×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج1) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الباب الأول
في إثبات الواجب وصفاته

إنما ابتدأنا بهذا الباب - وإن كان الغرض الأهم من هذا الكتاب هو الإمامة -لأنه المطلب الأعلى والقاعدة الأولى، فكان صرف الهمة إليه أولا أولى، فيستدلعلى وجوده تعالى بحدوث غيره المستفاد من تغييره، وبأن الممكن لا يستقلبإيجاد شئ وحده وإنما يفعل أعراضا فيما أحدثه غيره، أما الجوهر فلا يقعبقدرته لانحصارها في تولده ومباشرته، فالتولد إما بالاعتماد، ويعلم ضرورة عدمتجدد الجوهرية والمباشرة يلزمها التداخل إن كانت في محل قدرته، وإن كانتفي ما يجاوره فالبعيد يؤثره غيره، فلا بد للجواهر والأعراض المخصوصة من موجدغيره، فلزم القول بوجوده ووجوبه المستلزم لاستحالة عدمه.

ولا بد من قدرته للزوم قدم العالم أو حدوثه تعالى عند فرض إيجابه وعمومهالاستواء ذاته لتجرده واشتراك ما عداه في علة احتياجه.

ولا بد من علمه لامتناع نقصه وإحكام خلقه، ومن إرادته وكراهته لاختلافأفعاله ولأمره ونهيه، ومن سمعه وبصره لعموم علمه المستفاد من الترجيح بلا مرجحعند عدمه والقرآن المجيد دل على كلامه وإدراكه.

ولا بد من مخالفته لغيره لذاته، لما عرفت من وجوبه وحدوث غيره. فليسبجسم لوحدته وتركيبه، ولا عرض لغنائه وحلوله، ولا جوهر ولا متحيز ولا في جهةلافتقارها وغنائه، ولا متحد لامتناع انفعاله، ولا يرى لامتناع الإحاطة به ولزومالجهة الممتنعة عليه، وفي حديثين من الجمع بين الصحيحين أنهم يرونه يوم القيامةبالعين، فنعوذ بالله من هذا المين!

ولا بد من وحدته لفساد العالم عند فرض كثرته، ولنصه في كتابه على ذلك.

٢١
٢٢

فصل

الله تعالى يفعل لغرض ومصلحة يعودان إلى خلقه لا إليه، لامتناع احتياجهللزوم العبث لو خلا عن غرضه وهو قبيح عقلا فلا يقع منه كما مضى في تقريرهوالأشاعرة نفت غرضه تعالى وهم عن الصراط لناكبون، حيث أعرضوا عن قولهتعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون)(١) وقد بين الله تعالىالغرض من بعث المرسلين بأنه لنفي حجة الناس عن رب العالمين ولو أضيفالعبث إلى أحد من هؤلاء لتفصى عنه وتبرأ منه، ولما حكم عقله بقبحه نفاه عنفعله، فكيف عمي إذ نسب ربه إلى مثله شعرا:

أيحسن أن يبني قصورا مشيدةبأحسن أوضاع وأكمل هيئة
ويهدم عمدا لا لمعنى وإنهليقبح هذا في العقول السليمة

تذنيب:

يريد الله تعالى الطاعات ويكره المعاصي لما علمت من حكمتهولأمره ونهيه المستلزمين لإرادته وكراهته ولو لم يكره الرب المعاصي لما حكمعلى الكافر بأنه عاص.

فصل

قضت الضرورة باستناد بعض الأفعال إلينا لوقوعه بدوا عينا، ولولا ذلك لقبحأمرنا ونهينا فانتفت عنا طاعاتنا ومعاصينا إذا انتفى عنا تأثيرها. وسيأتي ذلك في بابهمستوفى إن شاء الله، والقضاء والقدر اللذان يستند الخصم بهما إلى المحال وحملهالتأويل الفاسد على الانصراف عن الهدى إلى الضلال فلهما محامل تطابق اللغةالعربية موجبة لتنزيه بارئ البرية يتعين الحمل عليها لقضاء الفعل بها والتجاءالضرورة إليها.

١ - المؤمنون: ١١٦.

٢٣

الباب الثاني
في إبطال الجبر المنافي لعدله ورحمته

هذا الباب قد طول علماؤنا البحث فيه وأتوا من الاحتجاج عقلا ونقلا بما لا مزيدعليه، ونحن نذكر شيئا مما وضعوه فيه لما علمت من الاحتجاج في تثبيت الإمامةإليه فنقول:

الله تعالى أمر ونهى ولولا قدرة العبد على متعلقهما كان ذلك سفها، ووعد علىالفعل والترك بالثواب الجزيل ولولا قدرة العبد لما كان ذلك أولى به من العذاب الوبيل،ولخلت الفائدة عن صحائف الأعمال والإشهاد فيها إذا كانت الأفعال المنسوبةإلى العبد لا قدرة له عليها، ولولا قدرة العبد على الطاعة والعصيان لجاز من العدل الحكيممعاقبة أهل الإيمان وإثابة ذوي الكفران، ولو جاز ذلك خرج الحكيم العدل إلىالظلم عن حكمته وعدله وبطل ما تمدح به من إثبات رحمته، ولكان الطائع ناقصالتدبير قليل التصوير حيث تعجل بمشقة التكليف، إذ جوز أن يعاقب وإنأطاع وهذا هو الاعتقاد السخيف. ولو لم يكن للعبد قدرة لكان وعده تعالى ووعيدهراجعين إلى نفسه وكذا بعثه الأنبياء إنما هو إلى نفسه، والمحاربة الواقعة منالكفار لنبيه ودويه صادرة عنه لا عن مكذبيه، ولكان تكذيب الكافر لرسالته إنما هومن ربه فكأنه أرسله ثم كذبه فيعود الكذب على نفسه بأن يقول: أنت أرسلتني ثمكذبتني فأنت الكاذب علي. ويدل على إضافة الفعل إلى العبد آيات كثيرة. وقد صنفالشيخ يحيى بن سعيد رحمه الله كتابا سماه (الفحص والبيان عن أسرار القرآنوآخر سماه (قبة العجلان) وآخر سماه (الموازنة) قابل فيه آيات العدل بآياتالجبر فوجد آيات العدل تزيد عنها بسبعين آية.

قال: (ومن المعلوم أن الأدلة إذا تعارضت تساقطت وكان الحكم للفاضل)

٢٤

وأقول: لو لم يوجد في القرآن ما يدل على فعل العبد ولا آية لكان في صريحالعقول عن ذلك كفاية، ويجب تأويل مخالفها لأن الله تعالى أنزل القرآن حجةلنبيه، ولو انتفى فعل العبد أو حتمه الرب لكان محجوجا به، بأن يقول الكافر:

(كتابك شاهد لي بعدم قدرتي فاللوم لازم لك ومنتف عني) ونحن نورد طرفا منالآيات التي تمسك الخصم بها ونشير إلى شئ من تأويلها.

منها (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك(١))قالوا: المراد بالحسنة الخصب، وبالسيئة الجدب ولهذا قال (أصابك)ولو أراد الفعل قال (أصبت) لأنك تصيب الحسنة، أما الخصب والجدب فإنهيصيبك لا تصيبه.

قلنا: سلمنا أن المراد الخصب والجدب ولكن لا يضرنا وقد قال مقاتل: ما أصابك من المكروه فمن نفسك لأنك وليت وجنيت. وعلى قولنا: فما أصابكمن سيئة فمنك لأنك السبب فيها. وقد قال الله(٢) (ما أصابكم من مصيبة فبماكسبت أيديكم) ولو كان الكل منه تعالى لم يصح أن يقول (من نفسك) ولبطلتالقسمة المذكورة. وقد ذكر أبو العالية وأبو القاسم وهما من أئمة المفسرينأن المراد بالحسنة الطاعة وقعت بتوفيق الله وترغيبه وبالسيئة المعصية وقعتبخذلانه للعبد على وجه العقوبة له.

قولهم: لو أراد الطاعة والمعصية لقال: (أصبت).

قلنا: ما أصابك قد أصبته، قال السخاوي في شرح الشاطبية في تفسير:

فتلقى آدم من ربه كلمات)(٣) ما تلقيته فقد تلقاك، ومن الأفعال ما يستوى فيهالإضافة فتقول: نالني كذا ونلت كذا، قال شاعر:

إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخطاأصبت جميلا أو أصابك جاهل

١ - النساء: ٧٨.

٢ - الشورى: ٣٠.

٣ - البقرة: ٣٧.

٢٥

ومنه (لا ينال عهدي الظالمين). (وبلغني الكبر)(١).

قالوا: قال في الآية الأخرى: (قل كل من عند الله)(٢) فقد فسرتلك بهذه.

قلنا: معارضة بقوله: (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله)(٣)مع أن تأويل مخالف العقل أولى من العكس على أنه لا بد من العدول عن الظاهرلدفع التناقض عن الآيتين إذ في إحداهما (من الله ومن نفسك) وفي الأخرى(الكل من الله) فكأنه قال: الكل من الله والبعض ليس من الله!

قالوا: إذا حملنا الآيتين على أن الكل من عند الله لم يتناقضا.

قلنا: لا يجوز الحمل اقتراحا ولم يفسر البعض بالكل لا مجازا، ولا ضرورةتلجئ إليه عن الحقيقة ويزول التناقض بما ذكر من تغاير الموضوع. قال ابنالمرتضى، من شيوخهم: لما نزل النبي صلى الله عليه وآله المدينة قال اليهود والمنافقون:

ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا مذيوم قدم هذا الرجل علينا، فنزل: إن تصبهم حسنة- يعني رخصا - يقولوا هذه من عند الله لنا وإن تصبهم سيئة - يعني غلاء - يقولوا هذهبشؤم محمد فينا، وإنما أتى الله بها عقيبها لئلا يظن ضعيف العقل اتحاد معناهما،وقد قال الله تعالى: (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها)(٤)فقد سمى الرخاء والشدة حسنة وسيئة.

قالوا: الكلام من أوله إلى آخره خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وجواز السيئة عليهينافي العصمة فيه.

قلنا: قال ابن المرتضى: الخطاب له والمراد غيره، وقال ابن العباس:

نزل القرآن بإياك أعني واسمعي يا جارة.

١ - البقرة: ١٢٤. آل عمران: ٤٠.

٢ - آل عمران: ٧٧.

٣ - آل عمران: ٧٨.

٤ - آل عمران: ١٢٠.

٢٦

ومن آيات العدل (ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يأمر بالفحشاء، الشيطانيعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء، إن علينا للهدى، إنا هديناه السبيل، ومكرواومكر الله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(١) ولفظ (على) يدل علىالاستحقاق وبالجملة فلا يكاد أكثر القرآن المجيد يخلو من ذكر اختيار العبد،فالمخالف تمسك بما نهى الله عنه فقال: (فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعونما تشابه منه)(٢) ثم نقول لهم: ما تريدون أنتم من الكفار؟ فإن قالوا الكفركفاهم ذلك النكر. وإن قالوا: الإيمان، قلنا: أيما أفضل ما أردتم من الإيمانأو ما أراد الله من الكفران؟ فإن قالوا: ما أراد الله، لزم كون الكفر خيرا منالإيمان. وإن قالوا ما أردنا لزم كونهم أولى بالخير من ربنا. ثم نقول: أيجب علىالعباد اتباع مراد الله أو مرادكم؟ فإن قالوا مراد الله، لزمهم وجوب الكفر على العباد،وإن قالوا مرادنا دون مراد الله كفاهم بذلك خزيا وقبحا.

وسنورد لك بعض ما تمسكوا به لتقف منه على بطلانهمنه قوله تعالى: (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه)(٣).

قلنا: أمر واجب لا أنه ألزم، وإلا لانتفت قدرته حيث لم يقع ما ألزمه.

ومنه (إلا امرأته قدرناها من الغابرين)(٤).

قلنا: كتبناها لا ألزمناها.

ومنه (وقدر فيها أقواتها، وقدرنا فيها السير)(٥).

قلنا: علمها وعلم ما عليها من ثواب وعقاب.

١ - الزمر: ٧. الأعراف: ٢٧. البقرة: ٢٦٨. الليل: ١٢.

الدهر: ٣. آل عمران: ٥٤. البقرة: ١٥٠.

٢ - التوبة: ١٢٦.

٣ - أسرى: ٣٣.

٤ - النمل: ٥٧.

٥ - حم السجدة: ١٠. سبأ: ١٨.

٢٧

ومنه (كتب في قلوبهم الإيمان)(١)قلنا: علامة يعرفون بها.

ومنه (ومن يضلل الله فما له من هاد) ونظائرها.(٢)قلنا: الضلال يكون في الدنيا بمنع الألطاف جزاء على الكفران ويكونفي الآخرة بالأخذ عن طريق الجنة والاهتداء يقابلهما، وقد يضاف الضلال إليه لوقوعهعند تكليفه كما أضيف الرجس إلى السورة والنفور إلى الرسول(٣) وقد يقال (أضلالله الانسان) إذا وجده ضالا، يقال أجدبت المنزل وأقفرت الدار، إذا وجدتهماكذلك. قال عمرو بن معدي كرب: (قاتلنا بني سليم فما أجبناهم، وسألناهم فماأبخلناهم، وهاجيناهم فما أفحمناهم)(٤) وقد نسب الله إضلال الدين إلى غيره:

(فأضلهم السامري، وأضل فرعون قومه، ويريد الشيطان أن يضلهم)(٥) وأضافإلى نفسه ضلال المستحق: (ويضل الله الظالمين، وما يضل به إلا الفاسقين)(٦)ولو جاز منه الاضلال عن الدين لم يخص به الظالمين.

ومنه (ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله)(٧) فنهى عنالشئ وهو يعم الطاعة والمعصية إلا مع التعليق بمشيئته، ولو كان لا يريد المعصيةلكان من قال (لأعصينك غدا إن شاء الله) كاذبا حانثا، إذا لم يفعل، لأن الله قد شاءذلك فلم يؤثر الاستثناء في المشيئة، ولما لم يكن حانثا بالاجماع كان الله مريدا للعصيان.

قلنا: قال المرتضى رحمه الله: الاستثناء يكون للايقاف كالداخل في العقودوللتسهيل مثل (لأقضينك غدا إن شاء الله) أي إن لطف، وهذا ليس على حقيقة الاستثناءفلا حجة لهم فيه كما ذكروه.

١ - المجادلة: ٢٢.

٢ - الرعد: ٣٥.

٣ - في قوله: (فزادتهم (السورة) رجسا إلى رجسهم) وقوله: (فلما جاءهم نذير ما زادهمإلا نفورا)٤ - أي ما وجدناهم جبناء، بخلاء مفحمين.

٥ - طه: ٨٥. طه: ٧٩. النساء: ٥٩.

٦ - إبراهيم: ٢٧. البقرة: ٢٦.

٧ - الكهف: ٢٤.

٢٨

ومنه (فألهمها فجورها وتقواها)(١).

قلنا: أي بينهومنه (وما تشاؤن إلا أن يشاء الله)(٢).

قلنا: لم نشأ شيئا إلا وقد شاءه لأنه الآمر به، إذ لولا مشيئة الله لتخلفبها مشيئتنا فلم نشأ شاء بعدم مشيئتناإن قيل مشيئتنا من فعلنا عندكم؟.

قلت من خلقه تعالى.

فإن قلت: كيف يكون من خلقه؟.

قلنا: المراد خلقنا أحياء نقدر على المشيئة وذلك سبب مشيئتنا.

ومنه (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولو شاء ربك لآمن من في الأرضكلهم(٣).

قلنا: على سبيل الاجبار لأن بعضهم سأل الرسول أن يقهر المجاورين لهمعلى الإيمان ليتقوا ربهم، فنزلت الآية وفي آخرها (أفأنت تكره الناس حتىيكونوا مؤمنين).

ومنه (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله)(٤).

قلنا: المراد بعلمه.

ومنه (إن الذين كفروا زينا لهم أعمالهم)(٥).

قلنا: زين لهم أعمالهم الحسنة بالترغيب فيه فأبوا عنها فخلا بينهم وبينقبيحها، أو منعهم ألطافه فيها.

ومنه (ولو شاء الله ما أشركوا)(٦).

١ - الشمس: ٨.

٢ - الدهر: ٣٠.

٣ - ألم السجدة: ١٣. يونس: ٩٩.

٤ - يونس: ١٠٠.

٥ - النمل: ٤.

٦ - الأنعام: ١٠٧.

٢٩

قلنا: على سبيل الجبر كما مر.

ومنه: (إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء(١).

قلنا: الفتنة هي الاختبار والامتحان ومنه سمى الصانع (فتان) وقد جاءتالفتنة على معان هذا أليقها لتنزيه الرب عن العدوان.

ومنه (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا منرحم ربك ولذلك خلقهم)(٢).

قلنا: المشيئة بالجبر كما سلف، والضمير في (لذلك) للرحمة لا للاختلاف.

قالوا: (ذلك) ضمير المذكر لا يصلح للرحمة المؤنثة.

قلنا: رد الله ضمير التذكير إلى التأنيث في قوله (هذا رحمة من ربي، إنرحمة الله قريب من المحسنين)(٣) وقد اشتهر ذلك في أشعار البلغاء.

ومنه (ولا تجعل في قلوبنا غلا)(٤).

قلنا: الجعل بمعنى التخلية مثل قول أحدنا لغيره: (وجعلتني ذليلا) إذ خلابينه وبين ما يذله. وبمعنى التسمية (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمنإناثا)(٥).

ومنه (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا)(٦).

قلنا: وجدناه غافلا أو أغفلناه فلم نكتب فيه علامة الإيمان.

ومنه (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا. وجعلنا على قلوبهم أكنة)(٧).

١ - الأعراف: ١٥٤.

٢ - هود: ١١٩.

٣ - الأعراف: ٥٥.

٤ - الحشر: ١٠.

٥ - الزخرف: ١٩.

٦ - الكهف: ٢٨.

٧ - يس: ٨ والأنعام: ٢٥.

٣٠

قلنا: لما أبوا الرشد والانتفاع شبهوا بذلك وصحة نسبته إليه تعالى منحيث امتناعهم عند تكليفه كما نسب الرجس والنفور إلى السورة والنذير. قال شاعر:

كيف الرشاد وقد صرنا إلى نفرلهم عن الرشد أغلال وأقياد

ومنه (إن الله يحول بين المرء وقلبه)(١)قلنا: بالجنون أو الموت: والفائدة الحث على الطاعات قبل الفوت وسألهشام بن سالم عن علي عليه السلام عن الآية فقال عليه السلام: يحول بينه وبين أن يعلم أنالباطل حق.

ومنه (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا)(٢).

قلنا: المرض هنا الشك، أي زادهم الله شكا بمنع ألطافه ومثله (ثم انصرفواصرف الله قلوبهم)(٣) وقيل معناهما الدعاء عليهم. ومثله (فلما زاغوا أزاغ اللهقلوبهم)(٤).

ومنه (والله خلقكم وما تعملون)(٥).

قلنا: خلق أصنامهم التي يعملون فيها مثل (تلقف ما يأفكون)(٦) يعنيالعصي المأفوك فيها، على أنه يجوز كونه خالق أفعالنا على وجه التقدير.

ومنه (خلق كل شئ) أي بقدر(٧)قالوا: لولا أن المراد العموم ذهبت المدحة، لأن العباد عندكم يخلقونبعض شئ.

١ - الأنفال: ٣٤.

٢ - البقرة: ١٠.

٣ - التوبة: ١٢٥.

٤ - الصف: ٥.

٥ - الصافات: ٩٦.

٦ - الأعراف: ١١٩.

٧ - الأنعام: ١٠١.

٣١

قلنا: وأي مدحة في خلق الظلم والكفر والعناد، على أنه سبحانه مختص بخلقالأسباب دون العباد. وأيضا إذا قلنا خلقهم وخلق عبادتهم الأصنام لم يبق لقولهتعالى (أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون)(١) معنى، إذ لا معنى للانكارإلا عدم جعلها أصناما تعبد. فإن قالوا: (جعلنا) ليس بإنكار بل استعلام. قلناهو محال من الخبير العلام.

ومنه (خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام)(٢).

قلنا: فكان يلزم إيجاد أفعالهم في ستة أيام والمعلوم خلافه.

ومنه (ويبلوكم بالشر والخير فتنة. وبلوناهم بالحسنات والسيئات)(٣)قلنا: المراد الرخاء ومقابله كما سلف.

ومنه (إن الانسان خلق هلوعا)(٤).

قلنا: مطبوع على الضعف عن تحمل المشاق)ومنه (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها)(٥).

قلنا: أمرهم بالطاعات ففسقوا مثل (أمرته فعصا، ودعوته فأبى) أو يكونالمعنى أنا إذا أردنا أن نهلك قرية من صفتها أنا أمرنا مترفيها. ولا يكون: (أمرنامترفيها من صلة القرية. إن قالوا فلم يبق لاذا جواب قلنا: هو من الاكتفاءقال الهذلي:

حتى إذا سللوهم في قنابلهسلا كما تطرد الجمالة الشردا

فلم يأت بجواب (إذا) لأن البيت آخر الشعر، وقيل التقدير: إذا أمرناهمففسقوا أردنا هلاكهم، والتقديم والتأخير في كلام العرب كثير هذا.

١ - الزخرف: ٤٥.

٢ - الفرقان: ٥٩.

٣ - الأنبياء: ٣٥.

٤ - المعارج: ١٩.

٥ - الإسراء: ١٦.

٣٢

وقد ورد جملة مقنعة من الأحاديث تنفي نسبة أفعالنا إليه تعالى كمااعتقده الأخابيث.

روى عبد الله بن شداد أنه صلى الله عليه وآله كان يقول: (اللهم رضا بقضائك وبرك ليفي قدرك) والنبي صلى الله عليه وآله لا يرضى بالكفر والظلم.

وقال صلى الله عليه وآله: (سيكون في آخر هذه الأمة قوم يعملون بالمعاصي ثم يقولونهي من الله قضاءا وقدرا، فإذا لقيتموهم فأعلموهم أني برئ منهم) ونحوه عن جابرعن النبي صلى الله عليه وآله وزاد فيه: (الراد عليهم كالشاهر سيفه في سبيل الله).

وقال له رجل: متى يرحم الله العباد ومتى يعذبهم؟ فقال: (يرحمهم إذا عملواالمعاصي فقالوا هي منا ويعذبهم إذا قالوا هي من الله قضاءا وقدرا).

وقد نقل ابن حنبل وجميع الحشوية ومعظم العامة أن عمر بن الخطاب أتىبسارق فقال له: ما حملك عليه؟ فقال: قضاء الله وقدره. فضربه ثلاثين سوطا ثمقطعه، وقال له: (قطعتك بسرقتك وضربتك السياط بكذبك على الله).

ولو لم يكن إلا الخبر المتلقى من الأمة بالقبول لكفى وهو ما رواه شداد بنأوس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وآله يقول: من قال حين يصبح أو يمسي: (اللهم أنتربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت يا رقيبأعوذ بك من شر ما صنعت وأقر لك بالنعمة وعلى نفسي بالذنب فاغفر لي إنه لا يغفرالذنوب إلا أنت).

قالوا: الله قادر على المنع من المعصية ولم يفعل فهو مريد لها.

قلنا: منه يؤدي إلى الالجاء المنافي للتكليف بالانزجار عنها.

قالوا: الظلم تصرف في مال الغير والله مالك الكل فلم يقبح منه تعذيببغير موجب.

قلنا: نمنع انحصار الظلم في ذلك فإن من قتل عبده لا لحدث فعله ذمه كلعاقل وظلمه.

٣٣

قالوا: جايز للمالك أن يشقى أحد عبديه في المعاش ابتداء ويريح الآخرولا يكون بذلك ظالما قلنا: لا قياس، لأن كلامنا في قتله بغير سيئة والإنعام علىالآخر بغير حسنة.

قالوا: لو أذن السلطان لرعيته بقتل واحد فقتله واحد منهم فله قتله ولايكون ظالما. قلنا: هذا مكابرة، فإن المأمور بقتله إن كان لا لسبب يوجب ظلمه[ فظلم ] وإلا ظلم قاتله.

قالوا: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قلنا: كيف يسأل عما يفعل ولا يفعلإلا على وفق الحكمة، بخلاف عباده. ويؤيده (لئلا يكون للناس على الله حجةبعد الرسل(١)) (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينارسولا(٢)) وأيضا وهم يسألون عما يفعل أو عما يفعلون فليعتبرها الضالون.

قالوا: لو فعل السلطان فعلا لم يعارض فيه وإن أنكرته الرعية فكيف يعارضالرب فتنكر الخلق عليه. قلنا: لم يعارض السلطان لما يعلم من ظلم أما الرب فنعملما وصفه لنفسه من عدله، وذكر أنه فولا الارسال إليهم لسألوه عن فعله.

قالوا: الأغلب في الكون وقوع المعاصي وهي من الشيطان، والطاعات نادرةفالأقل من الرحمن؟ بل الحق أن الكل من الملك الديان. قلنا: ذلك ليس علىوجه غلبة الضعيف، بل لأن الله تعالى لو ألجأهم إلى تركها لنافى التكليف وقدنطق بوسوسة الشيطان الكتاب المبين في قوله (لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين.

لاحتنكن ذريته إلا قليلا، ولقد أضل منكم جبلا كثيرا(٣).

قالوا: (خلق الله إبليس وهو يعلم أنه يعصيه فقد أراد معاصيه قلنا: خلقهللعبادة العائد عليه نفعها فأباها، وفي إيجاده تمييز الخبيث من الطيب باتباعه وامتناعه ولولاه لما فضل بعض البشر على الملائكة بمخالفته فظهرت الحكمة في خلقته.

١ - البقرة: ١٥٠.

٢ - طه: ١٣٤.

(٣) الحجر: ٣٩ و ٤٠، الإسراء: ٦٢، يس: ٦٩.

٣٤

قالوا: الطاعة بموافقة الأمر والمعصية بمخالفته لا بموافقة الإرادة ومخالفتهاقال الله تعالى (أفعصيت أمري(١)) ولم يقل إرادتي (لا يعصون الله ما أمرهم(٢)ولم يقل فيما أراد منهم فلا لوم على معاقبة العاصي وإن وافقت المعصية إرادته.

قلنا: الأمر والإرادة متلازمان والمخالف فيه مكابر، وقد قال تعالى: (ولايرضى لعباده الكفر(٣) ولو كان مريدا له كان راضيا به لاتحادهما ضرورة، فإذاتلازم الأمر والإرادة لم يبق فرق بين ذكرها في العصيان وذكره وسؤال التعيينساقط عند المحصلين وقد قال الله تعالى: (ولا يريد بكم العسر(٤) وأي عسر أكبرمن القهر على المعصية ورفع التمكين منها ثم يعاقبه عليها؟ ولو أمر الله بما لا يريدلكان عابثا، تعالى عن ذلك.

قالوا: أمر إبراهيم بذبح ولده ولم يرده لعلمه أولا بعدم وقوعه.

قلنا: قد ذهب أكثر المحققين إلى وقوعه وأن الله تعالى كان يوصل الأعضاءبعد قطعها وذهب جماعة إلى أنه أمر بمقدمات الذبح لا بالذبح فأضجعه وغلب علىظنه أنه سيؤمر بالذبح.

قالوا: قد وقع من الله أنواع الآلام بغير المستحق كالأطفال والأولياء وغيرذلك من الموت ومصائب الدنيا ولم ينسب إليه ظلم في شئ منه فكيف ينسب إليهالظلم فيما يريده وهو يكتسب لغيره؟.

قلنا: الآلام المذكورة علم فيها مصلحة واختبارا وضمن في مقابلتها عوضا يختارونهعليها فخرجت بهذين عن كونها ظلما وعبثا بخلاف الصادرة منا فبطل قياس المنافقلعدم الجامع وحصول الفارق.

١ - طه: ٩٣.

٢ - التحريم: ٦.

(٣) الزمر: ٧.

(٤) البقرة: ١٨٥.

٣٥

(الفصل الثاني)

من أقوى ما يقال لهم: بعث الأنبياء لتأتي بما أراده الله منها أولا؟ فإن قالوابما أراد؟ قلنا: أرادوا إيمان الكافر فيكون الله تعالى مريدا لإيمان الكافر وهو خلافقولكم، وإن قالوا: بعثوا ليأتوا بما لا يريد، قلنا: هذا كفر وإلا لكان مسيلمةالكذاب أتى بموافق إرادة الله تعالى وخالفها النبي الصادق. ويقال لهم إذا جوزتمأن يفعل الله ما هو قبيح في الشاهد ولا يقبح منه لزمكم جواز أن يخبر عن الشئبخلاف ما هو عليه ولا يقبح منه وقد التزمه العطوي وقال إنه ليس بأعظم منالقبائح غيره.

والأشاعرة قالوا إنما لم يقل الكذب لأنه صادق لذاته، ولو كان الكلامفعلا لما قبح منه ذلك قلنا: قد ألزمناكم أن لا يكون صادقا فبينوا الآن أنه صادقلذاته على أن الكلام المسموع فعل عندكم، فما يؤمنكم أن يكون كذبا(١) وأن الكلام النفساني أخبر بخلاف ما أخبر المسموع بأن يكون فيه: النار دار الأبراروالجنة دار الكفار. إلزام آخر يقال لهم إذا صح أن يفعل الظلم صح أن يأمر بهوكلما تجيبون في المنع من الأمر به قائم في المنع من فعله.

قالوا: أمر بالصلاة وغيرها ولا يفعل. قلنا: هذا عكس إلزامنا لأنا قلنا إذاصح أن يفعل صح أن يأمر وأنتم قلتم إذا صح أن يأمر صح أن يفعل. إلزام آخرإذا صح أن يفعل القبائح ولا يقبح منه صح أن ينصب الأدلة على الباطل ولا يقبح منهإذ ليس بأعظم من الاضلال عن الدين وخلق تكذيب النبيين وتجويز ذلك يرفع الثقةبحقية مذهب المسلمين لجواز أن يخرج المعاجز على يد الكاذبين ويمنع منها النبيينالصادقين وناهيك بذلك فسادا في الدين.

إلزام آخر، إذا جاز أن يخلق التكذيب والكفر في الضلال، جاز بالأولى أنيبعث الأنبياء يدعون إلى الضلال فيمتنع القطع بدعوى الأنبياء إلى الحق وذلكمن أعظم المحال حيث لم يبق لأحد مجال عن سبيل الوبال.

١ - صادقا.

٣٦
٣٧

إلزام آخر: أجمع على وجوب التوبة وكيف يتوب الانسان عما لم يفعل والندم حينئذ كالندم على السواد والقصر وتشويه الخلقة.

إلزام آخر: أنكروا فعل السيئات في قوله تعالى (ما كنا نعمل من سوء(١))فإذا كانوا صادقين كذب قوله تعالى (بلى).

إلزام آخر: شهادة الجوارح على فعل العباد إن كانت صادقة فالمطلوب وإلافكيف يحتج تعالى بشهادة كاذبة.

(الفصل الرابع)

اتفق أهل القبلة على إثبات القضاء والقدر في فعل العبد بمعنى العلم والكتابةله وعلى نفي القدر بمعنى الأمر به أما القدر فيه بمعنى أن الله خلقه فأثبته الجبريونونفاه العدليون وقد أجمع على أنه تعالى يقضي بالحق ونطق القرآن به وعلىأن الكفر باطل، فلو قضاه تناقضا [ أ ] وكان الباطل حقا وإذا كان الجبري يقول بأنالله لم يقض الكفر بمعنى الأمر به لزم أن لا يقضيه بمعنى خلقه إذ كان خلقه أبلغفي القبح من الأمر به، وقد اتفق على نفي رضا الله بالكفر وجاء القرآن به وعلىوجوب الرضا بالقضاء فيجب أن لا يرضى العبد بما لم يرض الله به، وأجزل الله ثوابأبي العباس الضبي حيث قال في ذلك شعرا:

لعنت المشبهة والمجبرةلعاين تترى حدثها مره(٢)
فميمنة النار مثوى لهانعم ولها القلب والميسرة
ولله إخواننا القائلونمقالة حق بها المغفرة
فهم وحدوه وهم عدلوهبآيات فطرته النيرة

١ - النحل: ٢٨.

(٢) كذا.

٣٨

(الفصل الخامس)

اتفق الناس على أن القدر اسم ذم لتشبيههم بالمجوس فتدارءته العدلية والجبرية كل فرقة تلقيه على الأخرى، فقلنا من يثبت القدر في فعل العبد بمعنى الخلقله أحق بالقدري لأن الاسم إنما يشتق من الشئ لمثبت ذلك الشئ كما أنه الثنويمن أثبت ثانيا والمجسم من أثبت جسما، ولو اشتق اسم الشئ لنافيه لكان الموحدثنوي والمنزه مجسمي(١).

إن قالوا: بل أنتم القدرية لأنكم تثبتون قدرة للعبد. قلنا: فأنتم تثبتونقدرة الرب على فعل العبد وأكثركم يثبت قدرة العبد ويزعم أنها موجبة للفعلوالخبر ورد بفتح القاف والمثبت للقدرة قدري - بالضم - فليس هو المراد، وأيضافإن المجبر يكثر ذكر القدر في كل قضية ومن أكثر من شئ عرف به. وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وآله ذمهم فالجبرية أحق بالذم لنسبتهم أنواع القبائح إليه تعالىونهى عن مجالستهم فالمفسدة في مجالس الجبرية حيث يسهلون المعاصي بقولهم:

ما قدره الله كان وما لم يقدره فلا، ويؤيسون من رحمة الله إذ يجوزون التعذيب منغير ذنب، ويقولون: خلق الله للجنة قوما لا تضرهم المعصية وللنار قوما لا تنفعهمالحسنة والطاعة! وسماهم النبي صلى الله عليه وآله شهود الشياطين وخصماء الرحمن إذ جوابإبليس (ما منعك أن تسجد): (رب بما أغويتني) فإذا قال الله: (من شهودك بذلك؟)جاء بالجبرية.

وحكى الحاكم: أن جبريا سمع قارئا يقرأ: (ما منعك أن تسجد؟) قال:

هو والله منعه، ولو كنت حاضرا لقلت ذلك. وحكى أيضا: أنه كان بالبصرةنصراني كتب (إني كفرت بمحمد بقضاء الله عليه ومنعه الإيمان به) وأتى بالكتابالمجبرة فكتبوا خطوطهم بذلك ليشهدوا به في القيامة. وشبههم النبي صلى الله عليه وآله. بالمجوسيوالمجبرة كذلك، لأن المجوس يقولون بإلهين: القادر منهما على الخير لا يقدر

(١) كذا في الأصل والقياس لكان الموحد ثنويا والمنزه مجسميا.

٣٩

على الشر وبالعكس، والمجبرة تقول: (الكافر لا يقدر على الإيمان، والمؤمنبالعكس) وعلقت المجوس المدح الذم بما لا يعقل، وهو الطبع، والمجبرةعلقوهما بما لا يعقل وهو الكسب والمجوس ينكحون المحارم ويقولون (أرادها منا).

وكذا الجبرية.

وقد روي في الفائق أن النبي صلى الله عليه وآله قال: لعنت القدرية والمرجئة على لسانسبعين نبيا، قيل: ومن القدرية؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدر المعاصي عليهم وعذبهم عليها.

وروى أبو الحسن عن محمد بن علي المكي أن فارسيا قدم على النبي صلى الله عليه وآلهفقال له النبي صلى الله عليه وآله: (أخبرني بأعجب ما رأيت) قال: رأيت قوما ينكحون محارمهمويقولون هي بقضاء الله وقدره، قال النبي صلى الله عليه وآله أما إنه سيكون في هذه الأمة قوميقولون بمثل مقالتهم، فأولئك مجوس أمتي، وقيل لثمامة: تقدر أن تؤخر ما قدمالله أو تقدم ما أخر الله، فقال: هذا على ضربين إن أردت أن أصير رأس الحمار ذنبهفلا، وإن أردت أن أقدم معاوية على علي عليه السلام وقد أخره الله تعالى فنعم.

وذكر ابن مسكويه في كتابه تجاريب الأمم: أن الله تعالى بعث محمدا والعربحينئذ قدرية مجبرة، يحملون ذنوبهم على الله مصداق ذلك قوله تعالى (وإذا فعلوافاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها(١)) وقوله عنهم: (ولو شاء الله ماأشركنا(٢)).

والعجب أن المجبر يعمل في أمر دنياه بالأحزم في طلب رزقه والحرصعلى أمواله، فإذا نهي عن ذلك بأن ما قدر الله فلا بد من وصوله فلا تتعب، أنف منذلك وأنكره، ولقد كان أمر دينه أولى بالاحتياط منه.

إن قالوا: بل أنتم المجوس، لأنكم تنسبون الشرور إلى الشيطان وتنفونها عنالرحمن وهذا هو مذهب المجوس. قلنا: الشرور التي نسبها المجوس إلى الشيطان هي

(١) الأعراف: ٢٧.

(٢) الأنعام: ١٤٨.

٤٠