×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم (ج1) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

آتية أكاد أخفيها(١)) أي أزيل خفائها.

قالوا: تواتر في النصارى قتل عيسى وصلبه وفي كتابكم: (وما قتلوه وماصلبوه(٢)) قلنا: أخبار النصارى ترجع إلى أربعة، فلا تواتر لهم ولا عصمة فيهمعلى أنه يجوز أن يخبروا عن الشبيه كما قال تعالى: (ولكن شبه لهم).

قالوا: قال: في نسائكم أربع نبيات وفي كتابكم: (وما أرسلنا قبلك إلارجالا نوحي إليهم(٣)) قلنا النبي غير الرسول وأيضا فالرسول يطلق على جبرائيلوعلى الغراب، لقوله تعالى: (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض(٤)) وقد قيل هناإن الأربعة: سارة وأخت موسى ومريم وآسية، بعثوا لولادة فاطمة عليها السلام.

قالوا: (قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا(٥)) وقد كان فرعون قبلهامان بزمان.

قلنا: لا ينكر أن يسمى انسان آخر في زمان فرعون بهامان.

قالوا: في كتابكم (وما علمناه الشعر(٦)) وفي كتابكم وزن الشعر، فهوشعر، فمن ذلك: (وجفان كالجواب وقدور راسيات(٧)) ومنه (فيخزيهم وينصركم عليهم، ويشف صدور قوم مؤمنين(٨)) وزنه من الشعر:

ألا حييت عنا يا مديناتحيينا وإن كرمت علينا

قلنا: بل كان النبي يعاف قول الشعر، ليخلص قلبه ولسانه للقرآن، ويصون الوحي عن شبهة الشعر، قال أبو عبيدة: هو كلام وافق وزنه وزن الشعرولا يلزم كونه شعرا لعدم القصد إليه ولأنه يقرنه بأمثاله وقليل من الكلام إلاويوزن بوزن الشعر.

قالوا: قال يوم حنين: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب. وقال: غير

(١) طه: ١٥.

(٢) النساء: ١٥٦.

(٣) الأنبياء: ٧.

(٤) المائدة: ٣٤.

(٥) المؤمن: ٣٦.

(٦) يس: ٦٩.

(٧) السبأ: ١٣.

(٨) البراءة: ١٥.

٦١

الإله قط لا ندينا ولو عبدنا غيره شقينا، وقال لما دميت أصبعه: هل أنت إلا أصبعدميت وفي سبيل الله ما لقيت. قلنا: سلف ما يصلح جوابا عنه.

قالوا: ويجوز كون ما ظهر على يده سحرا. قلنا: السحر يعارض والمعجزةلا تعارض، ولو فتح باب السحر لجاز أن يقال في كل عالم بل في كل صانع:

أنه ساحر. على أن السحر علم يتمكن به من إحداث ما لا يقدر عليه مثله، وقدكان علما ثم انقطع لما أحرق المسلمون كتب الأكاسرة المصنفة فيه من الفلاسفة.

تذنيب:

قالت الفلاسفة: النبوة جعلت لتقرير الشريعة التي هي سياسة الدنيا ومنثم كل من لازم الشرعيات تهذبت أخلاقه وحسنت أفعاله وتقدس في نفسه وأقبل بفكره على زهده ورمسه، ونظر بعين بصيرته فعرف الرب وما يفاض عنهبعنايته، فالشرعيات ألطاف في العقليات. وهذا خيال منهم لأن أهل كل دينيحدث ذلك في عبادهم و أكابرهم من الصابية والرهبان والأحبار وعباد الأوثانفإنهم يجدون أنفسهم خائفة مستحية من أوثانهم أن يقدموا على رذائل الأفعال وقبايح الأقوال، فالقائلون من الفلاسفة بالنبوات، رجعوا بها إلى هذا الباب، وقدعرفت ما فيه من الذهاب عن الصواب، لأنا حينئذ لا نعرف النبي المختار، من الرهبانوالأحبار، ونحكم بصحة الأديان المتناقضة، وهذه مقالة داحضة.

(الفصل الثامن)

محمد رسول الله خاتم الأنبياء لقوله تعالى (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم،ولكن رسول الله وخاتم النبيين(١)). ولقوله صلى الله عليه وآله بعد ثبوت صدقه لعلي عليه السلام:

(أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) وبالجملة فذلك معلومبالضرورة من دينه عليه السلام.

(١) الأحزاب: ٤٠.

٦٢

وقالت الخرمية: بعده أنبياء لقوله تعالى: (يا بني آدم إما يأتينكم رسلمنكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون(١))وهذا لفظ مستقبل. قلنا: قد أتى المستقبل بمعنى الماضي: (يريد الله أن يخففعنكم(٢). إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا(٣)يريدون أن يبدلوا كلام الله(٤)) على أن في الآية إضمارا أي يأتكم نبأ رسل كانوامن قبلكم وكانوا يقصون دلالاتي وقد أنزلت عليكم، فمن عمل بها فلا خوف عليهمولا هم يحزنون، ويؤيد ذلك، الآية التي بعدها (والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحاب النار) ولو سلم كونها للاستقبال حقيقة، فقد خصهاالنبي بقوله: لا نبي بعدي وتخصيص الكتاب بقوله جايز.

قالوا: فآية (وخاتم النبيين) يدل على أن بعده أنبياء لأن الخاتم في المعتادهو في الوسط كختم الكتاب في وسطه. قلنا: خاتم بكسر التاء هو الآخر، مثل:

ختامه مسك، وهذا خاتم هذا الأمر، وعلى قراءة عاصم بفتح التاء فمعناه الذي جمعالجميع مفرغ من أمره، فأجرى خاتم بالفتح مجرى المصدر.

قالوا: قوله تعالى: (أرسلنا رسلنا تترى(٥)) أي لا تنقطع قلنا أرسلنا لفظماض فيجب حمل تترى على معنى الماضي وإلا خرب النظم ولو كان تترى معناه لاتنقطع لزم إنكار المعاد، إذ فيه تنقطع الرسل إجماعا، وأيضا فقد نقلت أعلام النبيوفيها لا نبي بعدي، فإن صدقوا بها بطل ما قالوه، وإن طعنوا في نقلها لزمهمالطعن في كل من نقل معجزة لنبي، وإن قالوا: لو كان الخبر صحيحا لعرفناه.

قلنا: لم تنظروا فيه إذ بهذا يتفصل عن اليهود والنصارى لما قالوا: لو كانت معاجزمحمد صحيحة لعرفناها.

(١) الأعراف: ٣٤.

(٢) النساء: ٢٧.

(٣) الأحزاب: ٣٣.

(٤) الفتح: ١٥.

(٥) المؤمنون: ٤٤.

٦٣

(الباب الرابع)
* (في إثبات الوصي وصفاته) *

وفيه فصول:

(الفصل الأول)
* (في طريق إثباته) *

اختلف الناس في الإمامة، فأوجبها عقلا - مطلقا - على الله الإمامية والشيعةوأوجبها أكثر المعتزلة عقلا علينا، وأوجبها الزيدية والأشعرية والجاحظ والكعبي وأبو الحسن البصري علينا سمعا ولم يوجبها بعض الخوارج أصلا وبعضهموالأصم وأتباعه أوجبوها إذا لم يتناصف الناس وعكس ذلك هشام وأتباعه فأوجبهاإذا تناصف الناس.

لنا على الوجوب مطلقا على الله كون الإمام لطفا، فيجب عليه لامتناع نقضالغرض إذا علم أن المكلف لا يقرب من ذلك إلا به.

بيان اللطفية أن فيه رد المطامع، والقيام بحق الضائع، ولهذا تسارعواإلى طلب الرئيس في السقيفة قبل تجهيز النبي، واشتغل به علي لعلمه أنه خليفةالنبي وتبادر الناس إلى نصبه في كل صقع. ولأنه حافظ الشرع فهو معصوم ولايعرف المعصوم إلا الله وهو من الألطاف في العقليات المتقدمة على السمعيات، فلووجب سمعا لزم الدور. ولأن الوجوب سمعا إما على النبي، فلا يخل به لعصمتهأو على الأمة فلا علم لها بتعيينه أو مشترك بينهما ويلزم التناقض فإنه إذا اختاروجب اتباعه وإذا لم تختر الأمة معه لم يجب اتباعه ولأن الأمة قد لا يقع اختيارهافيتعلق الواجب وهو قول النبي صلى الله عليه وآله ونصب الإمام بالحاير.

٦٤

قالوا: الإمامة تثير الفتن في كل زمان، كما في علي وولديه، فكيف تجبمن الله أو عليه؟ قلنا: جاز كون الفساد بتركها أكثر منها إذ لولاها جاز أن يستوليشوكة الكافرين، على تبديل مذهب المسلمين، فبتلك المنازعة خمدت نار الظلمةواجتمع المسلمون على كلمة.

إن قالوا: إذا كان تصرفه في الأمة بردها - بالمحاربة - إلى طاعته، يستلزمكفرها، لزم كون الإمامة مفسدة، فتخرج بذلك عن وجوبها.

قلنا: قال المرتضى إذا علم الله المصلحة فيها وجب أن يفرضها ويوجب طاعةالأمة لها وقد فعل، فخالفه الأمة بترك نصرتها بل منعت وصدت عنها، فاللومعليها إذا لم تفعل ما يوجب تمكين الإمام من مصلحتها وليس له بالمحاربة أن يلجئهالأدائه إلى إبطال تكليفها ويجوز أن يغلب في ظنه عدم طاعتها بمحاربتها، بل قديزداد نفورها، ولأن المفسدة المفروضة غير لازمة للإمامة وإلا لم توجد إمامة ولانبوة، وأيضا فالتمكين واجب عليه تعالى لإزاحة العلة ونصب الإمام جزء منه، إذالداعي بوجوده إلى فعل الطاعات أوفر، والصارف إلى ترك المعصيات أزجر وجزءالواجب واجب فالإمامة واجبة.

قالوا: جاز اشتمالها على قبيح لا تعلمونه قلنا: القبائح محصورة لتكليفناباجتنابها فنكلف ما لا نطيق أو لم نعقلها.

إن قالوا: يجوز أن يعرفنا الله أقسام الحسن ويقول القبيح ما عداها ويكلفنابتركه وإن لم نعلم تفصيل مجمله. قلنا: يلزم المطلوب لأن حصر أحد الجهتينيستلزم حصر الأخرى، ولما نصب الله الأنبياء والخلفاء انتفى القبيح بغير خفاء ولأن الطوايف المحاربة للإمام كان فيهم رؤساء، فلو كان الفساد في الرؤساء لم ينصبوالأنفسهم رؤساء.

قالوا: مع الإمام يلتجئ المكلف إلى الطاعة والالجاء مفسدة لعدم الثوابفيه. قلنا: نمنع الالجاء على أنه وارد في النبوة.

قالوا: شرطتم لطفيته بتمكينه فمع عدم تمكينه يسارع المكلف إلى معصية ربه

٦٥

قلنا لم نشرط ذلك بل نصبه لطف وتمكينه آخر على أن المكلف يكون خائفا مترقباظهوره دائما.

قالوا يكفي ترقب وجوده بعد عدمه، كما يكفي ترقب ظهوره بعد غيبتهفلا قاطع الآن بوجوده. قلنا: قضت الضرورة بعد استواء الخوف مع غيبته بالخوفمع عدمه وإن جزم بوجوده عند مصلحته.

إذا عرفت هذا، فاعلم أنه قد اختلف الناس بعد النبي المختار، فقالتطائفة شاذة - يقال لها المحمدية - أنه لم يمت.

وقالت الفرقة المحقة: الإمامة ثبتت بالنص، لا الدعوى ولا الميراث ولاالاختيار، وقالت الزيدية أو بالخروج والدعوى، ويلزمهم الدور إذ لا يجوزالخروج قبل الإمامة، فلو كانت إنما ثبتت به دار. إلا أن يقال: الخروج كاشف عنسبق الاستحقاق قلنا: فبطلت الشرطية لوجوب تقدم الشرط.

وقال الجمهور من أهل المذاهب الأربعة وبعض المعتزلة والزيدية والصالحيةوالبترية والسلمية(١) وأصحاب الحديث أو بالاختيار ويلزمهم جواز أن تختار الأمةنبيا كما يجوز أن تختار إماما ولم يقل به أحد، وسيأتي البحث في تكميله إن شاءالله ولأن المنصوب منهم إن اختار نفسه معهم فقد زكاها فدخل في نهي الله (فلاتزكوا أنفسكم(٢)) وإن لم يختر نفسه ولم يرض بها لم تجتمع الأمة عليه وكانغيره أولى لعدم الرضا به.

وقالت الراوندية أو بالميراث وقد ذكر صاحب نهج الإيمان أن هذه المقالةأحدثها الجاحظ، سنة عشر ومائة من الهجرة، ليتقرب بها إلى المأمون، حيثجعلها للعباس بكونه عم النبي صلى الله عليه وآله وعمل فيها كتابا ووضع فيها حججا على أنالو قلنا بالميراث، فعلي أولى منه، لكونه ابن عم النبي لأبويه والعباس عمه لأبيهفذو السببين أولى بآيات أولي الأرحام المعتبر فيها بالأقرب فالأقرب وقد أجمعت

(١) السلمانية، خ ل.

(٢) النجم: ٣٤.

٦٦

الفرقة المعتبر صحة إجماعها بدخول المعصوم فيها على اختصاص الإرث بابن العمللأبوين، دون العم للأب، وأيضا فآية أولي الأرحام تتضمن ذكر المهاجرينولم يكن العباس من المهاجرين، فليس له ميراث.

وأسند ابن جبر في نخبه إلى زيد بن علي في قوله تعالى: (وأولوا الأرحامبعضهم أولى ببعض(١)) قال ذلك علي بن أبي طالب، كان مهاجرا وذا رحم، وعنجابر بن يزيد أثبت الله بهذه الآية ولاية علي ابن أبي طالب فحاز ميراث النبي وسلاحه ومتاعه وبغلته وكتابه وجميع ما ترك بعده ولم يرث الشيخان من ذلك شيئا.

وأسند ابن حنبل، إلى زيد بن آدمي، قوله: (أنت أخي ووارثي) وأسندإلى زيد بن أبي أوفى نحوه وأسند ابن المغازلي إلى أبي بريدة (لكل نبي وارثوإن وصيي ووارثي علي بن أبي طالب) وحديث: لا نورث، خبر واحد مردودلمخالفته الكتاب، في قوله: (وورث سليمان داود(٢) ونحوه والسنة المتواترةمن الأحاديث السالفة وغيرها.

وفي حديث زيد بن آدمي أن ميراث علي من النبي الكتاب والسنة لا يضرنابل فيه النصرة لنا لأنه إذا كان علي ورث الكتاب الذي هو أكبر معاجز النبيوورث السنة التي فيها أحكام شريعة النبي، فقد ورثه الله علوم النبي صلى الله عليه وآله فكانأحق بالاقتداء بدليل: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون(٣)).

تذنيب:

قال الجاحظ: لم تعرف الشيعة الاحتجاج بالقرابة إلا من قول الكميت:

يقولون لم يورث ولولا تراثهلقد تركت فيها نكيل وأرحب

إلى قوله:

فإن هي لم تصلح لقوم سواهمفإن ذوي القربى أحق وأوجب

(١) الأحزاب: ٧.

(٢) النمل: ١٦.

(٣) الزمر: ٩.

٦٧

قلنا: ويلك كيف ذلك، وقد رد علي يوم السقيفة حجة الشيخين، حينتقدم أبو بكر على الأنصار بالقرابة، فقال علي: نحن أحق برسول الله لأنا أقربقريش كلها، وقد نظم علي عليه السلام هذا المعنى، فقال:

فإن كنت بالقربى حججت خصيمهمفغيرك أولى بالنبي وأقرب
وإن كنت بالشورى ملكت أمورهمفكيف بهذا والمشيرون غيب

فواعجبا، من أن تكون الخلافة بالصاحبة ولا تكون بالصحابة والقرابة(١)وقد قال سلمان له، لما رقى المنبر: إلى من تفزع إذا سئلت عما لا تعلم وفي القومأعلم منك وأقرب برسول الله؟.

وذكر ابن عبد ربه في الجزء الأول من كتاب العقد، أن أروى بنت الحارثابن عبد المطلب قالت لمعاوية: لقد كفرت النعمة، وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك من غير دين كان منك ولا من آبائك ولاسابقة لك في الاسلام بعد أن كفرتم برسول الله صلى الله عليه وآله فأتعس الله منكم الجدود وصعرمنكم الخدود فرد الحق إلى أهله، فأصبحتم تحتجون على الناس بقرابتكم منرسول الله ونحن أقرب إليه منكم وأولى بهذا الأمر فيكم، فكنا فيكم بمنزلة بنيإسرائيل في آل فرعون وكان علي بمنزلة هارون من موسى، فغايتنا الجنة وغايتكم النار.

فيقبح من الجاحظ نسبة الشيعة إلى جهل ما تعرفه نساؤهم.

وقال الملك الصالح في ذلك:

أخذتم عن القربى خلافة أحمدوصيرتموها بعده في الأجانب
وأين على التحقيق تيم بن مرةلو اخترتم الإنصاف من آل طالب

وروي أن الرضا عليه السلام بات ساهرا متفكرا في قول ابن أبي العوجاء:

أنى يكون وليس ذلك بكائنللمشركين دعايم الاسلام
لبني البنات نصيبهم من جدهموالعم متروك بغير سهام

(١) نهج البلاغة الرقم ١٩٠ من الحكم والمواعظ.

٦٨
٦٩

الأمر دليل على عدم البدل، لعطفه على طاعة الله ورسوله وليس لهما بدل، ولإجماعالصدر الأول على امتناع خلو الزمان من خليفة، فدل على عدم البدل.

قالوا: قد يكون في نصبه مفسدة يعلمها الله دوننا فلا ينصبه ويجب نصبه علينالأن وجه الوجوب كاف في حقنا. قلنا: لو علم الله فيها مفسدة لما أوجبها علينا ولنهانا عن نصب الإمام وطاعته مع أن القرب من الطاعة والبعد من المعصية المعلومحصول عند الإمام مما يطابق غرض الحكيم وعكسها ينقضه، فلو كان ما يطابق غرضهمفسدة خرج عن الحكمة، وأيضا فالمفسدة بالإمام لا ترجع إلى الحكيم، لوجوبهوغنائه، فترجع إلى عبيده ونحن قد بينا أن فيه المصلحة العامة لعبيده، فيلزمكون المصلحة عين المفسدة وهو محال.

قالوا: مع وجود الإمام، يخاف العبد فيفعل ويترك، للخوف لا للوجه، وذلك مفسدة قلنا: أما المطيع فلطفه تقريبه إليها، وأما العاصي، فلطفه ترك المعصيةوليس القبيح ترك المعصية لا لكونها معصية، وإنما القبيح اعتقاد تركها، لا لكونهامعصية، ووجه اللطف حصول الاستعداد بالتكرير الموجب لفعل الطاعة وترك المعصيةللوجه على أنه معارض بنصب النبي.

قالوا: الثواب على الطاعة عند فقد الإمام أشد من وجوده فهو مفسدة قلنا:

وجوده ليس ملجئا إليها، فإن كثيرا لا يعلم الإمام حالهم، وما ذكرتم سار أيضافي النبي وفي كل لطف.

قالوا: جاز أن يكون في بعض الأزمان من يستنكف عن الإمام فهو مفسدةلبعض الأنام. قلنا: ذلك نادر [ فيه ] غير عام بل الأكثر على قبول نصب الإماممع أنه معارض بالنبي.

قالوا: لطفية الإمام، ليست في أفعال الجوارح، والشرعيات منها الشرعكاف فيها، على أنه لا يجب الشرع في كل زمان فلا يجب اللطف فيه، والعقلياتإن فعلت لكونها مصلحة دنيوية كما في ترك الظلم، إذ فيه قيام النظام فحينئذ لطفالإمام في مصالح الدنيا وهو غير واجب اتفاقا وإن فعلت لوجوهها المرادة لله فلا

٧٠

اطلاع للإمام على قلوب عباد الله، فعلم من ذلك أن لطفيته ليست في أفعال القلوبأيضا، فانتفت لطفيته مطلقا.

قلنا: بل لطفيته عامة والشرع غير كاف في الشرعيات إذ أكثرها غير كائنفي صدر الاسلام وبعد موت النبي ولا نسلم جواز الخلو من الشرايع والأحكام وإلا، لاختل النظام، وفي ترك الظلم مصلحة دنيوية ودينية، فإنه من التكاليفالسمعية والعقلية وأما لطفه في العقليات، فإن الملازمة بوجوده على فعل الشرعياتيؤثر استعدادا تاما في قصد وقوعها لوجوهها، لا لغيرها (إن الصلاة تنهى عن الفحشاءوالمنكر(١)).

(الفصل الثالث)

نذكر فيه شبهة من أوجب نصب الإمام على الأمة عقلا لا على الله ولا سمعا وهي خمسة:

١ - العقل لا يحكم في التحسين والتقبيح بشئ، فلا يجب على الله شئ.

قلنا: قد بينا حكمه فيهما كيف وصدق الأنبياء عليهم السلام مبني عليهما، فلا تتمشريعة إلا بهما.

٢ - لطفية الإمام مربوطة بتمكينه فإذا علم الله عدمه سقط وجوبه. قلنا: لابل نصبه لطف، وحال كف يده لا يؤمن المكلف كل لحظة من تمكنه. إن قيل:

تصرفه إن كان شرطا في لطفيته وجب على الله تمكينه، وإن لم يكن شرطا سقطتلطفيته قلنا تمكينه إنما هو بخلقه وقبوله وقد فعلاه(٢) ونصرة الرعية له ولم تفعلهوليس تمكينه بخلق الأنصار له ليقهر الرعية على اتباعه، لمنافاة الالجاء التكليفولو جاز أن يقهر الإمام الرعية على طاعته جاز الالجاء والقهر في جميع التكاليفوهو محال.

(١) العنكبوت: ٤٥.

(٢) كذا.

٧١

٣ - القول بالعصمة ممتنع وغير المعصوم ليس بلطف. قلنا: لا بد من عصمةالإمام لئلا يلزم احتياجه إلى إمام كسائر الأنام وسنبين وجودها في الآيات الكرام،على أنا نمنع نفي اللطف عمن ليس بمعصوم.

٤ - لو وجبت عصمة الإمام، لوجبت عصمة نوابه، لاحتياج العباد إليهملتباعد البلاد. قلنا: يكفي في كل زمان وجود معصوم.

قالوا: ويستحيل هنا وجود شيئين يقوم كل منهما مقام الآخر، دفعة.

قلنا: نوابه تراجعه [ فيها و ] فيما يشتبه على أنه معارض بنواب النبي صلى الله عليه وآله.

٥ - يمكن تصور خلو كل زمان من التكاليف الشرعية، فيمكن خلوهمن الإمام التابع لها في اللطفية. قلنا: إنا بينا وجوبه على تقدير التكليفعلى أنه لا يلزم من صحة تصور خلو الزمان وقوع ذلك الخلو، بل الواقع عدمهعلى أن دفع الخوف وقيام النظام إنما يكون بالإمام فهذه الشبهة، ليس لها شبهةنبوت إذ هي أو هي من بيت العنكبوت.

(الفصل الرابع)
* (في إبطال الاختيار) *

قالوا: إذا عقد خمس عدول علما، أو واحد منهم، ورضي باقيهم لرجل هوأهل الإمامة ولم يكن في الوقت إمام ولا عهد لإمام صار المعقود له إماما، لأن عمرعقد لأبي بكر في السقيفة، ورضي أبو عبيدة ابن الجراح وسالم مولى حذيفة وبشر بن سعيد وأسيد بن حضير وفي الشورى عقد عبد الرحمن لعثمان ورضي عليوسعد وطلحة والزبير وبهذا قال القاضي عبد الجبار وأكثر المجوزين للاختيارشرطوا الاجتماع وأجاز الجويني في إرشاده عقدها برجل واحد.

قلنا: لو جاز للأمة اختيار الإمام، جاز لها اختيار النبي، لاتحادهما فياللطف والمصلحة للأنام. ولو جاز ذلك، جاز لها اختيار الشرايع والأحكام لأنهافرع على الأنبياء. وإذا جاز اختيار الأصل جاز الفرع بالأولى، ولأن الاختيار

٧٢

محدث، فهو بدعة لقوله عليه السلام: (إياكم ومحدثات الأمور فإنها بدعة، وكل بدعةضلالة وكل ضلالة في النار(١)) ولأن الله تعالى قال: (وربك يخلق ما يشاءويختار ما كان لهم الخيرة(٢)) وقد أسند الشيرازي في كتابه الذي استخرجه منالتفاسير الاثني عشر - إلى أنس قول النبي صلى الله عليه وآله عند هذه الآية: (إن الله تعالىاختارني وأهل بيتي على الخلق فجعلني الرسول وجعل عليا الوصي، ما كان لهمالخيرة) أي ما جعل [ ت ] للعباد أن يختاروا. ومثله أسند ابن جبر في نخبه إلى أنسأيضا، وقال سبحانه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا، أنيكون لهم الخيرة(٣).

إن قالوا ما قضى الله في الإمامة أمرا. قلنا: مر نقلنا نحن وأنتم في ذلك نصوصالقرآن وأحاديث النبي.

إن قالوا: في الآية إضمار (لا) بعد أن أي أن لا يكون لهم الخيرة، كما أضمرتفي قوله: (يبين الله لكم أن تضلوا(٤)). قلنا: الأصل عدم الاضمار على أنالاضلال لما كان قبيحا لا يصدر منه تعالى، وجب إضمار لا، أما منع العباد منالاختيار، فليس قبيحا فلا ضرورة إلى إضمار لا، وقد قيل: يبين الله لكم وجهالضلالة لتجتنبوها، وحينئذ لا إضمار، ولأنه إذا قضى الله سبحانه أمرا، لم يحتجإلى الاختيار، ولو احتيج إليه، لزم توقف أمر الله ورسوله عليه ولأن صحةالاختيار إن لم تتوقف على قضاء الله كانت بدعة، وكل بدعة ضلالة، وإن توقفتلزم الدور، إذ لا يصح الاختيار إلا بقضاء الله، ولا يكفي قضاء الله إلا بانضمامالاختيار إليه.

وذكر ابن جرير الطبري أن بني كلاب، قالوا للنبي: نبايعك على أن

(١) مشكاة المصابيح ص ٢٧. من حديث جابر.

(٢) القصص: ٦٨.

(٣) الأحزاب: ٣٦.

(٤) النساء: ١٧٥.

٧٣

يكون الأمر لنا بعدك فقال صلى الله عليه وآله الأمر لله إن شاء كان فيكم، أو في غيركم. وروىالماوردي في أعلام النبوة أن عامر بن الطفيل قال للنبي صلى الله عليه وآله ما لي إن أسلمت؟

فقال صلى الله عليه وآله: ما للمسلمين، قال: ألا تجعلني الوالي بعدك؟ قال: ليس ذلك لكولا لقومك.

فدل هذان الحديثان(١) وتانك الآيتان بتفسيرهم على المنع من الاختياروقد قال سبحانه وتعالى: (تؤتي الملك من تشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء، واللهيزكي من يشاء، أهم يقسمون رحمة ربك، نرفع درجات من نشاء(٢)) وفي الاختيارتقديم بين يدي الله ورسوله، فهو دخول في نهي كتابه(٢).

إن قالوا: الاختيار من قضاء الله سبحانه لنفي أفعال العباد، قلنا: نمنع ذلك وقد بيناه في باب إبطال الاجبار، على أن نفي الاختيار في الآية مشروط بقضاء الله ورسوله، ولو انتفى فعل العباد، لزم العبث في الاشتراط.

إن قالوا: في الآية الجمع بين قضاء الله ورسوله: وعندنا أن الرسول لم يقضلأنه لم يوص، فإلينا الاختيار، لأنه لم يوجد مجموع الشرط. قلنا: ليس هناقضاءان لأن قضاء الله هو قضاء رسوله لعموم (وما ينطق عن الهوى(٤).

إن قالوا: نمنع الاتحاد، لأن الله قضى بأشياء ولم يقض بها النبي والآيةدلت على أن قضاء النبي قضاء الله دون العكس. قلنا: بل هما متحدان هنا لأنالإمامة إن قضى بها دون النبي لزمه أن يصل إلى الأمة لا على يد النبي، وهو محالولأن سلم كونه غيره، جاز كون الواو في الآية بمعنى أو، مثل: (مثنى وثلاث ورباع(٥)). وكيف يتم لكم أن للرسول قضاء وقد نفيتم أفعال العباد وقد قال

(١) هذا على أن الحديثين، خ.

(٢) آل عمران: ٢٦. البقرة ٢٦٩. النساء: ٤٨. الزخرف: ٣٢. الأنعام: ٨٣.

(٣) حيث يقول: يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله. الحجرات: ١.

(٤) النجم: ٥.

(٥) النساء: ٤.

٧٤

تعالى لنبيه: (ليس لك من الأمر شئ(١)) فكيف يكون للرعية الجاهلة من الأمرشئ: (قل إن الأمر كله لله)(٢) والإمامة من أعظم الأمور وأهمها. فإلى اللهفعلها لعدم علم الخلق بمحلها، ولو جاز لهم نصب الإمام الذي هو سبب في الأحكامجاز لهم وضع الأحكام الصادرة من الإمام لأن علة السبب علة المسبب ولو كانلهم وضع الأحكام لم يكن الأمر كله لله، وقد اختار آدم أكل الشجرة فعصىوغوى، واختار موسى قومه فجاء على الأفسد اختياره، ونبينا شاور الصحابةفي الأسرى فاختاروا الفداء وصوبه النبي فقال الله (ما كان لنبي أن يكون لهأسرى(٣)) فإذا كانت سادات الأنبياء مع علو قدرهم والمواد المتصلة من الله إليهموقعت المفسدة في اختيارهم، فما ظنك برعيتهم.

وأيضا فإن إمام الأنام من نصبه الإمام، فلو نصبته الرعية كانت إماما للإمامولو صح ذلك لزم خرق الاجماع المنعقد على اتحاد الإمام، ولزم الدور لأنه يكونمأمورا منهم وآمرا لهم.

إن قلت: لا دور، لأن أمرهم له بأن يقوم فيهم وأمره لهم بما فرض اللهعليهم. قلت: قد ذهب جماعة من الأصوليين، إلى أن الأمر بالأمر أمر، فيعلمأن من أمر الإمام بالقيام، ومن جملة قيامه أمر الآمر بالمفروضات، لزم منه كونالآمر بنصبه آمرا لنفسه ضمنا.

قالوا: يدل على جواز الاختيار، قوله عليه السلام: (إن وليتم أبا بكر، وجدتموهقويا في دين الله ضعيفا في بدنه، وإن وليتم عمر، وجدتموه قويا في دين الله قويافي بدنه، وإن وليتم عليا، وجدتموه هاديا مهديا). قلنا: إذا سلمنا صحةالخبر، فلا يدل على صحة الاختيار، والقوة في الدين لا توجبه مع أن غيرهما أقوى

(١) آل عمران: ١٢٨.

(٢) آل عمران: ١٥٤.

(٣) الأنفال: ٦٧.

٧٥

فيه منهما على أن ذكره لهداية علي توجب اختصاصه، لكماله في نفسه فهو مكمللغيره، وإنما عرض بذلك لعلمه بنفورهم عن علي، لحقدهم وأهويتهم، ولما غزىبسيفه قتل أقاربهم، وإهباط منازلهم.

قال الشاعر:

إن الإمامة رب العرش ينصبهامثل النبوة لم تنقص ولم تزد
والله يختار من يرضى وليس لنانحن اختيار كما قد قال فاقتصد

وقال البشنوي:

أنكرتموا حق الوصي جهالةونصبتموا للأمر غير معلم
عوجتم بالجهل غير معوجوأقمتم بالغي غير مقوم
صيرتم بعد الثلاثة رابعامن كان خامس خمسة كالأنجم

وقال السوراوي:

إن رمت تشرب من رحيق الكوثرفاخلص يقينك في ولاية حيدر
وابرأ فما عند الولي(١) إلا البرامن شيخ تيم ذي عصابة حبتر
ودع الصهاكي الزنيم ونعثلاأعني ابن عفان الغوي المفتر
هم غيروا سبل الرشاد وبدلواسنن الهداية بالشنيع المنكر
جحدوا عليا حقه وتقدمواظلما عليه ولم يكن بمؤخر
يا من يقدم حبترا بضلالهلم لا تقدم يوم بدر وخيبر
في أي يوم قدموا لملمةفيقدمون لذاك فوق المنبر
تالله لا أرضى أقايس منهمألفا بشسع نعيلة من قنبر
من يعبد الأصنام ليس بجائز(٢)منه يقايس من له بمكسر
يا آل طه حبكم لي جنةيوم المعاد من الجحيم المسعر

(١)

وابرء فما عقد الولا إلا البرامن شيخ تيم ومن عصابة حبتر. خ.

(٢) بواجب خ ل.

٧٦

وقال المعري:

وهي الدنيا تراها أبدازمرا واردة إثر زمر
يا أبا السبطين لا تحفل بها(١)أعتيق سار فيها أم زفر

(الفصل الخامس)

المختار للإمامة إن وجبت عصمته فلا طريق للمختارين إليها، لأنها منالبواطن، وحسن الظواهر لا يدل عليها، لما علمنا من النفاق في مواطن. وإن لمتجب، جاز اختلافهم في أفراد الناس، بحسب اختلاف الأمارات الداعية إلى التعيينوربما طال الزمان ليقع الاتفاق على الأصلح، بل ربما لا يقع الاتفاق أبدا، ولايخفى ما في ذلك التعطيل من الفساد وإن عمل ببعض ووجب على الآخر اتباعه لزمالرجوع إلى التقليد، عن الاجتهاد.

إن قالوا: لا حاجة إلى اتفاق الكل، بل يكفي الخمسة كما سلف. قلنا:

جاز اختلاف الخمسة، ولهذا أمر عمر بقتل أهل الشورى بعد ثلاثة إذا لم يتفقوا:

على أنه لا حجة في الاقتصار على الخمسة دون ما فوقها وتحتها، بل ما فوقها أولىلكون الظن بإصابته أقوى.

إن قالوا: لم لا يجوز أن يجعل الله الاختيار إلى الأمة لعلمه أنها لا تختارإلا الأصلح. قلنا: من أين علمنا أن الله تعالى علم ذلك. لا بد له من دليل، فلايجب علينا اتباعه حتى نعلم أن الله تعالى علم ذلك.

إن قالوا: جعل الاختيار كافي في دليل ذلك العلم. قلنا: وأين دليل أن اللهجعل الاختيار، بل الكتاب والسنة على نفي الاختيار كما تلوناه من غير إنكار، وأيضا من يختار الإمام إما أن يكون أفضل منه فكيف يصح [ منه ] أن يجعل المفضولإماما على نفسه ويحكمه في أمره، والانسان ليس له أن يستخلف على نفسه كما أنه

(١) لا تجهل بها، خ.

٧٧

ليس له أن يحكم لنفسه. أو يكون مفضولا، فكيف يقبل حكمه بالإمامة على من هوأفضل منه وأيضا فإذا جاز أن يكون الإمام مفضولا عن غيره في العلم وغيره بدرجةجاز كونه مفضولا بدرجتين لعدم الأولوية، وبثلاث، وهكذا إلى أن ينتهي إلىجواز أن يستفتي عن رعيته في وقايع دينه وعبادته وقد لا يجد في ذلك الوقت مسددافيستمر تعطيل الحكومات والعبادات دهرا مديدا.

وقد أضاف الله الاختيار إلى نفسه وجعله مقصورا على الأفضلين في قولهتعالى: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين(١)) وليس اختيار الرسول والإمامخارجا من هذا المقام، لأنه بأمر الملك العلام بسرائر الأنام.

وأيضا فمختار الإمام(٢) لا يملك أمر كل الأمة، فكيف يملكه لغيره. وأيضا جاز لكل فرقة من المسلمين أن يختاروا منهم إماما لكونه يشرفهم، وإن لميجز اختلافهم، فمن يتفقون عليه يلزم منه بطلان اعتقاد من خالفه، وفي ذلك كله[ يلزم ] تكثير الأئمة الموجب للفساد، الموجب لإبطال الاختيار، وكيف جاز للحكيممع شدة رحمته إسناد أمر الإمامة إلى خليقته مع علمه بعدم اتفاقهم وتنازعهم.

وقد أمر الله تعالى بالقتال، حتى لا تكون فتنة، وفي تفويض الأمر إليهم إثارةالفتنة.

إن قيل إنما العبرة بمدينة الرسول صلى الله عليه وآله فمتى عقدوها لشخص وجب اتباعهعلى سائر الأنام. قلنا: أهل المدينة ليسوا كل الأمة، ولا كل المؤمنين، ولا كلالعلماء. وقول النبي: (إن المدينة لتنفي خبثها كما ننفي الكير خبث الحديد(٣))لا ينفعها ذلك لإحداث عثمان ما أحدث فيها وقتله بإجماع أكثرها واشتهار الغلولوأنواع الفسوق منها، وإن أريد جميع أهلها بحيث يدخل المعصوم فيها، كان الاعتمادعلى قوله لا عليهم، وإذا لم ينحصر محل الاختيار في مصر من الأمصار مع تباعد أهل

(١) الدخان: ٣٢.

(٢) يعني الذي يختار الإمام.

(٣) مشكاة المصابيح ص ٢٣٩ والحديث متفق عليه.

٧٨

الاختيار في الأطراف والأقطار، أمكن بل وجب بحسب العادات، نصب كل قومإماما غير الآخر لعدم العلم بفعل الآخر.

وما أصدق ما قيل:

تخالف الناس حتى لا وفاق لهمإلا شجب والخلق في الشجب
فقيل تخلص نفس المرء سالمةوقال بعضهم تشركه في العطب

إن قيل: فالنص حصل منه الاختلاف الموجب للفساد. قلنا: الاختلاف بعدمهأشيع فالنص عليه أنفع، لعموم الضلال بعدمه واهتدى قوم بقدمه، ولا يلزم منمخالفة بعض بطلان نص، فإن ترك العمل بالواجب لا يبطل الواجب.

قال أبو الحسين: لم لا يكون تفويض الاختيار إلى الأمة تغليظا للمحنة وتعريضا لزيادة المثوبة، وقد كان عدم إنزال المتشابهات أقرب إلى ترك الهرجوالفساد في الاعتقادات، فلم يفعل لأجل تشديد التكليفات. قلنا: ذلك معارض بنصالله على أنبيائه، فإن مخالفة الكفار فيهم، لا يمنع من إرسالهم.

(الفصل السادس)

الأمة بعد النبي إما أن تحتاج إلى الإمام، فيجب في حكمة الله نصبه، وقدفعل كما وجب فيها نصب النبي، أولا تحتاج فالاختيار عبث وتصرف بغير أمر مالكالأمر وأيضا فالإمامة إن لم تكن من الدين، فليس لأحد أن يدخل في الدين ماليس منه، وإن كانت منه، فإن كان الله سكت عنها، كان مخلا بالواجب، وهوقبيح ونقص، وإن فعلها بطل الاختيار، وقد فعلها يوم نصب النبي عليا علمافأنزل سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي(١)) فإن بقيبعد ذلك شئ من الدين، كان الله تعالى كاذبا، تعالى الله عن ذلك، وإن لم يبقلزم المطلوب.

(١) المائدة: ٦.

٧٩

وأيضا، فالمختار المحبوب قد يكون شريرا والمعزول المكروه قد يكونخيرا لعدم اطلاع الأمة على البواطن. قال الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاوهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)(إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا(١)) على أن الأمةاجتمعت على قول أبي بكر على المنبر: (وليتكم ولست بخيركم فإن استقمتفاتبعوني وإن اعوججت فقوموني). وروى الطبرسي في احتجاجه قوله: (إنلي شيطانا يعتريني فإذا ملت فسددوني) ومن احتاج إلى الرعية فهو إلى الإمامأحوج، وانعقد الاجماع على أن الإمام لا يحتاج إلى إمام آخر، وإلا لزم الدورأو التسلسل.

قالوا: إنما قال ذلك لأجل المشورة، وقد قال الله تعالى لنبيه: (وشاورهمفي الأمر(٢)) قلنا: مشورة النبي، لم تكن لأجل احتياجه إلى رعيته، لأنهكامل، وبالوحي مؤيد وإنما المراد بها استمالة قلوبهم، ولهذا قال تعالى: (فإذاعزمت فتوكل على الله) ولم يقل فإذا أشاروا فافعل، ولأن في المشورة إظهار نفاقالمنافقين الأجل التحرز منهم كما قال تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول(٣).

وقد قال تعالى (يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم(٤) ونحوها كثير.

وأيضا فقوله: لست بخيركم. إن كان صدقا، فالخير أولى منه، وإن كان كذبالم تصلح الإمامة لكاذب لعدم الوثوق به.

إن قالوا: قال ذلك تخشعا وكراهة لمدح نفسه. قلنا: النبي أولى منهبذلك، ولم يقل: أرسلت إليكم ولست بخيركم، بل قال أنا سيد ولد آدم.

إن قيل: فعلي عليه السلام في نهج البلاغة تمنع بعد قتل عثمان من الإمامة لماأتوا إليه فيها، وذلك مثل قول أبي بكر: أقيلوني. قلنا: تمنعه لعلمه بعدم

(١) البقرة: ٢١٦. والنجم: ٢٨.

(٢) آل عمران: ١٥٩.

(٣) القتال: ٣٠.

(٤) براءة: ٥٧.

٨٠