×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلح الإمام الحسن (ع) من منظور آخر / الصفحات: ٨١ - ١٠٠

الله (صلّى الله عليه وآله) على المنبر وهو مرة يقبل على الناس ومرة يقبل على الحسن بجانبه ويقول: «إن ابني هذا سيد…» إلى آخر الحديث.

فلو تم هذا المشهد حقاً أمام جموع المصلين وتحت ناظر المسلمين لماذا لم يروه سوى أبو بكر هذا.. الذي أسلم في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكة ومعركة حنين أي بعد أن تجاوز الحسن خمس سنوات في الوقت الذي تشير الروايات «إن ابني هذا سيد» أن الحسن له من العمر ثلاث سنوات.

وهو معروف (أي أبو بكرة) بانحرافه عن علي وآل البيت (عليهم السلام) ولم يشترك مع علي (عليه السلام) في حروبه بل كان يثبط الناس عن المشاركة في حربه في الجمل وصفين حيث كان يروي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) «أنها ستكون فتنة القاعد خير فيها من القائم»، ليخذل الناس عن الانضمام لعلي (عليه السلام) في قتال الناكثين والقاسطين.

وبالنتيجة فلا شك أن الرواية من موضوعات أبي بكرة أو أنها وضعت ونسبت إليه لإثبات أن معاوية من المسلمين لا من البغاة بعد أن وصمه القرآن بهذه الصفة وأكدها النبي (صلّى الله عليه وآله) في حديثه مع عمار الذي رواه عن النبي

٨١
أكثر الصحابة وكان من أكثر الأحاديث شيوعا وانتشاراً(١).

ثانياً:

أما الوجه الثاني في مناقشة هذه الفرضية أن هذه الأخيرة تفسر حركة الحسن (عليه السلام) محكومة بالرغبة في تحقيق نبوة الرسول (صلّى الله عليه وآله) في الوقت أن النبوة هي إخبار من النبي عن الغيب بحدث سيحصل بقطع النظر عن أسبابه ومفاعيله وليست أمراً من الرسول للحسن بان يخضع للمصالحة!

وهكذا يتضح بطلان كل هذه الفرضيات في تفسير وتعليل الصلح ويبقى السؤال معلقاً: لماذا صالح الحسن؟ وتتوالد أسئلة أخرى ما هي دوافع معاوية؟ لماذا لم يقدم الحسن على عمل فدائي مع من تبقى من جنده؟

هل حقق كل منهما أهدافه من الصلح؟ وما هي نتائج الصلح وهل جسد بالفعل قاعدة للوحدة بين المسلمين وعنوانا للجماعة(٢).

لنقرأ من جديد الوضع قبيل عقد الصلح وما الممكنات

(١) هاشم معروف الحسني: سيرة الأئمة الاثني عشر، ج١ ص٥٨٧.

(٢) يشير صاحب كتاب الفتنة إلى أن المحدثين نشروا فكرة أن سنة (٤١هـ) عام الصلح تدعى سنة الجماعة أو الوحدة وهذا لم يرد في أي مصدر قديم.

٨٢
المتاحة للحسن؟

وهل كانت له خيارات عديدة أم انحصر الخيار لديه بالصلح؟

لقد استشهد أمير المؤمنين وهو يهم بغزو الشام ومعاودة الحرب على معاوية فلقد دعا واليه على أذربيجان، قيس بن سعد الذي أنشأ قوة الخميس التي تضم أربعين ألف مقاتل منهم شرطة الخميس وهي فرقة منتخبة تتألف من اثني عشر رجلاً...

لكن يبدو أن قطاعات كبيرة من هذا الجيش كان قد أنهكته الحروب المتتالية ضد الناكثين والقاسطين والمارقين والتاريخ ينقل لنا تذمر علي منهم وشكواه من قلة طاعتهم وركونهم وتخاذلهم عن حقهم. حتى أن معاوية ينسب إليه قوله: «كان علي في أخبث جيش وأشدهم خلاف وكنت في أطوع جند وأقلهم خلاف».

لقد اندفع هؤلاء المقاتلون لبيعة الحسن (عليه السلام) إثر استشهاد الإمام علي بفعل الصدمة الذي خلفتها جريمة قتل علي (عليه السلام) في المحراب وعاهدوه أن يسالموا من سالم ويحاربوا من حارب. ولكنها حالة انفعال وغليان عاطفي سرعان ما خبت لتعود

٨٣
النفوس إلى طبيعتها ويغلب عليها الحرص وحب البقاء وكره القتال وخاصة بالنسبة لأهل الكوفة «لأن التجربة أثبتت أن الكوفيين كانوا يرهبون القتال»(١).

وكان الحسن يعلم أن قلة منهم يملكون استعداداً حقيقياً للتضحية إلى نهاية الشوط، ولذا قال لحجر عندما تذمر من الصلح: «يا حجر ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن»(٢).

ومن المفيد أن نحلل أكثر تركيبة الكوفة وجيشها لنرى سرّ هذا التفكك وعدم الاستعداد العالي للقتال والفداء والقابلية للتمرد والعصيان:

يصنف صاحب صلح الحسن(٣) عناصر الكوفة إلى القوى التالية:

أ) الحزب الأموي:

بعضهم من أعيان القوم من ذوي الأتباع والنفوذ لعبوا دوراً كبيراً في التآمر على الحسن وشق صفوفه من

(١) هشام جعيط: الفتنة، ص٣١٥.

(٢) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ح١٦ ص٢١٤.

(٣) انظر ص٦٨.

٨٤
المنتسبين إلى هذا الحزب: عمرو بن حريث، عمارة بن الوليد بن عقبة، حجر بن عمرة. وعمر بن سعد بن أبي وقاص، وأبو بردة بن أبي موسى الأشعري.

وهم الذين كتبوا إلى معاوية بالسمع والطاعة في السر واستحثوه على المسير نحوهم وضمنوا له تسليم الحسن إليه عند دنوهم في عسكره أو الفتك به.

وقد وعد معاوية بعض أفراد هذه الحزب أنك إن فتكت بالحسن فلك مائة ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي، «ودسَّ معاوية إلى عمرو بن حديث والأشعث بن قيس وحجار بن أبجر وشبث بن ربعي دسيسة وآثر كل واحد منهم بعين من عيونه أنك إذا قتلت الحسن فلك مائة ألف درهم وجند من أجناد الشام وبنت من بناتي فبلغ الحسن (عليه السلام) ذلك فاستلأم (أي لبس اللاّمة) ولبس درعاً وكفرها وكان يحترز ولا يتقدم للصلاة بهم إلا كذلك فرماه أحدهم في الصلاة بسهم فلم يثبت فيه لما عليه من اللامة»(١).

(١) علل الشرائع: نقلاً عن صلح الحسن ص٦٩.

٨٥

ب) الخوارج:

حسب بعض مصادر التاريخ يتراوح عددهم في الكوفة بين ٤٠٠٠ إلى ٧٠٠٠ خارجي، انضم بعضهم إلى جيش الحسن لأنه لم يكن في نظرهم مشتركا في كفر أبيه ولأنهم أيضا ً كانوا حريصين على قتال معاوية وبغاة الشام.

وربما كانت خطتهم الماكرة في التسلل إلى جيش الحسن وتأجيج الحرب بين فئتين من أعدائهم وانتظار فرصة قتل الحسن بلحاظ أن أهم أغراضهم هو اغتيال الرؤوس الكبيرة في الإسلام.

ولم يكن دور الخوارج التخريبي بأقل من دور الحزب الأموي حيث انتهزوا فرصة، استشارة الحسن جنده، فيما عرضه عليه معاوية من مصالحة ليكفروا الحسن وادعاء أنه كفر مثل أبيه وتحتم قتله وهجموا على معسكره فسلبوه ونهبوا كل شيء في خيمة الحسن وتوج هؤلاء مؤامرتهم بالطعنة النجلاء التي وجهها خارجي كان يتربص به في مظلم ساباط طعنة بمنجل أصابت فخذه فانشقت حتى العظم.

ج) الشكاكون:

القسم الثالث في تركيبة الكوفة: هم الشكاكون وهم المتأثرون بدعوة الخوارج دون أن يكونوا منهم

٨٦
فهم «كانوا طائفة من سكان الكوفة ومن رعاعها المهزومين الذين لا نية لهم في خير ولا قدرة لهم على شر ولكن وجودهم لنفسه كان شراً مستطيراً وعوناً على الفساد وآلة مسخرة في أيدي المفسدين»(١).

د) الحمراء:

ليسوا عرباً هم المهجنون من موال وعبيد ولعلّ أكثرهم من أبناء السبايا الفارسيات اللائي أخذن في (عين التمر) و (جلولا) سنة ١٢ إلى ١٧هـ فهم حملة السلاح سنة ٤١ ه‍ و٦١ه‍ في أزمات الحسن والحسين (عليهما السلام) في الكوفة.

والحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الأفاعيل بالشيعة سنة ٥١هـ فهم أيدي الطواغيت ويحسنون الخدمة حين تشترى ذمهم وهم أجناد المتغلبين.

هـ) أنصار الحسن:

وهم شيعة الحسن وعلي (عليهما السلام) وهم الأكثر عدداً في عاصمة التشيع الكوفة. ومن بينهم مجموعة من بقايا المهاجرين والأنصار لحقوا علياً بالكوفة وكان لهم مكانة لائقة لصحبتهم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) منهم حملة القرآن وقادة

(١) راضي آل يس: صلح الحسن، ص٧٢.

٨٧
الحروب وزهاد الكوفة وهم الجناح القوي في جبهة الحسن (عليه السلام) ومنهم قيس بن سعد بن عبادة وحجر بن عدي وعمرو بن الحمق، وسعيد بن قيس الهمداني وحبيب بن مظاهر.. الخ.

وانعكست هذه التركيبة على جيش الحسن (عليه السلام) فكانت طليعة من المخلصين والأنصار الصادقين محاطين بذيول من المتآمرين والحاقدين كان جيشاً له القابلية للتفكك بسبب هذا التنوع في الولاء والمصالح إضافة إلى مؤامرات معاوية التي تدفع قوى من داخل الجيش لنشر الإشاعات الكاذبة وترويج نزعات الاستسلام والصلح.

كان لمعاوية الفرصة السانحة لشراء ذمم الكثير من هؤلاء، كما كانت له الفرصة سانحة لنشر الانقسام والفرقة بينهم، وهكذا كان. بل بلغ به الأمر أن استمال أحد قادة الحسن (عليه السلام) وابن عمه عبيد الله بن العباس كما مرّ بنا في الفصل الأول وضرب بذلك جيش الحسن (عليه السلام) ضربة في الصميم..

بالمقابل فإن جبهة معاوية تتصف بالقوة في الكم حيث استطاع معاوية أن يجند مائة ألف مقاتل سيوفهم معه وقلوبهم أيضا معه.

٨٨
والسرّ في ذلك يرجع إلى سياسة معاوية في التضليل الإعلامي والديني فقد روج طوال حكمه الشام ومنذ أن كان والياً للخلفاء أنه أقرب الناس للنبي (صلّى الله عليه وآله) وأن بني أمية هم الورثة الشرعيون للرسول (صلّى الله عليه وآله) حتى أن العباسيين لما فتحوا الشام اعتذر أهل الشام بأنهم ما علموا لرسول الله من قرابة ولا أهل بيت يرثونه سوى بني أمية.

وليس ذلك بصعب على من يحول رمز الإسلام الخالد علي (عليه السلام) وعنوان الإنسان الكامل، في ذهن الشاميين إلى باغ أو خارجي يستحق اللعن ويلعن طيلة أربعين سنة!!

وساعد معاوية في تعليب وعي الجماهير البساطة والسذاجة التي اتسم بها هؤلاء حتى أن معاوية يقول: أبلغ علياً أني أقابله بمائة ألف ما فيهم من يفرق بين الناقة والجمل.

ومقابل التفكك والانحلال في جيش الكوفة وتنوع الميول والاتجاهات، كان جيش معاوية منقادا موحدا في إطار نظرة واحدة فرضها معاوية بدهاء ومكر وارتشاء للضمائر ولواضعي الأحاديث المزيفة في تمجيده وتمجيد بني أمية وسب علي (عليه السلام) وآل بيته.

٨٩
ولم تصب الشام بأفكار معادية للحكم القائم وكلنا يعرف ماذا فعل معاوية حين نفي عثمان أبا ذر إلى الشام، والثورة التي أحدثها أبو ذر في الشام مندداً بمعاوية وسياسته حينذاك ألح معاوية على عثمان أن يبعد أبا ذر عن الشام بعد أن فشلت كل محاولات استمالته وكان ما أراد معاوية وأُبعِدَ أبو ذر للربذة..

لقد كان معاوية حريصاً على بقاء الشام قاعدة موحدة لبني أمية لا تلهج إلا برؤية واحدة، ولا تدين بالولاء إلا لمعاوية وآل سفيان. فلا نجد في جيش معاوية لا خوارج ولا عملاء ولا عيون للجبهة الأخرى واستعان معاوية في تحقيق هذا الإنجاز بحاشية من الدهاة والمكرة الذين لا يتورعون أن يقوموا بأي عمل في سبيل التقرب إليه وتحقيق مآربه أمثال عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وبالأموال الطائلة التي جمعها من الضرائب التي فرضها على البلاد تحت سيطرته ولم يوزع هذه الأموال في خدمة المسلمين بل لتوطيد سلطانه وشراء الضمائر والولاءات.

ولما عزم على قتال الحسن ودرءاً لخطر الروم عقد معاوية هدنة مع ملك الروم ودفع له أموالا طائلة سدا لباب الحرب، حتى يتفرغ لقتال الحسن بجيشه الذي لا يزال يتمتع بقوته

٩٠
ونشاطه حيث لم يدخل في حرب سوى حرب صفين.

والمتأمل في موازين القوى بين الطرفين يلمح بوضوح الاختلال الخطير لصالح معاوية وجيشه.

ولكن الأمر لن يقف عند هذا الحد بل إن اختلاف الأساليب بين القائدين الحسن (عليه السلام) من جهة ومعاوية من جهة أخرى، يعزز هذا الاختلال في موازين القوى وإمكانية التأثير سلبا على قوة الطرف الآخر..

فأساليب الإمام الحسن (عليه السلام) تضبطها القيود الشرعية وأحكام الإسلام وتقوى الرجل وورعه فهو إمام حق حافظ الدين ووصي رسوله الكريم. وهو على درب علي (عليه السلام) الذي ابتلي بهذا الإسلام التحريفي الذي يدعيه البعض فكانت مسؤوليته تجسيد الإسلام الواقعي في القيادة حتى يعطى للأمة النموذج الصحيح للقيادة والحكومة الإسلامية في أجواء عصفت بقيم الدين وأحكام الرسالة.

وباستقراء مواقف الحسن (عليه السلام) وكتاباته لمعاوية وخطاباته لجنوده نرى أن الدين وحمل أمانة الرسالة وهاجس النجاة في الآخرة وابتغاء مرضاة الله هي الدوافع الأساسية التي تحدد

٩١
أساليبه في المعركة. وفي ضوء هذا الالتزام الخلقي الصارم نفسر جملة من مواقف الإمام الحسن (عليه السلام):

أولاً:

عدم مبادرته بالقتال وعدم الخروج بالجيش إلا مع علمه بتوجه معاوية نحو العراق بجيشه الجرار وهو بذلك يلتزم بسيرة أبيه وخلقه بعدم المبادرة لقتال أحد حتى يكون هو البادي.

ثانياً:

التزام الحسن بالمعاهدة وعدم نقضها رغم كل الخروقات التي قام بها معاوية حتى أنه كلما جاءه وفود من الكوفة يطلبون منه نقض المعاهدة كما نقضها معاوية والرجوع إلى القتال رفض ذلك وبقي ملتزما بالعهد إلى استشهاده (عليه السلام).

ثالثاً:

عدم نهج أساليب معاوية في شق صفوف الجيش الآخر أو توظيف بعض عناصر العدو من أجل مؤامرة اغتيال رمز أو بث دعاية مع توفر إمكانيات لذلك. فعلى سبيل المثال تذكر كتب التاريخ أنه جاء ذات مرة رسول معاوية للحسن (عليه السلام) وكان فيما قاله «أسأل الله أن يحفظك ويهلك هؤلاء القوم فقال له الحسن رفقا لا تخن من ائتمنك وحسبك أن تحبني لحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولأبي وأمي ومن الخيانة أن يثق بك قوم وأنت عدو

٩٢
لهم وتدعو عليهم»(١).

أين هذه الأخلاق العالية من تهتك معاوية وصلفه فالحسن لا ينصف العدو من نفسه فحسب! بل يعلمه قيم الأمانة والوفاء وان كان ذلك على حسابه إنه يجعل قيم الدين وأخلاق الإسلام فوق كل اعتبار.

أين هذا القائد الإمام من ذلك القائد الشيطان معاوية الذي لم يترك سبيل غي أو شر يستخدمه للوصول إلى مبتغاه، فهو تارة يرغب الحسن ويمنيه بالمال ومشاركته الأمر، وتارة أخرى يهدده؛ فقد جاء في كتاب معاوية للحسن:

«فادخل في طاعتي ولك الأمر من بعدي ولك ما في بيت مال العراق بالغاً ما بلغ تحمله إلى حيث أحببت ولك خراج أيّ كور العراق شئت معونة لك على نفقتك يجبيها أمينك ويحملها إليك في كل سنة ولك إلا نستولي عليك بالإساءة ولا نقضى دونك الأمور»(٢).

وفي كتاب آخر يقول:

(١) الملاحم والفتن: نقلاً عن صلح الحسن ص٢٣١.

(٢) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٨.

٩٣
«فاحذر أن تكون منيتك على أيدي رعاع من الناس وايئس أن تجد فينا غميزة، وإن أنت أعرضت عما أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت»(١).

وهو الذي رشا القتلة لاغتيال الحسن (عليه السلام) كما مرّ بنا سابقاً ونشر الدعايات الكاذبة ولم يتورع في تلفيق الافتراءات من أجل شق صف الخصم بشراء أصحاب النفوس الضعيفة.

وأساليب معاوية هذه تعكس حقيقة موقفه من الدين.

فلا دين ولا وحي إنما هي ملك وسلطان يريد اغتصابه لإعادة مجد بني أمية؛ الشجرة الملعونة في القرآن. وهذا يفسر لنا محاولته الجادة في علمنة السلطة حيث يخاطب الحسن في إحدى رسائله:

«والحال فيما بيني وبينك اليوم مثل الحال التي كنتم عليها أنتم وأبو بكر بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) فلو علمت انك أضبط مني للرعية وأحوط على هذه الأمة وأحسن سياسة وأقوى على جمع المال وأكيد للعدو لأجبتك إلى ما دعوتني إليه ورأيتك لذلك أهلا ولكن

(١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٨.

٩٤
قد علمت أني أطول منك ولاية وأقدم منك بهذه الأمة تجربة واكبر منك سناً فأنت أحق أن تجيبني إلى هذه المنزلة التي سألتني»(١).

إن معاوية يريد عزل الدين جانباً فالصراع سياسي والموازين لابد أن تكون بمعزل عن مفاهيم الدين والشرعية والتقوى والورع، أنها الخبرة والسن والكيد للعدو! فمعاوية «دشن طريقه في إضفاء العلمنة على مفهوم السلطة لأنه برهن، أن السلطة تكون لمن يحسن أخذها وتعهدها والحفاظ عليها»(٢).

وهذا الحرص من معاوية على علمنة السلطة وإلغاء العنصر الديني، إنما ينبع من عقدة معاوية خاصة وآل أبي سفيان من الألقاب التي منحها الإسلام لهم فهم بميزان ديني كفار ابتداء في أول عهد لهم وحتى بعد إسلامهم هم طلقاء ثم بعد ذلك منحه الإسلام لقب الباغي فلابد من عزل الدين من ساحة المعركة خاصة إذا كان الطرف الآخر إمام حق وحفيد رسول الله وصاحب الشرعية الدينية والتاريخية، فلن يرجح كفة معاوية سوى المكر والانقلاب والخديعة.

(١) م. س ص٢٢٨.

(٢) هشام جعيط: الفتنة ص٣٢٤.

٩٥
وبالنتيجة فالحسن (عليه السلام) يقف على ممكنات مضطربة؛ جيش مهزوز أرهقته الحروب المتتالية ولا حافز لديه للقتال. خاصة بعد يأسهم من الغنائم فهم لم يكسبوا من حرب الجمل وصفين والنهروان شيئاً من العتاد والأموال لأن الإمام أمير المؤمنين لم يعاملهم معاملة الكفار ولم يقسم الغنائم على المقاتلين وإنما أمر بإرجاع الأموال التي اغتنمها الجيش إلى أصحابها وقد علم المقاتلون أن الحسن لن يحيد عن سيرة أبيه فلم يثقوا بالأموال والغنائم لو قاتلوا معاوية لذلك تنادوا بصوت واحد حينما عرض عليهم الحسن (عليه السلام) مشروع معاوية للصلاح: البُقية!! البُقية!!

وتقيده فوق ذلك التزاماته الأخلاقية وسيرته كمثل أعلى للقائد الإسلامي.

أما معاوية فله القوة والعتاد والجيش موحد الصف والولاء ومن جهة أخرى هو طليق في أفعاله وتصرفاته.

في مثل هذه المواجهة لن تكون الحرب رابحة البتة، فإقدام الحسن في هذه الحالة على القتال يعني منح معاوية فرصة لاستئصال أهل البيت وأنصارهم من على وجه الأرض.

٩٦
فاختيار الصلح كان يعبر بعمق عن نضج سياسي وبعد نظر خاصة إذا لاحظنا إستراتيجية حركة الإمامة ككل (وسيأتي الحديث في الفصل الرابع). ولكن بعد المقارنة بين الممكنات والأساليب عند كل من الإمام الحسن (عليه السلام) ومعاوية بقي أن نسأل عن الأهداف: فما هي أهداف معاوية من الصلح وماذا حقق؟ وما هي أهداف الحسن؟ والى أي مدى حقق تلك المرامي؟!

أما بالنسبة لمعاوية فهدفه المركزي واضح؛ وهو الوصول إلى المنصب وتكريس سلطته على رقاب المسلمين وهو يعلم أنه لن يصل إلى المنصب إلا بتنحي الحسن بطريقة أو بأخرى فمع وجود الحسن لن تدين له كل الأمة بالطاعة.

وهو إن حاول اغتيال الحسن (عليه السلام) لنفس الغاية إلا أنه قطعاً يرغب في تحقيق الهدف بالصلح لأنه أقل كلفة، ومن هنا ما كان ليرغب في قتال إن أمكن بلوغ مطامعه بدون سفك دماء.

والهدف الثاني: إرجاع مجد الأمويين الذي اندثر مع الإسلام لتعلو كلمة الله وكلمة رسوله وأهل بيته (عليهم السلام) وهذا ما كان يغيظ معاوية ويزيده حنقاً وسخطاً على علي وبني هاشم عموماً، فلم

٩٧
يكتف بغصب الخلافة من أصحابها الشرعيين بل سعى لجعلها وراثة في عقبه بأخذه ولاية العهد لابنه يزيد!

والهدف الثالث: الثأر من بني هاشم؛ فها هو معاوية يكتب لعماله بعد أن علم إصرار الحسن على القتال يستحثهم على القدوم إليه وحشد الجند فهنأهم بإصابة الثأر بقتل علي (عليه السلام) فأقبلوا إليّ حين يأتيكم كتابي هذا بجهدكم وجندكم وحسن عدتكم فقد أصبتم بحمد الله الثأر وبلغتم الأمل وأهلك الله أهل البغي والعدوان والسلام عليكم(١).

أما الإمام الحسن فكان يستهدف أساساً من الصلح أربعة غايات أساسية:

أولاً:

حفظ شيعته والخلّص من أنصاره وقد ردد هذا الهدف في كثير من كلماته منها: قوله لحجر بن عدي «ليس كل الناس يحب ما تحب ولا رأيه كرأيك وما فعلت إلا إبقاء عليك والله كل يوم في شأن»(٢).

(١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٥.

(٢) م س ص٢١٤.

٩٨
وقوله: «ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل»(١).

وقوله: «ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خير لشيعتي من ما طلعت عليه الشمس»(٢).

وقوله: «إني خشيت أن يجتث المسلمون من وجه الأرض فأردت أن يكون للدين داعي».

وقوله: «أيها الناس إن الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إنما هو حق أتركه لإصلاح أمر الأمة وحقن دمائها»(٣).

وقوله: «لولا ما أتيت لما ترك من شيعتنا على وجه الأرض أحد إلا قتل»(٤)..

ثانياً:

فضح معاوية وكشف زيفه وعدم أهليته لإمامة المسلمين «انه لبّى طلب معاوية للصلح ولكنه لم يلبه إلا ليركسه في شروط لا يسع رجلاً كمعاوية إلا أن يجهر في غده القريب

(١) الدينوري نقلاً عن صلح الحسن: ص٢٣٨.

(٢) صلح الحسن: ص٢٣٣.

(٣) أعيان الشيعة.

(٤) البحار نقلاً عن صلح الحسن: ص٢٠٠.

٩٩
بنقضها شرطاً شرطاً ثم لا يسع الناس إذا فعل هو ذلك إلا أن يجاهروه السخط والإنكار فإذا بالصلح نواة السخط الممتد مع الأجيال وإذا بهذا السخط نواة الثورات التي تعاونت على تصفية السيطرة الاغتصابية في التاريخ»(١).

ثالثاً:

تحقيق هدنة تمكن الإمام من إعادة ترتيب قواعده. في انتظار الفرصة الملائمة للنهوض والثورة، لقد شخص الحسن (عليه السلام) أن الظرف غير مناسب لعمل مثالي استشهادي من هنا آثر السلم والصلح ودعا شيعته أن يبقوا جلس بيوتهم في انتظار تغير الظروف.

لم تكن حركة الحسن التصالحية حالة معزولة بل هي حلقة في إطار إستراتيجية الأئمة في العمل (كما سيتضح من خلال الفصل القادم).

ولقد التفت بعض الباحثين لأهمية هذه النقطة فتحدث عن خطة جديدة في العمل رسمها الحسن (عليه السلام) مع الوفد الذي جاءه من الكوفة يطلب منه نقض العهد والرجوع للحرب ولكن

(١) صلح الحسن: ص٢٥٠.

١٠٠