×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج1) / الصفحات: ٣٢١ - ٣٤٠

قالوا: لفظة (بمنزلة) تقتضي واحدة فلا تعم إذ لو أراد أكثر لقال منازل.

قلنا: الاستثناء معيار العموم إلا الشركة في النبوة والأخوة من الأبوين، وبقيتالخلافة، وفرض الطاعة، وشد الأزر.

ولأن الأمة بين قائلين فمنهم من قال: أراد جميع المنازل، ومنهم من قال:

خرج على سبب، فلا يعم.

قلنا: قد صح في الأصول أن السبب لا يخص، على أن المسبب المذكورغير معلوم بالتواتر، فلا يقصر الخبر المتواتر في عدة مواضع عن سبب مظنونفذهب ما يهولون به من أن خلافته تختص بالمدينة فإنه متى كان إماما على البعضكان إماما على الكل إذ لا قائل بجمع إمامين.

تذنيب:

قيل: ابن أم مكتوم(١) كان يصلي بالناس، فلا عموم لخلافة علي على المدينةفضلا عن غيرها. قلنا: إنما أراد الله أن يفضح المخلفين عن النبي صلى الله عليه وآله بجعلالأعمى الذي لا يتحرز من النجاسات وغيرها إماما لهم، ونزه عليا عن كونهإماما لهؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، فلا يظن بذلك في إمامته إلا الملحدون.

إن قيل: استثناء النبوة، يتبعه استثناء الخلافة، لأن هارون إنما كان خليفةلكونه نبيا، فإذا خرجت النبوة خرج ما يقتضيه وهو الخلافة.

قلنا: لا نسلم التبعية، ولهذا لو صرح النبي صلى الله عليه وآله بقوله: أنت مني بمنزلةهارون من موسى في خلافته إلا أنك لست بنبي) لم يكن مناقضا، ولو خرجتالخلافة من النبوة كان مناقضا.

إن قيل: إنه شبه خلافة علي بخلافة هارون، ولم تحصل الخلافة لهارونبعد الموت، فالتشبيه بها دليل نفيها.

قلنا: لا ملازمة لحصول مانع الموت في الأولى دون الثانية، فإن من أوصىإلى غيره حصل له في حياته استحقاق تصرفه بعد وفاته.

(١) ابن أم كلثوم خ.

٣٢١

إن قيل: القيام بأمر أمة موسى كان واجبا على هارون، من حيث الشركةفي النبوة، وقوله (اخلفني)(١) توكيد لذلك، لا أنه خليفة حقيقة.

قلنا: لا خلاف بين الأمة أنه كان خليفة، وظاهر [ لفظ ] (اخلفني) ينافيأنه ليس خليفة حقيقة، إذ لا يقال للشخص (اخلفني في مصالحك).

إن قيل: فلعل لفظ (اخلفني) حكاية من الله عن موسى، لا نفس كلامموسى، فلا يدل ظاهره على الخلافة. قلنا: لو كان كذلك لم يفهم بحكايته عنموسى شيئا، إذ يجوز طلبه وزارته وشركته، حكاية عن الفضلاء تقتضي ذلك.

على أنا نقول وإن كان شريك موسى في النبوة، جاز اختصاص موسى بإقامةالحدود وغيرها، فليكن استخلافه لها.

إن قيل: فقوله (اخلفني) أمر لا يقتضي التكرار قلنا: المراد بيان أهليةهارون للخلافة واستحقاقه لها، وهو حاصل بذلك.

إن قيل: قوله (لا نبي بعدي) معناه لا نبي بعد نبوتي، وهارون لم يكنله منزلة النبوة بعد موت موسى، فكأن النبي استثنى ما ثبت من منزلة هارون وهو النبوة حال حياة موسى، فيكون لعلي الخلافة حال حياة النبي خاصة.

قلنا: بل لفظة (بعدي) حقيقة فيما بعد الوفاة، فإن من قال لغيره (أنتوصيي تتصدق على الفقراء بعدي) فهم منه بعد الوفاة، ولم يقصد النبي صلى الله عليه وآله منزلةهارون من موسى في زمانها بل التشبيه بين المنزلتين لا بين أوقاتهما، فكأنه قال أنتمني بمنزلة هارون من موسى بعدي إلا أنه لا نبي بعدي واستغنى بالبعدية الثانيةعن الأولى، وهذا من أفصح الكلام ولو صرح بقوله (بعد وفاتي) أو (في حياتيوبعد وفاتي) لم يكن خارجا عن الاستقامة.

إن قيل: الخبر دال على نفي خلافة علي لأنه شبهه بمن لا خلافة له. قلنا:

لا يصح التشبيه بالمسلوب، إذ لا يحسن أن يقال: فلان مني بمنزلة فلان في كونه

(١) الأعراف: ١٤١.

٣٢٢

ليس أخي ولا وكيلي، على أن ذلك أورده أئمة القوم في فضائله، فلو أراد نفيالخلافة، تنافى الأمران.

إن قيل: فهارون لو بقي بعد موسى لم يتجدد له منزلة لم يكن حال حياةموسى، فكذا علي لم يتجدد له منزلة بعد النبي لم تكن حال حياة النبي صلى الله عليه وآلهوقد علمنا أنه لم يكن إماما في حياة النبي فكذا بعده.

قلنا: لا يمتنع أن يكون إماما حال حياة، وإن لم نسمه بها لعدم تصرفهعلى أنه يجوز خلافة علي بإحدى شقي خلافة هارون وهو ما بعد الوفاة. لمانعهو الحياة، فإن من قال لغيره: (أنت مني بمنزلة وكيلي) يقتضي كونه بمنزلتهفي المستقبل دون الماضي.

قالوا: لو أراد الإمامة لقال: بمنزلة يوشع. قلنا: اقتراح الأدلة فاسد، إذيلزم أن يقال لكل من استدل بأمر هلا استدللت بغيره، فالدليل على هارون كافعن يوشع بن نون، وخلافة يوشع لا تعلم صحتها لأنها من نقل اليهود وقد قيلإنه كان نبيا، وكانت الخلافة في أولاد هارون ولأن النبي أراد أن يثبت لعليجميع منازل هارون من الاستخلاف حال الحياة وبعد الوفاة.

على أن النبي صلى الله عليه وآله إنما ذكر هارون لورود القرآن به المزيل للشبهة فيهبخلاف يوشع إذ ليس ذلك حاصلا ليوشع بن نون.

على أن ابن جبر في نخبه وعلي بن مجاهد في تاريخ أسند إلى النبي صلى الله عليه وآلهأنه قال لعلي عليه السلام عند وفاته: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى.

قال الجاحظ: لا يجوز أن يستثني ما لا يملكه وهو النبوة مما يملكه وهوالخلافة. قلنا: بلى ولأنه لا يملك الخلافة بل هي من الله أيضا وإنما استثنىالنبوة لئلا يتوهم الشركة فيها كهارون.

قالوا: الخبر يوجب إمامته في حال حياة النبي، قلنا: الظاهر ذلك لولاالاجماع، فيبقى على مقتضاه بعد وفاته صلى الله عليه وآله.

قالوا: فيحمل على ما بعد عثمان. قلنا: لم يقل به أحد لأن المخالف أثبتها

٣٢٣

له بعد عثمان بالبيعة، والمؤالف بالنص من الله ورسوله، وهي له بعد النبي صلى الله عليه وآلهبلا فصل.

قالوا: فرجوع النبي إلى المدينة يقتضي عزله. قلت: ليس الرجوع عزلاعادة كيف ذلك وقد يجتمع الخليفة والمستخلف في البلد الواحد، ولأن الحضورلم يكن عزلا إلا مع شرطه، ولم ينقل أحد أن النبي شرط ذلك لعلي.

تذنيب:

لما بغض عبدة العجل هارون ومن معه، سموهم رافضة، فأجري ذلك الاسمعلى شيعة علي عليه السلام لمناسبته لهارون وشيعته، وهموا بقتل هارون، فكذلك العمرانواطئا خالدا على قتل علي فبعثت أسماء بنت عميس زوجة أبي بكر خادمتها تقولله: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فقال عليه السلام: رحمها الله ومن يقتل الطوائفالثلاث قبل ذلك، فندم أبو بكر وأطال الجلوس، ثم نهاه فرأى علي السيف معخالد، فقال له: أو كنت فاعلا؟ قال خالد: إي والله، قال علي عليه السلام: كذبت أنتأجبن خلقه، لست من ذلك، أما والله لولا سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شرمكانا وأضعف جندا.

ثم قال عليه السلام أفبعد قول النبي: (من كنت مولاه فعلي مولاه - أنت منيبمنزلة هارون من موسى)؟ قال: نعم. فقبض على صدره فرغا كالبكر(١) وانساغفي المسجد ببوله.

فاجتمع الناس ليخلصوه فقال الأول: والله لو تمالأ عليه أهل الأرض لمااستنقذوه، ولكن نادوه بحق صاحب هذا القبر، ففعلوا فخلى عنه وقال عليه السلام:

لو عزمت على ما هممت به لشققتك شقين.

روى ذلك الحسن بن صالح، ووكيع، وعباد عن أبي المقدام عن إسحاقعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سفيان وابن جبير ووكيع وكان ذلك سيئة

(١) أي ضج وصاح.

٣٢٤

لم تتم وأسند نحو ذلك العرفي إلى الصادق عليه السلام.

وأسند العرفي إلى خالد بن عبد الله القسري قال على المنبر: لو كان في أبيتراب خيرا ما أمر أبو بكر بقتله، وهذا يدل على كون الخبر مستفيضا، ولولاوصية النبي صلى الله عليه وآله لكان علي بالقبض على رؤوس أعدائه، وضرب بعضها في بعضحتى ينشر دماغها مليا.

[ وفي رواية أبي ذر أنه عصر حلقه بين الوسطى والسبابة حتى صاح صيحةمنكرة ] وفي رواية البلاذري شاله بهما، وضرب به الأرض فدق عصعصه، فأحدثمكانه، وبقي يقول: هما والله أمراني، فقال عبد اللات لزفر: هذه مشورتك المنكوسةقال ابن حماد في ذلك:

تأمل بعقلك ما أزمعواوهموا عليه بأن يفعلوه
بهذا فسل خالدا عنهمعلى أي ما خطة وافقوه
وقال الذي قال قبل السلامحديثا رووه فلم ينكروه
حديثا رواه ثقات الحديثفما ضعفوه وما عللوه
أتى ابن معاوية في الصحيحوركى الرواة الذي أسندوه

هذا، وقد أسلفنا نصوصا في الباب الثامن فيما جاء في تعيينه من كلام ربهعند قوله تعالى (إني جاعلك للناس إماما(١)) وغيره.

نكتة:

اتصاف علي عليه السلام بهذه المنازل، ليس سلبيا ولا نقيض الاتصاف، فهو ثبوتيفمحله ليس غير علي برواية الفريقين، فقد بان الحق من المين، لكل ذي قلبوعين، وفي ذلك قال علي بن الحسين، وقد سمع من يقدم الشيخين:

فمن شرف الأقوام يوما برأيهفإن عليا شرفته المناقب
وقول رسول الله والحق قولهوإن رغمت منه أنوف كواذب

(١) البقرة: ١٢٤.

٣٢٥

بأنك مني يا علي معالناكهارون من موسى أخ لي وصاحب

وقال الحماني:

وأنزله منه على رغمة العدىكهارون من موسى على قدم الدهر
فمن كان من أصحاب موسى وقومهكهارون لا زلتم على طلل الكفر

وقال منصور:

رضيت حكمك لا أبغي به بدلالأن حكمك بالتوفيق مقرون
آل الرسول خيار الناس كلهموخير آل رسول الله هارون

ومنها قوله صلى الله عليه وآله يوم الدار: (أنت أخي ووصيي وخليفتي) لما نزلت(وأنذر عشيرتك الأقربين(١)) فجمع النبي صلى الله عليه وآله منهم أربعين رجلا وقال: قدجئتكم بخير الدنيا والآخرة، من يوازرني؟ قال ذلك ثلاثا وعلي يقوم في كلمرة ويقول: أ؟ ا ذكر ذلك الفراء في معالمه وهو بهذا الفن أعلم الصحابة، والثعلبي بإسناده في تفسيره، وغيره من طرق كثيرة.

وقد ذكر ابن حنبل في مسنده قول النبي صلى الله عليه وآله لسلمان: وصيي ووارثيعلي بن أبي طالب، وأسنده إلى ابن عباس أيضا وإلى علي عليه السلام أيضا وذكرهابن إسحاق في كتابه وأبو رافع والشيرازي والخركوشي ورواه الطبري فيموضعين من تاريخه والجرجاني في صفوته وابن جبر في نخبه.

وفي مناقب ابن المغازلي: لما انقض الكوكب في دار علي قال النبي صلى الله عليه وآلهمن انقض في داره فهو الوصي بعدي، قالوا: غوي في حب علي، فنزلت (والنجمإذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى)(٢).

وفي مجمع البيان للإمام الطبرسي أخبر السيد أبو الحمد عن الحاكم الحسكانيعن جماعة تاسعهم الضحاك ابن مزاحم أنه لما رأت قريش تقديم النبي عليا قالوا:

فتن به، فنزلت (فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون(٣)).

(١) الشعراء: ٢١٤.

(٢) النجم: ١ و ٢.

(٣) القلم: ٦.

٣٢٦

وقال البخاري ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا، وقال صاحب الوسيلةعن بريدة لكل نبي وصي ووارث، وعلي وصيي ووارثي، وذكر في الوصيةأيضا أن الوصية من خصائص علي.

وفيها أيضا: اختارني نبيا واختار عليا وصيا، وفيها عن أنس قال النبيصلى الله عليه وآله: إن خليلي، ووزيري، وخليفتي في أهلي، وخير من أترك بعدي، ينجزموعدي، ويقضي ديني، علي بن أبي طالب.

قال الحميري:

وقيل له أنذر عشيرتك الأولىوهم من شباب أربعين وشيب
فقال لهم إني رسول إليكمولست أراني عندكم بكذوب
وقد جئتكم من عند رب مهيمنجزيل العطايا للجزيل وهوب
فأيكم يقفي مقالي وأمسكوافقال ألا من ناطق مجيب
ففاز بها منهم علي وسادهموما ذاك من عاداته بغريب

وقال أيضا:

ويوم قال لهم جبريل قد علمواأنذر عشيرتك الأدنين إن نذروا
فقام يدعوهم من دون أمتهفما تخلف عنه منهم بشر
ومنهم آكل في مجلس جذعاوشارب ملء عس وهو محتقر
فصدهم عن نواحي قصعة شبعفيها من الحب صاع فوقه الوذر
فقال يا قوم إن الله أرسلنيإليكم فأجيبوا الله وادكروا
فأيكم يجتبي قولي ويؤمن بيأني نبي رسول فانبرى عذروا
فقال تبا أتدعونا لتلفتناعن ديننا ثم ثاب القوم واشتمروا
من ذا الذي قال منهم وهو أحدثهمسنا وخيرهم في الذكر إن سطروا
آمنت أنك قد أعطيت نافلةلم يعطها أحد جن ولا بشر
وإن ما قلتها حق وإنهمإن لم يجيبوا فقد خابوا وقد خسروا
ففاز منهم بها والله أكرمهفكان سباق غايات إذا ابتدروا
٣٢٧

ومع هذه الشهرة ينكر الواسطي الغوي رواية نصب النبي في يوم الدارلعلي عليه السلام قال: لأنه عليه السلام أمر في الآية بإنذار الأقربين لا بطلب من يوازرهفكيف يخص واحدا منهم دون الباقين.

قلنا: قد أنذرهم ثم خص بطلب الوزارة واحدا منهم، زيادة في ترغيبهملوفور علمه أن الرسالة يسارع إليها كل منهم، ولا منافاة بين إنذارهم وطلب الوزارةمن بعضهم.

قال: الايصاء والاستخلاف على قوم، لا يكون إلا بعد انقيادهم، وهم كانواحينئذ بخلاف ذلك.

وكيف يليق من النبي تحكيم واحد عليهم، ويقول: استمعوا له وأطيعواوهم حينئذ لم يسمعوا للنبي ولم يطيعوا وهل هذا إلا كالمثل المضروب، فمن قاللآخر: أعطني دينارا بعلامة أن استادي طلب منك فلسا فلم تعطه.

قلنا: النبي لا ينطق عن الهوى، وإنما فعل ذلك بوحي من الله تعالى، ولامنافاة بين أن ينذرهم ثم يقول هذا خليفتي عليكم، وأما ذكر (اسمعوا وأطيعوا)فمختلف منهم، فإن نازع في اختلافه أحد قلنا له قد أنكرت أصل الرواية الواردة به، وحيث عارض بالمثل قول النبي صلى الله عليه وآله فهو بإثمه يبوء، قال تعالى (للذين لا يؤمنونبالآخرة مثل السوء(١)) فقد تبع رؤساء الشياطين الذين حذر العلماء عنها طلاباليقين، شوائب الطبيعة، ووساوس العادة، ونواميس الأمثلة.

قال: ذكر صاحب المعالم عن علي عليه السلام أن الرواية التي فيها ذكر الوصيةلعلي مرسلة وليس فيها ذكر الانذار المطابق للآية، فهي مضادة لها، وذكر ثلاثروايات عن غيره مسندة وخالية عن ذكر الوصية فهن معارضات لها.

قلنا: تقرر في الأصول قبول الزيادة، وقد جاز العمل بالمرسل إذا علم منطريق آخر أنه مسند كمراسيل ابن المسيب، وقد جاء في صحيح البخاري مراسيل

(١) النحل: ٦٠.

٣٢٨

وعدم ذكر الانذار لا يدل على عدم المطابقة للآية، فلا معارضة في تلك الرواياتللرواية.

ومن العجب أنه يضعف قول أصحابه طلبا للشبهة ونحن لا نذكر قولأصحابنا طلبا للزوم الحجة.

قال: رويتم أن عليا لم يزل مسلما أو أسلم قبل يوم الدار، وهو المأمور بجمعالعشيرة الكفار، فلا معنى لإجابته إلى الموازرة، والخطاب ليس له مع بلاغته، بلللكفار.

قلنا: أما أنه لم يزل مسلما، فلا معنى لاختصاصنا به إذ أجمع المسلمون عليهوجاءت روايات الخصم فيه، قال الزمخشري في كشافه قال النبي: صلى الله عليه وآله سباقالأمم ثلاثة، لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون. ورواه صاحب الوسيلة وزاد: أكرمهم وأفضلهم علي بن أبي طالبوبهذا يندفع قولهم إن أبا بكر صديق لأنه أول من صدق، وقد سبقه علي وخديجةوورقا وغيرهم.

قوله: لم يحسن جوابه بالموازرة إذ لم يتناوله الخطاب، قلنا: فقد رويتم قولالنبي صلى الله عليه وآله يوم الخندق: من يبرز إلى عمرو بن [ عبد ] ود ويكون جاري في الجنةفلم يجبه أحد، فقام علي فقال له: إنه عمرو، فقال علي: وإن كان عمرا، فقدأجاب ولم يتناوله الخطاب.

وقد ذهب أكثر المحققين إلى أن إبليس لم يكن من الملائكة، وتناوله الأمربالسجود، لأجل حضوره فيهم، وجاز أن كلام علي بالموازرة ابتداء لا جوابقول النبي، فلا منافاة للبلاغة.

قال: شرط الوصية والاستخلاف، الجزم بهما، لا تعليقهما بشرط يوجدولا يكونان إلا لمعين، والنبي صلى الله عليه وآله قال: من يوازرني؟ فلا تعيين، قلنا: ذلكوعيد بالوصية، فلا يشترط الجزم بالوعيد، ولا التعيين، ولم تحصل الوصية لأحدفي حال الخطاب، بل لعلي خاصة بعد الجواب.

٣٢٩

قال: فلو أجابه أكثر من واحد جاز أن يقع الشقاق، قلنا: جاز أن يكونالله تعالى أمره بذلك مع علمه بعدم قبولهم، ويكون فعل النبي صلى الله عليه وآله توكيدا عليهمكما أمره بإنذار كفار مع علمه بعدم إيمانهم.

قال: إجابة واحد تنفير الباقين، قلنا: لا تنفير مع الانقياد التام، وعندكمأن الله يفعل لا لغرض، فلم نفيتموه هنا.

قال: جمعهم يقتضي ترغيبهم، فطلب الوزارة من بعضهم يقتضي تزهيدهم، فلافائدة في جمعهم، قلنا: إيمانهم يرغبهم فيه بما يعمهم، وهو قوله جئتكم بخير الدنياوالآخرة ونحوه.

قال: الوصية هي الاستخلاف، فكيف عطفه عليها. قلنا: لا ترادف إذ بينهماعموم من وجه، ولو سلم الترادف جوزنا العطف مثل (صلوات من ربهم ورحمة(١))على أن كتبهم قد نطقت بالوصية فإذا سلم الترادف التزم بالاستخلاف.

قال: علي كان مؤمنا فلا معنى لوزارته في ذلك اليوم. قلنا: أليس كلمؤمن خليفة.

قال: إن كان غرض النبي صلى الله عليه وآله الوصية لأحدهم استحال أن يكون لعليويلزم تحصيل الحاصل إن كان الغرض ثبوتها لعلي. قلنا: قد يكون الغرض لهمولم يقع وقد أراد شيئا ولم يقع، ويجوز أن يكون الغرض إظهار أن الوصية لعليلجواز التأكيد مرة بعد مرة.

قال: من الحاضرين من آمن كالعباس، وقد بايع أبا بكر. قلنا: قد تركهاأولا فجاز وقوعها تقية.

قالوا: رواية الاستخلاف لم ترد إلا من علي فهو متهم، قلنا: قد جاءت منطرقكم عن ابن حنبل، والبراء بن عازب وغيرهما، وليس ذلك شهادة بل روايةولم يفرق أحد بين الروايتين لنفسه وغيره، بعد ثبوت عدالته، فضلا عن الثابتة

(١) البقرة: ١٥٧.

٣٣٠

بآية التطهير وغيرها، ومن طرقهم رواية جامع الأصول عن النبي صلى الله عليه وآله علي معالحق والحق معه، وغيرها في مصابيح الفراء وغيره وقد شهدت عائشة لأبيها بصلاتهوجعلوها سببا لخلافته.

قال: إن سلمت الرواية، اقتضت كونه خليفة على العشيرة، قلنا: لا قائلبالفرق، ويلزم اجتماع إمامين، ولم يقل به أحد، ولهذا قال عمر للأنصار (سيفانفي غمد لا يجتمعان) ولا يلزم من تخصيصهم بالانذار تخصيصهم بالاستخلاف إذ أحدهماغير الآخر.

قال: كان علي صبيا فإسلامه غير معتبر ولا بالتبعية لأصلية الكفر منأبويه، والاستخلاف لا يكون إلا للبالغ. قلنا: لم يشترط أحد من المسلمين البلوغفي استخلاف الله ورسوله، وقد قال تعالى (وآتيناه الحكم صبيا(١)) وقال (ففهمناهاسليمان(٢)) وقد كان حينئذ ابن أحد عشر سنة، وعند أصحابنا أن عليا أسلم وهو ابن خمسة عشر سنة أو أربعة عشرة، وروى الخمس عشرة العاقولي منهم فيشرحه للمصابيح، وروى الأربعة عشرة منهم شارح الطوالع، وقد ذكر البخاري عنالمغيرة قال: احتلمت وأنا ابن اثنى عشر سنة.

ولأن النبي صلى الله عليه وآله دعاه إلى الاسلام صبيا فلو لم يكن يحكم بإسلامه، لزمالعبث في دعائه، وإن لم يكن بدعائه كان إسلامه من خصائصه، لكمال عقله حالصغره دون غيره، وقد عرف أن التكليف العقلي لم يشترط فيه البلوغ الشرعيوقد أخرج صاحب الوسيلة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: صلت الملائكة علي وعلى عليسبع سنين قبل أن يسلم بشر.

وأخرج أبو نعيم في حليته قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي: لك سبع خصال لا يحاجكأحد فيهن يوم القيامة، أنت أول المؤمنين بالله إيمانا، وأوفاهم بعهد الله، وأقومهم

(١) مريم: ١١.

(٢) الأنبياء: ٧٩.

٣٣١

بأمر الله، وأرأفهم بالرعية، وأقسمهم بالسوية، وأعلمهم بالقضية، وأعظمهم يومالقيامة مزية.

فقد مدحه على سبق إيمانه، ودل على عظم شانه، والمعاند يقول لا يحكمبإيمانه، مع انتشار ذلك في كتب إخوانه، وقد سلف ذلك في الفصل الثاني والعشرينمن الباب السابع مستوفى، اخترنا هنا إيراد طرف منه فإن لكل مقام مقالا.

قوله: (لكفر أبويه) مردود بما أخرجه صاحب كتاب بشائر المصطفى أنأمه فاطمة بنت أسد انشق لها ظهر الكعبة، فدخلت إليها وولدت عليا فيه، فلماخرجت قالت: فضلت على آسية ومريم، بدخول البيت الحرام، والأكل من ثمارالجنة، دون كثير من الأنام، وهتف بي هاتف سميه عليا فهو علي والله العليشققت له اسما من اسمي، وأوقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الأصنامعن بيتي، ويؤذن فوق ظهره، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعهوويل لمن أبغضه.

هذا وقد ربت أمه النبي صلى الله عليه وآله ورأت كراماته حال صغره، والنبي بقميصهكفنها، ونزل بنفسه إلى قبرها، وشفع إلى الله فيها، وكان ذلك من دلائل إيمانهاوأما أبوه فربما تمسك في كفره بقوله تعالى (وهم ينهون عنه وينأون عنه(١))قيل: المراد أبو طالب ينهى عن أذى النبي وينأى عنه، فلا يؤمن به، والمخالفيزعم أن لفظ الجمع لا يطلق على الواحد، حيث قالوا (الذين يقيمون الصلاة(٢))هو علي، وهنا يطلقه على أبيه.

وفي تفسير الثعلبي أن قريشا تنهى أبا طالب عن نصر النبي صلى الله عليه وآله وكلامهفي الذب عنه مشهور، حتى أتوه بعمارة بن الوليد يتخذه خادما عوضه، فقال: ماأنصفتموني تعطوني ابنكم أربيه وأغذوه، وأعطيكم ابني تقتلونه، رواه الواقديوغيره ثم قام إليه وأنشأ الأبيات الآتية.

(١) الأنعام: ٢٦.

(٢) المائدة: ٥٨.

٣٣٢
٣٣٣

وقد أخرج صاحب الوسيلة في المجلد الخامس، قوله في النبي:

ألا بلغا عني على ذات بينناقصيا وخصا من قصي بني كعب
ألم تعلموا أنا وجدنا محمدانبيا كموسى خط في أول الكتب
أليس أبونا هاشم شد أزرهوأوصى بنيه بالطعان وبالحرب

وهل يصف هذا العالم الشاعر بالكفر إلا كافر، وهم لما أخرجوا النبي صلى، الله عليه وآلهمن قوله تعالى (وسيجنبها الأتقى الذي(١)) الآية لأن عليه تربية أبي طالبوهي نعمة تجزى، والتربية سبيل، وقد نفى الله سبيل الكافرين على المؤمنينلزم ذلك إيمان أبي طالب.

إن قلت: فيلزم على هذا أن يكون أبو طالب مؤمنا قبل مبعث النبي. قلت:

نعم كان على دين إبراهيم، وقد تمدح به في قوله: نحن آل الله في كعبته، لم يزلذلك على عهد إبراهيم، وسيأتي ذلك في التذنيب إن شاء الله تعالى عن قريب.

وفي مسند أحمد بن حنبل لما مرض للموت بعث إلى النبي صلى، الله عليه وآله ادع لي ربكأن يشفيني فإنه يطيعك وابعث إلي بقطف من الجنة فأرسل إليه: إن أطعت اللهأطاعك. فقد اعترف لله بوجوده، ووجود جنته، وقبول دعاء نبيه.

إن قالوا: قوله إن أطعت الله أطاعك دل على أنه لم يكن طائعا قلنا: بلهو ترغيب في الاستمرار مثل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله(٢))فلا يدل ذلك أيضا على ترك الدعاء له، وقد نقل إيمانه الحافظ القدسي في سيرةالنبي وفي تفسير الثعلبي أنه قال لابنه علي: ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ قال:

آمنت بالله ورسوله، قال إن محمدا لا يدعوك إلا إلى خير فالزمه.

وفي الجمع بين الصحيحين من أفراد البخاري من مسند عبد الله بن عمر ذكرتقول الشاعر حين استسقى:

[ وأبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل ]

(١) الليل: ١٧.

(٢) النساء: ١٣٥.

٣٣٤


لعمري لقد كلفت وجدا بأحمدوأحببته حب الحبيب المواصل
وجدت بنفسي دونه وحميتهودارأت عنه بالذرى والكلاكل
فما زال في الدنيا جمالا لأهلهاوشين على الأعدا وزين المحافل
حليما رشيدا حازما غير طائشيوالي إله الخلق ليس بما حل
وأيده رب العباد بنصرهوأظهر دينا حقه غير باطل
ألم تعلموا أن ابننا غير مكذبلدينا ولا يعنى بقول الأباطل
وأبيض يستستقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل
تلوذ به الهلاك من آل هاشمفهم عنده في نعمة وفواضل
كذبتم وبيت الله نبزى محمداولما نقاتل دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حولهونذهل عن أبنائنا والحلائل

ففي هذا عدة شواهد على إيمانه، يظهرها من سبره، على من جحده وسترهوإنما حداهم على جحدهم قصدهم مشاركة علي لأصحابهم في بعض رذائلهم ولاغروفي ذلك، وقد سب ألف شهر على منابرهم، لم يكن فيهم من يغار للاسلام بمنابزتهموقد ألف كتاب في الحجة على الذاهب، إلى تكفير أبي طالب، فيه:

ولولا أبو طالب وابنهلما مثل الدين يوما وقاما
فهذا بمكة آوى وحامىوهذا بيثرب سام الحماما
وما ضر مجد أبي طالبجهول لغى وبصير تعاما

وقد أخرج ابن مسكويه وغيره افتخار علي بأبيه، وتفضيله على أبي سفيانواعترف له معاوية بذلك وأخرج الكراجكي في كتابه كنز الفوائد قول العباسللنبي صلى، الله عليه وآله ما ترجو لبي طالب؟ قال: رحمة ربي.

وقد عاب المحدثون على مسلم والبخاري حيث أخرجا في كتابيهما حديثالمسيب في وفاة أبي طالب(١) مع أنه لا راوي له غير أبيه شدة حرصهما على تكفير أصلعلي عليه السلام حسدا له والفرقة تتمحل كفر أبي طالب، كما تمحلت إيمان محاربيعلي الثابت كفرهم بقول النبي صلى، الله عليه وآله: (حربك حربي). وقد رووا قول النبي

(١) راجع صحيح البخاري ج ٢ ص ٣٢٦.

٣٣٥

صلى الله عليه وآله: ما قال أحد لأحد كافر إلا باء به أحدهما.

قالوا: نزل فيه: (إنك لا تهدي من أحببت(١) قلنا: لا بل هي لكل كافركيف ذلك وقد نزلت يوم حنين وهو بعد موت أبي طالب بست سنين وأشهر ولونزلت الآية فيه، وفيها أن النبي يحبه، دلت على إيمانه لأنه صلى الله عليهوآله نهاه الله تعالى عن محبة الكفار في قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله(٢)) وقد قيل معنى (ولكن الله يهديمن يشاء) أن هدايتنا لأبي طالب يا محمد، سبقت دعوتك له، وفي هذا أن أحدا لميدركه في فضيلته إن كان الله تعالى بنفسه متوليا لهدايته.

قالوا: نزل فيه (ما كان للنبي والذين آمنوا معه أن يستغفروا للمشركين(٣))قلنا: ذكر صاحب جامع الأصول، وصاحب التقريب موت أبي طالب قبل الهجرةونزول الآية سنة تسع منها، والنبي صلى، الله عليه وآله لا يستغفر لمن مات على كفر لإخبارالقرآن بتخليده مع نفي الهوى عن نطقه.

قالوا: لم ينقل له صلاة حتى يحكم بإيمانه، قلنا: عدم العلم بها لا يدلعلى عدمها على أن عدمها لا يوجب كفر تاركها.

قالوا: حرصه النبي على الاسلام عند موته، وحرصه أبو جهل على دينالأشياخ، فكان آخر كلامه أنه على دين الأشياخ عبد المطلب ثم مات.

قلنا: لا بل نقل رؤساء الاسلام أنه جمع أهله وأوصاهم بمحمد ونصرته، وأخبرهم بتملكه، وأنه جاء بأمر عظيم عاقبته الجنان، والأمان من النيران، وقال: لو كان في أجلي فسحة لكفيته الكوافي، ودفعت عنه الدواهي، فهذا الذيهو يجب اعتماده، لا ما ذكروه لمناقضته لأقواله وأشعاره.

قالوا: كتب الأولاد الأول إلى المنصور يرد عليهم الملك، وافتخروا بأشياء

(١) القصص: ٥٨.

(٢) المجادلة: ٢٢.

(٣) براءة: ١١٤.

٣٣٦

منها أن أبانا أبا طالب أخف أهل النار عذابا وفي قدميه نعلان يغلى منهما دماغهفكتب:

دعوا الأسد تربغ في غابهاولا تدخلوا بين أنيابها
سلبنا أمية في دارهافنحن أحق بأسلابها

قلنا: هذا كذب صريح، وكيف يفتخر برجل كافر يعذب بنوع من العذابوالشعر الأول المذكور للمعتز وهو بعد المنصور بثمانية وستين سنة سيما ذكرهصاحب المنتظم في المجلد الثامن والخبر لم يروه سوى المغيرة بن شعبة، وهو عندكمفاسق مشهور بالزنا وبعداوة بني هاشم، وهو الذي حث عائشة على حرب عليعليه السلام بالبصرة.

ومن أحاديث كتاب الحجة أن رجلا قال لعلي: أبوك يعذب في النارفقال له: مه والله لو شفع أبي في كل مذنب لشفعه الله كيف ذلك وأنا قسيم الجنةوالنار، وقال الرضا عليه السلام: إن لم تقر بإيمان أبي طالب، لكان مصيرك إلى النار.

وزوجته فاطمة بنت أسد مؤمنة صالحة، لم تزل عنده حتى مات، مع نهيالله رسوله في غير آية أن [ تبقى ] مؤمنة عند كافر.

وعن الأئمة عليهم السلام أن النبي صلى، الله عليه وآله قال: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنةيعني أبا طالب لأنه كفله صلى، الله عليه وآله.

وقد أخرج في جامع الأصول أنه لما مات أوحى الله تعالى إلى نبيه محمد صلى، الله عليه وآلهأن اخرج، فقد مات ناصرك، ولما نثروا الكروش عليه، غضب أبو طالب وخرج إلىالأبطح ونادى بعد جمع الناس: من أرى فعل بمحمد هذا وقد خرست الألسن منهيبته، فلم يجبه أحد فدفع كرشا إلى عبيدة فلطخ بها شواربهم ثم حلف برب البيتلئن أقمتم على إنكاركم لأفعلن بكم أشد من هذا، فجاؤه بالفاعل فنكل به، وأطاف به بلد مكة ثم قطعه قطعا ورماه بينهم.

فهذه جمل من رواية المخالف وغيره، تمنع ملأ تقول بكفره وتجمع بكفرمن قال بكفره، ولو كانت مدافعته لا تدل على إسلامه، لا تدل مدافعة جيوش النبي

٣٣٧

على إسلامهم إذ لم ينقل تلفظهم بكلمة الاسلام ولا فعل أكثرهم لصلاة ولا صيامولا يخفى ما في ذلك من الاهتضام.

وقد ذكر الدينوري الحنبلي في غاية السؤول أن أبا طالب حدث عن أبيهأنه قال: إن من صلبي لنبيا ولوددت أني أدركته [ ولو أدركته ] لآمنت به، فمنأدركه من ولدي فليؤمنوا به.

تذنيب:

نعني بإيمان أبي طالب الولي إيمانه بالنبي الأمي صلى، الله عليه وآله لأنه قد كان فيابتدائه على دين إبراهيم، معترفا بالرب القديم، وقد أخرج صاحب روضة الواعظينأن فاطمة بنت أسد حضرت مولد النبي صلى، الله عليه وآله فأخبرت أبا طالب بما رأت من حضورالملائكة وغيره من العجائب، فقال: أنتظرك تأتين بمثله فولدت عليا عليه السلامبعد ثلاثين سنه.

وعن ابن بابويه أن أبا طالب نام في الحجر حول البيت، فرأى في منامه باباانفتح من السماء، ونزل منه نور شمله فأتى راهب الجحفة يقص عليه، فقال له:

أبشر أبا طالب عن قليلبالولد الخالي عن المثيل
[يا آل قريش اسمعوا تأويلي]هذان نوران على السبيل
كمثل موسى وأخيه السؤل

فرجع أبو طالب فرحا وطاف بالكعبة، وهو يقول:

أطوف لله حوالي البيتأدعوه بالرغبة محي الميت
بأن يريني السبط قبل الموتأغر نوريا عظيم الصوت
مصليا يقتل أهل الجبتوكل من دان بيوم السبت

ثم نام في الحجر ثانية فرأى كأنه ألبس إكليلا من ياقوت، وسر بالأمنعبقر، وكأن قائلا يقول له: يا أبا طالب! قرت عيناك، وظفرت يداك، وحسنترؤياك، فأنى لك بالولد، ومالك البلد، وعظيم التلد، على رغم الحسد، فانتبهفرحا وطاف قائلا:

٣٣٨

أدعوك رب البيت والطوافدعاء عبد بالذنوب واف
تعينني بالمنن اللطافوالولد المحبو بالعفاف
وسيد السادات والأشراف

ثم نام في الحجر فرأى عبد مناف قائلا: ما يبطئك عن بنت أسد، فانتبهفنكحها، وطاف بالكعبة قائلا:

قد صدقت رؤياك بالتعبيرولست بالمرتاب في الأمور
أدعوك رب البيت والنذوردعاء عبد مخلص فقير
فأعطني يا خالقي سروريبالولد الحلاحل الذكور
يكون للمبعوث كالوزيريا لهما يا لهما من نور
قد طلعا من هاشم البدورفي فلك عال على النحور
فيطحن الأرض على الكرورطحن الرحى للحب بالتدوير
إن قريشا بان بالنكيرمنهوكة بالغي والثبور
وما لها من موئل مجيرمن سيفه المنتقم المبير
وصنوه الناموس بالشفيرحسامه الخاطف للكفور

ومن شعره فيه:

يكلم نبي جاء يدعو إلى الهدىوأمر أتى من عند ذي العرش قيم
فلا تحسبونا مسلميه ومثلهإذا كان في يوم فليس بمسلم

ومنه:

أخلتم بأنا مسلمون محمداولما تقاذف دونه ونراجم
أمين محب للعباد مؤمنبخاتم رب قاهر للخواتم
يرى الناس برهانا عليه وهيبةوما جاهل في فعله مثل عالم
نبي أتاه الوحي من عند ربهفمن قال لا تقرع بها سن نادم

ومنه:

فلا تحسبونا مسلمين محمدالذي غربة فينا ولا متقرب
٣٣٩

فلا والذي تحدي إليه قلائصلا دراك نسك من منى والمحصب
نفارقه حتى نفرق حولهوما بال تكذيب النبي المقرب

ولما قام عثمان بن مظعون يدعو قريشا إلى اتباعه ضربه سفهاؤها ففقأوا عينيهفنهض أبو طالب في أمره وأخذ بحقه فقال:

أمن تذكر دهر غير مأمونأصبحت مكتئبا إني لمحزون
أمن تذكر أقوام بذي سفهيغشون بالظلم من يدعو إلى دين
ألا يرون أقل الله خيرهمأن غضبنا لعثمان بن مظعون

إلى قوله:

أو يؤمنوا بكتاب منزل عجبعلى نبي كموسى أو كذي النون

وقال يحثه على إظهار دعوته:

لا يمنعنك من حق تقوم بهأيد تصول ولا أضعاف أصوات
فإن كفك كفي إن مننت بهاودون نفسك نفسي في الملمات

ومنه:

زعمت قريش أن أحمد ساحركذبوا ورب الراقصات إلى الحرم

ومنه:

وقد حل مجد نبي هاشمفكان النعايم والعترة
وخير بني هاشم أحمدرسول الإله على فترة

ومنه:

لقد أكرم الله النبي محمدافأكرم خلق الله في الناس أحمد

ومنه:

إن ابن آمنة النبي محمدعندي بمنزلة من الأولاد

ومنه:

صدق ابن آمنة النبي محمدفتميزت غيظا به وتقطعوا
إن ابن آمنة النبي محمدسيقوم بالحق الجلي ويصدع
٣٤٠