×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصحوة / الصفحات: ٦١ - ٨٠

٦ - محمد بن عمر الواقدي الأسلمي (مولاهم)، أبو عبدالله المدني المتوفّى سنة (٢٠٧هـ):

يروي عنه الطبري بلا واسطة روايات مهمة في الفتنة وله من الكتب (كتاب التاريخ، والمغازي، والمبعث)، (كتاب الجمل)، (كتاب الردة)، (والدار)...الخ(١).

وقد تضاربت الأقوال فيه، فبعض العلماء طعنوا عليه، وأثنى عليه آخرون، ويبدو أنه لم يكن مرضياً في الحديث، ولكن في الأخبار كان يحتج به.

قال البخاري: الواقدي مديني سكن بغداد، متروك الحديث، تركه أحمد وابن نمير وابن المبارك واسماعيل بن زكريا(٢).

وقال في تاريخه الكبير: سكتوا عنه(٣).

وقال في تاريخه الصغير: تركوه(٤).

وقال في موضع آخر: كذّبه أحمد(٥).

وقال معاوية بن صالح، قال لي أحمد بن حنبل: هو كذّاب، وقال في موضع آخر: ليس بشيء(٦).

وقال في موضع آخر: قلت ليحيى: لمَ لمْ تُعلم عليه حيث كان الكتاب عنك؟ قال: أستحيي من ابنه، وهو لي صديق. قلت: فماذا نقول فيه؟ قال: كان

١- الفهرست: ١٢٨.

٢- ضعفاء العقيلي: ١٩٧.

٣- التاريخ الكبير رقم ٥٤٣.

٤- التاريخ الصغير ٢: ١١.

٥- الكامل في الضعفاء لابن عدي ٣: ٨٥.

٦- المصدر السابق.

٦١

يقلب حديث يونس ويجعله عن معمر، ليس بثقة(١).

وقال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ليس بشيء(٢).

وقال عبد الوهاب بن الفرات الهذاني: سألت يحيى بن معين عن الواقدي فقال: ليس بثقة(٣).

وقال مسلم: متروك الحديث(٤).

وقال النسائي: ليس بثقة.

وفي مقابل ذلك، فقد وثقه عدد من العلماء والمحدّثين لا يقلون عن عشرة أشخاص، كما يقول الذهبي(٥).

فقد قال عنه تلميذه ابن سعد: كان عالماً بالمغازي والسيرة والفتوح، وباختلاف الناس في الحديث والأحكام، واجتماعهم على ما اجتمعوا عليه. وقد فسر ذلك في كتب استخرجها ووضعها وحدّث بها(٦).

وقال الخطيب البغدادي: قدم الواقدي بغداد وولي قضاء الجانب الشرقي منها، وهو ممن طبق شرق الأرض وغربها ذكره، ولم يخفَ على أحد عرف أخبار الناس أمره، وسارت الركبان بكتبه في فنون العلم من المغازي والسير والطبقات وأخبار النبي (صلى الله عليه وآله) والأحداث التي كانت في وقته وبعد وفاته (صلى الله عليه وآله)، وكتب الفقه واختلاف الناس في الحديث وغير ذلك، وكان جواداً كريماً مشهوراً بالسخاء.

١- الضعفاء للعقيلي:١٩٧.

٢- تاريخ الدوري ٢: ٥٣٢.

٣- الكامل لابن عدي ٣:٨٥.

٤- الكنى: ٦٤.

٥- سير أعلام النبلاء ٩: ٤٥٤ وما بعدها.

٦- الطبقات الكبرى ٥: ٤٢٥.

٦٢
٦٣

والله لولا أنه عندي ثقة ما حدثت عنه، حدّث عنه أربعة أئمة: أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو عبيد، وأحسبه ذكر أبا خيثمة ورجلا آخر.

وقال ابراهيم الحربي: سمعت مصعباً الزبيري، وسئل عن الواقدي، فقال: ثقة مأمون، وسئل المسيبي عنه فقال:ثقة مأمون، وسئل معن بن عيسى عنه فقال: اُسأل أنا عن الواقدي؟ يُسأل الواقدي عني، وسئل عنه أبو يحيى الأزهري فقال: ثقة مأمون...(١).

وقال الذهبي في ترجمته: الحافظ البحر. لم أسق ترجمته هنا لإتفاقهم على ترك حديثه، وهو من أوعية العلم، ولكنه لا يتقن الحديث، وهو رأس في المغازي والسير، ويروي عن كل ضرب.

ولي قضاء بغداد، وكان له رئاسة وجلالة وصورة عظيمة(٢).

٧ - أبو مخنف، لوط بن يحيى المتوفّى سنة (١٥٧ هـ):

الكوفي، صاحب تصانيف وتواريخ.

قال يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال الدارقطني: أخباريّ ضعيف(٣).

له من الكتب: كتاب الردة،كتاب فتوح الشام، كتاب فتوح العراق، كتاب الجمل، كتاب صفين، كتاب الشورى ومقتل عثمان، كتاب مقتل الحسين (عليه السلام)، حدّث بأخبار من تقدّم من السلف الصالحين، ولا يبعد منه أن يتناولهم.

وهو شيعي محترق، صاحب أخبارهم، وإنما وصفته لأنه لا يستغنى عن ذكر حديثه، فإني لا أعلم له من الأحاديث المسندة ما أذكره، وإنّما له من

١- تاريخ بغداد ٣: ٢١٢.

٢- تذكرة الحفاظ ١: ٣٤٨.

٣- سير اعلام النبلاء ٧: ٣٠١.

٦٤

الأخبار المكروه الذي لا أستحب ذكره(١).

قالت العلماء: أبو مخنف بأمر العراق وأخبارها وفتوحها يزيد على غيره، والمدائني بأمر خراسان والهند وفارس، والواقدي بالحجاز والسيرة، وقد اشتركوا في فتوح الشام(٢).

٨ - سيف بن عمر التميمي البرجمى المتوفّى ما بين (١٧٠ - ١٨٠ هـ):

أحد أصحاب السير والأحداث، له كتاب (الفتوح) الكبير، والردة، كتاب الجمل، مسير عائشة وعلي...(٣)

فهو قد استوعب في كتبه الفترة الزمنية المهمة والخطيرة في تاريخ الاسلام.

ويروي عنه الطبري بواسطتين هما: السري عن شعيب.

وقد أجمع العلماء على توهينه والحط منه واتهموه في صدقه وحتى في دينه.

قال عباس الدوري، عن يحيى بن معين: ضعيف(٤).

وقال أبو أحمد بن عدي: بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو الى الضعف أقرب منه الى الصدق.

وقال أبو جعفر الحضرمي، عن يحيى بن معين: فلس خير منه(٥).

وقال أبو حاتم: متروك الحديث، يشبه حديثه حديث الواقدي(٦).

١- الضعفاء لابن عدي ٧: ٢٤١، ميزان الاعتدال ٣: ٤١٩، لسان الميزان ٥: ٥٦٧.

٢- معجم الأدباء لياقوت الحموي ٥: ٢٩.

٣- الفهرست: ١٢٣.

٤- تاريخ الدوري ٢: ٢٤٥.

٥- الكامل في الضعفاء لابن عدي ٢: ٦٢.

٦- الجرح والتعديل: ٤ رقم ١١٩٨.

٦٥

وقال أبو داود: ليس بشيء(١).

وقال النسائي: ضعيف(٢).

وقال أبو حاتم ابن حبان: يروي الموضوعات عن الاثبات. قال: وقالوا: إنه كان يضع الحديث، وكان قد اتّهم بالزندقة(٣).

وقال أبو نعيم: متهم في دينه مرمي بالزندقة ساقط الحديث، لا شيء(٤).

وقال الذهبي: وكان سيف يضع الحديث.. وقد اتُّهم بالزندقة(٥).

فتبين من ذلك أن العلماء قد أجمعوا على اتهام سيف بن عمر بالضعف ووضع الحديث، بل وبالزندقة أيضاً.

أما الراويتان اللذان يشكلان الواسطة بينه وبين الطبري، فهما كما قلنا:

أ ـ السري بن اسماعيل الهمداني الكوفي ابن عم الشعبي:

قال أبو واقد عن يحيى بن سعيد: استبان لي كذبه في مجلس.

وقال عمرو بن علي: ما سمعت عبدالرحمان ذكره قط، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه.

وقال الحسن بن عيسى: سمعت ابن المبارك يقول: لا يكتب عن جرير ابن عبدالحميد حديث السري بن اسماعيل..

وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وهو أحب لي من عيسى الخياط.

١- سؤالات الآجري ٥: ٤٣.

٢- الضعفاء والمتروكين: رقم ٢٨٣.

٣- المجروحين ١: ٣٤٥.

٤- الضعفاء لابي نعيم: ٩١.

٥- ميزان الاعتدال ٢: ٢٥٦.

٦٦

وقال أبو طالب عن أحمد: ترك الناس حديثه.

وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.

وقال عبدالله بن شعيب عن ابن معين: يضعف.

وقال أبو حاتم: ذاهب، دون مجالد.

وقال الجوزجاني: يضعف حديثه.

وقال الآجري عن أبي داود: ضعيف متروك الحديث، يجيء عن الشعبي بأوابد.

وقال النسائي: متروك الحديث، وقال في موضع آخر: ليس بثقة.

وقال ابن عدي: وأحاديثه التي يرويها لا يتابعه عليها أحد، خاصة عن الشعبي، فإن أحاديثه عنه منكرات، وهو الى الضعف أقرب.

قلت (ابن حجر العسقلاني): وقال في ترجمة سيف، بعد أن أورد له عن السري حديثاً: لعل البلاء من السري.

وقال ابراهيم الحربي: كان كاتب الشعبي لمّا كان قاضياً، وولي للقضاء بعده، وفيه ضعف.

وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.

وقال البزار: ليس بالقوي.

وقال الساجي: ضعيف جداً.

وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وكان ابن معين شديد الحمل عليه(١).

١- تهذيب التهذيب ٣: ٣٩٩.

٦٧

ب ـ شعيب بن ابراهيم الكوفي:

راوية كتب سيف عنه، فيه جهالة(١).

وقال ابن عدي: وشعيب بن ابراهيم هذا له أحاديث وأخبار، وهو ليس بذلك المعروف، ومقدار ما يروي من الحديث والأخبار ليست بالكثيرة، وفيه بعض النكرة، لأن في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف(٢).

يتبين لنا مما سبق أن تاريخ الطبري لا يختلف كثيراً عن المصنفات التاريخية الاُخرى، فهو ينقل مختلف الروايات عن عدد كبير من الرواة على اختلاف مشاربهم، ففيهم الأئمة الثقات العدول المأمونون، وفيهم الضعفاء والمتروكون والوضاعون وحتى المتهمون بالزندقة. فلماذا يستأثر تاريخ الطبري بهذه الثقة العالية ويعتمد عليه جل المؤرخين والباحثين الذين جاوءا بعده؟!

لكن مما يلفت الانتباه، أن الطبري قد روى كثيراً عن السلسلة الأخيرة التي ذكرناها وهي: عن السري عن شعيب عن سيف، وقد تبين لنا أن هذه السلسلة هي من أضعف سلاسل الرواة في تاريخ الطبري، بل هذا "من أضعف الأسانيد على وجه الأرض، لكنه للأسف من أكثر الأسانيد التي يأخذ بها المعاصرون ويحتجون بها ويثبتونها في كتاباتهم"(٣).

وعند التفتيش عن السبب نجد بعض العلماء - كابن حجر العسقلاني - يحاول إعطاءنا الجواب على هذا التساؤل، بأن سيف بن عمر لا يمكن أن يكون زنديقاً لأنه يدافع عن الصحابة ويقول في ترجمته: "ضعيف في

١- ميزان الاعتدال ٣: ٢٧٥.

٢- الكامل في ضعفاء الرجال ٥: ٦ رقم ٥ / ٨٨٥.

٣- بيعة علي بن أبي طالب: حسن بن فرحان المالكي: ١٣١.

٦٨

الحديث، عمدة في التاريخ"(١).

مع العلم أنه ينقل عن ابن عدي - كما مر بنا - في ترجمة شعيب بن ابراهيم الكوفي قوله: بأن "في أخباره وأحاديثه ما فيه تحامل على السلف"أما الحافظ ابن كثير فيقول - بعد أن ينقل بعض الأحداث المهمة المتعلقة بالفتنة التي وقعت زمن عثمان - "هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر رحمه الله، عن أئمة هذا الشأن، سيف وشيوخه"(٢).

ومن المؤلفين المعاصرين، الدكتور يوسف العش حيث يقول: ونجد سيف بن عمر ينتحي جانباً عن أبي مخنف والواقدي، فيعرض تسلسلا تاريخياً ليس فيه تهمة للصحابة، بل تبرئة لهم(٣).

وقال الخضري بك: ولكن حاصل التحقيق في سيف، أن إتهامه بالزندقة لا دليل عليه، ولم يتهمه أحد ممن عاصره، وإنما اتهمه المتأخرون كابن حبان والحاكم...(٤).

أما الدكتور محمد أمحزون فيقول: ولسنا ندري كيف يصح اتهامه (سيف) بذلك.

وروايته في الفتنة وحديثه عما جرى بين الصحابة(رض) أبعد ما يكون عن اُسلوب الزنادقة، وكيف يستقيم اتهامه بالزندقة وهو الذي فضح وهتك ستر الزنادقة أمثال ابن سبأ ويمكن القول أن رواية سيف بعيدة كل البعد أن تضعه موضع هذه التهمة، بل هي تستبعد ذلك، إذ أن موقفه فيها موقف رجال

١- تقريب التهذيب ١: ٣٤٤.

٢- البداية والنهاية ٧: ٢٤٧.

٣- الدولة الاُموية: ٣٥.

٤- محاضرات في التاريخ الاسلامي: ٥٣.

٦٩

السلف في احترامه للصحابة وتنزيهه لهم عن فعل القبيح، فقد انتحى جانباً عن أبي مخنف والواقدي، فعرض تسلسلا تاريخياً ليس فيه تهمة للصحابة، بل يظهر منه حرصهم على الاصلاح وجمع الكلمة، وهو الحق الذي تطمئن إليه النفوس، ويسير في اتجاه الروايات الصحيحة عند المحدثين(١).

فالنقطة التي تبدو هي المحور في درء تهمة الزندقة عن سيف عند اُولئك المؤلفين، وجعل رواياته في محل الصدارة، هي أن سيف ينحو باتجاه تبرئة الصحابة والدفاع عن مواقفهم. ولا أدري كيف يتفق لراو كذاب يضع الحديث على رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكون مدافعاً عن الصحابة!

وكأنّ هؤلاء المؤلفين والباحثين لم يدققوا جيداً في روايات سيف، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث فيها، لأنهم لو فعلوا ذلك لاكتشفوا أن سيف بن عمر يتظاهر بالدفاع عن مجموعة من الصحابة، ولكنه بالمقابل يوجه طعنات شديدة الى مجموعة اُخرى من كبار الصحابة وفيهم المهاجرون الأولون وخيار التابعين، بل ويصف بعضهم وصفاً شنيعاً، وسوف يتمكن القارئ من التحقق من ذلك بعد أن نستعرض روايات سيف، ونقارنها مع روايات المؤلفين والمؤرخين الثقات الذين تقدمت تراجمهم من تاريخ الطبري وغيره من التواريخ، عندما نتكلم عن الفترة العصيبة التي مرّ بها الاسلام - خصوصاً في الفتنة- لتتبين الحقيقة فيما جرى من أحداث من جهة، ولكي يتحقق القارئ أيضاً من صحة اتهام سيف بالزندقة أم لا، وعن الدوافع الحقيقية له في الدفاع عن بعض الصحابة.

وفضلا عن موقف سيف من الصحابة، فإن رواياته في الطبري تكاد

١- تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة ١: ٢٣٥.

٧٠

تخالف ما أجمع عليه المؤرخون فيما يتعلق بالسياق التاريخي والزمني لبعض الحوادث، خاصة فيما يتعلق بالفتوحات الإسلامية، وقيام سيف بحشو تاريخنا بخرافات وخزعبلات لا يصدقها عاقل، فضلا عما فيها من طعن على الاسلام، وقد أصبحت روايات سيف من الاُمور التي يستشهد بها المستشرقون المعادون للاسلام على وحشية المسلمين وسفكهم للدماء.

وروايات سيف في معظمها أشبه ما تكون بحكايات القصّاص الذين يحاولون جذب المستمعين اليهم عن طريق المبالغات والتهويلات بما يلفقون لهم من حكايات خرافية، مما يدل على أن سيفاً كان ذا خيال واسع جداً، وإنه كان يحشو الحوادث التاريخية بحكايات يخترعها من عند نفسه، وسوف اتطرق الى بعض تلك الروايات والحكايات أثناء السرد.

يقول حسن فرحان: "وسيف أكثر مروياته انفرادات وغرائب يخالف فيها المحدثين والمؤرخين على حد سواء..."(١).

ومن أجل الكشف عن الحقائق التي تعرضت للتشويه في تاريخنا، فسوف نبدأ بتناول أهم الأحداث التي تعرضت للتزييف، وأولها الفتنة الكبرى في زمن عثمان بن عفان، وبشكل موضوعي خال من وجهات النظر السابقة، معتمدين على روايات المؤرخين والمحدثين على حد سواء جهد الامكان، بهدف الخروج بنتائج أكثر قرباً من الواقع، ومن ثم نترك الحكم في ذلك للقارئ الكريم.

١- بيعة علي: ٣٠٦.

٧١

الفصل الثالث

الفتنة




٧٢
٧٣

الفتنـة

إن موضوع الفتنة التي نشبت في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، هي أحد أكثر الاُمور حساسية في التاريخ الاسلامي دون شكّ، وذلك لما أورثته هذه الفتنة من مصائب ابتليت بها الاُمة، وكانت فاتحة للحروب التي دارت بين أبناء الاُمة الواحدة. فالفتنة هي التي أدت الى أن يتواجه المسلمون بسيوفهم في معارك طاحنة لأول مرة، مخلّفة آلاف الضحايا من المسلمين، ومن بينهم عدد من كبار الصحابة.

وقد كثر التأليف في موضوع الفتنة في عصرنا الحاضر، فلا تكاد تجد باحثاً يؤرخ لبعض قضايا الاسلام، إلاّ ويذكر في مقدمة أسباب الخلاف بين المسلمين - قديماً وحديثاً- موضوع الفتنة هذه التي فرقت شمل المسلمين.

إلاّ أن آراء الباحثين في الفتنة قد تشعبت بحسب الميول والاتجاهات، فاختار بعضهم الركون الى المصادر القديمة بشكل تقليدي محض، ودون أية محاولة للتمحيص أو تحليل للأحداث تحليلا نقدياً موضوعياً، مكتفين بالقاء تبعات الفتنة على أشخاص - وكما ورد في تاريخ الطبري- كأمثال عبدالله بن سبأ وأعوانه، معتبرين أن هؤلاء هم المسؤولون وحدهم عما جرى من أحداث أدت الى وقوع هذه الفتنة وما أنتجت بعد ذلك، وفي غمرة انسياق هؤلاء الباحثين وراء هذا الرأي الذي تولد من اعتمادهم على تاريخ الطبري -

٧٤

برواية سيف بن عمر- الذي تفرد بذكر هذا السبب، متناسين أن القول بذلك يجرّ الى الاعتراف بأن الاُمة الإسلامية -ومن ضمنها بعض كبار الصحابة- قد بلغت بهم الغفلة والسذاجة درجة جعلتهم يصبحون أتباعاً لهذا اليهودي المنافق الذي دخل الاسلام كيداً بأهله، واستطاع بدهائه الخارق ومكره أن يستخف عقولهم ويجعلهم أداة طيعة في يده، يؤلبهم على بعضهم حتى نجح في دفعهم للانتقاض على خليفتهم وقتله في عقر داره على مرأى ومسمع من اُلوف الصحابة الذين لم يحركوا ساكناً لدفع هذا المنكر. ولعل هذا الأمر قد أوقع القدماء أيضاً في حرج شديد، فلم يجدوا تبريراً لهذا الفعل المشين إلاّ الادعاء بأن عثمان قد استسلم لقتلته بوصيته من النبي (صلى الله عليه وآله) حقناً لدماء المسلمين -كما يدعون- ولسوف نناقش هذا الادعاء فيما بعد.

أما القسم الآخر من الباحثين - ممن أدرك عقم النظرية السابقة وتهافتها- فقد اتّجه الى إلقاء التبعة على الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وما حدث من تغيّر في تركيبة المجتمع الاسلامي ودور الأعراب والعصبية القبلية في تأجيج هذه الفتنة، ومعظم هذه الآراء متأثرة بالأبحاث الاجتماعية التي تتبناها بعض مدارس الغرب بعد عصر النهضة، ومع أهمية هذه الاُمور فعلا ودورها في وقوع الفتنة، إلاّ أنها ليست كل الأسباب، بينما ألقى البعض اللوم على سياسات عثمان المالية والإدارية وتعيين الولاة غير الأكفاء من ذوي قرباه، مما أثار موجة السخط العام.

والحقيقة فإن بعض تلك العوامل مجتمعة. إضافة الى عوامل اُخرى، قد تضافرت لتؤدي في النهاية الى إشعال نيران هذه الفتنة التي هزت أركان المجتمع الإسلامي وأدت الى التخلي في النهاية عن مبدأ الشورى أو الاختيار،

٧٥

وتحوّل الخلافة الإسلامية الى ملك وراثي تتداوله قبائل معينة من قريش، أدت بدورها في نهاية المطاف الى حدوث تغييرات مهمة في المجتمع الإسلامي الذي بدأ يفقد تماسكه الروحي، وتحول الصراع على السلطة الى داء عضال، كان من نتائجه تطرّق الضعف الى المجتمع الإسلامي، وتحوّل خلفاء المسلمين - فيما بعد- الى اُلعوبة في أيدي المتسلطين من الغرباء، حتى جاءت الضربة القاضية بسقوط الخلافة وإلغائها بشكل نهائي.

مقدمات الفتنة

إن من الاُمور المسلَّم بها عقلا، أن الفتنة لا تتولد من الفراغ أو تقع دون أسباب ومقدمات تمهد لها، إلاّ أن بعض الباحثين والمؤلفين - قديماً وحديثاً- يحاولون إقناع القارئ بأن ذلك قد حدث فعلا، وأن الفتنة قد وقعت بدون أسباب، ومن الأمثلة على ذلك، قول القاضي ابن العربي:

"قالوا مبعدين، متعلقين برواية كذابين: جاء عثمان في ولايته بمظالم ومناكير (ثم يعددها) معلقاً عليها بقوله:

هذا كله باطل سنداً ومتناً، أما قولهم: جاء عثمان بمناكير، فباطل، وأما ضربه لعمار وابن مسعود ومنعه عطاءه فزور، وضربه لعمار إفك مثله، ولو فتق أمعاءه ما عاش أبداً. وقد اعتذر عن ذلك العلماء بوجه لا ينبغي أن نشتغل بها لأنها مبنية على الباطل، ولا يبنى حق على باطل، ولا تذهب الزمان في مماشاة الجهال، فإن ذلك لا آخر له"(١).

ويستدرك محمود مهدي الاستانبولي معلقاً على كلام ابن العربي بقوله:

١- العواصم من القواصم: ٧٦.

٧٦

"وزاد عثمان في عطاء الناس مائة مائة... بل روي ما يدل على ما كان من كثرة الخير في زمنه والتوسع في العطاء وتنويعه، حيث روي عن الحسن البصري من علماء التابعين، قال: شهدتُ منادي عثمان ينادي: أيها الناس، اغدوا على أرزاقكم، فيغدون ويأخذونها وافية، حتى والله سمعته اُذناي يقول: اغدوا على كسوتكم، فيأخذون الحلل، واغدوا على السمن والعسل. أرزاق دارّة وخير كثير وذات بين حسن، ما على الارض مؤمن يخاف مؤمناً إلاّ يرده وينصره ويألفه، فلو صبر الأنصار على الاثرة لوسعهم ما كانوا فيه العطاء والرزق..."(١).

إن التدقيق في مقولة القاضي ابن العربي يكشف عن الخلل الواضح فيها، فهو يورد نفيه للاتهامات الموجهة الى عثمان دون أن يقيم دليلا على قوله، ثم يطلب من القارئ التسليم بمقولته دون اعتراض، إلاّ أنه سرعان ما يعود فيناقض نفسه، حينما يعترف بأن العلماء قد اعتذروا لعثمان عن كل ذلك فلو لم يكن في الأمر ما يوحي بصحة هذه الاتهامات، فما حاجة العلماء للاعتذار عنها؟!

أما الرواية التي يوردها الاستانبولي فهي أكثر عجباً، إذ لو كانت الاُمور كما تصف الرواية، فما المشكلة إذاً؟ أيعقل أن يخرج المئات من أمصارهم البعيدة ويتوجهوا الى عاصمة الاسلام ومدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ليقتلوا خليفة المسلمين على مرأى ومسمع من أهل المدينة دونما سبب؟ ثم ما معنى قول الحسن البصري "فلو أن الانصار صبروا على الأثرة...؟" ألا يعني ذلك أن الأنصار قد عانوا من الأثرة، وأن ذلك الخير العميم قد شمل بعض الناس

١- المصدر السابق.

٧٧

دونهم، فضلا عن أن هذا القول يثبت أن الأنصار - بسبب هذه الأثرة- كانوا في جملة الثائرين على الخليفة ومن مؤججي الفتنة، ومن هم الأنصار؟ أليسوا من الصحابة؟!

بل أن الأخبار تشير الى أن عمر بن الخطاب قد حبس عدداً من الصحابة القرشيين وليس الأنصار، خوفاً من تأجيجهم لنار الفتنة فللفتنة إذاً جذور عميقة وأسباب ممتدة، فقد "روي عن عامر الشعبي أنه قال: ما قُتل عمر بن الخطاب حتى ملّته قريش واستطالت خلافته، وقد كان يعلم فتنتهم، فحصرهم في المدينة وقال لهم: إن أخوف ما أخاف على هذه الاُمة انتشاركم في البلاد. وأن كان الرجل ليستأذنه في الغزو، فيقول: إن لك في غزوك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما يكفيك، وهو خير لك من غزوك الروم، وخير لك من الغزو ألاّ ترى الدنيا ولا تراك. فكان يفعل هذا بالمهاجرين من قريش، ولم يكن يفعله بغيرهم من أهل مكة.

فلما ولي عثمان الخلافة خلّى عنهم، فانتشروا في البلاد، وخالطهم الناس، وأفضى الأمر الى ما أفضى اليه، وكان عثمان أحب الى الرعية من عمر"(١).

فليس ابن سبأ، ولا الأسباب الاقتصادية والسياسية، ولا عثمان وولاته، ولا الأنصار هم السبب فقط في اشتعال الفتنة، بل أن للصحابة - القرشيين منهم خاصة- دورهم أيضاً في هذه الفتنة، وقد اعترف الخضري بك بذلك إذ قال:

" إذا انصدع شمل القلوب، وحلّت الكراهة محل المحبة، والتحاسد محل التناصر، انفسح المجال لرواد الفتن ومحبي الاضطراب، وعلى هذا كان الحال في المدينة حاضرة الخلافة ومجمع رؤساء المسلمين، والمرشحين منهم

١- شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٢: ١٥٩.

٧٨

لولاية الأمر، فإن من يتصفح أحوالهم وما كان يبدو على ألسنتهم من الكلمات الشديدة المؤلمة في حق عثمان، سواء في وجهه أو في غيبته، يحكم أن النفوس قد انطوت على مكروهه، حتى كانوا يلقبونه في بعض الأحيان نعثلا"(١).

والسؤال الذي يطرح نفسه تعليقاً على كلام الشيخ الخضري هو: من الذي كان يبهت عثمان في وجهه أو في غيبته ويؤلمه بالكلام القارص ويسميه نعثلا، أهو ابن سبأ وأعوانه أم هم الصحابة أنفسهم؟!

إن هذا الاعتراف وأمثاله من عدد من المؤلفين - قديماً وحديثاً- ليؤكد أن إنكار ابن العربي وغيره بعدم وجود اُمور أثارت حفيظة الناس - ومنهم الصحابة- لا أساس له من الصحة. ولقد أكدت روايات المحدثين في أوثق المصادر الحديثية على هذه الحقيقة، ففي الصحيحين - واللفظ لمسلم- عن اُسامة بن زيد، قال: قيل له: ألا تدخل على عثمان فتكلمه. فقال: أترون أني لا اُكلمه إلاّ اُسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، ما دون أن أفتح أمراً لا أُحب أن أكون أول من فتحه، ولا أقول لأحد يكون عليّ أميراً إنه خير الناس، بعدما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى بالنار" فتندلق أقتاب بطنه فيدور فيها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، مالك، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".

وأخرج البخاري الرواية في موضعين من صحيحه، ولكنه أبدل إسم عثمان بـ (فلاناً) مرة و (هذا) مرة اُخرى(٢).

١- الدولة الاُموية: ٢٥٠.

٢- صحيح البخاري ٤: ١٤٧ كتاب بدء الخلق، باب صفة النار ٩: ٦٩ كتاب الفتن، باب الفتنة التي تموج

=>

٧٩
٨٠