×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الطريق إلى المهدي المنتظر (ع) / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٥ فارغة
الطريق إلى المهدي المنتظر لـ سعيد أيوب (ص ١ - ص ٣١)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

كلمة المركز

يسر مركز الغدير للدراسات الإسلامية أن ينشر هذا البحث تحية لروح كاتبة الذي انتقل إلى جوار ربه بعد معاناة طويلة مع الألم والمرض وبعد حياة قصيرة بحساب أعمال البشر ولكنها ممتدة غنية بحساب المواقف والأثر.

لقد آمن المؤلف الراحل بالاسلام أعمق الإيمان وأصدقه ونذر حياته الفكرية والعملية كلها من أجل جلاء صورته وتبيين معالم خطه الأصيل المتمثل بخط أئمة الهدى من أهل بيت النبوة (ع)، ولهذا انصبت بحوثه كلها تقريبا حول قضية الإمامة والوصاية وإثبات كونها سنة إلهية تاريخية عرفتها كل النبوات السابقة، وضرورة هداية ربانية اقتضتها استمرارية النبوة الخاتمة لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم

وفي هذا البحث الذي استللناه من مؤلف المفكر الراحل (ابتلاءات الأمم) يناقش المؤلف - رحمه الله - جانبا مهما من جوانب عقيدة الإمامة وركنا من أركانها الأساسية وهو عقيدة المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجة.

رحم الله تعالى المؤلف الفقيد رحمة واسعة ونفع قراءه بعلمه ومؤلفاته القيمة. والله تعالى من وراء القصد، وهو ولي التوفيق.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية

٦
٧

الفصل الأول
نور الظلام

٨
٩

أولا: موكب الحجة

بعد وفاة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم انطلقت المسيرة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء، بعد أن أقيمت عليها الحجة في عهد البعثة، قال تعالى (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين * ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) (يونس: ١٣ - ١٤). ومن فضل الله - تعالى - على بني الإنسان أنه أحاط القافلة البشرية الخاتمة بالحجة الدائمة، بمعنى أن المعجزات التي كان الله - تعالى - يؤيد بها رسله قبل البعثة الخاتمة كانت تنتهي بوفاة الرسول، ولكن الله عندما استخلف الأمة الخاتمة أيدها بمعجزات، منها ما انتهى بوفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومنها ما استمر بعد وفاته وسار مع القافلة على امتداد المسيرة، ومن أمثلة ذلك القرآن الكريم وأحاديث الإخبار بالغيب، فهذه المعجزات مهمتها إرشاد بني الإنسان إلى طريق الهداية، الذي تتحقق به السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، وهي شاهد صدق على نبوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بمعنى أن إرشادات النبي وتعاليمه، هي في حقيقة الأمر دعوة إلى الجنس البشري، على امتداد المسيرة من الحاضر إلى المستقبل، للإيمان بنبوة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، فمن تبين حقيقة إرشاده، ولم يؤمن به في أي زمان، كان كمن كذبة عند بداية البعثة ونزول الوحي، ويقتضي المقام أن نلقي بعض الضوء على هذه المعجزات:

معجزات بين يدي الموكب

١ - القرآن الكريم

القرآن معجزة باقية حتى يرث الله الأرض ومن عليها وقد تولى الله حفظه، فلا يمكن بحال أن يناله التغيير أو التبديل، قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩)، وجميع المعارف الإلهية والحقائق

١٠
الموجودة في القرآن تستند إلى حقيقة واحدة هي التوحيد، ولقد وصف الله - تعالى - القرآن بالحكيم، لأنه كتاب لا يوجد فيه نقطة ضعف أو لهو حديث، ولا انحراف فيه في جميع الأحوال، كما لا يوجد فيه أي اختلاف وفي هذا دليل على أنه منزل من الله تعالى، لأن أقوال الناس لا تخلو - في المراحل المختلفة - من الاختلاف والانحراف ولهو الحديث ونقاط الضعف، وعجز الناس على الإتيان بمثل القرآن دليل على إعجازه، وعجز المشركين عن معارضته دليل على التوحيد، وخضوع الأعناق للقرآن يعني أن إسناده إلى الله - تعالى - يحتاج إلى دليل سوى القرآن نفسه.

وفي عهد البعثة كان القرآن الملجأ الوحيد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يقيم حجته على الناس، ولقد بين لهم النبي الخاتم ما أنزل إليهم من ربهم على امتداد البعثة، وألزم القرآن الناس بأن يكون لهم في النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة، وجعل اتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم شرطا في حب الله، ولقد بين القرآن والسنة - منذ اليوم الأول للمسيرة - أن كل رأي ديني يجب أن ينتهي إلى القرآن الكريم، حتى لا يتمكن الأجانب من نشر الأباطيل بين المسلمين، كما بين القرآن والسنة أن كتاب الله لا يقبل النسخ والإبطال والتهذيب والتغيير، وأن أي تعطيل سيفتح الطريق أمام سنن الأولين.

٢ - الإخبار بالغيب عن الله

من لطف الله - تعالى - بعبادة أنه أخبر على لسان الأنبياء والرسل بالغيب، فأخبر بما ينتظر الإنسان في اليوم الآخر حيث أهوال القيامة ولهيب النار ونعيم الجنة، وأخبر بأساليب الشيطان وإلقاءاته إلى قيام الساعة، كما أخبر بمضلات الفتن، مقدماتها ونتائجها، وأخبر بالأمور العظيمة التي ما زالت في بطن الغيب، والإخبار بالغيب حجة بذاته، وبه يمتحن الله - تعالى - عبادة، قال عز وجل: (ليعلم الله من يخافه بالغيب) (المائدة: ٩٤)، وقال:

(وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب) (الحديد: ٢٥).

وإن أي حدث لا بد أن تكون له مقدمة يترتب عليها نتيجة، والناس عند صنعهم لمقدمة الحدث، كبيرا كان أو صغيرا، يعلمون جانب الحلال فيه

١١
وجانب الحرام، بما أودعه الله فيهم من الفطرة، ولأن الله - تعالى -، وهو العليم المطلق، يعلم مصير هذه المقدمة وما يترتب عليها من نتائج ما زالت في بطن الغيب، يخبر - سبحانه - على لسان الأنبياء والرسل بما ينتظر الناس من نتائج، لكي يأخذوا بأسباب الهدى ويتجنبوا أسباب الضلال، وباختصار:

فإن من أخذ بأسباب الدجال سقط في سلته، وهوى في نار جهنم يوم القيامة، ومن أخذ بأسباب الهدى شرب من حوض النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

إن الله - تعالى - يمتحن الناس بأخذهم الأسباب، وهم تحت مظلة الامتحان والابتلاء يتمتعون بحرية الأخذ بها، وكل مسيرة - على امتداد الزمان - يتخللها ماض وحاضر ومستقبل، والماضي يحمل دائما في أحشائه الزاد، ومهمة الحاضر أن يستمد منه أسباب، والهدى، وينطلق بها إلى المستقبل، فمن أدركه الموت وهو على هدى، بعثة الله على نفس السبب، وكل إنسان سيصل إلى ما هاجر إليه، وإن أخبار الغيب التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كشفت المسيرة، وظهر ما في بطونها من زاد الماضي، وإذا وقف الحاضر أمام هذا الزاد ثم رجع القهقري بتحليل الحوادث التاريخية، يصل إلى المقدمة في الماضي البعيد، فإذا أمعن النظر فيها وجد أنها تحتوي على أصول القضايا وأعراقها التي يراها في حاضره فكما تكون المقدمة تكون النتيجة، الدعوة الإلهية الخاتمة أمرت باتقاء الفتن، وهذا لا يتحقق إلا بالبحث في أصول القضايا، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون * واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) (الأنفال: ٢٤ - ٢٥)، النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أن الحاضر إذا رضي بانحراف الماضي، شارك بالمشاهدة وإن لم يحضر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا علمت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها) (١).

(١) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٣٤٥.
١٢
والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بين لأمته المقدمات والنتائج حتى قيام الساعة، ليكونوا على بينة من أمرهم ويأخذوا بأسباب الأهداف التي لله فيها رضا، فعن أبي زيد قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفجر، وصعد المنبر فخطبنا حتى حضرت الظهر فنزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا احفظنا) (١)، وعن أنس قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

من أحب أن يسأل عن شئ فليسأل عنه، فوالله لا تسألون عن شئ إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا) (٢) وعن حذيفة قال: (والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة في ما بيني وبين الساعة، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن، فقال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعدها: منهن ثلا ث لا يكدن يذرن شيئا، ومنهن فتن كرياح الصيف، منها صغار ومنها كبار، قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري) (٣)، وعنه أيضا أنه قال: (ما من ثلاثمائة تخرج إلا ولو شئت سميت سائقها وناعقها إلى يوم القيامة) (٤)، وقال أيضا: (والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه باسمه واسم أبيه واسم قبيلته) (٥).

لقد أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجة عند المقدمة، وهو يخبر بالغيب عن ربه، وعندما انطلقت المسيرة بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم تحت سقف الامتحان والابتلاء، لم تخل المسيرة من الفتن، بدليل أن حذيفة الذي يعرف الفتن وقادتها قال بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأقل من ثلاثين عاما: (إنما كان النفاق على عهد

(١) رواه مسلم، الصحيح: ١٨ / ١٧، وأحمد، الفتح الرباني: ٢١ / ٢٧٢.

(٢) رواه أحمد والبخاري ومسلم، كنز العمال: ١١ / ٤٢١.

(٣) صحيح مسلم: ١٨ / ١٥.

(٤) رواه نعيم وسنده صحيح، كنز العمال: ١١ / ٢٧١.

(٥) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٢٢٢.

١٣
النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان) (١)، وقال: (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون) (٢)، وقال: (إن كان الرجل يتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيصير منافقا، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات) (٣).

والطريق من توضيح النبي للفتن وهي في بطن الغيب إلى ظهور الفتن في عالم المشاهدة، طريق يخضع للبحث، بهدف اتقاء الفتن المهلكة، وحصار وقودها في دائرة الذين ظلموا خاصة، وعدم البحث في هذا الطريق يفتح أبوابا عديدة، منها مشاركة الذين ظلموا إذا رضي عن فعلهم، لأن الراضي عن فعل قوم كالداخل معهم، وقد جاء في الحديث الشريف: (المرء مع من أحب) (٤)، وكما أن عدم البحث يلقي بالحاضر على الماضي، فكذلك يلقي به على ما يستقبله من فتن مهلكة. عن حذيفة أنه قال: (تعرض الفتن على القلوب، فأي قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء، وأي قلب لم ينكرها نكتت في قلبة نكتة سوداء، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخرة أسود مربدا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب في هواه) (٥). وما زالت في بطن الغيب أحداث وأحداث، لا ينجو منها العالم إلا بعلمه، وكذلك فإن هناك أحداثا إذا جاءت لا ينفع نفسا إيمانها يومئذ، لأنها لم تبحث على امتداد الطريق فأنتج ذلك عدم معرفة الحق على امتداد الطريق، ولما كان الحق عند هذه النفس يخضع لتحديد الأهواء، تسقط النفس في سلة الدجال التي تحتوي على جميع الأهواء، وما يستقبل الناس من آيات كبرى، جاء في قوله تعالى:

(١) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) رواه أحمد وإسناده جيد، الفتح الرباني: ١٩ / ١٧٣.

(٤) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٧٧.

(٥) رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه، كنز العمال: ١١ / ١١٩.

١٤
(يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون) (الأنعام: ١٥٨)، (فالآية الكريمة بينت أن هناك آيات لا ينفع عند ظهورها إيمان، ومن لم يكن مصلحا يومئذ تائبا لم تقبل منه توبته، كما أن الله لا يقبل عملا صالحا من صاحبه إذا لم يكن قد عمل به قبل ذلك، ومن هذه الآيات: الدخان، والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، ونزول عيسى بن مريم، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها) (١).

وبالجملة، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه جل وعلا، ليأخذ الناس بأسباب الهداية نحو ما يستقبلهم من أحداث ما زالت في بطن الغيب والأخذ بالأسباب من الوسائل التي يمتحن الله - تعالى - بها عبادة، وإخبار الرسول بالغيب هو في حقيقته دعوة للإيمان بالله، لأنه يأمر بالاستقامة ويبين أن عدم الاستقامة يؤدي إلى كفران النعمة، ويفتح الطريق أمام الفتن، وكفران النعمة عقوبته سلب نعمة الهداية، وبه يأتي الهلاك، وطريق الفتن يلقي بأتباعه تحت أعلام الدجال، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما صنعت فتنة منذ كانت الدنيا، صغيرة أو كبيرة، إلا لفتنة الدجال (٢).

ثانيا: التحذيرات الذهبية

١ - التحذير من لاختلاف

نهى الله - تعالى - في كتابه الكريم عن الاختلاف في الدين في أكثر من آية، منها قولة تعالى: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) (آل عمران: ١٠٥)، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) (٣)، وقال جل شأنه: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا

(١) أنظر: تفسير ابن كثير: ٢ / ١٩٥.

(٢) رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح، الزوائد: ٧ / ٣٣٥.

(٣) رواه البخاري، كنز العمال: ١ / ١٧٧ /.

١٥
تفرقوا) (آل عمران: ١٠٣)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) (١) وحذر - تعالى - من عاقبة الاختلاف في الدين في أكثر من آية في كتابه الكريم، منها قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) (الأنعام: ١٥٩)، قال المفسرون: أي إن الذين فرقوا دينهم بالاختلافات والانشعابات المذهبية بعد أن جاءهم العلم، ليسوا على طريقتك التي بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، إنما أمرهم في هذا التفريق إلى ربهم فينبئهم يوم القيامة بما كانوا يفعلون، ويكشف لهم حقيقة أعمالهم، والآية عامة، تعم اليهود والنصارى المختلفين بالمذاهب والبدع من هذه الأمة.

وفي الوقت الذي أمرت فيه الدعوة الإلهية الخاتمة بعدم الاختلاف، أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربة العليم المطلق، بأن الأمة ستختلف من بعده وسيتبع بعضها سنن اليهود والنصارى، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة، فهلك إحدى وسبعون فرقة، وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعين وتخلص فرقة، قيل: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟ قال، الجماعة، الجماعة) (٢): أما اتباع سنن الأولين ففي قولة تعالى: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم * كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) (التوبة: ٦٨ - ٦٩)،

(١) رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن، والطبراني، قال المناوي: رجاله موثقون، الفتح الرباني: ١ / ١٨٦.

(٢) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٤ / ٦، والترمذي وصححه، الجامع: ٤ / ٢٥.

١٦
وروى ابن جرير أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في هذه الآية: (حذركم الله أن تحدثوا في الإسلام حدثا وقد علم أنه سيفعل ذلك أقوام من هذه الأمة، فقال تعالى: (فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم..) (الآية السابقة)، وإنما حسبوا أن لا يقع بهم من الفتنة ما وقع ببني إسرائيل قبلهم، وإن الفتنة عائدة كما بدأت) (١)، وروى ابن كثير عن ابن عباس، قال: (ما أشبه الليلة بالبارحة، (كالذين من قبلكم) هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل حجر ضب لدخلتموه) (٢)، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم):، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ (٣)، وقال المفسرون: إن المنافقين والمنافقات بعضهم من بعض، وإنهم جميعا والكفار ذو طبيعة واحدة في الإعراض عن ذكر الله والاقبال على الاستمتاع بما أوتوا من أعراض الدنيا من أموال وأولاد، والخوض في آيات الله، ثم في حبط أعمالهم في الدنيا والآخرة والخسران، ومعنى الآيات: أنتم كالذين من قبلكم، كانوا أشد منكم قوه وأكثر أموالا وأولادا، فاستمتعوا بنصيبهم، وقد تفرع على هذه المماثلة أنكم استمتعتم كما استمتعوا وخضتم كالذي خاضوا، أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون، وأنتم أيضا أمثالهم في الحبط والخسران.

لقد حذرت الدعوة الإلهية عند المقدمة من الاختلاف في الدين وذكرت أن الاختلاف بعد العلم لا يمكن أن يضع أصحابه على طريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنها طريقة بنيت على وحدة الكلمة ونفي الفرقة، وحذرت الدعوة أيضا من سلوك سبيل الذين أوتوا الكتاب، وبينت برامجهم وأهدافهم، وأخبرت بأنهم يصدون عن سبيل الله، ويعملون من أجل أن تضل الأمة وتتبع

(١) تفسير ابن جرير: ١٠ / ١٢٢.

(٢) تفسير ابن كثير:، ٢ / ٣٦٨.

(٣) رواه أحمد والبخاري ومسلم، الفتح الرباني: ١ / ١٩٧.

١٧
طريقتهم في الحياة، ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه بما يستقبل الناس، ومنه: أن الأمة ستفترق وسيتبع بعضها طريقة اليهود والنصارى، والتحذير عند المقدمة فيه أن الصراع قائم بين الحق والباطل، وظهور الذين اتبعوا اليهود والنصارى عند نهاية الطريق، لا يعني سقوط المسيرة، وإنما يعني سقوط الغثاء والزبد الذي لا قيمة له وأعلام هؤلاء يحملها المنافقون والمنافقات، كما ظهر في صدر الآية الكريمة.

٢ التحذير من أمراء السوء

حذرت الدعوة الخاتمة من الميل إلى الذين ظلموا، لأن على أعتابهم يأتي ضعف العقيدة وفقدان القدوة، وبينت أن قيام الذين ظلموا بتوجيه الحياة العقلية والدينية للأمة، ينتج عنه شيوع المشكلات الزائفة التي تشغل الرأي العام وتجعله داخل دائرة الصفر، حيث الجمود والتخلف، وعلى أرضية الجمود تفتح الأبواب لسنن الأولين، ومعها يختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وبهذا يتم التعتيم على نور الفطرة وتغيب الحقيقة تحت أعلام الترقيع والتلجيم التي تلبست بالدين، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون) (هود: ١١٣)، قال المفسرون:

نهى الله - تعالى - النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته عن الركوع إلى من اتسم بسمة الظلم، بأن يميلوا إليهم، ويعتمدوا على ظلمهم في أمر دينهم أو حياتهم الدينية، لأن الاقتراب في أمر الدين أو الحياة الدينية من الذين ظلموا، يخرجهما عن الاستقلال في التأثير، ويغيرهما عن الوجهة الخالصة ولازم ذلك السلوك إلى الحق عن طريق الباطل، أو إحياء حق بإحياء باطل، أو إماتة الحق لإحيائه.

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن الأمة ستركن إلى هؤلاء، وأمر بأن تأخذ بالأسباب، لأن الله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون، فعن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) (١) وعن

(١) رواه أحمد ومسلم والترمذي، الفتح الرباني: ٢٧ / ٣١.
١٨
أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يهلك أمتي هذا الحي من قريش)، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: (لو أن الناس اعتزلوهم) (١)، وعن خباب بن الإرث قال: إنا لقعود على باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ننتظره أن يخرج لصلاة الظهر، إذ خرج علينا فقال: اسمعوا، فقلنا: سمعنا، ثم قال:

اسمعوا، فقلنا: سمعنا، فقال: (إنه سيكون عليكم أمراء فال تعينوهم على ظلمهم، فمن صدقهم بكذبهم فلن يرد علي الحوض) (٢)، وعن حذيفة قال (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيكون عليكم أمراء يظلمون ويكذبون، فمن صدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولست منه، ولا يرد علي الحوض، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعينهم، فهو مني وأنا منه، وسيرد علي الحوض) (٣) ومن هذه الأحاديث يستنتج أن الأمراء ضد خط أهل البيت بدليل أنهم لن يردوا على الحوض، وفي الحديث أن أهل البيت مع القرآن ولن ينفصلا حتى يردا على الحوض، ويستنتج أيضا أن أهل البيت لن يكونوا في صدر القافلة، وأن هناك أحداثا ستؤدي إلى إبعادهم عن مركز الصدارة، بدليل وجود الأئمة المضلين وأمراء الظلم، فلو كان أهل البيت في الصدارة، ما اتخذوا هؤلاء بطانة لهم، لأن أهل البيت مع القرآن، والقرآن نهى عن ذلك وبالجملة، أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوجود تيار في بطن الغيب سيعمل ضد سياسة أهل البيت، وأن هذا التيار لن يرد على الحوض، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يبغضنا أحد ولا يحسدنا أحد إلا ذيد يوم القيامة عن الحوض) (٤) وقوله

(١) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ٢٨٠، ومسلم، الصحيح: ١٨ / ٤١، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٣٩.

(٢) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٣٠، وابن حبان في صحيحة، وابن أبي عاصم، وقال الألباني: رجاله ثقات، كتاب السنة: ٢ / ٣٥٢.

(٣) رواه أحمد والبزار، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، والزوائد: ٥ / ٢٤٨، وابن أبي عاصم، وقال الألباني: رجاله ثقات، كتاب السنة: ٢ / ٣٥٣.

(٤) رواه الطبراني، كنز العمال: ١٢ / ١٠٤.

١٩
لعلي بن أبي طالب: (يا علي، معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن حوضي) (١)، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمواجهة هذا التيار باعتزالهم وعدم إعانتهم وعدم تصديقهم، وروي عن ابن مسعود، قال: قال صلى الله عليه وآله وسلم:

(إن رحي الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار، وستكون عليكم أئمة إن أطعتموهم أضلوكم وإن عصيتموهم قتلوكم، قالوا: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال: كونوا كأصحاب عيسى، نصبوا على الخشب ونشروا بالمناشير، موت في طاعة، خير من حياة في معصية) (٢)، وروي عن معاذ قال: قلت يا رسول الله: أرأيت إن كان علينا أمراء لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمرني في أمرهم؟ فقال:

(لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل) (٣).

وروي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل، كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا، اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقع يده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم تلا قوله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) إلى قوله: (فاسقون) (المائدة: ٧٨ - ٨١)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(كلا - والله - لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا (أي: لتردنه إلى الحق)، ولتقصرنه على الحق قصرا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم يلعنكم كما لعنهم) (٤)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم أسفلها،

(١) رواه الطبراني، قال الهيثمي: رجاله ثقات: ٩ / ١٣٥.

(٢) رواه الطبراني عن ابن مسعود، كنز العمال: ١ / ٢١٦، ورواه عن معاذ، كنز العمال: ١ / ٢١١.

(٣) رواه عبد الله بن أحمد، وإسناده جيد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٤٤.

(٤) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٣٣٧، وقال الهيثمي: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، الزوائد: ٧ / ٢٦٩.

٢٠