×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الطريق إلى المهدي المنتظر (ع) / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإننا ننقبها من أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم فمنعوهم نجوا جميعا، وإن تركوهم غرقوا جميعا) (١).

كانت هذه بعض تعاليم النبوة لمواجهة الظلم والجور في وقت ما على امتداد المسيرة، أما بعد استفحال الظلم والجور، نتيجة للثقافات التي عمل منها المنافقون وأهل الكتاب غثاء مهمته النباح تأييدا للجلادين، والتصفيق للزبانية ومصاصي الدماء، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ما ترون إذا أخرتم إلى زمان حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم ونذورهم فاشتبكوا، وكانوا هكذا (وشبك بين أصابعه)، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: تأخذون ما تعرفون وتدعون ما تنكرون، ويقبل أحدكم على خاصة نفسه، ويذر أمر العامة) (٢)، وفي رواية: اتق الله عز وجل، وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، وعليك بخاصتك وإياك وعوامهم) (٣).

وبالجملة، بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن صنفا من الناس سيحرص على الإمارة من بعده، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنكم ستحرصون على الإمارة، وستصير حسرة وندامة يوم القيامة، نعمت المرضعة وبئست الفاطمة) (٤). نعم المرضعة: لما فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية، وبئست الفاطمة: أي بعد الموت لأن صاحبها يصير إلى المحاسبة. قال صلى الله عليه وآله وسلم (ليتمن أقوام ولوا هذا الأمر، أنهم خروا من الثريا وأنهم لم يولوا شيئا) (٥)، وليس معنى هذا أن الإسلام لا يعترف بالقيادة والإمارة، فالإسلام يقوم على

(١) رواه أحمد والبخاري، الفتح الرباني: ١٩ / ١٧٧، والترمذي وصححه، الجامع: ٤ / ٤٧٠.

(٢) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: رجال ثقات، الزوائد: ٧ / ٢٧٩.

(٣) رواه أحمد، وإسناده صحيح، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢.

(٤) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٢٢، والبخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٥.

(٥) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الفتح الرباني: ٢٣ / ٢٣.

٢١
النظام، وفيه لكل شئ ذروة، والحديث يحذر غير أصحاب الحق من أن ينازعوا الأمر أهله، لأنه في المنازعة ضياع للأمانة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قالوا كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله، فانتظروا الساعة) (١). ويفسر هذا ما روي عن داود بن أبي صالح، قال: (أقبل مروان بن الحكم يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال أتدري ما تصنع؟ وأقبل عليه وإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: نعم، جئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم آت الحجر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله) (٢).

وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم للأمة أسباب الهدى على امتداد المسيرة، تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بين الأسباب في عصر فيه الصحابة، وبينها في عصر فيه التابعون، وبينها في عصور جاءت بعد ذلك، والله تعالى ينظر إلى عباده كيف يعملون.

٣ - التحذير من ذهاب العلم

إن كل موجود يحظى بالعلم بقدر ما يحظى بالوجود، والله - تعالى - يرفع الذين آمنوا على غيرهم بالعلم، ويرفع الذين أوتوا العلم منهم درجات، بمعنى أن العلم له مكان في دائرة الذين آمنوا، وهذه الدائرة مراتب ولها ذروة، قال تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) (المجادلة: ١١)، وذروة الذين أوتوا العلم، مع الذين ارتبطوا بكتاب الله، ولن ينفصلوا حتى يردوا على الحوض، ومن دائرة الذروة تخرج المعارف الحقة والعلوم المفيدة، لأن الذين في الذروة هم العامل الذي يحفظ الأخلاق ويحرسها في ثباتها ودوامها، ولأن من عندهم تتدفق العلوم التي تصلح

(١) رواه البخاري، والصحيح: ٤ / ١٢٨.

(٢) رواه أحمد، ورجاله ثقات، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٣٢، الزوائد: ٥ / ٢٤٥، والحاكم وصححه، وأقره الذهبي، المستدرك: ٤ / ٥١٥.

٢٢
أخلاق الناس، ليكونوا أهلا لتلقي المزيد من المعارف الحقة التي لا تكون في متناول البشر إلا عندما تصلح أخلاقهم.

وكما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أمته بأن يمسكوا بحبل الله ليردوا على الحوض، أخبر كذلك - بالغيب عن ربه - بأن العلم سيرفع، ورفعه هو نتيجة لذهاب أوعيته، عن أبي الدرداء قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فشخص ببصره إلى السماء ثم قال: هذا أوان يختلس العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شئ فقال زياد بن لبيد: كيف يختلس منا، وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا، قال: ثكلتك أمك يا زياد، إن كنت لأعدك من فقهاء أهل المدينة، هذه التوراة والانجيل عند اليهود والنصارى، فماذا تغني عنهم؟) (١)، وفي رواية عن شداد بن أوس قال: (وهل تدري ما رفع العلم؟

ذهاب أوعيته) (٢)، وفي رواية عن أبي أمامة قال: (وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف، لم يصبحوا يتعلقون بحرف واحد مما جاءتهم به أنبياؤهم، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته، وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته) (٣)، وقال في تحفة الأحوازي: (ومعنى هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى، أي أن القراءة دون علم وتدبر محل نظر، وقال القارئ: أي: فكما لم تفدهم قراءتهما مع عدم العمل بما فيهما فكذلك أنتم) (٤).

وعلى امتداد المسيرة ظهر ما كان في بطن الغيب ظهر الذين يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وظهر الذين قرأوا ثم نقروا ثم اختلفوا ثم ضرب بعضهم رقاب بعض، وظهر الذين قرأوا ثم اعتزلوا ثم خرجوا على جيرانهم بالسيوف ورموهم بالشرك،

(١) رواه الترمذي وقال: حديث صحيح، تحفة الأحوازي: ٧ / ٤١٢.

(٢) رواه أحمد، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، الفتح الرباني: ١ / ١٨٣.

(٣) رواه أحمد والطبراني بسند صحيح، والزوائد: ١ / ٢٠٠.

(٤) تحفة الأحوازي: ٧ / ٤١٣.

٢٣
بينما كانوا هم إلى الشرك أقرب، وظهر الذين لا يقرأون القرآن إلا في حفلات النفاق التي يشرف عليها اليهود والنصارى في كل مكان، وعلى أكتاف هؤلاء وهؤلاء، انطلق البعض في طريق التقدم إلى الخلف، وارتبط مصيرهم بمصير الذين سبقوهم، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بني إسرائيل إنما هلكت حين كثرت قراؤهم) (١)، وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الذين يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كما نجم منهم قرن قطع حتى يكون آخرهم لصوصا سلابين، وقال: (لا يزالون يخرجون، حتى يخرج آخرهم مع الدجال) (٢)، وفي رواية: (كلما قطع قرن نشأ قرن، حتى يكون مع بيضتهم الدجال) (٣) وبالجملة، أقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحجة في أول الطريق، وانطلقت مع المسيرة حتى نهاية الطريق، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمته أن تأخذ بحبل الله حتى لا يضلوا، وقال: (ما من نبي بعثه الله عز وجل في أمة قبلي إلا له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، فمن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (٤)، وقال في الفتح الرباني:

(الحواريون هم خلصان الأنبياء وأصفياؤهم، والخصان هم الذين نقوا من كل عيب. وقيل الخلصان هم الذين يصلحون للخلافة بعد الأنبياء) (٥).

ولقد دافع الإسلام عن العلم، ولم يقاتل يوما من أجل الكرسي، وأمر بالجهاد للإبقاء على الذروة التي تفيض بالعلم الإلهي ذروة كل العلوم

(١) رواه الطبراني، كنز العمال: ١٠ / ٢٦٨، الزوائد: ١ / ١٨٩.

(٢) رواه أحمد ورجاله ثقات، والزوائد: ٦ / ٢٩٩.

(٣) رواه الطبراني وإسناده حسن، الزوائد: ٦ / ٢٣٠.

(٤) رواه مسلم وأحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٩٠، وابن عساكر، كنز العمال: ٦ / ٧٣.

(٥) الفتح الرباني: ١ / ١٩٠.

٢٤
وأشرف العلوم، لأن هؤلاء وحدهم هم الذين يحملون النور المحمدي، ذلك النور الذي يعتبر برزخا بين الناس وبين النور الإلهي، الذي تندك له الجبال.

ثالثا: العترة بين التحذير والابتلاء

إن الله - تعالى - يمتحن الناس بالناس، قال تعالى (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) (الفرقان: ٢٠)، فدائرة الهدى على امتداد المسيرة البشرية، فتنة لسائر الناس يمتحنون بها، فيميز بها أهل الريب من أهل الإيمان، والمتبعون للأهواء من طلاب الحق الصابرون على طاعة الله وسلوك سبيله، وكما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر أمته بأن يتمسكوا بحبل العترة حتى لا يضلوا، وقال: (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي) (١)، وقال: (إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (٢)، فإنه أخبر أمته بأنهم سيمتحنون بأهل بيته، قال: (إنكم ستبتلون في أهل بيتي من بعدي) (٣)، وأخبر - بالغيب عن ربه - بما سيسفر عنه الامتحان، فقال: (إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا) (٤).

وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب بما سيجري عليه من بعده، وقال له: (إن الأمة ستغدر بك بعدي، وأنت تعيش على ملتي، وتقتل على سنتي، من أحبك أحبني، ومن أبغضك أبغضني، وإن هذه (يعني لحيته) ستخضب من هذا (يعني رأسه) (٥) وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (ألا أحدثك بأشقى

(١) رواه مسلم، الصحيح: ٧ / ١٢٣.

(٢) رواه الترمذي وحسنه، الجامع: ٥ / ٦٦٢، والنسائي، كنز العمال: ١ / ١٧٢.

(٣) رواه الطبراني، كنز العمال: ١١ / ١٢٤.

(٤) رواه الحاكم ونعيم بن حماد، كنز العمال: ١١ / ١٦٩.

(٥) رواه أحمد، والحاكم وصحيحه، والمستدرك: ٣ / ١٤٢، والدار قطني، والخطيب، كنز العمال:

١١ / ١٦٧، والبيهقي، البداية: ٦ / ٢١٨.

٢٥
الناس؟ رجلين، أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا (يعني رأسه) حتى تبتل منه هذه (يعني لحيته) (١).

وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الحسين بن علي بما سيجري عليه من بعده، وروى ابن كثير عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: أشهد لقد سمعت عائشة تقول: إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يقتل الحسين بأرض بابل) (٢) وروى الحاكم عن ابن عباس، قال: (ما كنا نشك وأهل البيت متوافرون أن الحسين يقتل بالطف) (٣)، وروى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن ابني هذا يقتل بأرض من أرض العراق يقال لها كربلاء، فمن شهد ذلك فلينصره) (٤)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أخبرني جبريل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه) (٥).

والخلاصة، إن الله يختبر الناس بالناس، وبهذا الاختبار يظهر أهل الريب من أهل الإيمان، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة) (الفرقان: ٢٠)، وقال سبحانه: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين) (الأنعام: ٥٣)، وقال تعالى: (وهو الذي جعلكم خلائف في الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما أتاكم) (الأنعام: ١٦٥)، والدعوة الخاتمة بينت الدرجات. وأمر - تعالى - بمودة قربى النبي، حيث قال: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) (الشورى: ٢٣)،

(١) قال الهيثمي: رواه أحمد والبزار، ورجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١٣٦، والحاكم والبيهقي بسند صحيح، والمستدرك: ٣ / ١٤١، والبداية والنهاية: ٦ / ٢١٨، كنز العمال: ١٣ / ١٣٦.

(٢) البداية والنهاية: ٨ / ١٧٧.

(٣) رواه الحاكم، وقال السيوطي: سند صحيح، الخصائص، السيوطي: ٢ / ٢١٣.

(٤) رواه البغوي وابن السكن والبارودي وابن مندة وابن عساكر وأبو نعيم، والبداية والنهاية:

٨ / ١٩٩، كنز العمال: ١٢ / ١٢٦، والخصائص الكبرى: ٢ / ٢١٣، أسد الغابة: ١ / ٣٤٩، الإصابة: ١ / ٦٨.

(٥) أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط باختصار، والزوائد: ٩ / ١٨٨، والماوردي في أعلام النبوة بسند صحيح، ص: ٨٣.

٢٦
وبينت الدعوة أن الذين لا يصلون ما أمر الله به أن يوصل، والذين لم يأخذوا بما أمرهم - تعالى - به من طاعة، ولم ينتهوا عما نهاهم عنه من نهي، فهؤلاء خاسرون في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون) البقرة: ٢٧)، وقال جل شأنه: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم) (محمد: ٢٢ - ٢٣).

وبينت الدعوة الإلهية الخاتمة أن عدم مودة الذين أمر الله بمودتهم، يفتح الطريق أمام مودة أعداء الفطرة، وقد أمروا بعدم مودتهم، قال تعالى:

(يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) (الممتحنة: ١)، فالآية تنهى عن مودة المشركين والكفار، وتنهى أن يتخذوا أولياء وأصدقاء وأخلاء، قال تعالى حاكيا عن إبراهيم قوله لقومه: (وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) (العنكبوت: ٢٥)، قال المفسرون: وبخهم على سوء صنيعتهم في عبادة الأوثان، وقال: إنما اتخذتم هذه ليجتمعوا على عبادتها صداقة وألفة منكم، بعضكم لبعض في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة ينعكس هذا الحال، فتصبح هذه الصداقة والمودة بغضا وشنانا، وتتجاحدون ما كان بينكم، ويلعن الأتباع المتبوعين، والمتبوعون الأتباع.

فالطريق يبدأ بأمر الله ونهيه، وعلى امتداد الطريق يمتحن الله الناس ببعضهم، فمن سلك في ما أمر الله به نجا، ومن لم يأخذ بوصايا الله ضل، والله - تعالى - أمر بصلة الأرحام، وذروة الأرحام عترة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله - تعالى - جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله - تعالى - جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب) (١)، وقال: (إن لكل بني أب عصبة

(١) رواه الطبراني عن جابر، والخطيب عن ابن عباس، كنز العمال: ١١ / ٦٠٠.
٢٧
ينتمون إليها إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم) (١)، وقال: (نحن خير من أبنائنا، وبنونا خير من أبنائهم، وأبناء بنينا خير من أبناء أبنائهم) (٢)، وهكذا فكما أن للعلم درجات، فللأرحام درجات، وميزان هذه الدرجات هو التقوى والعلم بالله، فمن التف حول الذين أمر الله بمودتهم شرب من الماء، ومن أبى فتحت عليه مودة أخرى يتهوك فيها تهوك اليهود في الظلم، يوم القيامة يعض على يديه، قال تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا * وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) (الفرقان: ٢٧ - ٣٠).

وعلى امتداد المسيرة الإسلامية، قامت طائفة الحق بالدفاع عن الفطرة، ولم يضرها من عاداها أو من خذلها، وفي عهد الإمام علي، خرج عليه أصحاب الأهواء، فقاتلهم الإمام على تأويل القرآن، وعنه أنه قال: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين) (٣)، فالناكثون: أهل الجمل، والقاسطون: أهل الشام، والمارقون: الخوارج، وانطلقت مسيرة الإمام - رضي الله عنه - بأعلام الحمية، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (أنت أخي وأبو ولدي، تقاتل في سنتي وتبرئ ذمتي، من مات في عهدي فهو كنز الله، ومن مات في عهدك فقد قضى نحبه، ومن مات يحبك بعد موتك ختم الله له بالأمن والإيمان، ما طلعت شمس أو غربت، ومن مات يبغضك مات ميتة جاهلية، وحوسب بما عمل في الإسلام) (٤)، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات، فميتته جاهلية، ومن قاتل تحت راية

(١) رواه الحاكم وابن عساكر، كنز العمال: ١٢ / ٩٨.

(٢) رواه الطبراني، كنز العمال: ١٢ / ١٠٤.

(٣) رواه ابن عدي والطبراني، وقال ابن كثير: روي عن طرق عديدة، والبداية والنهاية: ٧ / ٣٣٤، كنز العمال: ١١ / ٢٩٢.

(٤) رواه أبو يعلى، وقال البوصيري: رجاله ثقات، كنز العمال: ١٣ / ١٥٩.

٢٨
عمية، يغضب لعصبته ويقاتل لعصبته وينصر عصبته، فقتل، فقتلته جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها، لا يتحاشى لمؤمنها ولا يفي الذي عهدها، فليس مني ولست منه) (١).

وعلى هذا الضوء، انطلقت الأمة الخاتمة تحت سقف الامتحان والابتلاء، والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون لاستحقاق الثواب والعقاب يوم القيامة.

(١) رواه مسلم، كنز العمال: ٣ / ٥٠٩، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٥٢.
٢٩

الفصل الثاني
أضواء على المسيرة

٣٠
٣١
الطريق إلى المهدي المنتظر لـ سعيد أيوب (ص ٣٢ - ص ٥٢)
٣٢
السلمي (١)، ولعنة لأحياء: لحيان ورعلا وذكوان وعصية (٢)، وكان في الساحة مجموعة تخريبية من اثني عشر رجلا، حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند عودته من تبوك، آخر غزواته، وأسر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائهم إلى حذيفة، وكان حذيفة وعمار بن ياسر معه صلى الله عليه وآله وسلم عند محاولة هذه المجموعة اغتياله، وروي أن حذيفة قال: يا رسول الله، ألا تبعث إلى كل رجل منهم فتقتله، فقال: (أكره أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لحذيفة: (فإن هؤلاء فلانا وفلانا (حتى عدهم) منافقون لا تخبرن أحدا) (٣)، وعدم إفشاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأسمائهم يستنتج منه أن هذه المجموعة لم تكن من رعاع القوم، وإنما من أشد الناس فتكا، وقتلهم يؤدي إلى طرح ثقافة يتناقلها الناس بأن محمدا في آخر أيامه بدأ يقتل أصحابه، ويستنتج منه أيضا أن الله - تعالى - شاء أن تنطلق المسيرة تحت مظلة الامتحان والابتلاء، بعد أن تبينت طريق الحق وطريق الباطل، وإخفاء أسماء المجموعة التخريبية هو في حقيقته دعوة للالتفات حول الذين بينهم وأظهرهم رسول الله للناس. وروى الإمام مسلم عن حذيفة أنه قال: (أشهد الله أن اثني عشر منهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) (٤)، وروي عن عمار بن ياسر أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن في أمتي اثني عشر منافقا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سم الخياط) (٥)، وكان عمار بن ياسر علامة مميزة في المسيرة لأنه كان يحمل قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) (٦).

= ٢ / ٢٩.

(١) كنز العمال: ٨ / ٨٢.

(٢) مسلم، الصحيح: ٢ / ١٣٥.

(٣) محاولة الاغتيال رواها الإمام أحمد والطبراني وابن سعد وغيرهم، أنظر: الزوائد: ١١ / ١١٠.

(٤) رواه مسلم، الصحيح: ٧ / ١٢٥.

(٥) رواه مسلم، الصحيح: ٧ / ١٢٤، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٤٠.

(٦) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب، التعاون في بناء المساجد، ورواه أحمد، الفتح الرباني: =

٣٣
فالساحة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان فيها جميع التيارات، وكان فيها مجموعة حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ويبدو من قراءة الأحداث أنه كان في الساحة مجموعة من أصحابه أخذت في اعتبارها أن ولاية علي بن أبي طالب قد تؤدي إلى أحداث اعتقدوا أنها يمكن أن تعصف بالدعوة، فاختاروا حلا وسطا، يبعد به علي بن أبي طالب عن مركز الصدارة، وتظل به الدعوة قائمة، ويشهد بذلك قول أبي بكر - رضي الله عنه - لرافع بن أبي رافع حين عاتبه على توليه الخلافة: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبض والناس حديثو عهد بكفر، فخفت أن يرتدوا وأن يختلفوا فدخلت فيها وأنا كاره) (١)، وفي رواية قال: (تخوفت أن تكون فتنة يكون بعدها ردة) (٢)، ويشهد به - أيضا - قول عمر بن الخطاب أثناء خلافته: (إن بيعة أبي بكر كانت فلتة) (٣)، قال في لسان العرب: (يقال: كان ذلك الأمر فلتة، أي فجأة، إذا لم يكن عن تدبر ولا ترو، والفلتة: الأمر يقع من غير إحكام، وفي حديث عمر أراد فجأة وكانت كذلك، لأنها لم ينتظر بها العوام، وقال ابن الأثير في حديث عمر: والفلتة كل شئ فعل من غير روية، وإنما بودر بها خوف انتشار الأمر) (٤).

ويشهد به قول عمر لابن عباس: (يا ابن عباس، ما منع قومكم منكم؟ قال:

لا أدري، قال: لكني أدري، يكرهون ولايتكم لهم، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة) (٥)، وزاد في رواية: (فاختارت قريش لنفسها فأصابت ووفقت) (٦).

وروي أن عمر بن الخطاب - عندما اختلف بعض الأنصار مع بعض المهاجرين في سقيفة بني ساعدة، على من الذي يتولى الخلافة ومن يتولى

= ٢٢ / ٣٣١.

(١) رواه ابن خزيمة في صحيحه، والبغوي وابن رهويه، كنز العمال: ٥ / ٥٨٦.

(٢) رواه أحمد بسند صحيح، الفتح الرباني: ٢٣ / ٦١.

(٣) رواه الإمام أحمد الفتح الرباني: ١ / ٦٠، الطبري، تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٢٠٠.

(٤) لسان العرب، مادة: فلت، ص ٣٤٥٥.

(٥) تاريخ الأمم والملوك: ٥ / ٣٠.

(٦) المصدر نفسه: ٥ / ٣١.

٣٤
الوزارة - أمرا بقتل مرشح الأنصار سعد بن عبادة، وذلك حينما اشتد الخلاف وتشابكوا بالأيدي، روى الطبري: (قال ناس من أصحاب سعد: اتقوا سعدا ألا تطأوه، فقال عمر: اقتلوه اقتلوه، ثم قام على رأسه فقال: بقد هممت أن أطأك حتى تندر عضوك) (١)، وروى البخاري: (قال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله) (٢)، وكتبت النجاة لسعد، وروي أنه قال بعد بيعة أبي بكر: (لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي) (٣)، ولم يبايع سعد حتى خرج في خلافة عمر بن الخطاب إلى الشام، وقتل في الطريق، وروي أن الجن هم الذين قتلوه!

ثانيا: أضواء على حركة الاجتهاد والرأي

على امتداد عهد البعثة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وكان في الساحة من سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ولم يحفظه على وجهه، ويرويه ويعمل به، ويقول: أنا سمعته من رسول الله، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه، وكان في الساحة من سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا يأمر به، ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه - ولو علم المسلمون - إذ سمعوه منه - أنه منسوخ لرفضوه، وكان في الساحة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لم يكذبوا على الله ولا على رسوله، حفظوا ما سمعوا على وجهه، فلم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه، حفظوا الناسخ فعملوا به، وحفظوا المنسوخ فاجتنبوه، عرفوا الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضعوا كل شئ موضعه، وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الكلام له وجهان، فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى به الله سبحانه، ولا ما

(١) تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٢١٠.

(٢) البخاري، الصحيح: ٢ / ٢٩١.

(٣) تاريخ الأمم والملوك: ٣ / ٢١٠.

٣٥
عنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كان يسأله ويستفهمه، حتى أن كانوا يحبون أن يجئ الأعرابي والطارئ، فيسأله - عليه الصلاة والسلام - حتى يسمعوا، وقال الإمام علي: وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألته عنه وحفظته (١). ويضاف إلى هذه الأصناف، الذين احترفوا الكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على عهده، حتى قام خطيبا فقال: من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار).

ونظرا لاتساع الهوة في رواية الحديث بعد إبعاد أهل البيت عن مكانتهم في الذروة، اختلف الناس في الفتوى، حتى قال الإمام علي: (ترد على أحدهم القضية في حكم من الأحكام، فيحكم فيها برأيه، ثم ترد القضية بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله، ثم يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم فيصوب اراءهم جميعا، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، أفأمرهم الله - تعالى - بالاختلاف فأطاعوه؟ أم نهاهم عنه فعصوه؟ أم أنزل سبحانه دينا تاما فقصر الرسول عن تبليغه وأدائه؟ والله تعالى يقول: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (الأنعام: ٣٨)، وفيه تبيان كل شئ.

وذكر أن الكتاب يصدق بعضه بعضا، وأنه لا اختلاف فيه: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) (النساء: ٨٢). إن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلا به) (٢).

ويشهد بعدم معرفة جميع الصحابة بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واختلافهم في الفتوى، ما رواه البخاري عن أبي هريرة أنه قال: (إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يشبع

(١) أنظر: شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد: ٣ / ٥٩١.

(٢) المصدر نفسه: ١ / ٢٣٣.

٣٦
بطنا، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون) (١)، وروى البخاري أن عمر ابن الخطاب لم يكن يعلم حكم الاستئذان، وذلك عندما استأذنه أبو موسى، وعندما لم يؤذن له رجع، فقال له عمر: ما منعك؟ قال: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع، فقال عمر: والله لتقيمن عليه بينة، فانطلق أبو موسى إلى مجلس من الأنصار، وقال: أمنكم أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال أبي بن كعب: لا يقوم معك إلا أصغر القوم - وفي رواية: لا يشهد إلا أصاغرنا (٢) -، قال أبو سعيد الخدري: (وكنت أصغر القوم، فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك) (٣)، وفي رواية: قال عمر: خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ألهاني الصفق بالاسواق) (٤).

ويشهد بأنهم لم يكونوا على علم بجميع ما روي عن رسول الله، ما روي في حديث صحيح، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: (إن أبا بكر وعمر وناسا، جلسوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم فأنكروا ذلك، ووثبوا إليه شيعا حتى أتوه في داره، فأخبرهم بحديث رسول الله..) (٥).

ويشهد باختلافهم في الفتوى، أن عمر بن الخطاب لم يكن يعلم حكم دية الأصابع، فكان يقضي بتفاوت ديتها على حسب اختلاف منافعها، حتى وجد كتابا عند آل عمرو بن حزم، يذكر فيه سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في

(١) البخاري، الصحيح: ١ / ٢١٤.

(٢) المصدر نفسه، كتاب الاعتصام: ٤ / ٢٦٩.

(٣) المصدر نفسه، كتاب الاستئذان: ٤ / ٨٨.

(٤) المصدر نفسه، كتاب الاعتصام: ٤ / ٢٦٩.

(٥) قال المنذري: رواه الطبراني بإسناد صحيح، والحاكم وصححه، وقال: صحيح على شرط مسلم، الترغيب والترهيب: ٣ / ١٨٤.

٣٧
ذلك (١)، ولم يعلم عمر حكم الجنين إذا أسقط قبل ولادته، حتى جاء المغيرة بقضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك (٢)، واختلفوا في ميراث الجدة (٣) وبالجملة، اجتهد الصحابة تحت سقف الامتحان والابتلاء، وكان الاجتهاد قابلا للخطأ وللصواب، فعن موسى بن إبراهيم قال: (إن أبا بكر حين استخلف، قعد بيته حزينا، فدخل عليه عمر بن الخطاب، فأقبل أبو بكر عليه يلومه، وقال: أنت كلفتني هذا الأمر، وشكا إليه الحكم بين الناس، فقال عمر: أو ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الوالي إذا اجتهد فأصاب الحق فله أجران، وإن اجتهد فأخطأ فله أجر واحد). فكأنه سهل على أبي بكر) (٤).

ثالثا: المقدمات العمرية والنتائج الأموية

١ - الأمر برواية الحديث

أمرت الدعوة الإلهية الخاتمة بتدوين ما بين الناس حفظا للحقوق، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)، إلى قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا) (البقرة) ٢٨٢)، قال الخطيب البغدادي: (أدب الله - تعالى - عباده بقيد ما بينهم من معاملات في بداية التعامل حفظا للدين وإشفاقا من دخول الريب فيه، فلما أمر الله - تعالى - بكتابة الدين حفظا له، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين، أحرى أن تباح كتابته خوفا من دخول الريب والشك فيه) (٥)، والكتابة أوكد الحجج، ببطلان ما يدعيه أهل الريب والضلال، فالمشركون

(١) أخرجة الشافعي في الأم بسند حسن، والنسائي.

(٢) رواه البخاري، كتاب الديات، الصحيح: ٤ / ١٩٣.

(٣) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١٥ / ١٩٨، والترمذي، الجامع: ٤ / ٤١٩.

(٤) رواه البيهقي وابن رهويه وخيثمة، كنز العمال: ٥ / ٦٣٠.

(٥) تقييد العلم، الخطيب البغدادي، ص: ٣٤.

٣٨
لما ادعوا بهتانا اتخاذ الله - سبحانه - بنات من الملائكة، أمر الله - تعالى - رسوله أن يقول لهم (فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين) (الصافات: ١٥٧).

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بكتابة العلم، وقال: (قيدوا العلم بالكتاب) (١)، وعن رافع قال: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: تحدثوا، وليتبوأ من كذب علي مقعده من النار، قلت: يا رسول الله، إنا لنسمع منك أشياء فنكتبها؟

قال: اكتبوا ولا حرج) (٢)، وعن أبي هريرة قال: (ليس أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر مني حديثا عن رسول الله إلا ابن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب) (٣).

وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) (٤)، وكان يقول: (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) (٥)، وقال:

(تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن سمع منكم) (٦).

ولقد وقف البعض من قريش في طريق الرواية والكتابة، ومن المحفوظ أن الله - تعالى - لعن على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعض الأفراد والقبائل، وأن الرسول ذكر أسماء رؤوس الفتن وهو يخبر بالغيب عن ربه، حتى أن حذيفة قال:

(والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته) (٧)، ويشهد بصد قريش عن الرواية، ما روي عن عبد الله بن عمرو قال: (قلت: يا رسول الله،

(١) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، والزوائد: ١ / ١٥٢، وابن عبد البر، جامع العلم: ١١ / ٨٦.

(٢) رواه الطبراني، والزوائد: ١ / ١٥١، والخطيب وسمويه، كنز العمال: ١٠ / ٢٣٢.

(٣) رواه الترمذي وصححه، الجامع: ٥ / ٤٠.

(٤) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٩١، والحاكم، والمستدرك: ١ / ١٠٩.

(٥) رواه أحمد، كنز العمال: ١٠ / ٢٢٠، والترمذي، ابن حبان في صحيحه، كنز: ١٠ / ٢٢١.

(٦) رواه أحمد وأبو داود والحاكم، كنز: ١٠ / ٢٢٣.

(٧) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٢٤٣.

٣٩
أقيد العلم؟ قال: نعم، قلت: وما تقييده؟ قال: الكتابة) (١)، وروي عنه أنه قال:

(كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أريد حفظه فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اكتب، والذي نفسي بيده ما يخرج مني إلا حق - وأشار إلى فيه) (٢)، وما حدث مع عبد الله، حدث مع ابن شعيب، فعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (قلت: يا رسول الله، أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم، قلت: في الرضا والغضب؟ قال: نعم، فأني لا أقول في ذلك كله إلا حقا) (٣).

وبينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحث على الرواية والكتابة على امتداد عهد البعثة، كان يخبر بالغيب عن ربة بأنه يوشك أن يكذبه أحدهم، وأن الرواية سيتم تعطيلها إلى أن يشاء الله، فعن معد يكرب قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

يوشك أحدكم أن يكذبني وهو متكئ على أريكته، يحدث بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرم رسول الله مثل ما حرم الله) (٤).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (لألفين أحدهم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمري بما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري ما وجدناه في كتاب الله اتبعناه) (٥)، وقوله: يوشك، إشارة إلى أن الأمر قريب، وقوله: متكئ على أريكته، المتكئ: كل من استوى قاعدا على وطاء متمكنا.

(١) رواه الطبراني، الزوائد: ١ / ١٥٢.

(٢) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٧٣، والحاكم، وأقره الذهبي، المستدرك: ١ / ١٠٦، وأبو داود، حديث رقم ٣٦٤٦، والدارمي في سننه: ١ / ١٢٥.

(٣) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ٨٥، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٧٤.

(٤) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٩١، والحاكم وصححه، المستدرك: ١ / ١٠٩، والترمذي.

وصححه، الجامع: ٥ / ٣٨.

(٥) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم وصححه، كنز: ١ / ١٧٤، والترمذي وصححه،.

الجامع: ٥ / ٣٧.

٤٠