×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلح الإمام الحسن (ع) من منظور آخر / الصفحات: ٤١ - ٦٠

قيس(١).

وقد أصبحت يثرب بفضل هؤلاء عاصمة العلم والدين والأدب وأصبح الإمام الحسن ملاذ الباحثين والدارسين. ففي تحف العقول، كتاب من الحسن البصري يسأل الإمام عن اختلافهم في القدر وحيرتهم في الاستطاعة وعقب قائلاً:

«فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك (عليهم السلام) فإن من علم الله علمكم وأنتم شهداء على الناس والله الشاهد عليكم ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم».

فأجاب الحسن (عليه السلام):

«بسم الله الرحمن الرحيم وصل إليّ كتابك ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذا ما أخبرتكم، أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره إن الله يعلمه فقد كفر ومن أحال المعاصي على الله فقد فجر. إن الله لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد سدى من المملكة بل هو المالك لما ملّكهم والقادر على ما عليه أقدرهم بل أمرهم تخييرا ونهاهم تحذيرا فإن ائتمروا بالطاعة لم

(١) باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن، دار البلاغة ص٢٨٠ (نقلا عن تاريخ ابن عساكر).

٤١
يجدوا عنها صاداً وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا ألزموها كرهاً بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم لا جبراً لهم على ما أمرهم به فيكون كالملائكة ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه ولله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين والسلام على من اتبع الهدى»(١).

هذا إشعاع الحسن العلمي، وأما الإشعاع الآخر فهو الخلق الرفيع والآداب المعنوية التي بثها الإمام بين الناس فهيمن على القلوب وفرض احتراماً وإجلالاً على الجميع، فقد تحدثت كتب الروايات عن قصص تواضعه وإجارته للفارين من بطش معاوية وعماله.

وكان إذا صلى الغداة في مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله) جلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس فيجلس إليه سادة الناس يسألون عن أمور دينهم ويتحدثون بين يديه، وكان إذا توضأ تغير لونه، وإذا ذكر الموت أو البعث أو الصراط يبكي حتى يغشى عليه وإذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم وسأل الله الجنة

(١) الحراني: تحف العقول، مؤسسة الأعلمي ص١٦٦.

٤٢
وتعوذ من النار.. وقد قاسم الله ماله ثلاث مرات وخرج منه كله مرتين وحج خمساً وعشرين حجة وأن النجائب لتقاد بين يديه وهو ماش على قدميه يقول: «أستحي من ربي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته».

وإذا رآه الناس ترجلوا احتراماً له وإكراماً، فإذا أعياهم المشي جاء بعضهم إلى الإمام وطلبوا منه أن يركب أو أن يبتعد عن الطريق لأن الناس لا تجرؤ على الركوب والإمام يسير فينحرف الإمام بمن معه عن جادة الطريق ليركب الناس رواحلهم.

وفي الواقع، المصادر التاريخية لا تسعفنا بكثير من المعلومات عن الحسن في هذه المرحلة أيضاً، ولكن هناك حدثان لا بد من الإشارة إليهما لقوّة دلالتهما وهما:

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  الحدث الأول:

رفضه (عليه السلام) مصاهرة معاوية، فقد أرسل معاوية إلى عامله في المدينة مروان بن الحكم ليخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد فأجابه عبد الله إن أمر نساءنا بيد الحسن بن علي فاخطب منه.

فأقبل مروان إلى الإمام فخطب منه ابنة عبد الله فقال (عليه السلام)

٤٣
اجمع من أردت فجمع مروان الهاشميين والأمويين في صعيد واحد وخطب فيهم أن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أخطب زينب بنت عبد الله بن جعفر ليزيد ابن معاوية على حكم أبيها في الصداق وقضاء دينه بالغاً ما بلغ.

فقام الإمام الحسن: ونقض كلام مروان.. وقال: «وقد رأينا أن نزوج زينب من ابن عمها القاسم محمد بن جعفر وقد زوجتها منه وجعلت مهرها ضيعتي التي لي بالمدينة».

ولما بلغ معاوية ذلك قال:


خطبنا إليهم فلم يفعلواولو خطبوا إلينا لما رددناهم(١)

[image] - مركز الأبحاث العقائدية  الحدث الثاني:

قدوم وفد من الكوفة للإمام يطلبون منه نقض العهد بعد أن أخلّ معاوية بشروطها والرجوع إلى الحرب ولكن الحسن (عليه السلام) ردهم رداً جميلاً موضحاً لهم الاستراتيجية الجديدة التي اعتمد عليها: التريث ما دام معاوية حياً، وقال لهم: ليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام معاوية حيا فإن يهلك معاوية ونحن وأنتم أحياء سألنا الله العزيمة على

(١) باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن، ص٢٨٨.

٤٤
رشدنا والمعونة على أمرنا وان لا يكلنا إلى أنفسنا فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون(١).

وضاق معاوية ذرعاً بالحسن (عليه السلام) الذي يزداد نفوذه الروحي والعلمي يوما بعد آخر في المدينة وفي أنحاء العالم الإسلامي. وأحس أن الحسن قد ورطه في هذه الشروط التي طفق ينقضها واحدا بعد آخر ويفضح نفسه أكثر فأكثر.. وقَدَّر أن خطته بتوريث الملك لابنه يزيد لن تمرّ والحسن موجود فقرّر اغتيال الإمام، فأوكل معاوية تنفيذ المهمة إلى إحدى زوجات الحسن (عليه السلام) وهي جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي التي سقته السم وقد كان معاوية دس إليها أنك إن احتلت في قتل الحسن وجهت إليك بمائة ألف درهم وزوجتك يزيد فكان ذلك الذي بعثها على سمّه فلما مات وفى لها معاوية بالمال وأرسل إليها إنا نحب حياة يزيد لولا ذلك لوفينا لك تزويجه(٢).

ولما أحس الحسن (عليه السلام) ما أصابه وأدرك قرب منيته قال للحسين: «لقد سقيت السم مراراً ما سممت مثل هذه المرة لقد

(١) راض آل ياسين: صلح الحسن ص٣٠٢.

(٢) المسعودي: مروج الذهب، ج٣ ص٥.

٤٥
لفظت قطعة من كبدي فجعلت أقلبها بعود معي فقال الحسين: من سقاك؟ فقال أتريد أن تقتله إن يكن هو فالله أشد نقمة منك وإن لم يكن هو فما أحب أن يؤخذ بي بريء»(١).

وأوصى الحسن حسيناً؛ ومما جاء في وصيته:

«فإني أوصيك يا حسين بمن خلفت من أهلي وولدي وأهل بيتك أن تصفح عن مسيئهم وتقبل من محسنهم وتكون لهم خلفاً ووالدا وأن تدفنني مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فإني أحق به وببيته فإن أبوا عليك فأنشدك الله وبالقرابة التي قرب الله منك والرحم الماسة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألا يهراق من أمري محجمة من دم حتى تلقى رسول الله فتخصمهم وتخبره لما كان من أمر الناس إلينا»(٢).

وكان تجهيز الحسن وتشييعه في موكب لم تعهد المدينة له مثيلاً حيث تداعى الناس من كل حدب وصوب يودعون ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتى قيل إنه لو طرحت إبرة في البقيع حيث دفن الحسن أخيراً لما وقعت إلا على رأس إنسان لشدة الزحام.

(١) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة، ج١٦ ص٢٣٦.

(٢) محسن الأمين: أعيان الشيعة، ج١ ص٥٨٥.

٤٦
ولما همّ الحسين أن يدفن أخاه الحسن كما أوصاه عند جده مُنع من ذلك، وقيل إن عائشة هي التي بادرت بالمنع، وتقول مصادر أخرى إن مروان بن الحكم جمع بني أمية وهم بدورهم استنفروا عائشة، وجاء في شرح النهج: إن عائشة يومذاك ركبت بغلاً واستنفرت مروان بن الحكم وبنو أمية.. وذلك قول القائل «فيوماً على بغل ويوماً على جمل».

وقول ابن أخيها القاسم بن محمد: «يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين أن يقال يوم البغلة الشهباء».

٤٧

الفصل الثاني:



معاهدة الصلح..
البنود والسياق التاريخي



اختلف المؤرخون في متعلقات الصلح: بنوده، مكانه، زمانه بالضبط.. ومَن طلب الصلح أوّلا؟.. الخ..

وما يهمنا أساساً بنود هذا الصلح؛ حيث رجحنا من خلال الفصل الأول أن يكون الصلح طلباً من معاوية، لقي استجابة من الإمام الحسن (عليه السلام) لأسباب سنذكرها فبعض الروايات تذكر أن معاوية بعث للإمام الحسن كتاباً مختوماً وطلب منه أن يشرط ما يريد، ذكر ذلك الطبري وابن الأثير، ولكن معاوية نكل لما كان الإمام الحسن قد بعث له في الصلح واشترط عليه شروطا قبل أن يصل إليه كتاب معاوية.

٤٨
وتفيد بعض الروايات الأخرى أن الإمام الحسن (عليه السلام) أرسل سفيرين إلى معاوية هما عمرو بن سلمة الهمداني ومحمد بن الأشعث الكندي ليستوثقا من معاوية ويعلما ما عنده فأعطاهما هذا الكتاب:


بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب للحسن بن علي من معاوية بن أبي سفيان..

إني صالحتك أن لك الأمر من بعدي ولك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله محمد (صلّى الله عليه وآله) وأشد ما أخذه الله على أحد من خلقه من عهد وعقد لا أبغيك غائلة ولا مكروها وعلى أن أعطيك في كل سنة ألف ألف درهم من بيت المال وعلى أن لك خراج يسار دار أبجرد تبعث إليهما عمالك وتصنع بهما ما بدا لك(١).

وفي رواية ثالثة يرويها بعض المؤرخين أن الإمام كتب إلى معاوية يخبره أنه يصير الأمر إليه على أن يشترط عليه أن لا يطلب أحد من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه فأجابه معاوية وكاد يطير فرحا إلا أنه قال أما عشرة

(١) انظر: باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن بن علي، ج٢ دار البلاغة ط١٩٩٣ ص٢٢١ و ٢٢٧.

٤٩
أنفس فلا أؤمنهم فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول إني قد آليت متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده فراجعه الحسن أني لا أبايعك أبداً وأنت تطلب قيساً أو غيره بتبعة قلّت أو كثرت فبعث إليه معاوية حينئذٍ برقّ أبيض وقال اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه فاصطلحا على ذلك واشترط عليه الحسن أن يكون له الأمر من بعده فالتزم ذلك كله معاوية(١).

وذكر جماعة من المؤرخين أن الإمام ومعاوية اصطلحا فارتضيا بما احتوته الوثيقة الآتية وقد وقع عليها كل منها: وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما صالح عليه الحسن بن علي بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان صالحه على أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين وعلى أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم وعلى أن أصحاب علي وشيعته

(١) انظر: باقر شريف القرشي: حياة الإمام الحسن بن علي، ج٢ دار البلاغة ط١٩٩٣ ص٢٢١ و ٢٢٧.

٥٠
آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء وبما أعطى الله من نفسه وعلى أن لا يبغي للحسين بن علي ولا لأخيه الحسن ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق شهد عليه فلان بن فلان وكفى بالله شهيداً(١).

وذكر صاحب شرح النهج رواية مفادها: أن معاوية بعث عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن للصلح فدعواه إليه فزهداه في الأمر وأعطياه ما شرط له معاوية وألا يتبع أحد بما مضى ولا ينال أحد من شيعة علي بمكروه ولا يذكر علي إلا بخير وأشياء شرطها الحسن فأجاب إلى ذلك وانصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة وانصرف الحسن أيضاً إليها وأقبل معاوية قاصدا نحو الكوفة، واجتمع إلى الحسن (عليه السلام) وجوه الشيعة وأكابر أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) يلومونه ويبكون إليه جزعاً مما فعله(٢).

(١) انظر باقر القرشي: م س ص٢٢٦.

(٢) ابن أبي الحديد: شرح النهج، م س ج١١ ص٢٣٣.

٥١
ولأجل تجاوز هذه التناقضات والاختلاف في الروايات والوصول إلى أقرب صورة عن واقع الصلح قام الشيخ راضي آل ياسين في كتابه (صلح الحسن) بمحاولة للتنسيق بين هذه الشروط المتناثرة في الروايات المختلفة وصاغها في شكل بنود خمسة: وهي:

- المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله (صلّى الله عليه وآله) وبسيرة الخلفاء الصالحين.

- المادة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده فإن حدث به حدث فلأخيه الحسين وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.

- المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وان لا يذكر عليا إلا بخير.

- المادة الرابعة: استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف يشمله تسليم الأمر وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن كل عام ألفي ألف درهم وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم وان يجعل ذلك من خراج دار أبجرد (مدينة داراب ولاية

٥٢
بفارس على حدود الأهواز).

- المادة الخامسة: على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويَمَنهم وأن يؤمّن الأسود والأحمر وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم وأن لا يتبع أحد بها بما مضى وأن لا يأخذ أهل العراق بأحنة وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا وان لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم وان لا يتعقب عليهم شيئاً ولا يتعرض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا. وعلى أن لا ينبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولأحد من أهل بيت رسول الله غائلة سراً ولا جهراً ولا يخيف أحداً منهم في أفق من الآفاق.

هذه أهم البنود كما أوردها الشيخ آل ياسين: وانفرد صاحب كتاب حياة الإمام الحسن (عليه السلام) ببندين لم يذكرهما الأول وهما:

أولاً: أن لا يسميه أمير المؤمنين (نقلا عن تذكرة الخواص للجوزي).

٥٣
كتاب صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر لـ الأسعد بن علي (ص ٥٤ - ص ٧٨)

٥٤
ألا أن كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين ولا يصلح الناس إلا ثلاث إخراج العطاء عند محله وإقفال الجنود لوقتها وغزو العدو لداره فإن لم تغزوهم غزوكم»(١).

وذكر صاحب شرح النهج أن معاوية قال في خطبته: «ألا أن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به(٢).

وذكر أن معاوية ذكر علياً (عليه السلام) فنال منه ثم نال من الحسن فقام الحسين (عليه السلام) ليرد عليه فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثم قام فقال أيها الذاكر علياً أنا الحسن وأبي علي وأنت معاوية وأبوك صخر وأمي فاطمة وأمك هند وجدي رسول الله وجدك عتبة بن ربيعة وجدتي خديجة وجدتك قتيلة فلعن الله أخملنا ذكراً وألأمنا حسباً وشرّنا قديماً وحديثاً وأقدمنا كفراً ونفاقاً، فقال طوائف من أهل المسجد آمين»(٣).

ومما جاء في خطاب الحسن (عليه السلام) أيضاً:

(١) راضي آل يس: صلح الحسن، م س ص٢٨٥.

(٢) ابن أبي الحديد: م س ص٢٣٤.

(٣) م ن ص٢٣٥.

٥٥
«الحمد لله الذي توحد في ملكه وتفرد في ربوبيته يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء. والحمد لله الذي أكرم بنا مؤمنكم وأخرج من الشرك أولكم وحقن دماء آخركم فبلاؤنا عندكم قديماً وحديثاً أحسن البلاء إن شكرتم أو كفرتم، أيها الناس إن ربّ علي كان أعلم بعلي حين قبضه إليه ولقد اختصه بفضل لم تعتادوا مثله ولم تجدوا مثل سابقته فهيهات هيهات! طالما قلّبتم له الأمور حتى أعلاه الله عليكم وهو صاحبكم وعدوكم في بدر وأخواتها جرّعكم زنقاً وسقاكم علقاً وأذلّ رقابكم وأشرقكم بريقكم فلستم ملومين على بغضه وأيم الله لا ترى أمة محمد خفضاً ما كانت سادتهم وقادتهم في بني أمية ولقد وجه الله إليكم فتنة لن تصدوا عنها حتى تهلكوا لطاعتكم طواغيتكم وانضوائكم إلى شياطينكم فعند الله أحتسب ما ينتظر من سوء دَعَتكم وحيف حكمكم ثم قال: يا أهل الكوفة لقد فارقكم بالأمس سهم من مرامي الله صائب على أعداء الله، نكال على فجار قريش، لم يزل آخذاً بحناجرها جاثماً على أنفاسها ليس بالملومة على أمر الله ولا بالسروقة لمال الله ولا بالفروقة في حرب أعداء الله أعطى الكتاب خواتمه وعزائمه دعاه
٥٦
فأجابه وقادة فاتبعه لا تأخذه في الله لومة لائم فصلوات الله عليه ورحمته»(١).

ومما ذكره ابن الأثير في الكامل أن الحسن (عليه السلام) خطب فقال:

«أيها الناس إنما نحن أمراؤكم وضيفانكم ونحن أهل بيت نبيكم الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وكرر ذلك حتى ما بقي في المجلس إلا من بكى حتى سمع نشيبه»(٢).

وفي البحار أن الإمام الحسن قال:

«وأن معاوية زعم لكم أنني رأيته للخلافة أهلاً ولم أر نفسي لها أهلاً فكذب معاوية نحن أولى الناس بالناس في كتاب الله عز وجل وعلى لسان نبيه ولم نزل أهل البيت مظلومين منذ قبض الله نبيه»(٣).

وأما قيس بن سعد الذي كان يرفض الصلح ويتمسك بقتال معاوية مع أربعة آلاف فارس فإنه اضطر في النهاية للبيعة بعد أن

(١) م ن ص٢٢٣.

(٢) ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج٣ ص٤٠٦.

(٣) المجلسي: بحار الأنوار، ج١٠ ص١١٤.

٥٧
أذن له الإمام الحسن (عليه السلام)؛ فقد روي أن الحسن لما صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد أربعة آلاف فارس فأبى أن يبايع فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع فأقبل على الحسن فقال أفي حلّ أنا من بيعتك؟ فقال نعم فألقى له كرسي وجلس على سرير والحسن معه فقال له معاوية أتبايع يا قيس! قال نعم ووضع يده على فخذه ولم يمدها إلى معاوية فجاء معاوية من سريره وأكب على قيس حتى مسح يده على يده وما رفع إليه قيس يده»(١).

ولم يبق الإمام الحسن (عليه السلام) إلا أيام قلائل في الكوفة بعد الصلح توجه من بعدها إلى المدينة.

وبعد معرفة بنود الصلح وإطاره التاريخي يمكن أن نحلل مواده ونرى ما كان مصيرها من حيث التزام الطرفين بها وعدم التزامهما بها.

فالقراءة الموضوعية للمعاهدة تكشف أنها مشحونة بالقيود والالتزامات بالنسبة لمعاوية: العمل بكتاب الله وسنة رسوله، عدم سب أمير المؤمنين، عدم ملاحقة الشيعة وتحقيق الأمن

(١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١١ ص٢٣٦.

٥٨
العام للناس، إعطاء الحسن ما حدد له من عطاء وكذلك للهاشميين ولأنصار آل البيت، عدم العهد بالأمر لأحد من بعده.

بينما لا يوجد إلزام بالنسبة للإمام الحسن سوى تسليم الأمر لمعاوية.

وهذا يؤكد أن العهد وكأنه تعويض لحق فوّت فيه الإمام لظروف قاهرة مقابل التزامات من قبل معاوية.

فالجو العام للعهد يعطى هذا الانطباع بأن الطرف الشرعي قد أقصى من جهة ظالمة باغية وقد خضع هذا الطرف الشرعي مقابل جملة من الشروط.

والانطباع الثاني الذي تعطيه القراءة الإجمالية الموضوعية للمعاهدة أن الجهة الثانية الملزمة بأكثر الشروط جهة متحلّلة من الضوابط والقيود الشرعية والأخلاقية وإلا فأي معنى أن يشرط عليه الحكم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء إلا أن تكون سيرته في الناس إلى ذلك الحين بعيدة عن الشريعة وعن جادة ــ الكتاب والسنة ــ.

وأي معنى لإلزامه بإرجاع الأمر لأهله (الحسن) سوى

٥٩
اعتراف ضمني بأنّ الحسن هو الخليفة الشرعي وأن هذه الجهة غاصبة تريد أن تكرسها ملوكية زائفة. وأما الشرط بعدم سب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدم ملاحقة الشيعة وتحقيق الأمن العام فيكشف بوضوح المستوى الأخلاقي الهابط للخليفة الجديد ومدى بطشه وظلمه.

بعبارة وجيزة إن معاهدة الصلح توحي بين سطورها بعدم شرعية معاوية.. ولكن استغراق المؤرخين والدارسين في القراءة التجزيئية ربما غيب هذا الدلالة إلى حدٍّ ما.

وبعد هذه القراءة الإجمالية الكلية للمعاهدة نقف عند أهم فصولها:

أولاً:

العمل بكتاب الله وسنة رسوله وبسيرة الخلفاء الصالحين: فتنازل الإمام عن الخلافة لمعاوية يقيده هذا الشرط فالإمام لم يفوض معاوية بأن يسوس البلاد والعباد وفق أهواءه وأطماعه وآرائه المريضة ومشاعره الجاهلية الحاقدة وإنما ألزمه أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله وأيضاً بسيرة الخلفاء الصالحين. وهنا لابدّ من التوقف عند هذا القيد الثالث (سيرة الخلفاء الصالحين) قد نص عليه سداً لذريعة قد يتمسك بها معاوية وهو

٦٠