×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

صلح الإمام الحسن (ع) من منظور آخر / الصفحات: ١٢١ - ١٤٠

إن قيام الحسن (عليه السلام) بعمل ثوري والدخول في حرب مع ما تبقى من الخلص من أصحابه لن يكون له صدى أكثر من ثورات العلويين في التاريخ.

فالحل الأمثل لمثل هذه الظروف إعطاء فرصة للقاعدة أن تشفى من هذا المرض والتريث قصد توفر الظروف المناسبة للقتال.

أما الحسين (عليه السلام) فقد ابتليت الأمة في مرحلته بمرض آخر لقد انكشف لها خداع معاوية وزيف إسلامه ولم تعد تشكك لحظة في طبيعة المعركة بين أهل البيت وبين معاوية ويزيد! لقد كشف صلح الحسن (عليه السلام) معاوية وفضح سياسات بني أمية على مستوى الأمة الإسلامية (كما اتضح في الفصول السابقة) ولكن المرض الخطير الذي أضحت تعاني منه هو ضعف الإرادة فالأمة قد شفيت من مرض الشك ولكنها منيت بمرض آخر وهو مرض (فقدان الإرادة) وقد أصبحت الأمة لا تملك إرادتها في الرفض والاحتجاج بل أصبحت يدها ولسانها ملك لشهواتها قد فقدت إرادة التغيير لأوضاعها الفاسدة قلوبهم مع الإمام ولكن

١٢١
سيوفهم عليه(١).

مع الحسين (عليه السلام) صار شعار: «لا نريد إلا حكم علي» بعد انتفاء روح الشك ولكن الأمة كانت بحاجة إلى صدمة قوية توقظها من رقدتها وتبعث فيها الإرادة من جديد فكانت ملحمة البطولة والشموخ في عاشوراء الحسين (عليه السلام).

فصلح الحسن (عليه السلام) قد مهد لثورة الحسين لأن الصلح قد مكنهم من الوقوف على أخطاءهم في خذلان الحسن والانخداع بالزيف الأموي «فإذا كان الناس قد كرهوا الحرب لطول معاناتهم لها ورغبوا في السلم انخداعاً بجملة الدعاية التي بثها فيهم عملاء معاوية إذا منوهم بالرخاء والأعطيات الضخمة والدعة والسكينة وطاعة لرغبات زعمائهم القبليين فإن عليهم أن يكتشفوا بأنفسهم مدى الخطأ الذي وقعوا فيه حين ضعفوا عن القيام بتبعات القتال وسمحوا للأماني بأن تخدعهم ولزعمائهم بأن يضلوهم».

إذن فقد كان دور الحسن أن يهيئ عقول الناس وقلوبهم

(١) عادل أديب: دور أئمة أهل البيت في الحياة السياسية، دار التعارف ص٢٠٠.

١٢٢
للثورة على حكم الأمويين هذا الحكم الذي كان يشكل إغراء للعرب في عهد أمير المؤمنين الذي غدا فتنة للعراقيين بعده حملتهم على التخلي عن الإمام الحسن في أحلك الساعات وذلك بأن يدع لهم فرصة اكتشافه بأنفسهم مع التنبيه على ما فيه من مظالم وتعد لحدود الله(١).

فلا معنى للكلام الشائع بين الناس وأحياناً بين المتدينين والمثقفين: عن اتجاه حسني وآخر حسيني فهما وجهان لحقيقة واحدة: الإمامة والمسؤولية.

«وكانت التضحيتان تضحية الحسين بالنفس وتضحية الحسن بالسلطان هما قصارى ما يسمو إليه الزعماء المبدئيون في مواقفهم الإنسانية المجاهدة(٢).

(١) محمد مهدي شمس الدين: مصدر سابق، ص١١٩.

(٢) راضي آل ياسين: صلح الحسن، ٣٧٠.

١٢٣

صلح الحسن وخيارات الأمة الراهنة


رغم الصعوبات التي تضعنا تجربة الكتابة عن سيرة الأئمة نواجهها والتي أشرنا إلى بعضها في المقدمة: مشكلة المنهج، قلة المصادر، الاستغراق في البحوث السردية المناقبية وغياب الدراسات التحليلة التي تستنطق النصوص التاريخية لاكتشاف قواعد وضوابط تخدم الأمة في مسيرتها ونهضتها.

كل هذه العوائق لا تمنع البتة من الاستفادة واقتناص الدروس من سيرة الحسن (عليه السلام) المليئة بالعبر.

وفي مرحلتنا الراهنة؛ والأمة الإسلامية تواجه تحديات هذه الحقبة الخطيرة من تاريخها نحتاج أن نتوقف عند تجارب هؤلاء القادة الربانيين لنستوحي منهم ما يساعدنا على ضبط خطتنا في المواجهة وبرامجنا في الإصلاح ومشروعنا في التغيير ومنهاجنا في العلاقة مع الآخر.

١٢٤
وصلح الإمام الحسن (عليه السلام) بالذات يؤسس لجملة من القواعد لابد للأمة عموماً والعاملين خصوصا الاستفادة منها:

القاعدة الأولى:

الواقعية السياسية؛ علمنا صلح الحسن أن الإمام المعصوم رغم حضوره ووجوده فإن النصر والتغيير لم يحصل بمعجزه والصراع لم تحسمه الملائكة وإنما (قوانين التاريخ) وسنن الله في الكون هي التي تحرك المسيرة، نعم إن الله ينصر من ينصره ولكن مع عدم توفر شرائط النصر ومع عدم توفر مقومات الحرب لا مجال للنصر ولا إمكانية للحرب.

لقد علمنا الحسن (عليه السلام) درساً بليغاً في الواقعية السياسية لن تنساه شيعته أبداً.

القاعدة الثانية:

الصلابة المبدأية؛ يعتذر الكثيرون بـ (الواقعية السياسية) ليميّع أهدافه أو يتحلل من التزاماته.

وصلح الحسن يعلمنا كيف نتعاطى مع الظروف والخصم بواقعية ولكن في كنف الالتزام العالي بالمبادئ بل إن هذه المبادئ هي التي تدفعنا للصلح وهذا ما عناه الباقر (عليه السلام) «والله للذي صنعه الحسن بن علي (عليه السلام) كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس» فهذا الصلح حمى دين الأمة ورسالتها وقيمها من

١٢٥
الانقراض.

القاعدة الثالثة:

لا مانع من حلول مرحلية عندما تعوزنا الإمكانات فلسنا دائماً في مستوى تحقيق أهدافنا البعيدة، فلا مانع إذا هادن المرء مؤقتاً أو صالح ولا بأس من تجرّع مرارة التنازلات أحياناً في سبيل حفظ الأهداف الكبيرة.

القاعدة الرابعة:

الإسلام وأهدافه العليا هي (الإستراتيجية) فلا حرب دائمة ولا هدنة أبدية الحرب والجهاد والهدنة والسلم كلها خطط مؤقتة لخدمة الهدف الكبير.

القاعدة الخامسة:

لابد من تشخيص دقيق لمرض الأمة وداء المجتمع وفي ضوء ذلك نحدد هل الجهاد والثورة هي الحل أم السكون والهدوء وبالمقابل دراسة وتحليل أهداف الأعداء أيضا.

القاعدة السادسة:

حفظ الصالحين من أبناء الأمة وطلائعها المجاهدة مقصد هام من مقاصد الدين وإن كان حفظ الدين هو أول المقاصد فإن في حفظ هؤلاء الملتزمين والمؤمنين والمجاهدين حفظ للدين حقاً.. ونرى كيف أن الحسن (عليه السلام) هادن حفظاً لخلص شيعة آل محمد لأن دونهم لا مجال لحفظ الرسالة

١٢٦
وحفظ المذهب.

القاعدة السابعة:

يعلمنا الإمام الحسن (عليه السلام) أن نمتلك وعيا مستقبليا فلا ننفعل باللحظة التاريخية التي نعيشها ولا نترك الظروف الراهنة الشديدة تسقطنا بل لابد من الانعتاق من ضغط الحاضر التي قد يفرض علينا تنازلات، بالتحديق الواعي للمستقبل والتخطيط له.

صلّ اللهم على محمد وآل محمد، ارحم أبا محمد الحسن المجتبى يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حياً.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..

١٢٧

المراجع والمصادر


١ - القرآن الكريم.

٢ - الإرشاد: المفيد، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت ط٣ / ١٩٨٩.

٣ - أصول الكافي: الكليني، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

٤ - أعيان الشيعة: محسن الأمين، دار التعارف ١٩٧٦.

٥ - أهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: محمد باقر الصدر، دار التعارف.

٦ - بحار الأنوار: العلامة المجلسي، مؤسسة الوفاء، ط٢ / ١٩٨٣م.

٧ - تاريخ الطبري: الطبري، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.

٨ - تحف العقول: الشيخ الحراني، مؤسسة الأعلمي ط٥ / ١٩٧٤.

٩ - ثورة الحسين: محمد حسين شمس الدين، المؤسسة الدولية ط٧ / ١٩٩٦.

١٢٨
١٠ - حياة الإمام الحسن بن علي: باقر شريف القرشي، دار البلاغة ط١ / ١٩٩٣.

١١ - دور أئمة أهل البيت في الحياة السياسية: عادل أديب، دار التعارف ١٩٨٨.

١٢ - سيرة الأئمة الاثني عشر: هاشم معروف الحسني، دار التعارف ط١ / ١٩٧٧.

١٣ - سيرة الأئمة الأطهار: مرتضى مطهري، دار الهادي ط٢ / ١٩٩٢.

١٤ - شرائع الإسلام: المحقق الحلي، دار الزهراء.

١٥ - شرح الروضة البهية: الشهيد الثاني، دار الهادي.

١٦ - شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد، مؤسسة الأعلمي ـ بيروت.

١٧ - صلح الحسن: راض آل ياسين، مؤسسة النعمان ١٩٩١.

١٨ - الغدير: العلامة الأميني، دار الكتب الإسلامية ـ طهران.

١٩ - الفتنة: هشام جعيط، دار الطليعة ـ بيروت.

٢٠ - الكامل في التاريخ: ابن الأثير، دار صادر ـ بيروت ١٩٦٥.

١٢٩