×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلح الإمام الحسن (ع) من منظور آخر / الصفحات: ٦١ - ٨٠

العمل برأيه فألزم بالتقيد بسيرة الخلفاء الصالحين أي لا نخرج عما تعارف عليه المسلمون من سبل الحكم والسياسة في عهد الخلفاء المرضيين عند المسلمين.

وفي الحقيقة هذا الشرط، بهذا القيد الثالث يجعلنا نقارن بين موقف الإمام علي (عليه السلام) لما حاولوا أن يلزموه بشرعية الخلفاء السابقين في واقعة الشورى حيث طُلب منه الالتزام بسيرة الشيخين ولكنه رفض وقال أعمل بكتاب الله وسنة رسوله وبرأيي. فكان هذا الموقف موجبا لخروجه وقبول عثمان بن عفان الشرط..

فالإمام علي (عليه السلام) يرفض الالتزام بأي شيء مقابل كتاب الله وسنة رسوله لأنه إمام حق أما معاوية فلابد من إلزامه بسيرة الخلفاء الآخرين رغم عدم إيمان الحسن بشرعيتهم لأنه إمام جور وظلم وزور.

ثانياً:

ولاية العهد؛ اختلفت الروايات في هذه المسألة فبعضهما ذكرت أن الإمام اشترط على معاوية أن الأمر للحسن فإن لم يكن فللحسين وبعضها تقول أن الإمام اشترط عليه أن يكون الأمر شورى بين المسلمين.

٦١
وعلى كلا الحالتين فولاية معاوية لابد أن تبقى فلتة وحالة مؤقتة وشاذة لترجع الخلافة إلى معدنها وكيانها الصحيح لينتبه المسلمون لخطورة تحويل الخلافة إلى ملكية أموية.. وتكون لهم الشرعية في مقاومته ومحاربته حينئذٍ.

ثالثاً:

عدم سب أمير المؤمنين (عليه السلام): هذا الشرط يكشف بجلاء استهتار معاوية بالأخلاق والتعاليم الإسلامية وإلا فبأي حق يسب مسلم مسلماً، فكل المسلم على المسلم حرام: نفسه وماله وعرضه ولكن أين معاوية من الإسلام وأحكامه؟ وإذا كان كذلك حق المسلم فما بالك بعلي الذي عظمه القرآن ومجده الرسول وكان من أهل البيت الذين فرض الله على كل المسلمين مودتهم {قُل لاّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَىَ}.

رابعاً:

الأمن العام للشيعة وللحسن والحسين وأهل البيت. فقد تعهد بأن لا يلحق مكروه وأذى بأنصار علي وشيعته ولا يبغي على الحسن والحسين ولا لأهل بيت النبي ولم تنص المعاهدة على هذا الشرط سوى لما عرف به معاوية من غدر.. كما تكشف حرص الإمام على شيعته وحقن دماءهم وحفظ وجودهم في وجه هذه الفتنة العمياء التي عصفت بالإسلام

٦٢
وأهله؛ فتنة معاوية وبني أمية.

خامساً:

الحقوق المالية؛ نصت المعاهدة على مبالغ مالية للحسن (عليه السلام) وحقوق دائمة خراج دار أبجرد (مدينة فتحت عنوة) يوزع بين أولاد من قتل مع أمير المؤمنين في صفين والجمل.

وهذا الفصل الوحيد الذي يتصدى للمسألة المالية: فكل الفصول الأخرى كانت تستهدف حفظ الدين والتشيع وحفظ الأنصار وحماية كيان الأمة.

أما هذا الفصل فيعالج المسألة المالية ونرى الإمام يحاول حفظ حقوقه وحقوق أهل بيته وحقوق شيعته من العطاء فاشترط ذلك على معاوية لأنه يتوقع أن يحارب الشيعة ورموزهم اقتصادياً ويمنعهم حقوقهم من بيت مال المسلمين. ولا ورع لديه ولا تقوى تعصمه من ذلك.

وسيأتي مناقشته ما أثير من تهم حول هذا البند في الفصل الثالث حيث يشكك البعض في نوايا الحسن (عليه السلام) ليدعي انه باع الخلافة لمعاوية بالمال؟!

٦٣
وأما السؤال الآخر فهو إلى أي مدى التزم الطرفان ببنود المعاهدة؟

من جهته لقد سلّم الحسن (عليه السلام) الأمر لمعاوية كما سجل التاريخ ذلك ولكن معاوية نقض كل بنود المعاهدة وهذا ليس ببعيد عن شخص مثله كيف لا وقد لوح بذلك وحبر المعاهدة لم يجف بعد حيث صرح قائلاً: «وكل شرط شرطته فتحت قدميّ هاتين»(١).

ولقد أثبت التاريخ صدق وعده بنقص عهوده! فلقد انتهك بنود المعاهدة بنداً بندا ولم يف بواحد البتة.

- نقض البند الأول:

فأين معاوية من العمل بكتاب الله وسنة رسوله والشواهد على مخالفته لكتاب الله وسنة رسوله لا تحصى وقد صنفت مؤلفات لعرض هذه المخالفات ربما أهمها: الجزء العاشر والحادي عشر من موسوعة الغدير للعلامة الأميني.

(١) شرح النهج: م س ص٢٣٤.

٦٤

- نقض البند الثاني:

لقد نقض معاوية هذا البند عندما نصب ولده يزيد وليا للعهد وأكره الناس عليه.

حاول معاوية تنصيب يزيد في حياة الحسن (عليه السلام) بطلب من المغيرة بن شعبة والي معاوية على الكوفة في حركة تزلف سعى من خلالها حفظ موقعه وتعزيزه بعد أن أوشك على الانهيار (في قصة تسردها كتب التاريخ) ولكن هذه المحاولة فشلت رغم مؤامرات معاوية لحبك مسرحيات تأييد ليزيد كما تنقل كتب التاريخ إلا أن بعض وجوه القوم ذكروه بعهده للحسن فقد قال له الأحنف بن قيس.. «وقد علمت يا معاوية أنك لم تفتح العراق عنوة ولم تظهر عليه مقصا ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت ليكون له الأمر من بعدك فإن تف فأنت أهل الوفاء وأن تغدر تظلم والله إن وراء الحسن خيولاً جياداً وأذرعاً شداداً وسيوفاً حداداً وإن تدن له شبرا من غدر تجد وراءه باعا من نصر وأنك تعلم من أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك ولا أبغضوا علياً وحسناً منذ أحبوهما وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء وأن السيوف التي شهروها عليك

٦٥
مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم» وتأكد معاوية أن الأمر لن يستتب لابنه يزيد والحسن حي فصمم على التخلص منه وكان منه ما كان من سمه.. كما مرّ بنا في الفصل الأول. وأما المحاولة الثانية فحدثت بعد وفاة الحسن وكانت إحدى أسباب ثورة الحسين (عليه السلام).

- نقض البند الثالث:

كان معاوية يعلم أن الأمر لن يستتب له ولبني أمية لو عرف المسلمون القادة الربانيين الحقيقيين، من هنا لم يفتأ يفتري ويروج الأكاذيب عن علي وآله. ورغم التزامه بعدم سب علي في عهد الصلح مع الحسن لكنه لم يف بعهده «فقد دأب على لعن علي (عليه السلام) ويقنت في صلاته وجعلها سنة في خطب الجمعة والأعياد وبدل سنة محمد (صلّى الله عليه وآله) في خطبة العيدين المتأخرة عن صلاتهما وقدمها عليه لإسماع الناس لعن الإمام الطاهر»(١).

ولم يزل معاوية وعماله دائبين على ذلك حتى تمرن عليه الصغير وهرم الشيخ فكانت العادة مستمرة منذ شهادة أمير

(١) الأميني: الغدير، ج١٠ دار الكتب الإسلامية ص٢٥٧.

٦٦
المؤمنين (عليه السلام) إلى سنة عمر بن عبد العزيز طيلة أربعين سنة على صهوات المنابر وفي الحواضر الإسلامية كلها من الشام إلى الري إلى الكوفة إلى البصرة إلى عاصمة الإسلام المدينة المشرفة إلى حرم الله مكة المعظمة إلى شرق العالم الإسلامي وغربه. وقد صارت سنة جارية ودعمت في أيام الأمويين سبعون ألف منبر يلعن فيها أمير المؤمنين(١).

وطفق معاوية يوزع الأموال بسخاء والمناصب على الصحابة والتابعين الذين استجابوا له في وضع الأكاذيب في حق علي وتحريف أحاديث عن رسول الله تقتضي الطعن في علي والبراء منه والعياذ بالله ومن أمثال هؤلاء: أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وسمرة بن جندب وعروة بن الزبير.

- نقض البند الرابع:

أورد الشيخ راضي آل يس ما رواه الطبري من أن أهل البصرة قد حالوا بين الحسن وبين خراج دار أبجرد وقالوا: فيئنا.

(١) م س ص٢١٥ و ٢٦٦.

٦٧
أما ابن الأثير فقد أشار إلى أن منعهم كان بأمر من معاوية(١).

وهكذا لم يسلم حتى الشرط المالي الذي يمثل حقاً طبيعياً للحسن والحسين وشيعتهما في بيت مال المسلمين حيث لهما نصيب من بيت المال كما أن الحسنين لهما سهم ذو القربى المنصوص عليه في كتاب الله.

- نقض البند الخامس:

لقد نصّت المعاهدة على الأمن العام لشيعة علي وأنصار الحسن حيثما كانوا، وعدم التعرض بسوء للحسن والحسين ولا لأحد من أهل البيت ولكنها سنة معاوية في الغدر، ونقض العهود فالتاريخ يعج بالقصص والأحداث التي تحكي ما فعله معاوية بشيعة علي من تجويع وتعذيب وقتل وسجن وتشريد. ومن الأسماء البارزة التي نالت شرف الشهادة فداء لعلي (عليه السلام) وارتقت إلى سماء الشهادة تحت بطش معاوية وأعوانه: حجر بن عدي الكندي وأصحابه رشيد الهجري وعمرو بن الحمق الخزاعي وجويرية بن مسهر العبدي وأوفى بن حصن..

(١) راضي آل يس: صلح الحسن ص٣١٧.

٦٨
وأما الذين روعوا وعذبوا فلا مجال لإحصائهم..

باختصار لقد انتهك معاوية هذا البند ليحقق بجدارة أوليات بكر في أفاعيل منكرة وبوائق فريدة في حق شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

«فكان أول رأس يطاف به في الإسلام (من أصحاب علي) بأمره (معاوية) يطاف به وكان أول إنسان يدفن في الإسلام منهم وبأمره يفعل به ذلك وكانت أول امرأة تسجن في الإسلام منهم وهو الآمر بسجنها وكان أول شهداء يقتلون صبراً في الإسلام منهم وهو الذي قتلهم»(١).

(١) راضي آل ياسين: صح الحسن ص٣٦٢.

٦٩

الفصل الثالث:



أبعاد الصلح وأسراره



لم يدرك المعاصرون للإمام الحسن، حتى أصحابه، الأبعاد الحقيقية للصلح فاعترضوا على الإمام بل جابهه بعضهم بكلمات قاسية زادت من محنته وعمقت حزنه فهذا حجر بن عدي الذي يعد من أخلص الأصحاب يقول: لوددت أنك كنت متّ قبل هذا اليوم ولم يكن ما كان، إنا رجعنا راغمين بما كرهنا ورجعوا مسرورين بما أحبوا. فتغير وجه الحسن وغمز الحسين حجراً، فسكت. فقال الحسن (عليه السلام): «يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن(١).

هذا الغموض الذي اكتنف الصلح وسربله في حجب كثيفة

(١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢١٤.

٧٠
استعصى على العقول معها إدراك أبعاده، امتد إلى يومنا الحاضر. فانبرى عدد من المؤرخين المعاصرين يفسرون صلح الحسن (عليه السلام) تفسيرات خاطئة فبعضهم يطعن في قدرات الإمام وصلاحيته للقيادة وبعضهم يعزو الصلح إلى حالة جبن وخوف على النفس وآخر يرجعه إلى ميولات عثمانية عميقة في نفس الحسن حجبها وجود أبيه أو هو اندفاع من الإمام لتحقيق نبوة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله).

هذه الاجتهادات في تفسير الحدث لم تكن لتدرك حقيقة المعاهدة وواقع أمرها لأنها أولاً: اعتمدت على رؤية تجزيئية انتخابية تستند إلى مفردة واحدة في سياق حدث معقد تتداخل فيه العوامل وتتضارب معه النصوص التاريخية فمثلا بعضهم يستند إلى حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله) «إن ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين من المسلمين» ليعلل الصلح بأنه رغبة من الحسن في تحقيق هذه النبوة.

ولأنها ثانياً: لم تعرف شخصية الحسن حقاً، وتعاملت معه كأي قائد سياسي بمعزل عن مشروعيته الدينية وموقعه الرسالي المتقدم والتسديد الإلهي الذي يلازمه، فإن إلغاء جانب الإمامة الإلهية

٧١
في شخصية الحسن وعدم الاعتراف بها يجعل هؤلاء الباحثين يتيهون في تفاصيل الحدث بل يضيعون في ركام كبير من الروايات الضعيفة والأقاصيص المفتعلة ويجعلهم يعتقدون أنه قادر على التصرف كيفما شاء دون ضوابط ومرجعية شرعية. ولكن قصد الوصول إلى القراءة الموضوعية لأبعاد الصلح وسره الدفين، نبدأ أولاً باستعراض كل الافتراضات المطروحة في سياق البحث التاريخي لنعقب أخيراً بالرؤية التي نعتقد أنها الأقرب إلى الواقع:

الفرضية الأولى:

الحسن صالح خوفا على نفسه: وهي قديمة قدم الصلح حيث جابه عبد الله بن الزبير الإمام الحسن بهذه التهمة وعاب عليه تسليم الأمر وصلحه مع معاوية، ولم يخف على الإمام ما يستبطنه ابن الزبير من عداء لآل الرسول فردعه قائلاً: «وتزعم أني سلمت الأمر وكيف يكون ذلك، ويحك وأنا ابن أشجع العرب وقد ولدتني سيدة نساء العالمين لم أفعل ذلك ويحك جبناً ولا ضعفاً ولكنه بايعني مثلك وهو يطلبني البترة ويداجيني المودة ولم أثق بنصرته»(١).

(١) باقر القرشي: حياة الإمام الحسن ج٢ ص٢٧٣.

٧٢
ولا يخفى أن الشواهد التاريخية والوقائع التي سردنا بعضها في الفصل الأول تنفي بقوة هذه الفرضية الباطلة فأين الحسن (عليه السلام) من الجبن ومتى كان الحسن بن علي الرعديد الجبان حتى يخاف القتل فيتقيه بالتنازل عن ملكه ومن أين تَمُت إلى الحسن بن علي الجبانة يا ترى؟ من أبيه أسد الله وأسد رسوله أم من جدّيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وشيخ البطحاء أم من عميّه سيدي الشهداء العظيمين حمزة وجعفر أم من أخيه أبي الشهداء أم من مواقفه المشهورة في مختلف الميادين يوم الدار ويوم البصرة وفي مظلم ساباط(١).

الفرضية الثانية:

إن الحسن (عليه السلام) باع الخلافة بالمال لأنه رجل يعيش ترفاً وبذخاً، وهو بحاجة إلى أموال كثيرة تغطي نفقاته.

فبعض أصحاب هذه الفرضية يقول: «ولكن الحسن الذي كان يميل إلى الترف والبذخ لا إلى الحكم والإدارة لم يكن رجل الموقف فانزوى من الخلافة مكتفياً بهبة سنوية منحه إياها»(٢).

(١) راضي آل يس: صلح الحسن ص٢٠٩.

(٢) فيليب حتى: العرب ص٧٨ نقلاً عن باقر القرشي حياة الإمام الحسن ١١٢.

٧٣
وهذه تهمة أغرب من سابقتها فالحسن الذي عاش في بيت العطاء والتضحية والزهد في هذه الدنيا وإيثار الآخرة حتى بقي أهل البيت بدون طعام ثلاث وقدموا إلى رسول الله يرتعشون من الجوع كالفراخ، فنزل القرآن يخلّد الموقف ويعدهم بجنان وملك لا يبلي: {وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَىَ حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً * إِنّا نَخَافُ مِن رّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً * فَوَقَاهُمُ اللهُ شَرّ ذَلِكَ الْيَومِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُواْ جَنّةً وَحَرِيراً} (الإنسان: ٩ - ١٢).

هل يطمع الحسن في المال وهو الذي قاسم الله ماله مرتين وخرج من ماله ثلاث مرات؟ هل به طمع هذا الذي تملأ كتب السير قصص في جوده وعطاءه وبذله وصون كرامة سائليه!!

وكيف يتنازل عن السلطان من به طمع للمال وميل للبذخ والترف أو ليس السلطان باب إلى كل تلك المطامع الدنيوية؟ أليست الخلافة خير سبيل للثراء والرفاه والترف؟

كلا إن الحسن (عليه السلام) فوق الأطماع وقد ضحى بسلطان ملكه وترك كل الدنيا وزخرفها وراء ظهره في سبيل المبدأ والرسالة..

٧٤
ولعلّ الذي سبب تصديق البعض بهذه الفرضية ما أشيع عن الحسن (عليه السلام) من كثرة زوجاته وكثرة إنفاقه في مهور هذه الزوجات وفي تسريحه، فمن الأخبار الواردة في هذا المعنى أن الحسن (عليه السلام) تزوج امرأة فبعث لها صداقا مائة جارية مع كل جارية ألف درهم(١). فزوج بهذه العطاء وهذه التوسعة حينما يتزوج سبعين أو تسعين أو مائتين وخمسين أو ثلاثمائة لابد أن يكون صاحب ثروة طائلة ينفقها وقد رُوي أن الحسن تزوج سبعين زوجة وروى ذلك ابن أبي الحديد وآخرون أخذوها عن المدائني (ت ٢٢٥ هـ) وهو من الضعفاء الذين لا يعول على أحاديثهم يميل إلى الأمويين ويشيد بهم فهو مولى لسمرة بن حبيب الأموي وقد امتنع مسلم من الرواية عنه في صحيحه(٢).

أما الرواية الثانية التي مفادها أن الحسن تزوج تسعين امرأة فقد اقتصر على روايتها الشبلنجي في نور الأبصار وقد رواها مرسلة فلا يعول عليها.

أما الرواية الثالثة والتي مفادها أنه تزوج مائتين وخمسين

(١) انظر حياة الحسن باقر القرشي ص٤٥١.

(٢) م س ص ٤٤٦.

٧٥
زوجة وإن وردت في بعض المجاميع الحديثية كالبحار للمجلسي والمناقب لابن شهرآشوب إلا أنها أخذت عن قوت القلوب لأبي طالب المكي (ت ٣٨٠هـ) وهو لا يعول عليه في الرواية حيث يذكر أحاديث لا أصل لها.

وأما الرواية الرابعة والتي مفادها أنه تزوج ثلاثمائة امرأة فمصدرها كتاب (قوت القلوب) أيضاً وقد عرفنا حاله.

واستطراداً لابد أن نقول أن هذه الشبهة واهية تنهار أمام حقائق التاريخ فأين الحسن وانشغاله طوال حياته بشؤون الرسالة والدين خاصة منذ تولّي أبيه علي (عليه السلام)، من هذا للهو والعبث بين النساء؟ وأين أولاده لو كان حقاً قد تزوج كل هذا العدد في الوقت الذي لا يتجاوز عدد أبناءه في أقصى الحالات: اثنين وعشرين ولداً؟‍!

الفرضية الثالثة:

الحسن صالح معاوية لأنه ليس أهلا للقيادة والزعامة.

يفسر الكثيرون التحولات السياسية الحاصلة بعد استشهاد علي (عليه السلام) وانتقال الخلافة إلى معاوية بالقصور القيادي عند الحسن فهو كما يدعي البعض لا يمكن أن يقوم مقام علي: «فإنه

٧٦
عندما غاب علي لم يكن أحد على المسرح جديراً بأن يقوم مقامه»(١).

ويعقب «لقد صمم على عقد السلام مع معاوية لأنه وهن وضعف وتاه فقد كانت أية مجابهة حربية فوق إمكاناته ووسائله النفسية وربما كانت المسؤولية الخليفية تفوقها أيضا فلم يكن لديه قوة داخلية كافية لمعاودة صفين»(٢).

ومدّعٍ آخر يقول: «فإن الأخبار تدل على أن الحسن كانت تنقصه القوة المعنوية والقابلية العقلية لقيادة شعبه بنجاح»(٣). ويدعم هذا الرأي ثالث فيقول: «إن الحسن كان قديراً على أن يعد الجماعات المنحلة عن طريق الاستثارة والحماس وبث روح العزم والإرادة كما رأينا في القادة الحديديين أمثال نابليون الذي تولى شعبا أنهكته الثورة الطويلة.. ولكن القائد غمرته موجة السأم التي غمرت الناس(٤).

(١) هشام جعيط: الفتنة ص٣١٣ - ٣١٦.

(٢) هشام جعيط: الفتنة ص٣١٣ - ٣١٦.

(٣) نقلاً عن حياة الإمام الحسن: المستشرق روايت رونلدس ص١١٣.

(٤) العلائي نقلاً عن القرشي في حياة الحسن (عليه السلام) ص١٣.

٧٧
ولكن بالتأمل في مثل هذه التقييمات وبقطع النظر عن الدوافع السيئة والنوايا الخبيثة لدى البعض في قراءة أحداث التاريخ والطعن في رموز الإسلام كما هو ديدن المستشرقين فإن هذه التحاليل تبتني على أساس فهم وضعي للسياسة والقيادة في ظل المنظومة الوضعية للسياسة التي هي (فن الممكن) والتوسل بكل الوسائط لتحقيق الهدف «لأن الغاية تبرر الوسيلة» فيكون الحسن قائداً فاشلاً لأنه بحساب الموازين المادية قد فرط في الملك وتمكن خصمه (السياسي البارع) و (القائد اللامع) من الاستحواذ على الحكم وهذا أقصى آمال السياسي الناجح!

نعم في ضوء هذه التصورات المنحرفة للسياسة يكون الأمر كذلك ولكن غاب عن هؤلاء أن الحسن (عليه السلام) إمام، له القيادة الدينية أولا وبالذات فهو حافظ الشرع ومجسد القيم الإسلامية وأسمى أهدافه أن يقيم حياة الناس على أساس الحق والعدل وموازين الشرع. ويستحيل أن يتوسل بالظلم والجور في سبيل أهدافه ولن يكون كالديكتاتوريين الذين يملكون الاستعداد لتعبيد الطريق إلى التاج بجماجم الجماهير وعلى تلال من الأكاذيب والحيل.

٧٨
كتاب صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر لـ الأسعد بن علي (ص ٧٩ - ص ١٠٠)

٧٩
بكى لم يكن رفقاً بأبيه وإشفاقاً فحسب وإنما كان إلى ذلك حزناً لأنه لم يحقق ما توسم به جده فيه ومضى يقول إن الحسن خرج في عدد ضخم من أهل العراق وكأنه خرج ليظهر لهم الحرب ويدير أمر الصلح فيما بينه وبين معاوية ليحقق نبوة(١).

وتناقل الرواة الحديث المشار إليه كمنقبة من مناقب الحسن كما اعتبر الشيعة أو أغلبهم ذلك كرامة لأبي محمد الحسن بن علي لأن النبي (صلّى الله عليه وآله) خصه بهذه الإشارة وجعل على يديه الصلح بين المسلمين!! حتى أن الشيخ راضي آل ياسين يذكر ذلك في كتابه القيم (صلح الحسن) ويعتبر الرواية بشارة أن الحسن رسول السلام في الإسلام(٢).

لكننا نناقش هذه الفرضية من وجهين:

أولاً:

من جهة الرواية؛ فهذا الحديث لم يروه سوى أبو بكرة شقيق زياد بن عبيد لأمه سمية ورواه البخاري وأحمد في مسنده عنه وروي الحديث في كتب أخرى بصيغ متقاربة لكن الظاهر أن أصل الحديث هو أبو بكرة شقيق زياد ادّعى أنه رأى رسول

(١) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشرة، ج١ ص٥٨٩.

(٢) انظر صلح الحسن: ص١٧٤ - ١٧٥.

٨٠