعل"! وكان قد أعطى علياً نعلا يخصفها(٤).

هذا، إضافة الى موقف عمر بن الخطاب في صلح الحديبية وفي غيرها

١- المغازي ١: ٤٧ - ٤٨.

٢- سيرة ابن هشام ٢: ٢٥٣، الطبري ٢: ٤٣٤، وقال الذهبي: فاستشار الناس فقالوا خيراً، تاريخ الاسلام: المغازي: ٥١.

٣- صحيح مسلم ٣: ١٤٠٣ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة بدر.

٤- كنز العمال ١٣: ١٢٧ ح ٣٦٤٠٢ وقال: (حم، وابن جرير وصححه، و ص).

٧٥٩

ومواقف غيره من الصحابة في كثير من المواطن.

حديث المغفرة

من الاُمور التي أصبح متسالماً عليها عند الجمهور هو حديث المغفرة لأهل بدر، وأصحاب الشجرة والعقبيين وما الى ذلك، ويروون في ذلك أحاديث وروايات. منها ما ورد في قصة حاطب بن أبي بلتعة، والتي ملخصها أنه بعث امرأة لتخبر قريشاً عن مسير النبي (صلى الله عليه وآله) لفتح مكة، فأعلمه الله بذلك فأرسل علياً والزبير فأخذا المرأة واسترجعا كتاب حاطب منها، فاتهم عمر حاطباً بالنفاق وحرّض النبي على قتله، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) ضمن حديث: "لعل الله اطّلع الى أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة، وقد غفرت لكم..."(١).

وعن جابر: أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: يا رسول الله، والله ليدخلن حاطب النار، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): "كذبت، إنه شهد بدراً والحديبية"(٢).

إن هذا يستلزم أن يكون أهل بدر مغفوراً لهم، وأن يكونوا جميعاً من أهل الجنة مهما فعلوا، ولا يخفى على الباحث المحقق ما يرمي إليه ذلك، فان عدداً من كبار الصحابة، أو بالأحرى معظمهم -ممن تلبسوا بالفتن بعد ذلك- هم من البدريين، فجاءت هذه الأحاديث المفتعلة لتبرئ ساحتهم وتوحي بعفو الله عنهم حتى لو ارتكبوا كل تلك الأعمال الفظيعة. إلاّ أن الواقع يثبت عدم صحة مثل تلك الأحاديث التي اختلقتها يد السياسة، ففي ترجمة الصحابي ثعلبة بن حاطب، قال ابن عبد البر: شهد بدراً واُحداً، وهو مانع الصدقة فيما

١- صحيح البخاري كتاب المغازي: باب فضل من شهد بدراً.

٢- صحيح مسلم ٤: ١٩٤٢ كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أهل بدر.

٧٦٠