×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج1) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

الأمراض والمصايب والصور المستقبحة، وهذه نحن ننسبها إلى الرحمن لا إلى الشيطانوأما الشرور التي هي الاغواء والوسوسة فلم تختص المجوس بنسبتها إلى الشيطان، بليقول بها ساير الكتابيين، [ بل ] وقد علم من الله ورسوله والسلف نسبة ذلك إلىالشيطان، قال أبو بكر في مسألة: (هذا ما رآه أبو بكر فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان) ومثله عن عمرو بنمسعود وغيرهما مما لا ينكره إلا جائر، لأنه من المتشاهر، وسيأتي تكميل ذلكفي باب المجادلة فمن أراه قصده. شعرا:

امنع المجبر الذيبقضاء السوء قد رضي
وإذا قال لم فعلتقل له هكذا قضي

(الباب الثالث)
* (في إثبات النبي وصفاته) *

وفيه فصول:

(الفصل الأول)

نفت الأشاعرة وجوب البعثة بناءا على إنكار الوجوب العقلي وأوجبها الأوايلمن حيث العقل العملي، ومشايخ المعتزلة لم تعمم وجوبها واتفقت المعتزلة في الجملةوالإمامية مطلقا على وجوبها، والحق امتناع الخلو منها لاشتمالها على اللطفللانسان، وهو واجب على الله في كل آن فإن المواظبة على السمعيات مقربةمن العقليات: (إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر(١)) ومشتملة على اللطففي السمعيات أيضا فإن العلم بدوام الثواب والعقاب الداعي إلى ما يوجبها مستفادمن النبي كما هو مذهب المرجئة، وأما المعتزلة القائلون بأن العلم بدوامهما عقليفنقول فيه إنه لا يسقط لطيفة النبي، لأن العلم بتفاصيلهما سمعي، وذلك من أكبرالدواعي والصوارف.

(١) العنكبوت: ٤٥.

٤١

إن قيل: لا تكون السمعيات إلطافا في العقليات إلا إذا علم المكلف كونهاإلطافا وداعية وذلك منتف. قلنا: لا نسلم وجوب علمه بكونها إلطافا وداعية، إذ يجوزأن يعلم الله أن مجرد التكليف بها موجب للانقياد إلى تلك، على أن العقلياتقد يتباعد زمانها كقضاء الدين، ورد الودايع، والقيام بجزاء الصنايع، فتقع الغفلةعن الله فلا بد من مذكر وهو السمعي.

إن قلت: لو كانت السمعيات لطفا لتقدمت على العقليات، لوجوب تقدماللطف، ولو تقدمت لزمت الدور فإن السمعيات إنما تثبت بعد العلم بثبوتالخالق وما يتوقف عليه الارسال من صفاته. قلنا المتقدم هو العلم بالعقليات، والسمعيات لطف في العمل بها، على أنا نمنع تقدم العقليات في الخارج علىالسمعيات، وإنما تقدمت في الذهن عليها، فإن العقل لانغماره في الشهوات قد لايتنبه لتلك المعارف ولا يهتدي لوجوهها، ومع الرسول بها وإيجابها يتنبه لها ويقربمن تحصيل طرقها فيكون النبي لطفا فيها، وأيضا فالقدرة على البعثة والداعي إليهاحاصلان فتجب لاشتمالها على المصالح والصارف منتف لانتفاء وجوه المفاسد، وأيضا فاجتماع النوع ضروري وهو مجبول على التغالب، فيقع التجاذب، فيقع القتلفيقع العدم المناقض لمراد الخالق من الوجود فيجب رده إلى قانون مقبول هو الشرعوالآتي به النبي المميز عنه بالمعجزة، فوجب النبي وله وجه يتلقى به الوحيالإلهي وآخر يخاطب به النوع الانساني، وليس لرعيته هذان الوجهان.

إن قلت: لم لا يكون لكل فرد ما للنبي، فيستغني عنه قلت: الارسال أعظمفي تجليل المرسل مما ذكرت، إذ في عادة الملوك إرسال الرسل والحجاب والاحتجابعن الرعية، ليعظم في أعينهم، ولذا أوصى المعلم الأول، أرسطاطاليس، الملكالإسكندر، بأن لا يظهر على الرعية إلا نادرا، فجرى الرب الحكيم على ذلك فيإرساله لازدياد تعظيمه.

إن قلت: هذا يوجب خفض منزلته عند رسوله. قلت: للرسول نفس قدسية لايتخيل سقوطه عنده.

٤٢

إن قلت: فلو جعل نفوسهم كذلك، كانوا كذلك، قلت: (ذلك فضل الله يؤتيهمن يشاء) وبهذا يسقط ما قيل إن اختصاصه بالرسالة، إما لأمر فيتسلسل، أولالأمر، فترجيح بغير مرجح. قلنا: ذلك من العناية والمختار يرجح بلا مرجح.

(الفصل الثاني)

محمد رسول الله صلى الله عليه وآله لثبوت دعواه ومعجزاته بالتواتر المفيد للعلم لبلوغ مخبريهإلى حد تشهد العقول بصدقه وتحيل العادة الاجتماع لافترائه، وإلا علم بمكانه وزمانه خصوصا مع توفر دواعي الكفار على نقله، وخصوصا القرآن العزيز، فإنهتحداهم بمعارضته في قوله (فأتوا بسورة من مثله(١)) فلو قدروا عليه مع كونهمذوي فصاحة وبلاغة، لم يعدلوا عنه إلى محاربته، وفيها بذل أنفسهم، والهبوط عنرياساتهم، إذ العاقل لا يعدل عن الأخف الأسهل وفيه الحجة، إلى الأشق الأثقلمع عدم الفائدة.

وقد نقل الإمام الطبرسي في احتجاجه أن ابن أبي العوجا، وأبو شاكرالديصاني، وابن المقفع، و عبد الملك البصري اجتمعوا عند البيت، يهزؤنبالحاج ويطعنون بالقرآن، وعينوا لكل واحد منهم ربعا من القرآن أن ينقضه،ويجتمعون في القابل وقد نقضوه كله، فلما اجتمعوا في القابل، قال ابن أبي العوجا:

أما أنا فمنذ افترقنا، فمفتكر في قوله تعالى: (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا(٢))فلم أقدر أضم إليها من فصاحتها مثلها فشغلتني عما سواه، وقال عبد الملك: وأما أنا فمفتكر في قوله تعالى: (إن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباولو اجتمعوا له)(٣). وقال أبو شاكر: وأما أنا فمفتكر في قوله تعالى: (لو كان

(١) البقرة: ٢٣.

(٢) يوسف: ٨٠.

(٣) الحج: ٧٣.

٤٣

فيهما آلهة إلا الله لفسدتا(١)) وقال ابن المقفع وكان أفصح أهل عصره: إن هذاالقرآن ليس من جنس كلام البشر، وإني مفتكر في قوله تعالى: (وقيل يا أرضابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) الآية(٢) لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر علىالاتيان بمثلها، قال هشام: فبينما هم كذلك إذ مر بهم الصادق عليه السلام فقرأ: (قللئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كانبعضهم لبعض ظهيرا(٣)).

وقد حكى أبو عبيدة أن أعرابيا سمع (فاصدع بما تؤمر(٤)) فسجد، وسمعآخر (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا) فقال: أشهد أن لا مخلوق يقدر على مثل هذاوسمع الأصمعي جارية تستغفر، فقال لها:، مم ولم يجر عليك قلم، فقالت شعرا:

أستغفر الله لذنبي كلهقتلت انسانا بغير حله(٥)
مثل غزال ناعم في دلهفانتصف الليل ولم أمله(٦)

فقال لها: ما أفصحك يا جارية؟ فقالت: أفصاحة بعد قوله تعالى: (وأوحيناإلى أم موسى أن أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم، ولا تخافي ولا تحزنيإنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين(٧)) فجمع تعالى في آية أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.

ولما أراد النابغة الاسلام، حين سمع صوت قارئ يقرء القرآن وعلم بفصاحتهقال أبو جهل له: يحرم عليك الأطيبين.

وأخبر الله تعالى عن الوليد بن المغيرة بذلك، في قوله: (فكر وقدر) إلىآخر الآية(٨)).

(١) الأنبياء: ٢٢.

(٢) هود: ٤٤.

(٣) الإسراء: ٨٨.

(٤) الحجر: ٩٤.

(٥) كذا في النسختين والظاهر: قبلت.

(٦) ولم أصله، خ.

(٧) القصص: ٧.

(٨) المدثر: ١٨.

٤٤

وقد نقل في وجه إعجازه وجوه أخر كالصرفة وغيرهما، فمن وفق لها وقف عليها،واعلم أن تواتر القرآن عيني، وغيره معنوي، مثل أخباره صلى الله عليه وآله بالمغيباتوانشقاق القمر، وتسبيح الحصا، ونبوع الماء من بين أصابعه، وغيرها من المعجزاتالمشهورة، فإن كل فرد منها وإن نقل بالآحاد إلا أنها اشتركت في معنى واحدهو خرق العادة، وسيأتي في ذلك فصل مفرد إنشاء الله تعالى.

وأيضا فالأنبياء السالفون أخبروا به، ففي التوراة فارقليطا وفي الإنجيلالمحنا، وفي خرايج الراوندي: في الإنجيل فارقليطا وايمشحا وهو محمد صلى الله عليه وآله.

وقال الشهرستاني في الملل والنحل أجمع أهل الكتاب على أن التوراة بشرتبواحد واختلافهم في تعيينه، أو في الزيادة عليه، وقد ثبت إعجاز القرآن وفيه:

(الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التورية والإنجيل(١)) وقال عيسى عليه السلام: (ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد(٢)).

(الفصل الثالث)
* (في رد الاعتراضات على نبوة محمد صلى الله عليه وآله) *

١ - لا نسلم حصول العدد المعتبر في التواتر، إد كل عدد يمكن تواطيه علىالكذب. قلنا: العلم الحاصل بذلك ضروري فلا يقدح فيه ما شككتم به.

٢ - لا يحصل العلم بتواتر الخبر، إلا بعد العلم بالخبر، وأنتم بنيتم العلمبه على كونه متواترا فيدور، قلنا بالمعنى الذي عقلتم حصول المجموعية، فاعقلوامثله في حصول العلم، على أنه طعن في الضروري.

٣ - لا نسلم استواء الطرفين والواسطة المعتبرة في الكثرة فلا تواتر، قلنا:

كل طبقة مع كثرتها نقلت عمن تقدمها مع كثرتها كثرة من تقدمها فحصل القطعبصدقها، على أن تكثر الطبقات لو حدث بعد عدمه لعلم زمان حدوثه، كما في

(١) الأعراف: ١٥٦.

(٢) الصف: ٦.

٤٥

المذاهب المنتحلة، خصوصا مع توفر داعية الكفار إلى نقله.

٤ - أصل التواتر الحس وهو قد يغلط كما غلط في صلب المسيح، قلنا:

تغليط الحس تشكيك في العلم الضروري فلا يسمع.

٥ - يجوز ظهور القرآن على رجل غير محمد، فأخذه منه وادعاه لنفسه. قلنا:

فيه ما هو مختص به مثل (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه(١) ويوم حنين(٢) إذتصعدون ولا تلوون(٣) عفى الله عنك لم أذنت لهم(٤) إذ أخرجه الذين كفروا(٥))وإن الله صرف العرب عن معارضته، فلو كان باطلا أو كان مغصوبا، لزم أن يفعلالله ضد ذلك، لئلا يلزم المفسدة.

٦ - يجوز أن يكون آيات التحدي من عنده فإنه لم يحفظ القرآن في عهدالنبي صلى الله عليه وآله إلا قليل، وكانوا يعدون من حفظ البقرة والأنعام فقيها. قلنا: علمبالضرورة تواتر القرآن بجملته وتفاصيله، وكان التشديد في حفظه أتم، حتىنازعوا في أسماء السور والتعشيرات، وإنما اشتغل الأكثر عن حفظه بالتفكر فيمعانيه وأحكامه، ولو زيد فيه أو نقص لعلمه كل عاقل وإن لم يحفظه، لمخالفةفصاحته وأسلوبه.

٧ - أنكر ابن مسعود مع جلالته كون المعوذتين والفاتحة منه، قلنا: لايقدح مقالته في تواتره لوحدته، ولأنه لم ينكر نزولها، بل أنكر كونهما متلوتين.

٨ - حصول الاختلاف في القرآن والآيات المتعارضات، مثل التنزيه والتشبيهوالجبر والاختيار وإضافة النسيان إلى الله وسلبه عنه وسؤاله عن الذنب وسلبه عنهوغير ذلك، وهذا كله يدل على عدم تواتره، لا في لفظه ولا في معناه. قلنا: القرآن

(١) التحريم: ٣.

(٢) التوبة: ٢٦.

(٣) آل عمران: ١٥٣.

(٤) التوبة: ٤٤.

(٥) التوبة: ٤١.

٤٦

آيات منزلة لقوله عليه السلام: (نزل القرآن على سبعة أحرف) والآيات التي ظاهرهاالتعارض، متأولة بما لا يخرجها عن الألفة، على أنه لو سلم الاختلاف، لم يدلعلى كونه من عند غير الله، لأنه لا نتيجة لاستثناء عين التالي، كما بين في المنطق.

إلا أن يقال استثناء عين التالي المساوي للمقدم يستلزم عين المقدم، مثل:

إن كان هذا انسانا فهو ناطق، قلنا: لا مساواة هنا لأن الاختلاف أعم من كونه منعند الله، أو من عند غيره، ولا دلالة لعام.

قالوا: فيه اختلاف أيضا في قوله: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري(١))وليست الأعين في محل الذكر. قلنا: المراد أعين القلوب ولهذا يوصف بالعمى: (إنهالا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور(٢)) فإن عماها هو الذي يؤثرفي الدين المانع من الاهتداء واليقين.

قالوا: كيف قال (أم عندهم الغيب فهم يكتبون(٣)) وقد كانوا لا يكتبونبل هم أميون. قلنا: الكتب الحكم مثل: (وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس(٤)).

قال الجعدي: وماذا بحكم الله إذ هو يكتب.

قالوا: فالتناقض في قوله في يونس: (فنبذناه بالعراء وهو مليم(٥)) وفيقوله: (لولا أن تداركه رحمة من ربه لنبذ بالعراء(٦) قلنا: المثبت النبذ مع السقموالمنفي النبذ مع الذم فلا تناقض.

٩ - آيات التحدي لم تصل إلى الكل، لتباعد البلاد، ولا يلزم من عجزبعض عجز كل. قلنا: لا شك في وصولها إلى كل من يدعي الفصاحة، لأنه عربيوجزيرة العرب محصورة، ولا عبرة بغيرها لعدم عربيتها.

(١) الكهف: ١٠١.

(٢) الحج: ٤٦.

(٣) الطور: ٤١.

(٤) المائدة: ٤٨.

(٥) الصافات: ١٤٥.

(٦) القلم: ٤٩.

٤٧

١٠ - يجوز [ كون ] عدول العرب إلى الحرب عن المعارضة، لكونهم رأواأنه أحسم للمادة. قلنا: يعلم كل عاقل أن أحدا لا يختار قتل الرجال وركوبالأهوال، على السهل من الكلام، وفيه فضيلة على سائر الأنام، وبهذا يجاب عماقيل: إنما تركوا معارضته لقلة اهتمامهم به، ولهذا نسبوه إلى الجنون، ونسبواالكلام إلى السحر، ونهوا عن استماعه لئلا يأخذ بقلوبهم.

١١ - فاجأهم بالخوف فاشتغلوا بالحرب عنها، قلنا استمر ثلاثة عشر سنةينذرهم بغير حرب ويأتيهم بالآيات ويطلب منهم المعارضات.

١٢ - يجوز كونهم اعتقدوا خطبهم وأشعارهم أفصح من بلاغته فقلت رغبتهم فيمعارضته. قلنا: كل من نظر فيه وفيها علم غلبته لها، ولما سمع ابن الزبعرى قولهتعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم(١)) قال: لأخصمن محمدافجاء إليه، وقال: إن الملائكة والمسيح عبدوا! فقال صلى الله عليه وآله: أوما علمت أن (ما)لم يكن لمن يعقل(٢) فالمراد الأصنام ونحوها فانقطع.

١٣ - القرآن ليس بحادث، فلا يكون خارقا للعادة، فلا يكون معجزا.

قلنا: هذا يرد على الأشاعرة، وأما القائلون بحدوثه فلا، على أن لهم أن يقولوا:

يكفي ظهوره عليه دون غيره وإن كان قديما.

١٤ - البلاغة في الناس متفاوتة، فلعل محمدا صلى الله عليه وآله أبلغ من غيره، فأتى به ولم يتهيأ مثله لغيره، قلنا: جرت العادة من الحكيم في خلقه بأن لا يمنحهم من البلاغةما يتفاوتون فيه كثيرا، فلما زادت بلاغة القرآن عليهم جدا وعجزوا عنه وعنما يقاربه، علم أنه ليس منه عليه السلام، فلهذا آمن فصحاؤهم مثل: قيس وكعب ومدحه الأعشى، بقصيدة أولها:

ألم تغتمض عيناك ليلة أرمداوبت كما بات السليم مسهدا
نبي يرى ما لا ترون وذكرهأغار لعمري في البلاد وأنجدا

(١) الأنبياء: ٩٨.

(٢) لمن لا يعقل، خ.

٤٨

فلم يزالوا به حتى عدلوه عنه، وآمن به لبيد وترك الشعر تعظيما للقرآنوقيل: له ما فعلت بقصيدتك: (عفت الديار محلها ومقامها؟) فقال لهم: أبدلني اللهبها البقرة وآل عمران.

١٥ - يجوز كون ترك المعارضة للجهل بطريقتها لا للعجز عنها. قلنا: بلطريقها كان معروفا عندهم مسلوكا لهم، وهم دهاة العرب وذكاتها، وقد عارض امرءالقيس عقله للعجز عنها إن قيل: أخطأوا طريقها كما أخطأوه في عبادة الأصنام، قلنا:

طريق عبادتها الدلالة التي لم يجز(١) الخطأ فيها، وطريق المعارضة الضرورة فيمتنعالخطاء فيها.

قيل: وفي القرآن أقاصيص ولم يكونوا من أهلها قلنا: وفيه غيرها فلم لم يأتوابمثلها وقد كان عندهم الكتابيون وكانوا أهل قصص، فلم لا تعلموها وقد طلبواأخبار رستم واسفنديار، وحاولوا أن يعارضوا بها.

إن قيل: منعهم الحياء والورع. قلنا: كيف ذلك وقد أظهروا عداوته وشتمهوقذفه وهجوه.

إن قيل: فلعلهم لم يتفكروا فيعلموا أن المعارضة أنجع وأنفع، قلنا، لا، فإنذلك مركوز في بداهة العقول.

١٦ - يجوز ترك المعارضة مع الداعي إليها، لأنه غير ملجأ، قلنا: لا بد منوقوعها قطعا لتوفر الدواعي إلى فعلها، لما فيها من تخفيف التكليف، بل عدمهبالكلية، حتى قيل إنهم تيقنوه، فلما استثقلوا التكليف جحدوه.

١٧ - يجوز وقوع المعارضة ولم تنقل، قلنا فالنبي لم يمنع أحدا منها معتوفر الدواعي إليها.

١٨ - القارئ آت بالمثل فهو معارض. قلنا: لا، فإن من أنشد قصيدة لغيرهلا يسمى معارضا له ومن ثم جعل أبو الهذيل الحكاية نفس المحكي، لئلا يكونمعارضا ونبطله أن المحكي معدوم فلا يعاد.

(١) يجوز الخطاء، خ.

٤٩

١٩ - الإخبار بالغيب يقع من المنجم والمرتاض، قلنا: إنما يحكون ما يقعغالبا بالعادة، أو بالأمور الكلية، ولو كان مدعي النبوة منهم وجب على الله إبطالمقالته منعا للاستفساد.

٢٠ - باقي المعجزات أمور عظيمة، لو وقعت لتواترت وإلا فلم لا تكونالمعارضة وقعت وما تواترت، قلنا: اكتفي بالقرآن عن تواتر غيره.

٢١ - المعجز يلزم منه السفسطة لأن فيه انقلاب البحر دما معجزة لنبي.

قلنا: لا سفسطة لأن وقوعه نادر.

٢٢ - يجوز صدور المعجز من غير الله، إما لمزاج خاص، أو لاطلاع صاحبهعلى بعض الخواص، أو يحصل من الأفلاك، فإنها عند بعضهم أحياء ناطقة، أومن الكواكب، أو من الجن، أو من الملائكة. قلنا: عند الأشاعرة لا فاعل إلا اللهوعند المعتزلة يجب عليه منع أولئك من التمكين لإبطال الافساد، فالاخلال بهقبيح. وبهذا يندفع جواز خلق المعجز، لا للتصديق، بل هو لطف لمكلف آخر أوإجابة لدعوة انسان آخر، أو معجزة لنبي آخر، أو ابتلاء لتحصيل الثواب، كمافي إنزال المتشابهات، أو ابتداء عادة، أو تكرير عادة متطاولة، أو إرهاص. قلنا:

نعلم قطعا انتفاء جميع هذه التوهمات لما يتعلق بتخصيص محمد صلى الله عليه وآله به وما له فيه منالحالات.

٢٣ - يجوز كون فاعل هذا المعجز شيطانا لقدرة الجن على ما يعجز الإنس.

قلنا: يجب على الله منعه لما فيه من الفساد، على أنه لو كان من الشيطان لفعللكل كذاب، ولأن الشيطان لا يريد عبادة الرحمن، لما يترتب على النبواتمن طاعة الملك الديان، وفي خلق المعجز إرادة ذلك فيتنافيان.

٢٤ - يلزم من نبوة محمد البداء، وهو على الله محال، قلنا: للبداء معنيان:

بداء ندامة وهذا على الله تعالى محال، لأن فيه ظهور حال الشئ بعد خفائه، وبداء خلق، ويعتبر بحسب المصالح، وهذا من الله جايز واقع، وقد أورد ابن بابويه

٥٠

في الدر النضيد، أخبارا جمة عن الصادقين عليهم السلام، بالحث على اعتقاد البداء بهذاالمعنى.

قالوا: القبيح لا يؤمر به، والحسن لا ينسخ لقبح نسخه.

قلنا: قد نسخت الشرايع قبل موسى وفي شرع موسى أيضا كما ذكرتموأرد فيه. قالوا: إن بين موسى دوام شرعه امتنع نسخه لامتناع كذبه، وإن بينعدمه وجب نقله ولم ينقل، وإن لم يبين أحدهما، عمل به مرة لا أزيد وهو محال.

قلنا: بين انقطاعه، ولم ينقل لعدم تواتركم بواقعة بخت نصر، حيث أفناكمعلى أن في تواتركم البشارة بعيسى ومحمد، فإن فيها: (إن قدرة الله قد أقبلتمن طور سيناء، وهو جبل موسى، وأشرقت من طور ساعير، وهو مقام عيسى، وأطلعت من جبل فاران وهو جبل مكة) وقد جاء في التورية أن إبراهيم أسكنولده إسماعيل ببرية فاران، وسيأتي بقية الكلام في ذلك مرتبا إنشاء الله تعالى.

(الفصل الرابع)
* (في عصمة الأنبياء) *

وهو لطف يفعله الله تعالى بهم، لا يختارون معه فعل المعصية وترك الطاعةمع قدرتهم، واتفق الإمامية على اتصافهم بها عن كل نقيصة من أول عمرهموالفضيلية من الخوارج جوزوا ذنوبهم، واعتقدوا أن كل ذنب كفر فجوزواكفرهم وقال بعض الفضيلية بجواز أن يبعث نبي مع أنه سيكفر، ومنع بعضهمذلك، ولكن قال: بجواز بعث من كان كافرا قبل البعث، وهو منقول عن ابنفورك، ولكن قال إنه لم يقع، وقال بعض الحشوية بوقوعه وذهب أكثر أهلالسنة إلى جواز الكبيرة عليهم قبل البعثة، وجوز من عدى الإمامية الصغيرةمطلقا، ثم اختلفوا، فقال بعضهم سهوا وخطاء لا عمدا وقال بعضهم مطلقا.

وأما تحريف الأحكام، والخيانة فيها، وإفتاء الرعية، فالجمهور منهم

٥١

على عدم جواز ذلك مطلقا عليهم، وبعضهم أجازه سهوا منهم، وربما استندوافي ذلك إلى ظواهر آيات تدل على ذلك، وهي أوهام كاذبة قد علم جوابها منالتنزيهات وغيرها. والدليل على العصمة مطلقا أن عدمها في وقت ما يناقض المقصودمن بعثهم، وهو امتثال أمرهم الذي لا يتم إلا بالوثوق بقولهم المسبب عن العلمبعدم صدور الذنب عنهم، ولو جوزوا معصيتهم، جوزوا تزيدهم ونقصهم في مأموراتهمولو صدر الذنب عنهم لهبطوا عن منازل العوام، لعلو قدرهم ولردت شهادتهم لآية:

(إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا(١)) وذلك يناقض قوله تعالى: (ما آتاكم الرسولفخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا(٢)) ولأن معصيتهم تقتضي وجوب أذاهم، ونبوتهمتقتضي تحريمه فلا يجتمعان، فمتى ثبتت المعصية انتفت النبوة وبالعكس، ولأنهلا يجب اتباعهم إلا بعد العلم بصدقهم، ومع تجويز عصيانهم لا نعلم بصدقهم، بلفي ذلك التنفر عنهم.

إن قيل: إن أكثر الناس لم يتنفر عنهم مع اعتقادهم عدم عصمتهم، قلنا:

الذنب إذا حصل منهم لا يوجب ترك قولهم بالكلية، فإن العصمة لما كانت مقربةغير موجبة للاتباع، كان عدمها غير موجب للامتناع. فقبول المجوزين لعدم عصمتهملا يقدح في أن عصيانهم مفسدة، وحينئذ، فالعصمة واجبة.

إن قيل: فالصغاير منهم لا توجب التنفر عنهم لوقوعها مكفرة، قلنا هذا بناءعلى التحابط، وهو باطل، ولأن الصغاير لا يميزها أكثر الناس من الكبائرفينفروا بسببها مطلقا، ولا يعرف الأكثر تكفير الصغاير فلا يزول التنفر، فلايحصل النفع بالتنذير على كل تقدير، فقبح الله قوما أضافوا إلى نبيهم ما تنفر؟

منه عقولهم، ويبرؤون منه لو نسب إليهم، فنسبوه إلى عدم الغيرة والأنفة، حيثروى مسلم والبخاري، أن عائشة وضعت خدها على خده وتفرجت على السودان

(١) الحجرات: ٦.

(٢) الحشر: ٧.

٥٢
٥٣

٣ - أخبر أهل مكة بقدوم عيرهم ويقدمه جمل أورق، فكان، وهذا من اللهإذ لو كان من غيره لم يدر لعله يتأخر أو يتقدم غيره.

٤ - مسح على شاة أم معبد فدرت ولم تكن درت قبل ذلك بسنة.

٥ - دعا شجرة يابسة فجاءت فأومأ إليها فأورقت.

٦ - شكا عسكره في تبوك فناء زادهم فأخذ فضلة من تمر، ووضع يده فيهافأكلوا منها وملؤا أوعيتهم بها، وشكوا إليه العطش، فوضع يده في ركوة فشربالجميع منها.

٧ - سأله قوم من عبد قيس غلامة في غنمهم، فغمز بأصبعه في أصل آذانهافابيصنت وبقي ذلك إلى اليوم، معروف في نسلها.

٨ - أتاه رجل من جهينة تقطع من الجذام، فبصق في ماء كان في قدح فمسحبه فبرأ.

٩ - جاء رجل من بني سليم وفي كمه ضب، وقال لا أؤمن بك حتى يؤمنهذا الضب، فقال له النبي صلى الله عليه وآله: من أنا؟ قال: أنت رسول الله فآمن الرجل.

١٠ - برسالته وقالت: ما ملكني سواه.

١١ - لما فتح النبي خيبر، كان في سهمه حمار أسود فكلم النبي وكلمهفقال خرج من نسل جدي ستون حمارا لم يركبها إلا نبي، أنا آخرهم وأنت آخرالأنبياء، فسماه اليعفور، فلما قبض النبي، أتى إلى بئر لابن أبي التيهان فتردىفيها وكانت قبره.

١٢ - اغتم النبي من الكافرين، فأمره جبرائيل أن يدعو شجرة فجاءته منبعيد، فقال النبي: حسبي.

١٣ - أمر أعرابيا بالاسلام، فقال: هل من شاهد؟ فنطقت شجرة برسالتهفأسلم الأعرابي.

١٤ - أخذ كفا من حصى، فسبح في يده، فصبه في يد علي فسبح في يده.

٥٤

١٥ - دعا لعمه العباس وأولاده بالستر من النار. فقالت حيطان البيت آمين.

١٦ - لما ضم النبي صلى الله عليه وآله عليا وولديه وفاطمة تحت الكساء، أتاهم جبرائيلبطبق، فيه رمان وعنب، فسبح العنب والرمان عند أكل كل واحد منهم.

١٧ - قطع أبو جهل يد معاذ بن عفرة، فبصق عليها النبي صلى الله عليه وآله فألصقهافعادت.

١٨ - لما قصد فتح خيبر، اعترضه نهر عميق، فعبر الجيش على الماء ولمتبتل أرجلهم.

١٩ - دعا للفضل بن العباس أن يذهب الله جنبه وشحه ونومه، فذهبوا.

٢٠ - لما أسر عمه العباس طلب منه فداء، فقال: لا مال لي، قال: فالذيأودعته لزوجتك قبل أن تخرج تقسمه في أولادك؟ فقال: ما علم به غيري وغيرهاإعلم أنك رسول الله.

٢١ - أخبر عليه السلام أن ملك السحاب سلم عليه، فاستسقاه، فأخبر أصحابهأنهم يسقون يوم كذا فكان كذلك.

٢٢ - بعث كسرى فيروز الديلمي، يأتيه بالنبي، فقال إن ربي أمرني أنآتيه بك، فقال عليه السلام: إن ربي أخبرني أن ربك قتل البارحة، فكان كذلك.

٢٣ - قال عن زيد بن صوحان: يسبق منه عضو إلى الجنة، فقطعت يدهبنهاوند، في سبيل الله.

٢٤ - وطئ أعرابي ناقة له وأتى إلى النبي ليخبره بحملها، فقال لعليأخبره، فمسح على جرانها، فنطقت أنه واقعها في موضع كذا، فأسلم الأعرابي.

٢٥ - ندرت عين أبي قتادة في أحد، فردها النبي صلى الله عليه وآله فكانت لا تعرف منالأخرى لحسنها وضوئها.

٢٦ - سأله قوم من اليهود أن يجيئ إليه الجبل، فتباعد عنه، فجاءه مسرعا.

٢٧ - أخبر الثقفي بأنه أراد أن يسئله عن فضل وضوئه وصلاته، فقال: نعمجئت لذلك.

٥٥

٢٨ - أخبر الأنصاري أنه أراد أن يسئله عن حجته وعمرته، فقال: نعمجئت لذلك.

٢٩ - شكا زيد بن حارثة، قلة ماء بئرهم في الصيف، ففرك حصاة، وقالألقها فيها، ففعل فكثر ماؤها.

٣٠ - شكا المسلمون إليه في غزوة فناء الماء، فأتي بفضل ماء، فوضع أصابعهفيه ففار حتى ارتوى منه ثلاثون ألفا من الناس، واثنا عشر ألف جمل، واثنا عشرألف فرس، فهذه نبذة يسيرة من دلايله عليه السلام، أخذناها من خرايج الراوندي وغيرهوتركنا أشياء منها خوف الإطالة بها، وقد ذكر الزمخشري في كتابه أنه عليه السلام:

أوتي نحو ثلاثة آلاف آية.

إن قيل: لم لا يكون ما أخبر به من صناعة الزرق، فإن الشعراني منهم كانحاضر الجواب معروفا بكثرة الإصابة، حتى قال المنجمون: إن مولده ونجمهاقتضى ذلك، وهو باطل، وإلا لسرى إلى كل عالم وصانع بأن يكون نجمهاقتضى علمه.

قلنا: الإخبار بالغائبات المستقبلة بخلاف الزرق، فإنه للأمور الموجودةالغائبة.

(الفصل السادس)
* (يذكر فيه شئ من البشارة به في الكتب الماضية) *

ففي السفر الأول من التورية: نزل الملك على إبراهيم وبشره بإسماعيلأنه يلد اثني عشر عظيما، إن قيل ليس في هذا ذكر النبوة فجاز كونه ملكا، قلنا:

لا يبشر الله تعالى خليله بملوك الكفر في ولده.

وفيها: أقبل الله من سينا وتجلى من ساعير وظهر بفاران. وفي كتاب حيقوق:

[ أنه ] سيد يجئ من اليمن، ومقدس من جبل فاران، يغطي السماء بهاؤه، ويملأالأرض نورا.

٥٦

وفي كتاب حزقيل: إني مؤيد بني قيدار بملائكة. وقيدار جد العرب وقد أيد الله نبيه بالملائكة في بدر وغيرها، وقال دانيال: ستنزع في قسيك اغراقاوترتوي السهام بأمرك يا محمد.

وفي كتاب شعيا: يظهر في الأمم عبد لي لا يسمع صوته في الأسواق، يفتحالعيون العور، ويسمع الآذان الصم، هو نور الله الذي لا يطفى، حتى تثبت فيالأرض حجتي.

وفي مزمور آخر: إن الله أظهر من صهيون إكليلا محمودا، والإكليل مثلالرياسة والإمامة، ومحمود هو محمد.

وفي الإنجيل قال المسيح للحواريين: أنا ذاهب وسيأتيكم الفارقليط، روحالحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له من ربه، وفي حكاية يوحناعن المسيح: الفارقليط لا يجيئكم ما لم أذهب، يسوسكم بالحق ويخبركم بالغيوب.

وفي حكاية أخرى: إني سائل ربي أن يبعث لكم فارقليطا آخر يكونمعكم إلى الأبد. وفي موضع آخر: يشهد لي كما شهدت له.

وفي الإنجيل: قال عيسى: إن الاليا متوقع على أذيالي، وروي أنه كانأحمد متوقع، فغيروه إلى اليا، وكأن اليا هو علي، قيل وإنما ذكره لأنه قدامالنبي صلى الله عليه وآله في كل حرب واسم محمد بالسريانية مشفح والشفح الحمد، فإذا كانالشفح الحمد فمشفح محمد.

وفي التورية: أحمد عبدي المختار مولده مكة وهجرته طابة.

ومما أوحى الله إلى آدم: من ولدك إبراهيم، أجري على يده عمارة بيتيتعمره الأمم، حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له محمد خاتم النبيين، أجعله منسكانه وولادته.

قال الراوندي في خرائجه: إن الله حفظ اسم محمد صلى الله عليه وآله لم يسم به أحداقبله صيانة ليعرف به، كما فعل في إبراهيم عليه السلام وغيره، وهذا لا يناقض ما قيل:

إن رجالا في الجاهلية سميت محمدا، فعن سراقة بن خثعم قال: قدمنا الشام فأشرف

٥٧

علينا راهب وقال: من أين؟ قلنا من مضر، قال: سيبعث فيكم رجل اسمه محمدفرجعنا فولد لكل منا غلام فسماه محمدا.

وروي أن تبع بن حسان قتل من يهود يثرب جماعة، فقال له شيخ منهمأتى عليه مائتان وخمسون سنة: إنك لا تقدر على خراب هذه القرية، قال: ولم؟

قال: لأنه يخرج من هذه البنية - يعني البيت الحرام - نبي من ولد إسماعيلفكف عن القتل، فمضى إلى مكة وكسى البيت وأطعم الناس.

تذنيب:

يفرق بين المعجزة والحيلة، أن المعجزة غايتها الدعاء إلى الله سبحانه وتزداد ظهورا مع الأزمان، والحيلة تفتقر إلى الآلات ويطلع على أنه لا حقيقةلها مع الأزمان، والمعجزة لا يمكن معارضتها، بخلاف الحيلة، والحيلة لها معلمومرشد بخلاف المعجزة، والمعجزة تظهر على من يعرف بالصلاح والسداد، والحيلةعلى من يعرف بالمزاح والفساد، والمعجزة دالة على صدق الصادق والرب قادرعليها فتجب في حكمته، فلو ادعى النبوة من ليس بصادق وجب أن يمنعه من المعجزةومن الحيلة المشبهة بها، بل ربما يظهر المعجزة على العكس، كما في مسيلمة.

وقد ذكر ابن زكريا الطبيب أمورا في مقابلة المعجزات، كصب زرادشتالصفر المذاب على صدره.

قلنا: إنما وضع أولا على صدره طلاء معروفا بطلاء الجلق وهو دواء يمنع منإحراق النار.

قال: للأشياء طبائع وخواص كحجر المغناطيس وباغض الخل، إذا ألقيفي إناء الخل لم ينزل إليه، والزمرد يسيل عين الأفعى، فلا يمكن الحكم علىما يدعونه معجزا، إلا بعد الإحاطة بجميع جواهر العالم وعرفان قوى الخلقكلهم، وذلك موقوف على جوب البلدان وطول الأزمان.

قلنا: في المعاجز ما لا يمكن فعله بحيلة ولا طبيعة ولا قوة كإحياء الموتى و

٥٨

الإخبار بالمغيبات وبما تكن الصدور، ثم نقول: إذا فرضنا سارت الجبال وكدرتالنجوم ونشرت الأموات، يلزم أن لا يعرف أن ذلك من الخالق تعالى، إلا بعدما ذكره وهو معلوم البطلان، فظهر أنه يجب النظر في الأمر الخارق للعادة، وإن لم [ نكن ] نسر في البلاد ونعرف أحوال العباد، وما عارض به لا يلتفت إليه، وقدذكر أبو إسحاق أن واحدا وضع الزمرد الفائق فوق رأس قصبة وقربه من عينالأفعى فلم تسل.

(الفصل السابع)
* (في مقالات المنكرين للنبوات الطاعنين على المعجزات) *

قالوا: في القرآن: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا(١)) وقدقتل يحيى ونشر زكريا وقتل الكافرون كثيرا من الأبرار وذلك خارج في الاشتهارإلى حد يمتنع فيه الانكار.

قلنا: السبيل المنفي هو السبيل بالحجة لا بالغلبة، ويحيى وغيره كانت لهمالحجة وذلك معنى (ليظهره على الدين كله(٢)).

قالوا: قوله (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله(٣) وقد تزوج فقراء فلميزدادوا إلا فقرا. قلنا: الغنى من الفقر إلى النكاح أو خرج مخرج الأغلب.

قالوا: (والله يعصمك من الناس(٤)) وقد كسرت رباعيته وشج رأسه.

قلنا: المراد العصمة من القتل.

قالوا: " ادعوني أستجب لكم)(٥) وقد مضت الدهور ولم يستجب. قلنا:

(١) النساء: ١٤٠.

(٢) البراءة: ٣٤. والفتح: ٢٨. والصف: ٩.

(٣) النور: ٣٢.

(٤) المائدة: ٧٠.

(٥) المؤمن: ٦٠.

٥٩

تقديره أستجب إن رأيت مصلحة، أو معناه أعبدوني آجركم أو فيه إطلاق العام وإرادة الخاص.

قالوا: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون(١)) فكيف يرجع في إثباتنبوته إلى أهل الكتاب وهم عنده يكتمون الحق ويذهبون عمدا عن الصواب.

قلنا: أراد الله دلالتهم على صدقه بإقرار عدوه وذلك أن الجاهلية كانت تميل إلىأهل الكتاب، وتعدلها على أنفسها، وفي التورية والإنجيل صفات محمد صلى الله عليه وآله منأنصف منهم شهد له بها.

قالوا: تدعون لمحمد علم الغيب وقد أخبر بأشياء وظهر الأمر بخلافها، فقال:

إذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، وقد وجدنا قياصر بعده متعددة. قلنا: لما مزقكتابه، قال. مزق الله مملكته، فكان ذلك، وكتب إلى قيصر آخر ولم يمزقهفدعى بثبات مملكته فكان، فنحمل قوله: فلا قيصر بعده، أي على صفة ممزق الكتاب.

قالوا: قال صلى الله عليه وآله: شهرا عيد لا ينقصان وقد وجدنا فيها النقصان. قلنا: قال ذلكلسنه بعينها، فكان كما قال، أولا ينقصان(٢) معا وإن نقص أحدهما أولا ينقص أجرمن صامهما.

قالوا: قال: لا ينقص مال من صدقة، ووجدنا النقص مع الصدقة، قلنا:

المراد البركة أو لا ينقص ثوابه.

قالوا: اشتهر حسن يوسف، فكيف قال في إخوته: (فعرفهم وهم لهم منكرون(٣)وكيف ينكر من يتفرد بهذا الجمال. قلنا: لا يبعد جهلهم به لتغييره إلى الكهولةوالملوكية ويحتمل أن يكون ينكرون بمعنى يزيلون الانكار، مثل: (إن الساعة

(١) النحل: ٤٣. والأنبياء: ٧.

(٢) وذيله كما في أبي داود: رمضان وذو الحجة. راجع سننه ج ١ ص ٥٤٢ ولفظ البخاري ج ١ ص ٣٢٧: شهران لا ينقصان شهرا عيد رمضان وذو الحجة.

(٣) يوسف: ٥٨.

٦٠