×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلح الإمام الحسن (ع) من منظور آخر / الصفحات: ٢١ - ٤٠

كثيرة عن الحسن (عليه السلام) خاصة في بداية هذه المرحلة التي دامت (١٧ سنة) تقريباً.

عاش الحسن في بداية هذه الحقبة مع أبويه أحزان رحيل الرسول (صلّى الله عليه وآله) والانقلاب الخطير الذي أقصيَ بموجبه الإمام علي عن الحكم. كان الحسن (عليه السلام) شاهداً على تلك الأحداث يمزق قلبه حزن فراق جده، والحزن لما أصاب أمه وأباه من ويلات القوم وكأنهم يثأرون من وصي الرسول وبنته (عليها السلام) لأجدادهم المشركين وعشائرهم في الجاهلية.

شهد الحسن الهجوم على بيت والديه، والتنكيل بعلي (عليه السلام) وغصب إرث الزهراء.. عاش أجواء المحاصرة لأهل البيت وأنصارهم، وشهد انقلاب القوم على أعقابهم {وَمَا مُحَمّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفإِنْ مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرّ اللهَ شَيْئاً} (آل عمران: ١٤٤).

ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى توفيت الزهراء (عليها السلام) لتكون أول أهل الرسول لحوقاً به كما بشرها النبي على فراش الموت، مصيبة جديدة تهتز لها الطفولة البريئة ولما تلتئم

٢١
جراحات فراق رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ضمته الزهراء آخر لحظات حياتها وهي تجود بنفسها والحسن والحسين يبكيان فراق أمهما الحبيبة، يبكيان موتها مظلومة غريبة. ويشارك الحسن أباه وثلة من أصحابه الخلَّص دفن الزهراء في عتمة الليل عملاً بوصية الزهراء البتول احتجاجاً على الذين ظلموها وغصبوا حقها.. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم!!

في خلافة أبي بكر يروي المحدثون موقفاً للحسن يعكس بوضوح ما يختزنه الإمام على صغر سنه من رفض واحتجاج: فقد رأى الحسن أبا بكر يخطب من فوق المنبر فيندفع نحوه وهو يقول: «انزل عن منبر أبي فيقول له الخليفة: بأبي أنت يابن رسول الله لعمري إنه منبر أبيك لا منبر أبي».

مات الخليفة الأول ولم يتجاوز عمر الحسن عشر سنوات لكنه مع خلافة عمر بن الخطاب بلغ أشده وتخطى سن الطفولة إلى عنفوان الشباب مما يجعلنا ننتظر منه دورا أعظم لكن الحصار المضروب على علي (عليه السلام) وآله سيبقى مستمراً. ولم يخض علي (عليه السلام) في الحياة السياسية إلا بمقدار الضرورة حيث يتدخّل في الحالات الطارئة التي تشكل خطراً غير عادي على الرسالة

٢٢
والأمة. هذا الأمر سيجعل الحسن، حاله حال أبيه على هامش التاريخ الرسمي للخلافة.

وربما أرجع البعض الأمر إلى الحصار الذي ضربه الخليفة عمر على كبار الصحابة ومنعهم من الخروج من المدينة، وقد كان ألحق الحسن والحسين وأبا ذر وسلمان بأهل بدر في العطاء (خمسة آلاف درهم). يقول هاشم معروف الحسني: «ومن المؤكد أنهما (أي الحسن والحسين) لم يشتركا في المعارك الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب بالرغم من أنها قد بلغت ذروتها في مختلف المناطق والانتصارات يتلو بعضهما بعضاً والأموال والغنائم تتدفق على المدينة من هنا وهناك ولم تظهر بادرة للإمام أبي محمد الحسن طيلة عهد الخليفة الثاني في حين أنه كان في السنين الأخيرة من خلافة ابن الخطاب قد أشرف على العشرين من عمره وهو سن يخوّله الاشتراك في الحروب والغزوات ولعلّ السبب في ذلك يعود إلى انصراف أمير المؤمنين عن التدخل في شؤون الدولة والحياة السياسية، ومما لا شك فيه أن عدم اشتراك الإمام في الحروب والغزوات لم يكن مرده إلى تقاعس الإمام وحرصه على سلامة نفسه بل كان كما يذهب

٢٣
أكثر الرواة والمؤرخين لان عمر بن الخطاب قد فرض على كثير من أعيان الصحابة ما يشبه الإقامة الجبرية لمصالح سياسية يعود خيرها إليه»(١).

وتؤكد كتب التاريخ من جهة أخرى مشاركة الحسن في فتح أفريقية بقيادة عبد الله بن نافع وأخيه عقبة في جيش بلغ عشر آلاف مجاهد كما شارك في غزو طبرستان في الجيش الذي جهزه عثمان بقيادة سعيد بن العاص. مع الحسن وعبد الله بن العباس وغيرهم من أجلاء الصحابة.

إزاء عثمان لم يكن للحسن موقف مضاد لموقف أبيه كما تحاول أن توهم بعض الدراسات فالحسن كان رهن إشارة أبيه في محاولاته للإصلاح مهما أمكن وتقريب وجهات النظر بين الثوار وعثمان. وبلغ الإمام علي قصار جهده في الإصلاح لكنه انسحب من الوساطة في الأخير بعد نكول عثمان عن وعوده التي قطعها للثوار وعدم التزامه بما تعهد به عبر وساطة الإمام حتى قال علي (عليه السلام): «والله لقد دافعت عن عثمان حتى خشيت أن أكون آثما».

(١) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشر، ج١ ص٥٣٤.

٢٤
ومن الحوادث التي تؤكد وحدة الموقف بين الحسن وأبيه توديعه أبي ذر مع أبيه و أخيه الحسين حين نفاه عثمان وامتنع الناس عن توديعه إطاعة لأمر الخليفة وخضوعاً لتهديداته ولم يخرج في وداعه سوى علي وكميل والحسن والحسين وعمار.

ووقف مروان بن الحكم يهدد الحسن: «ألا تعلم يا حسن أن الخليفة قد نهى عن وداع أبي ذر والتحدث إليه فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك» ولكن الحسن لم يكترث له وودع أبا ذر بقول بليغ: «يا عماه لولا ينبغي للمودع أن يسكت وللمشيع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف وقد أتى القوم إليك فضع عنك الدنيا بتذكر فراغها وشدة ما اشتد منها برجاء ما بعدها واصبر حتى تلقى نبيك ويحكم الله بينك وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين».

المرحلة الثالثة: الإمام الحسن في ظل حكم علي (عليه السلام).

لم يكن الحسن على خلاف مع أبيه، بل كان مع علي في كل صغيرة وكبيرة لا يعصى له أمر، كيف لا وهو الأدرى بإمامته ومكانته وأن «علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار».

٢٥
أما الروايات التي تعلق بها أصحاب هذا الادعاء، وعلى رأسهم عميد الأدب العربي فقد روى بعضها البلاذري في الأنساب والأشراف وهذا يروي عن المدائني المعروف بعدائه لعلي (عليه السلام) وآله بسند ينتهي إلى طارق بن شهاب كما رواها ابن أبي الحديد عن طارق بن شهاب أيضاً ورواها الطبري عن سيف ابن عمر الذي أكثر من الرواية عنه في تاريخه(١). وهو من الضعف بمكان كما هو معروف.

في عهد علي (عليه السلام) سعى الحسن كما هو حال الأصحاب الأجلاء من خاصة علي لإنقاذ الخلافة وإصلاح حال الأمة بعدما فعل فيها الانحراف ما فعل. فكان رفيق درب أبيه في كل الحروب والوقائع: صفين والجمل والنهروان...

ولم يتوقف دوره على القتال بل اعتمد عليه أمير المؤمنين في مهمات أخرى مثل المهمة التي أوكله إياها الإمام علي باستنفار أهل الكوفة للقتال معه في حرب البصرة فسار الحسن (عليه السلام) مع عمار بن ياسر وزيد بن حومان وقيس بن سعد وخطب الحسن في الناس واستنفرهم للخروج وكان أبو موسى يثبّط عزائم

(١) هاشم معروف الحسني: مصدر سابق ص٥٤٢.

٢٦
الناس ويدعو هم لعدم الخروج مدعيا انه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم والنائم خير من القاعد فرد عليه عمار بن ياسر وقال: إذا صح! أنك سمعت رسول الله يقول ذلك فقد عناك وحدك فالزم بيتك أما أنا فاشهد الله أن رسول الله قد أمر علياً بقتال الناكثين وسمي لي منهم جماعة وأمره بقتال القاسطين وإن شئت لأقيمن لك شهوداً أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد نهاك وحدك وحذرك من دخول الفتنة.

وأمر الحسن أبا موسى الأشعري بالتنحي قائلاً: «اعتزل عملنا لا أم لك وتنح عن منبرنا» ودخل مالك الأشتر القصر وأخرج الحرس منه، وخرج أبو موسى من المسجد واستجاب الناس للحسن وخرج معه للبصرة اثنا عشر ألفاً.

فالحسن كان حاضراً في كل مواقع القتال وإن كان علي يضنّ به وبأخيه الحسين فقد جاء في نهج البلاغة حين رأى الحسن يندفع في المعركة «املكوا عني هذا الغلام لا يهدني فإنني أنفس بهذين (يعني الحسن والحسين) على الموت لئلا ينقطع بهما نسل

٢٧
رسول الله (صلّى الله عليه وآله)»(١).

وتؤكد المصادر الموثوقة أن الحسن بقي إلى جانب والده إلى آخر لحظة وكان يعاني ما يعانيه أبوه من أهل العراق ويتألم لآلامه ومتاعبه وهو يرى معاوية يبث دعاته في أنحاء العراق ويغوي السادة والزعماء بالأموال والمناصب حتى فرق أكثرهم عنه وأصبح أمير المؤمنين يتمنى فراقهم بالموت أو بالقتل ثم يبكي ويقبض لحيته ويقول متى ينبعث أشقاها فيخضب هذه من هذا(٢).

وينبعث أشقاها فجر التاسع عشر من شهر رمضان ليغتال علياً وهو في أوج الاستعداد لقتال أهل الشام..

واستشهد الإمام في الحادي والعشرين من رمضان سنة ٤١هـ، وقبل وفاته يوصي لابنه الحسن (عليه السلام):

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال أوصى أمير المؤمنين إلى الحسن وأشهد على وصيته الحسين ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتب والسلاح ثم قال لابنه

(١) نهج البلاغة: الخطبة ٢٠٧ من خطب أمير المؤمنين.

(٢) هاشم معروف الحسني: مصدر سابق ص٥٥٢.

٢٨
الحسن:

«يا بني أمرني رسول الله أن أوصي إليك وأن أدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي رسول الله ودفع إليّ كتبه وسلاحه وآمرني أن أمرك إذا حضرك الموت أن تدفعه إلى أخيك الحسين..

ثم أقبل على ابنه الحسن فقال: يا بني أنت وليّ الأمر ووليّ الدم فإن عفوت فلك وإن قتلت فضربة مكان ضربة ولا تأثم»(١).

المرحلة الرابعة: من استشهاد أمير المؤمنين إلى عقد الصلح.

اجتمع الناس في مسجد الكوفة ينتظرون تأبين الفقيد الغالي علي (عليه السلام)، فقام الحسن (عليه السلام) خطيباً: «قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون بعمل لقد كان يجاهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيسبقه بنفسه ولقد كان يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجع حتى

(١) الكليني: أصول الكافي، كتاب الحجة باب الإشارة والنص على الحسن الحديث رقم ٥.

٢٩
كتاب صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر لـ الأسعد بن علي (ص ٣٠ - ص ٥٣)

٣٠
وجاء في الكامل في التاريخ أن أول من بايعه هو قيس بن سعد الأنصاري وقال له: «مدّ يدك على كتاب الله وسنة نبيه وقتال المحلّين فقال الحسن على كتاب الله وسنة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط فبايعه الناس وكان الحسن يشترط عليهم أنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت»(١).

إلى جانب الكوفة بايعت البصرة والمدائن وسائر العراق وبايعه الحجاز واليمن وفارس ولم يتخلف عن البيعة سوى معاوية ومن والاه.

وشرع الحسن في تنظيم أمور الدولة واتخذ جملة من الإجراءات أهمها: تعيين الولاة وبادر إلى زيادة أفراد الجيش في عطائهم إدراكا منه لما أصاب هذا الجيش من جراحات بعد الحروب العديدة التي خاضها مع الناكثين والمارقين والقاسطين.

وأرسل كتاباً إلى معاوية يدعوه فيه للدخول فيما دخل فيه الناس وإن يدع البغي ويحقن دماء المسلمين ويهدده إن هو أبى بالقتال:

(١) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج٣ ص٧٤٢.

٣١
«واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فو الله مالك خير في أن تلقى الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق ليطفئ الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين. وإن أنت أبيت إلاّ التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين وحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين»(١).

وردّ معاوية بردٍّ يعبق علواً واستكباراً رافضاً عروض الحسن بالدخول في البيعة مدّعياً أنه أولى بالخلافة:

«قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك لهذه الأمة تجربة وأكثر منك سياسة وأكبر منك فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق من مال بالغاً ما بلغ.. (إلى أن يقول:) والحال بيني وبينك اليوم مثل الحال الذي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) فلو علمت أنك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع الأموال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلا»(٢).

(١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٧.

(٢) م س ص ٢٢٨.

٣٢
وأرسل معاوية في الآفاق يجمع قواه ويستنفر الجنود، وما فتئ يراسل الحسن مرغباً تارة بما يريد من الخراج وأن يكون الأمر له من بعده ومُهدِّداً طوراً آخر بأن يقتل على يد رعاع الناس..

ولم يغيّر الحسن (عليه السلام) موقفه البتة وبقي ثابتاً على خياره، وكتب له ردّاً يتعالى فيه عن الخوض في التفاصيل قائلاً:

«تركت جوابك خشية البغي عليك وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله وعليّ إثم أن أقول فأكذب والسلام».

وأدرك معاوية أن الحسن مصمم على محاربته فسار نحو العراق، وبلغ الحسن سير معاوية وأنه وصل جسر منبج فأمر الناس والعمال بالتهيؤ ونادى مناديه في الكوفة يدعوهم للتجمع في المسجد وخطب فيهم الحسن (عليه السلام):

«..أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه وسماه كرهاً ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: اصبروا إن الله مع الصابرين.. فلستم أيها الناس نائلين ما تحبون إلا بالصبر على ما تكرهون. بلغني إن معاوية بلغه أنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك، أُخرجوا رحمكم الله

٣٣
إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا»(١).

ولكن الناس سكتوا وما تكلم منهم أحد‍!! فقام أصحاب الإمام عدي بن حاتم وسعد بن عبادة، ومعقل بن قيس الرياحي وزياد بن صعصعة فأنّبوا الناس على سكوتهم وحرضوهم على الخروج، وسار الحسن وخرج الناس معه إلى أن بلغوا دير عبد الرحمن، فأقام به ثلاثاً حتى تجمّع الناس.

وفي دير عبد الرحمن انقسم جيش الحسن إلى قسمين حيث أرسل الإمام عبيد الله بن العباس ليلقى معاوية في مسكن وقال له:

«يابن عم إني باعث إليك اثني عشر ألفاً من فرسان العرب وقراء المصر، الرجل منهم يزيد الكتيبة فَسِر بهم وليّن لهم جانبك وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثم تصير إلى مسكن ثم امض حتى تستقبل بهم معاوية فإن أنت لقيته فاحبسه حتى آتيك فإني على أثرك وشيك.. وليكن خبرك عندي كل يوم.. وإذا لقيت معاوية فلا تقاتله حتى يقاتلك فإن فعل فقاتله وان أُصبت فقيس بن

(١) م ن ص: ٢٢٩.

٣٤
سعد على الناس وإن أُصيب قيس بن سعد فسعيد بن قيس على الناس»(١).

وسار عبيد الله حتى أتى مسكن (اسم مكان على نهر دجيل) وسار الحسن حتى نزل ساباط (اسم مكان قرب المدائن).

وهنا انطلقت مؤامرات معاوية ببث الدعايات والدعايات المضادة بين شقّي جيش الحسن؛ واستطاع أن يستميل عبيد الله بن العباس بعد أن بث دعاية في العسكر أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلما تقتلون أنفسكم؟

لقد انطلت الحيلة على عبيد الله بن العباس الذي أعزاه معاوية بقوله: «إن الحسن راسلني في الصلح وهو مسلم الأمر إليّ فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعاً وإلا دخلت وأنت تابع ولكن إن أجبتني الآن أنا أعطيك ألف ألف درهم أُعجّل لك في هذا الوقت نصفها وإذا دخلتُ الكوفة النصف الآخر».

وانسلّ عبيد الله بن العباس إلى جيش معاوية ومعه بضعة آلاف من جيش الحسن وأصبح الناس ينتظروه للصلاة فلم

(١) شرح ابن أبي الحديد: مصدر سابق ص٢٣٠.

٣٥
يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطب فيهم فثبّتهم وذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر والنهوض إلى العدو فأجابوه.. وخرج بسر بن أرطأة فصاح يا أهل العراق ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع وإمامكم الحسن قد صالح فعلام تقاتلون أنفسكم فقال لهم قيس بن سعد: اختاروا إما أن تقاتلوا بلا إمام أو تبايعوا بيعة ضلال. فقالوا بل نقاتل بلا إمام. وحاول معاوية استمالة قيس بكل وسيلة فكتب إليه قيس: «والله لا تلقاني أبداً إلا بيني وبينك الرمح».

ولم تتوقف حدود المؤامرة على جيش مسكن فقد تآمر معاوية على النصف الآخر من الجيش حيث أرسل مبعوثين إلى الحسن حملوا إليه كتب بعض أعيان الكوفة ممن كاتبوا معاوية يطالبونه الأمان ويعدونه تسليم الحسن إليه وكان من مهمة هذا الوفد ترويج دعاية مفادها أن الحسن سيصالح معاوية فاضطرب المعسكر وزاد اضطراباً مع وصول أنباء مسكن فنادى الحسن الصلاة جامعة وخطب في الناس قائلاً:

«أما بعد فو الله أني لأرجو أن أكون قد أصبحت بحمد الله ومنّه وأنا أنصح خلقه لخلقه وما أصبحت محتملاً على مسلم

٣٦
ضغينة ولا مريد له بسوء ولا غائلة. ألا وإن ما تكرهون في الجماعة خير لكم مما تحبون في الفرقة ألا وإني ناظر لكم خير من نظركم لأنفسكم فلا تخالفوا أمري ولا تردوا علي رأي غفر الله لي ولكم وأرشدني لما فيه محبته ورضاه إن شاء الله»(١).

فنظر الناس بعضهم لبعض، وقالوا ما نراه إلا يريد الصلح مع معاوية كفر الرجل! وشدوا على فسطاطه وانتهبوه وأخذوا مصلاه من تحته وهموا بقتله لكن خاصة من أنصار الإمام أحاطوا به، وركب فرسه ولما بلغ مظلم ساباط قام رجل وقال: «يا حسن أشرك أبوك ثم أشركت أنت» وطعنه بالمعول فوقعت في فخذه. وحُمل الإمام إلى المدائن على سرير وبها سعيد بن مسعود الثقفي واليا عليها من قبله وقد كان علياً ولاه على المدائن فأمّره الحسن عليها، فأقام عنده يعالج نفسه.

وازدادت بصيرة الحسن (عليه السلام) بخذلان القوم وفساد نيات المحكّمة فيه لما أظهروه من السب والتكفير له واستحلال دمه ونهب أمواله ولم يبق معه من يأمن غوائله إلا خاصة من شيعة أبيه وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وأنفذ إليه بكتب أصحابه

(١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٣١.

٣٧
الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه.. فاشترط له على نفسه في إجابته إلى صلحه شروط كثيرة وعقد له عقوداً كان في الوفاء بها مصالح شاملة فلم يثق الحسن بامتثاله غير أنه لم يجد بدا من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة(١).

ولما عزم الحسن على الصلح قام فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال:

«إنا والله ما يثنينا شك في أهل الشام ولا ندم وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر فشيبت السلامة بالعداوة والصبر بالجزع وكنتم في مسيركم إلى صفين ودينكم أمام دنياكم وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم ألا وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له وقتيل بالنهروان تطلبون ثأره وأما الباقي فخاذل وأما الباكي فثائر ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عز ولا نصفة فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبي السيوف وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى».

(١) المفيد: الإرشاد، الأعلمي ط٣ ١٩٨٩ ص١٩٠.

٣٨
فناداه الناس من كل جانب البُقيَة! البُقيَة..(١)

هكذا اختار ما تبقى من الجيش الحياة.. ورضوا بالصلح.. وسيأتي في الفصل اللاحق تفصيل عنه..

المرحلة الخامسة: من العودة إلى المدينة إلى الاستشهاد.

لم يبق الحسن (عليه السلام) طويلاً في الكوفة بعد عقد الصلح وغادر نحو المدينة مع الحسين وأهل بيته. وجعل الناس يبكون ويسألونه ما حملك على ما فعلت؟ فيقول: «كرهت الدنيا ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحد أبداً إلا غلب، ليس أحد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً فليت شعري لمن يصلحون بعدي»(٢).

وقبل أن يتجاوز موكب الحسن (عليه السلام) الكوفة كثيراً أرسل إليه معاوية أن ارجع لتقاتل طائفة من الخوارج أعلنوا العصيان والتمرّد في جوارها فأبى أن يرجع وكتب إلى معاوية «لو آثرت أن أقاتل أحداً من

(١) ابن الأثير: الكامل، ج٣ ص٤٠٦.

(٢) ابن الأثير: الكامل، ج٣ ص٤٠٧.

٣٩
أهل القبلة لبدأت بقتالك قبل أي أحد من الناس»(١).

واستقرّ الإمام الحسن بالمدينة ودامت هذه الفترة من سنة (٤١هـ) عام الصلح إلى سنة (٥١هـ) سنة استشهاده.

وتفرغ الإمام في هذه المرحلة لنشر الإسلام وخدمة دين الله وتعليم أحكامه وتعاليمه. فعن السيوطي في تدريب الراوي أنه «كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم فكرهها كثير منهم وأباحها طائفة وفعلوها منهم علي وابنه الحسن»(٢).

وبفضل جهوده المباركة قامت مدرسة علمية بالمدينة: ذكر المؤرخون بعض أعلامها: ومنهم ابنه الحسن المثنى والمسيب بن نخبة، سويد بن غفلة والعلاء ابن عبد الرحمن والشعبي وهبيرة بن بركم والأصبغ بن نباتة وجابر بن خلد وأبو الجوزا وعيسى بن مأمون بن زرارة ونفالة بن المأموم وأبو يحيى عمير بن سعيد النخعي وأبو مريم قيس الثقفي وطحرب العجلي وإسحاق بن يسار والد محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن

(١) م ن ص: ٣٠٨.

(٢) محسن الأمين: أعيان الشيعة، دار التعارف ١٩٧٦ ج١ ص٥٧٧.

٤٠