×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلح الإمام الحسن (ع) من منظور آخر / الصفحات: ١٠١ - ١٢٠

كتاب صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من منظور آخر لـ الأسعد بن علي (ص ١٠١ - ص ١٢٩)

١٠١

الفصل الرابع:



شبهات حول الصلح



اتضح مما سبق أن قرار الإمام الحسن (عليه السلام) بعقد الصلح مع معاوية والدخول في هدنة يخطط الإمام فيها للمستقبل في انتظار انكشاف أمر معاوية وسقوط الغلاف الديني الزائف الذي يتستر به، كان قراراً صائباً وكان الحل المناسب لتلك الوضعية المعقدة الذي وجد الإمام فيها نفسه وشيعته ورأينا كيف حقق الإمام تقريباً كل الأهداف والدوافع التي دفعته للصلح وأن معاوية وإن كسب بعض الأهداف الآنية لكنه خسر المعركة في المنظور البعيد.

ومع كل التحليلات التي ذكرناها في تفسير الصلح ونقض الفرضيات الباطلة يمكن للباحث أو القارئ أن يطرح إشكالاً آخر يتردد صداه كثيراً: لماذا لم يفعل الحسن مثل ما فعل

١٠٢
الحسين؟ لماذا لم يقاتل بالبقية الباقية من جنده المخلصين ليسجل ملحمة فدائية خالدة في التاريخ؟

ويحاول البعض تعليل الظاهرة بان الحسن لم يكن عازما على القتال لأنه منذ البداية كان يميل للسلم فمزاجه منشد للمصالحة أما الحسين فهو رجل ثوري يميل للقتال والاستشهاد ولقد انطبع هذا التصور في أذهان الكثيرين من الباحثين بل بين اتباع الأئمة (عليهم السلام) لتنتشر مقولات مثل (هذا حسني) وذاك (حسيني) تعبيراً في الأولى عن التوجهات السلمية بل الاستسلامية أحياناً، وفي الثانية عن النفس الاستشهادي الهجومي.

ويفرض تساؤل آخر نفسه في طيات البحث: إذا لم يكن الحسن عازماً على القتال فلماذا قبل الخلافة؟ لماذا يقبل الخلافة في مثل هذه الظروف؟ ألم يكن من الأفضل أن يرفض الخلافة حتى لا يضطر لهذا الصلح؟

إزاء هذه التساؤلات الأخيرة والشبهات الجديدة لابد من التأكيد على المسائل التالية والاستدلال عليها بما يقطع الشك باليقين:

١٠٣
- المسألة الأولى: عزم الحسن (عليه السلام) على القتال وعدم تردده البتة.

- المسألة الثانية: مشروعية الصلح في الفقه الإسلامي ورجوع أسلوب التغيير إلى طبيعة الظروف الموضوعية القائمة.

- المسألة الثالثة: وحدة الهدف وتنوع الأداء بين الحسن والحسين (عليهما السلام).

أولاً: عزم الحسن (عليه السلام) على القتال.

من الغريب أن يثير البعض هذه الشبهة حول إصرار الحسن (عليه السلام) وعزمه على القتال مع كل الأحداث والقرائن التي حفت بالموضوع والتي تؤكد إصرار الحسن (عليه السلام) على استكمال خطة علي (عليه السلام) الذي استشهد وهو يعدّ العدّة لمحاربة البغاة معاوية وجنده.

ومن الشواهد التاريخية المؤيدة:

أ) زيادته للمقاتلين؛ فأول شيء قام به الإمام الحسن بعد بيعته أن زاد المقاتلة مائة مائة كما نقلت كتب التاريخ، وقد كان فعل ذلك علي (عليه السلام) يوم الجمل ولكن الحسن حال الاستخلاف

١٠٤
وصار سنة متبعة من قبل الخلفاء بعد ذلك.

وهذه الخطوة تؤكد تشجيعه ودعمه للمقاتلين حتى يندفعوا أكثر في المعارك الآتية، وإلا فمن يعزم على السلام لا مصلحة له في ترغيب النفوس ودفعها للتأهب للقتال.

ب) نص البيعة نفسه؛حيث اشترط الحسن (عليه السلام) على المبايعين الذين بايعوه على كتاب الله وسنة رسوله: «إنكم مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتابوا بذلك وقالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا إلا القتال»(١).

لقد توجس المتخاذلون خيفة من العهد الذي فرضه الحسن (عليه السلام) على المبايعين (بأن يحاربوا من حارب ويسالموا من سالم) وعلموا أنه عازم على الحرب!

ج) قتله الجاسوسين الذين دسّهما معاوية في البصرة والكوفة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الحسن الأمور فقد أمر الإمام الحسن باستخراج الجاسوسين وضربت عنقيهما.

وهذا يدلّ على حزم الحسن (عليه السلام) وعدم تهاونه البتة تجاه

(١) ابن الأثير: الكامل، ج٣ ص٤٠٢.

١٠٥
محاولات معاوية الأولى في شق الصفوف.

د) تهديد معاوية بالحرب؛ فقد كتب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى معاوية مع حرب بن عبد الله الأزدي كما نقل صاحب شرح النهج ومما جاء في هذا الكتاب:

«وإنما حملني على الكتاب إليك الأعذار فيما بيني وبين الله عز وجلّ في أمرك ولك في ذلك إن فعلت الحظ الجسيم والصلاح للمسلمين فدع التمادي في الباطل وادخل فيما دخل الناس من بيعتي فإنك تعلم أني أحق بهذا الأمر منك وعند الله وعند كل أواب حفيظ ومن له قلب منيب واتق الله ودع البغي واحقن دماء المسلمين فو الله ما لك خيراً في أن تلقي الله من دمائهم بأكثر مما أنت لاقيه به وادخل في السلم والطاعة ولا تنازع الأمر أهله ومن هو أحق به منك ليطفئ الله الثائرة بذلك ويجمع الكلمة ويصلح ذات البين وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيك سرت إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين»(١).

هـ) عدم خضوعه لوعود معاوية وتهديداته حيث حافظ الإمام الحسن

(١) ابن أبي الحديد: شرح النهج، ج١٦ ص٢٢٧.

١٠٦
على نسق واحد في مراسلاته لمعاوية، وهو التأكيد على الشرعية ومطالبة معاوية بالكف عن غيه..

وفي آخر مراسلاته لم يشأ أن يدخل في تفاصيل مغالطات معاوية واكتفى بالقول:

«أما بعد فقد وصل إلي كتابك تذكر فيه ما ذكرت فتركت جوابك خشية البغي عليك وبالله أعوذ من ذلك فاتبع الحق تعلم أني من أهله وعلي إثم أن أقول فأكذب والسلام»(١).

ولما تحرك معاوية بين لأنصاره ما حصل «بلغني أن معاوية بلغه أنا كنا أزمعنا على المسير إليه فتحرك لذلك أُخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا ونرى وتروا»(٢).

وفي الواقع أن الذي لم يكن عازما على القتال فعلا هو معاوية وإنما حاول أن يحشد هذا الحشد الجرار على تخوم العراق كجزء من خطة متكاملة للضغط على الحسن للقبول بالصلح.

(١) م ن ص٢٢٩.

(٢) م ن ص٢٢٩.

١٠٧
فحشد هذا الجيش كان إحدى الأدوات المؤثرة في فرض الصلح وإلا ففي الواقع اكتفى معاوية بتهديد عسكري لن ينفذه أبدا لسببين: أولهما امتناعه عن إراقة دماء الشاميين على الرغم من ضعف الجيش العراقي وثانيهما تفضيله الاستيلاء على السلطة بطريقة سلمية لكي يحصل على اعتراف كامل ويضمن مستقبل خلافته فبعد نزاع دموي وطويل جدا مولد لأحقاد كثيرة لن يكون من المستحسن أن يرسي خلافته على نصر وبالتالي على دم(١).

ثانياً: مشروعية الصلح في الفقه الإسلامي.

إن الذين يستشكلون على صلح الحسن بعد كل هذا التحليل لدوافع الصلح وأبعاده ويعتمدون في المناقشة على مرجعية السيرة الحسينية كأنهم يتوهمون بأن الثورة والقتال هي الأسلوب الوحيد الذي يقره الدين ويعتمده في التغيير. ويغيب عنهم أنه في إطار الفقه الإسلامي ومرجعية الفكر الإسلامي ليس لدينا أسلوب واحد في التغيير والتعاطي مع الأطراف الأخرى: الكفار والبغاة خصوصاً؛ يقول الشهيد مطهري: «أننا

(١) هشام معيط: الفتنة، ص٣١٥.

١٠٨
لو سئلنا هل الإسلام دين صلح أم دين حرب؟ فبماذا نجيب؟ فإذا رجعنا إلى القرآن نرى تشريع الحرب كما نرى تشريع الصلح فالآيات التي تدعو للحرب مع الكفار والمشركين كثيرة كقوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوَاْ} وغيرها من الآيات كما أن هناك آيات في الصلح كقوله تعالى: {وَإِن جَنَحُواْ لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} (الأنفال: ٦١) وفي آية أخرى {وَالصّلْحُ خَيْرٌ} (النساء: ١٢٨) إذن الإسلام دين أيهما؟ الإسلام لا يجعل الصلح قاعدة في كل الظروف كما أنه لا يقبل الحرب دائماً بل هما تابعان للظروف والأهداف والمسلمون سواء كانوا في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله) أو في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام) أو في زمن الإمام الحسن أو في زمن الإمام الحسين أو الأئمة الآخرين (عليهم السلام) أو في زماننا ففي كل زمان وعلى أي حال يجب أن يكون سعيهم لتحقيق الهدف وهدفهم الإسلام وحقوق المسلمين يجب أن يأخذوا الظروف والأوضاع بعين الاعتبار فإن كانوا بالقتال يمكنهم تحقيق الهدف في شكل أفضل فعليهم سلوك هذا الطريق وإذا رأوا أحياناً أن الهدف يمكن
١٠٩
تحقيقه بالصلح بشكل أفضل فعليهم اختيار هذا السبيل(١).

وبمراجعة كلمات الفقهاء نجد اتفاقاً تقريباً على وجوب قتال أهل البغي؛ يقول المحقق الحلي: «يجب قتال من خرج على إمام عادل إذا ندب إليه الإمام عموما أو خصوصا أو من نصبه الإمام والتأخر عنه كبيرة وإذا قام به من فيه غناء سقط عن الباقين مالم يستنهضه الإمام على التعيين والفرار في حربهم كالفرار في حرب المشركين»(٢).

ويقول الشهيد الثاني في أحكام الباغي: «وقتاله كقتال الكفار في وجوبه على الكفاية. ووجوب الثبات له وباقي الأحكام السالفة فذو الفئة كأصحاب الجمل ومعاوية يجهز على جريحهم ويتبع مدبرهم ويقتل أسيرهم وغيرهم كالخوارج يفرقون من غير أن يتبع لهم مدبر أو يقتل لهم أسير أو يجهز على جريح. ولا تسبى نساء الفريقين ولا ذراريهم في المشهور ولا تملك أموالهم التي لم يحوها العسكر إجماعا»(٣).

(١) مرتضى مطهري: سيرة الأئمة الأطهار، دار الهادي ط٢ / ١٩٩٢ ص٦٨.

(٢) المحقق الحلي: شرائع الإسلام، ج٢ دار الزهراء ص٣٨٦.

(٣) الشهيد الثاني: الروضة البهية في شرح اللمعة أن الدمشقية دار الهادي ج٣ ص٦٦٨.

١١٠
كما أنهم يتفقون على جواز المهادنة والمصالحة ولكنهم يشرطونها بالمصلحة يقول المحقق في المهادنة: «وهي المعاقدة على ترك الحرب مدة معينة وهي جائزة إذا تضمن مصلحة للمسلمين إما لقلتهم عن المقاومة ولما يحصل به الاستظهار أو لرجاء الدخول في الإسلام مع التربص(١).

ويقول الشهيد الثاني: «وهي جائزة مع المصلحة للمسلمين لقلّتهم أو رجاء إسلامهم مع الصبر أو ما يحصل به الاستظهار ثم مع الجواز قد تجب مع حاجة المسلمين إليها وقد تباح لمجرد المصلحة التي لا تبلغ حد الحاجة ولو انتفت (المصلحة) انتفت الصحة»(٢).

إذن فلا خلاف بين الفقهاء في جواز الصلح سواء مع المشركين والكفار أو مع البغاة والخارجين، وإنما الخلاف بينهم في وصول الأمر إلى الوجوب حيث يذكر العلامة: «أنها ليست واجبة على كل تقدير سواء كان بالمسلمين قوة أو ضعف لكنها جائزة»(٣).

(١) المحقق الحليِ: شرائع الإسلام، ج٢ ص٣٧٩.

(٢) الشهيد الثاني: مصدر سابق ص٦٥٤.

(٣) السيد علي الخامنئي: كتاب الهدنة، ص١٥ نقلاً عن التذكرة.

١١١
ومرد خلاف العلماء في كون الهدنة مع الكفار أو البغاة حال ضعف المسلمين جائزة. أم تصبح واجبة، هو وجود أدلة لهذا أو لذلك الظرف.

فأدلة عدم إلقاء النفس للتهلكة كقوله تعالى: {وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ} (البقرة: ١٩٥) يستفاد منها حرمة القتال في حال الضعف وبالتالي وجوب المهادنة كما أن سيرة الرسول انعقدت على مصالحة المشركين كصلح الحديبية.

ولكن بالمقابل قد يتمسك بإطلاق أدلة قتال المشركين «فقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة» أو إطلاق قتال أهل البغي: {وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَىَ الاُخْرَىَ فَقَاتِلُواْ الّتِي تَبْغِي حَتّىَ تَفِيَءَ إِلَىَ أَمْرِ اللهِ} (الحجرات: ٩) للاستدلال على مشروعية القتال حتى في حالة الظن بالهلكة.. وبالتالي لا يصل حكم الصلح والمهادنة إلى الوجوب. كما يستدل في نفي السياق بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث «بعث الرسول تسعة أشخاص إلى بني هذيل وقتل تسعة منهم ولم يستسلموا مع وجود مندوحة لذلك

١١٢
وأقر الرسول سلوك هؤلاء.

ويبدو أن الحل للخروج من هذا الخلاف والتعارض في الأدلة أن نقول كلما كانت مصلحة الهدنة أهم من القتال قدم على الجهاد كما ذهب إلى هذا الرأي السيد الخامنئي في بحثه حول الهدنة: «ثم لا يخفى أن المصالح تختلف أهمية كما أن مصاديق الجهاد تختلف كذلك، ومن المعلوم عدم إمكان التحديد بالنسبة إلى مراتب الأهمية سواء في المصالح أو في عمليات الجهاد في سبيل الله وإنما الأمر في ذلك أي في تشخيص أهمية المصلحة الداعية إلى الهدنة في كل مورد أو أهمية عملية الجهاد المفروض في ذلك المورد وكذا مراتب الأهمية كلها بيد من إليه أمر الجهاد وبناء على ذلك، أي على فرض وجود مراتب للمصلحة وإن المناط في الانتماء إلى المهادنة في كل مرحلة هو كون المصلحة فيها أهم من العملية الجهادية التي هي موضوع تلك المرحلة فربما وصلت أهمية الصلح والهدوء مرتبة يحكم معها بوجوبه وعدم جواز التخلف عنه(١).

فالمسألة تدور مدار المصلحة ولقد شخص الإمام الحسن أن

(١) علي الخامنئي: الهدنة، دار الوسيلة ط١ ١٩٩٨ ص١٥.

١١٣
الظرف يفرض الصلح والهدنة فآثر ذلك واثبت التاريخ والتجربة صدق نظره. والأمر شرعاً موكول إليه فهو الإمام الحق. وبيده الجهاد وبيده الصلح..

ولقد احتج الحسن (عليه السلام) فيما احتج به على أصحابه بهذا الأمر وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) مع المشركين وسيرة علي (عليه السلام) مع البغاة، عن البحار ينقل صاحب صلح الحسن: نصا في هذا الاتجاه عندما يسأله أحد أصحابه «يا ابن رسول الله لم هادنت معاوية وصالحته وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ؟ فأجابه: يا أبا سعيد ألست حجة الله تعالى على خلقه وإماما عليهم بعد أبي؟ قال: بلى قال ألست الذي قال رسول الله لي ولأخي الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟ قال بلى قال فأنا إمام لو قمت وأنا إمام لو قعدت، يا أبا سعيد علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول الله لبني ضمرة وبني أشجع ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل»(١).

(١) راضي آل يس: صلح الحسن، ص٢٠٠ نقلاً عن البحار.

١١٤

ثالثاً: وحدة الهدف وتنوع الأداء بين الحسن والحسين (عليهما السلام).

أصل المشكلة والجذر الأساسي لهذه الشبهة الأخيرة والتي نسعى لتأسيس الإطار النظري لدحضها (المتمثل في النقاط الثلاث): وهي المقارنة التي كثيراً ما تتردد بين ثورة الحسين (عليه السلام) وصلح الحسن (عليه السلام) وفي أكثر الأحيان تكون نتيجة المقارنة، أن الاختلاف في الأسلوب راجع إلى اختلاف في الشخصيتين ومزاجيهما وأن الحسن ذو ميول سلمية بينما الحسين له نزوع للجهاد والاستشهاد!!

ومن هنا يساق أكثر من اعتراض لماذا صالح الأول… وثار الثاني؟ لماذا هذا الاختلاف في الأسلوب؟ والتناقض في مواجهة الأعداء؟

في الحقيقة هذا الإشكال لا ينحصر في المقارنة بين أسلوب الحسن والحسين وإنما يمتد إلى سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حين نرى أن أحدهم يركز على العمل السياسي والآخر على نشر الفقه والمعارف والعلوم وثالث على الزهد والدعاء.. الخ فكيف نفسر هذا التنوع؟

والذي قد يوحي بفكرة الاختلاف بين الأئمة (عليهم السلام) هو

١١٥
المنهج في دراسة سيرة الأئمة (عليهم السلام) هذا المنهج التجزيئي المهيمن في كل الكتابات تقريبا والذي يتعاطى مع هذه السيرة بطريقة تجزيئية تفصل كل إمام عن الآخر وكل مرحلة عن الأخرى.

ولقد انتقد باقر الصدر(١) هذا المنهج واقترح منهجاً موضوعياً يعتمد على الوحدة الموضوعية لحياة الأئمة ويكشف الخيوط الرفيعة التي تشد حياة كل إمام إلى الإمام الآخر، ويهتم بالأهداف التخطيطية المشتركة التي يلتقي حولها أكثر من إمام. فإذا قمنا بدراسة أحوال الأئمة (عليهم السلام) على المستويين التجزيئي والترابطي فسوف نواجه على المستوى الأول اختلافاً وتباينا في السلوك وتناقضا من الناحية الشخصية في الأدوار التي مارسها الأئمة وأما على المستوى الثاني «فسوف تزول كل تلك الخلافات والاختلافات والتناقضات لأنها تبدو على هذا المستوى مجرد تعابير مختلفة عن حقيقة واحدة وإنما اختلف التعبير عنها لاختلاف الظروف والملابسات التي مر بها كل إمام»(٢).

(١) انظر كتاب (أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف) دار التعارف.

(٢) م س ص ١٤٢.

١١٦
ويرى الصدر أن وجود الهدف المشترك للأئمة (عليهم السلام) ليس مجرد افتراض يبحث عن شواهد تاريخية بل هو مما تفرضه العقيدة نفسها وفكرة الإمامة بالذات لأن الإمامة واحدة في الجميع بمسؤولياتها وشروطها فيجب أن تنعكس انعكاسا واحدا في شروط الأئمة (عليهم السلام) وأدوارهم مهما اختلفت أدوارها الطارئة بسبب الظروف والملابسات ويجب أن يشكل الأئمة بمجموعهم وحدة مترابطة الأجزاء ليواصل كل جزء من تلك الوحدة الدور للجزء الآخر ويكمله(١).

وفي ضوء نظرية وحدة الهدف وتنوع أدوار الأئمة لا ننظر إلى موقف الحسن (عليه السلام) وموقف الحسين (عليه السلام) على أنهما موقفان متناقضان بل هما موقفان صحيحان فرضت كل واحد منهما ظروفه الآنية ولكنهما يعملان على تحقيق نفس الأهداف المشتركة حفظ الرسالة والدين.. وحماية الأمة من خطر الانحراف الكبير الذي أصابها بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فالحسن لو كان مكان الحسين لثار واستشهد والحسين كان موقفه موقف الحسن ولم يخالفه البتة وما تذكره بعض المصادر من معارضة

(١) م س ص ١٤٢.

١١٧
الحسين (عليه السلام) للحسن في صلحه مع معاوية كلام يستند إلى روايات ضعيفة لا أساس لها بل تؤكد المصادر التاريخية أن الحسين كان على رأي الحسن (عليه السلام) فقد قال لعلي بن محمد بن بشير الهمداني حين فاوضه في الثورة بعد أن يئس من استجابة الإمام الحسن: «صدق أبو محمد فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان (يعني معاوية) حيا. وكان هذا رأيه بعد وفاة الإمام الحسن فقد كتب إليه أهل العراق يسألونه أن يجيبهم إلى الثورة على معاوية ولكنه لم يجبهم إلى ذلك وكتب إليهم أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده فيما يأتي وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك فالصقوا رحمكم الله بالأرض اكمنوا بالبيوت واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حياً»(١).

وكيف يختلف الحسن والحسين في تقدير الموقف وكلاهما يستقي من معين واحد معين الإمامة والطهر والعصمة؟!

وإنما ينحصر الاختلاف في الظروف: فلكل منهما ظرفه

(١) محمد مهدي شمس الدين: ثورة الحسين، المؤسسة الدولية ط السابعة ص١٢٠.

١١٨
الخاص الذي اختار معه الرأي السديد والموقف الصائب. «وكان احتساء الموت قتلاً في ظرف الحسين والاحتفاظ بالحياة صلحا في ظرف الحسن بما مهدا به عن طريق هاتين الوسيلتين لضمان حياة المبدأ وللبرهان على إدانة الخصوم هو الحل المنطقي الذي لا يعدى عنه لمشاكل كل من الظرفين وهو الوسيلة الفضلى إلى الله تعالى(١).

ولنقف قليلاً عند تنوع الظروف لنتفهم أكثر تنوع الأدوار والأداء وفقاً لها:

فالإمام الحسن (عليه السلام) واجه مرضاً أساسياً في مرحلته وهو مرض الشك هذه الحالة التي واجهها الإمام علي (عليه السلام) نفسه فالمسلمون في تلك المرحلة لم يفهموا ملياً أن معركة علي مع معاوية كانت معركة الإسلام في صفته الشرعية مع منهج الكسروية والهرقلية المحلاة بقشرة دينية مزيفة يحرص معاوية على المحافظة عليها. إن الأوضاع النفسية التي خلقتها الحروب الطويلة مع الناكثين والقاسطين والمارقين ووقوف وجوه بارزة من صحابة الرسول مع المخالفين أدخل نوعا من الشك في

(١) راضي آل ياسين: صلح الحسن ص٣٧٠.

١١٩
صفوف الموالين لعلي (عليه السلام) هذه الحالة تعمقت بسبب انتقال الحكم إلى الحسن مما قوى انطباع الناس أن المعركة بين عائلة وأخرى بين بني هاشم وبني أمية وليست بين الإسلام وقوى البغي! خاصة وأن معاوية حينما تصدّى الحسن (عليه السلام) كان يقف على كيان سياسي قائم اكتسب شرعية ما إثر واقعة التحكيم في صفين.

لم يكن يدرك المسلمون ولا مجتمع الكوفة إلا الخاصة من أصحاب الحسن (عليه السلام) جوهر المعركة، لقد اعتقدوا أنها خلاف سياسي صرف وأن معاوية حاكم قادر على إدارة شؤون المسلمين وأن تجربته مع أهل الشام أثبتت براعته بل ربما اعتقد البعض بما كان يروج له معاوية بأن الأخير أكثر خبرةً وحنكةً وأكبر سناً وتجربة!

هذا المرض الخطير الذي أصاب الأمة لا ينفع معه العمل الفدائي الاستشهادي لأنه إضافة إلى خطورة القضاء على الخلص من أصحاب الحسن (عليه السلام) فإن القتال في مثل هذه الظروف لن يكون في منظور هؤلاء سوى معركة مصلحية قادها الحسن من أجل مجد شخصي وموقع سياسي.

١٢٠