×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الطريق إلى المهدي المنتظر (ع) / الصفحات: ٤١ - ٦٠

أ - اجتهادات الصحابة في رواية الحديث وتدوينه

اجتهد أبو بكر - رضي الله عنه - في رواية الحديث وتدوينه، فقد روى الحافظ عماد الدين بن كثير عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (جمع أبي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت خمسمائة حديث، فبات ليلة يتقلب كثيرا، فغمتني، فقلت: تتقلب بشكوى أو بشئ بلغك؟ فلما أصبح قال: أي بنية هلمي الأحاديث التي عندك، فجئت بها، فدعا بنار فأحرقها، وقال:

خشيت إن أموت وهي عندك، فيكون أحاديث عن رجل ائتمنته ووثقت به ولم يكن كما حدثني، فأكون قد تقلدت ذلك) (١)، وذكر الذهبي في تذكرته عن أبي بكر أنه قال: (إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث تختلفون فيها، الناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه) (٢).

وروي أن عمر بن الخطاب قال في خلافته: (إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم، كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني - والله - لا شوب كتاب الله بشئ أبدا) (٣)، وروي عن مالك أن عمر قال: (لا كتاب مع كتاب الله) (٤)، وعن يحيى بن جعدة قال: (أراد عمر أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار: من كان عنده شئ من ذلك فليمحه) (٥)، وعن القاسم بن محمد أن عمر قال: (لا يبقى أحد عنده كتاب إلا أتاني به فأرى فيه رأيي، فظن الناس أنه يريد إن ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار) (٦).

(١) رواه ابن كثير، كنز العمال: ١٠ / ٢٨٥، ٢٨٦.

(٢) تذكرة الحافظ: ١ / ٣٥٢.

(٣) رواه ابن عبد البر، كنز: ١٠ / ٢٩٢، وابن سعد، كنز: ١٠ / ٢٩٣، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٤٩.

(٤) رواه ابن عبد البر، كنز: ١٠ / ٢٩٢.

(٥) رواه خيثمة وابن عبد البر، كنز: ١٠ / ٢٩٢، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٥٣.

(٦) رواه الخطيب، تقييد العلم، ص: ٥٢.

٤١
وعن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن (عمر بن الخطاب قال لابن مسعود ولأبي ذر ولأبي الدرداء: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب) (١)، وعن السائب بن يزيد قال: (سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو لألحقنك بأرض دوس) (٢)، وعن الزهري عن أبي سلمة قال: (سمعت أبا هريرة يقول: ما كنا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى قبض عمر بن الخطاب) (٣).

وبعد عمر بن الخطاب بدأ بعض الصحابة يرون بعض ما عندهم، فأخذ عثمان بن عفان بسنة عمر في عدم الرواية، فعن محمود بن لبيب قال:

(سمعت عثمان بن عفان يقول: لا يحل لأحد يروي حديثا لم يسمع في عهد أبي بكر ولا عهد عمر) (٤)، ثم أخذ معاوية بن أبي سفيان بهذه السنة، فقال:

(أيها الناس، أقلوا الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن كنتم تتحدثون فتحدثوا بما كان يتحدث به في عهد عمر) (٥).

وعندما جاء عهد الإمام علي بن أبي طالب، لم يكن السواد الأعظم من الأمة يعرفون عنه إلا القليل، وذلك لأن عهده جاء بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بربع قرن تقريبا، عتم فيها عدم الرواية على منزلته ومناقبه، وفي عهده بدأ الصحابة يروون الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان علي يقول: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، اللهم ارحم خلفائي، قالوا: يا رسول الله، ومن خلفائك؟ قال: الذين يأتون من بعدي ويروون أحاديثي ويعلمونها للناس) (٦)، وعن الحسن بن علي قال

(١) رواه ابن عبد البر، كنز العمال: ١٠ / ٢٩٢، وابن سعد، كنز: ١٠ / ٢٩٣، والخطيب، تقييد العلم، ص: ٤٩.

(٢) رواه ابن عساكر: ١٠ / ٢٩١.

(٣) رواه ابن كثير، البداية والنهاية: ٨ / ١٠٧.

(٤) رواه ابن سعد، الطبقات: ٢ / ٣٣٦، وابن عساكر، كنز: ١٠ / ٢٩٥.

(٥) رواه ابن عساكر، كنز: ١٠ / ٢٩١.

(٦) رواه الطبراني والرامهرزي والخطيب والديلمي وابن النجار والدينوري والقشيري ونصر، كنز =

٤٢
(قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: رحمة الله على خلفائي، قالوا: ومن خلفاؤك يا رسول الله؟ قال: الذين يحبون سنتي ويعلمونها للناس) (١)، وعن سعيد بن المسيب قال: (ما كان أحد من الناس يقول: سلوني، غير علي بن أبي طالب) (٢)، وكان علي يحض الناس على السؤال، ويقول: (ألا رجل يسأل فينتفع، وينتفع جلساؤه) (٣)، وكان يقول: (تزاوروا وتدارسوا الحديث، ولا تتركوه يدرس (أي تعهدوه لئلا تنسوه) (٤)، وقال: (تعلموا العلم، فإذا علمتموه فاكظموا عليه ولا تخالطوه بضحك وباطل فتمحه القلوب) (٥).

وبالجملة، بينت الدعوة الإلهية الخاتمة، أن الحديث عن النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، لا غنى للمسيرة عنه، لأنه مكمل للتشريع ومبين لمجملات القرآن، ومخصص لعموماته ومطلقاته، كما أن الحديث تكفل بكثير من النواحي الأخلاقية والاجتماعية والتربوية، وأخبر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه جل وعلا، فبين للناس ما يستقبلهم من أحداث ليأخذوا بأسباب النجاة من مضلات الفتن، وبعد رحيل النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم اجتهد بعض الصحابة في أمر الرواية والتدوين، ولقد تواترت الأخبار في منع عمر بن الخطاب الصحابة، وهم الثقات العدول، وردعهم عن رواية العلم وتدوينه، وفي هذا يقول ابن كثير (هذا معروف عن عمر) (٦)، ثم سار على سنة عمر خلفاء وملوك بني أمية، ولم ترو الأحاديث الجامعة للعلم والمبينة للناس ما يستقبلهم من أحداث، إلا في عهد الإمام علي بن أبي طالب (٧).

= العمال: ١٠ / ٢٩٤.

(١) رواه ابن عساكر وأبو نصر السجزي، كنز: ١٠ / ٢٢٩.

(٢) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ١٣٧.

(٣) المصدر نفسه.

(٤) رواه الخطيب، كنز العمال: ١٠ / ٣٠٤.

(٥) رواه عبد الله بن أحمد والخطيب، كنز: ١٠ / ٣٠٤.

(٦) البداية والنهاية: ٨ / ١٠٧.

(٧) أنظر: معالم الفتن، سعيد أيوب، ط. دار الكرام - بيروت.

٤٣

ب - من آثار عدم الرواية والتدوين

كانت أهم آثار عدم الرواية، ظهور القص في المساجد، ومن خلال القص دخلت الأحاديث الإسرائيلية، ورفع القص من شأن أفراد وقبائل ذمهم الله على لسان رسوله، وفي الوقت نفسة عتم القص على أفراد أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وفي عهد الإمام علي - وعندما أظهر الإمام أحاديث رسول الله - قابلة أهل الشام وغيرهم بأحاديث يجري القص في عروقها، وترتب على ذلك اختلاط الأمور على السواد الأعظم من الأمة، ولم يكونوا من الصحابة حتى يميزوا بين الصالح والطالح، وجرت المعارك، ثم اختلفت الأمة وتفرقت، وكان في حوزة كل فرقة أحاديث تتفق مع أهواء شيوخهم.

١ = - أضواء على القص

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن بني إسرائيل لما هلكوا قصوا) (١)، وقال:

(سيكون بعدي قصاص لا ينظر الله إليهم) (٢)، وأول من أمر بالقص، كان عمر بن الخطاب، روى الإمام أحمد عن السائب بن يزيد قال: (إنه لم يكن يقص على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أبي بكر، كان أول من قص تميم الداري، استأذن عمر أن يقص على الناس قائما فأذن له) (٣).

واستلم بنو أمية أعلام القص بعد ذلك، روي أن عبد الملك بن مروان قال: (إنا جمعنا الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر) (٤)، ولبس القص الزي الديني في عهد بني أمية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبدأ بالصلاة في العيدين ثم يخطب بعد ذلك، ففعل بنوا أمية العكس، وبدأوا بالخطبة لينشروا بذلك مذهبهم السياسي

(١) رواه الطبراني ورجاله موثقون، وفيه الأجلح الكندي والأكثر على توثيقه، الزوائد: ١ / ١٨٩.

(٢) رواه ابن فضالة في أماليه، كنز العمال: ١٠ / ٢٨٢.

(٣) رواه أحمد والطبراني، الزوائد: ١ / ١٩٠، والعسكري عن بشر بن عاصم، كنز: ١٠ / ٢٨١، والمروزي عن أبي نضرة، كنز: ١٠ / ٢٨١.

(٤) رواه أحمد والبزار، وقال ابن حجر: إسناده جيد، الفتح الرباني: ١ / ١٩٤.

٤٤
بين الناس، روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر، فيبدأ بالصلاة فإذا صلى صلاته وسلم، قام فأقبل على الناس وهم جلوس في مصلاهم، فإن كان له حاجة ببعث ذكره للناس، أو كانت لهو حاجة بغير ذلك أمرهم بها (١).

إما التغيير ففي ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري: (إن مروان خطب قبل الصلاة، فقال له أبو سعيد: غيرتم والله، قال مروان: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقال: ما أعلم - والله - خير مما لا أعلم، قال مروان: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة)، وقد اختلف في أول من سن هذه السنة، قال في تحفة الأحوازي: (اختلف في أول من غير ذلك، فرواية الإمام مسلم صريحة في أن مروان أول من بدأ الخطبة قبل الصلاة، وقيل: سبقه إلى ذلك عثمان بن عفان، روى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري، قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان، وروي أن مروان فعل ذلك تبعا لمعاوية ومعاوية عندما قدم المدينة قدم الخطبة) (٢).

وكان الإمام علي يتصدى للقصاصين وينهاهم عن القص، فعن أبي البحتري قال: (دخل علي بن أبي طالب المسجد، فإذا رجل يخوف، فقال:

ما هذا؟ قالوا: رجل يذكر الناس، فقال: ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان بن فلان، اعرفوني فأرسل إليه فقال: أتعرف الناسخ من المنسوخ، قال: لا، فقال: أخرج من مسجدنا ولا تدكر فيه) (٣).

وبالجملة، قال في الفتح الرباني: القص: هو إخبار الناس بقصص الماضيين، وعمل ذلك مذموم شرعا، لأنه يصرف الناس عن الاشتغال بالعلوم الدينية، ولم يعهد ذلك في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال ابن حبان: (قال أبو حاتم: كان القصاصون يضعون الحديث في قصصهم، وكانوا إذا دخلوا

(١) رواه مسلم، الصحيح: ٣ / ٢٠.

(٢) تحفة الأحوازي: ٣ / ٧٤.

(٣) رواه العسكري والمروزي، كنز العمال: ١٠ / ٢٨١، وانظر: كنز العمال: ١٠ / ٢٨٢.

٤٥
بمساجد الجماعات ومحافل القبائل من العوام والرعاع أكثر جسارة على وضع الحديث) (١)، كما وضعوا أحاديث تنافي عصمة الأنبياء، فجعلتهم يخطئون، ونسبوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسب ويلعن ويجلد بغير سبب، ونسبوا إليه أنه كان يسهو في الصلاة، وأنه كان ينسى آيات القرآن الكريم، وأرادوا من وراء تجريد النبي من العصمة أن يبرروا أخطاء الأمراء الذين جلدوا الشعوب وضيعوا الصلاة، وأن يعطوا للذين لعنهم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم جواز المرور لتولي المراكز القيادية.

ووضع القصاصون أحاديث تحمل بصمة أهل الكتاب، وألصق بالتفسير روايات وقصص لا يتصورها عقل، ولا يجوز أن يفسر بها كتاب الله، ووضعوا في هذه الأحاديث أن الله يشغل حيزا من المكان، ويضحك، وينتقل من مكان إلى آخر، وأنه يتألف من أعضاء، وهو عبارة عن هيكل مادي، وعين ويد وأصابع وساق وقدم.

وبالجملة، كان القص وراء تغييب العقل ووطئه بالأقدام، وتحت سقفه اختل منهج البحث ومنهج التفكير ومنهج الاستدلال، وعلى موائده لا تظهر القراءة النقدية المتفحصة التقييمية إلا بعد عناء شديد، وكان القص وراء إهمال الواجبات، والتسامح في المحرمات، والتهاون بالسنن والمستحبات، وكان البذرة الأولى لظهور المبادئ والمنظمات الباطلة التي وضعت القوانين على طبق أهوائهم وآرائهم، وعلى هذه المبادئ انقسمت الأمة إلى قوافل، وكل قافلة تتولى حزبا وتدعمه، لأنها تميل إلى قوانينه، وتحب القائمين عليه، وعلى رؤوس الجميع الحجة قائمة. والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون.

٢ - الخفوت والظهور

وكان من آثار عدم الرواية التعتيم على أهل البيت، وذلك لأن الأمر بحرق الكتب أطاح بالعديد من الأحاديث التي تبين منزلة أهل البيت

(١) كتاب المجروحين، ابن حبان: ١ / ٨٨.
٤٦
ومناقبهم، ويشهد على ذلك ما رواه الخطيب البغدادي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه، قال: (جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن، صحيفة فيها أحاديث في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فاستأذنا على عبد الله، فدخلنا عليه، فدفعنا إليه الصحيفة، فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء، فقلنا له: يا أبا عبد الرحمن، أنظر فيها، فإن فيها أحاديث حسانا، فجعل يميثها في الماء، ويقول: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) (يوسف: ٣)، القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن، ولا تشغلوها بما سواه) (١).

ويشهد بذلك إن عليا عندما تولى الخلافة لم يكن السواد الأعظم يعلم عن منزلته ومناقبه شيئا، حتى أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، أن يقوم، وكان قد جمعهم في الرحبة، ولم يعرف العوام مناقبه إلا من خلال ما رواه الصحابة بعد ذلك، وكان العديد من الصحابة يتحدثون في مجالسهم الخاصة عن مناقبه، ولكن هذا الحديث لم يكن يخرج إلى الساحات العامة، وفي مقابل هذا التعتيم، كان لعدم الرواية الأثر الكبير في ظهور الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه، ويشهد بذلك ما روي عن حذيفة أنه قال: (والله ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا بلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا وقد سماه لنا باسمه واسم أبيه واسم قبيلته) (٢)، ومعنى (أم تناسوا) أي أظهروا النسيان لمصلحة، ومعنى (باسمه واسم أبيه)، يعني وصفا واضحا مفصلا لا مبهما، مجملا، فالاستقصاء متصل.

وروي عن حذيفة أنه قال: - إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون) (٣)، وقال: (إنما كان النفاق على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد

(١) تقييد العلم، والخطيب، ص: ٥٤.

(٢) رواه أبو داود، حديث رقم ٤٢٤٣.

(٣) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.

٤٧
الإيمان) (١)، وحذيفة مات بعد مقتل عثمان بأقل من شهر، وكان مريضا، وعندما علم بأن الناس بايعوا علي بن أبي طالب، بايع وهو على فراش المرض، وحث الناس على الالتفاف حول علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر، وأمر ولديه بالقتال مع علي، فقاتلا تحت أعلام الإمام علي، حتى قتلا (٢).

وبعد ظهور النفاق في ظل سياسة اللارواية، خاف الصحابة فلم يحدثوا بالأحاديث الكاشفة، ويشهد بذلك، ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال:

(حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم) (٣)، وعنه أنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش)، إن شئت أن أسميهم بني فلان وبني فلان) (٤)، وعنه أنه قال: (إني لأحدث أحاديث، لو تكلمت بها في زمان عمر، أو عند عمر، لشج رأسي (٥).

ويشهد به أيضا، ما روي عن بجالة قال: (قلت لعمران بن حصين:

حدثني عن أبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: تكتم علي حتى أموت؟ قلت: نعم: قال: بنو أمية وثقيف وبنو حنيفة) (٦). ومن الثابت والمعروف أن بني أمية شقوا طريقهم نحو السلطة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأمر أبو بكر - رضي الله عنه - يزيد بن أبي سفيان على الشام (٧)، وبعد وفاة يزيد، قام عمر بتأمير معاوية (٨)، وروي أن عمر كان يقول للناس: (أتذكرون كسرى

(١) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.

(٢) أنظر: معالم الفتن، سعيد أيوب.

(٣) البخاري، الصحيح: ١ / ٣٤.

(٤) المصدر نفسه: ٢ / ٢٨٠.

(٥) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ١٤٨، وابن كثير، البداية والنهاية: ٨ / ١٠٧.

(٦) رواه نعيم بن حماد، كنز العمال: ١١ / ٢٧٤.

(٧) تاريخ الأمم والملوك ٤ / ٢٨.

(٨) ابن سعد، كنز العمال: ١٣ / ٦٠٦، البداية والنهاية: ٨ / ١١٨، تاريخ الأمم والملوك: ٥ / ٦٩، الإستيعاب: ٣ / ٥٩٦.

٤٨
وعندكم معاوية؟) (١)، وقال لهم عندما ذكروا معاوية: (دعوا فتى قريش وابن سيدها، إنه لمن يضحك في الغضب، ولا ينال منه إلا على الرضا) (٢).

وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم التي يحذر فيها من بني أمية أحاديث كثيرة، منها: ما روي عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ بنو أمية أربعين رجلا، اتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا) (٣)، ومعنى (مال الله دولا)، أي: يكون لقوم دون قوم، (وعباد الله خولا) أي،:

خدما وعبيدا، (ودين الله دغلا)، أي: يدخلون في الدين أمورا لم ترد بها السنة.

والحديث روي عن أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وأبي ذر، ورواه الإمام أحمد، والحاكم، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وروي بلفظ:

(إذا بلغ بنو أبي العاص)، وبلفظ: (إذا بلغ بنو فلان)، وقال الحاكم بعد روايته للحديث: (ليعلم طالب العلم أن هذا باب لم أذكر فيه ثلث ما روي، وأن أول الفتن في هذه الأمة فتنتهم، ولم يسعني فيما بيني وبين الله - تعالى - أن أخلي الكتاب من ذكرهم) (٤).

والخلاصة، أنه كان لسياسة اللارواية واللاتدوين آثار جانبية، منها:

اكتفاء الناس بتلاوة القرآن دون الوقوف على معانيه وأهدافه، وأدى ذلك إلى ظهور الذين يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وفي عهد الإمام علي ظهرت حقيقتهم أمام الناس، وحاربهم الإمام في موقعة النهروان، وما زالت بقيتهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، لأن منهجهم وثقافتهم لن تموت حتى يخرج الدجال، ومنها: ظهور الذين لعنهم الله على لسان نبيه بعد أن ضاع التحذير منهم في عالم اللارواية، ومنها التعتيم على الهداة، واقتصر ذكرهم في المجالس الخاصة، ومنها: ظهور القص وعلى مائدته صنعت مناقب

(١) تاريخ الأمم: ٦ / ١٨٦، الإستيعاب: ٣ / ٥٩٦.

(٢) الديلمي، كنز: ١٣ / ٥٨٧، البداية والنهاية: ٨ / ١٢٥، الإستيعاب: ٣ / ٥٩٧.

(٣) الحاكم وصححه، المستدرك: ٣ / ٤٧٩.

(٤) المصدر نفسه: ٤ / ٤٨٢.

٤٩
وتواريخ لقوافل لا تحمل من العلم إلا قشوره، وعلى القص ظهرت ثقافات التحمت مع ثقافة أهل الكتاب، وتشهد بذلك عقيدة الجبرية، يقول الشيخ محمد أبو زهرة: (أول من دعا إلى هذه النحلة من المسلمين الجعد بن درهم، وقد تلقى ذلك عن يهودي بالشام، لأن اليهود أول من فعل ذلك وعلموه بعض المسلمين، وهؤلاء أخذوا ينشرونه) (١)، ولقد استغل بنو أمية هذه العقيدة في إخضاع المسلمين، بحجة أن قيادتهم مفروضة عليهم بقضاء الله وقدره، وأن أي تمرد عليهم هو تمرد على قضاء الله، ولقد قامت هذه العقيدة على أحاديث وضعها القصاص، كان الهدف من ورائها تزييف النشاط الإنساني منذ بدء الخلق إلى قيام الساعة، وتحت أعلام عقيدة الجبر انطلقت جحافل بني أمية إلى ديار المسلمين، بعد أن مهد القص والأحاديث الموضوعة طريقهم نحو اتخاذ دين الله دغلا، ليتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس، من أمثال: حجر بن عدي، والحسين بن علي، وغيرهما.

ولم تكن عقيدة المرجئة بعيدة عن نسيج القصاص، لأن الأحاديث الموضوعة هي التي غذتها، وعلى ذروة عقيدة المرجئة يجلس يوحنا الدمشقي، وهو آخر كبار علماء النصرانية على مذهب الكنيسة الإغريقية، وكان أبوه صاحب عبد الملك بن مروان، وصنف يوحنا كتابا في فضائل النصرانية على منهج محادثة بين مسلم ونصراني (٢)، وقال الشيخ أبو زهرة:

(كان يوحنا يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي تشكك المسلمين في دينهم، وظهرت آراء يوحنا بالشام)، بعد أن وجدت لها حصنا صنعه القص والأحاديث الموضوعة، ومن خلال هذا الالتقاء تطرق البحث حول مرتكب الكبيرة، هل هو مؤمن أم غير مؤمن؟ وهل يضر مع الإيمان ذنب؟ وعلى مائدة البحث خرجت العقيدة التي تعتذر عن بني أمية في

(١) تاريخ المذاهب الإسلامية، أبو زهرة: ٢ / ١٠٢.

(٢) تاريخ الأدب العربي، بروكلمان: ١ / ٢٥٦.

٥٠
ما ارتكبوه من جرائم، بمعنى: لقد ضربوا بعقيدة الجبرية، واعتذروا بعقيدة المرجئة، التي تقول بأن لا ينبغي المفاضلة بين المسلمين، ولا الحكم على أحد بتقوى وغير تقوى، فالمسلم يكفي أن يكون مسلما، وبهذه العقيدة تم الافتراء على الله ورسوله بتغيير الأحكام الشرعية، وإظهار البدع والباطل، وقولهم: إن الأمة مرحومة، والله رفع العذاب عنها، وإنهم في أمن من عذاب الله وأن انهمكوا في كل إثم وخطيئة، وهتكوا كل حجاب، والأمة مغفور لها، محسنهم ومسيئهم، وإن لهم الكرامة في الدنيا، ولهم أن يفعلوا ما شاءوا بعد أن استظلوا بمظلة حجاب الأمن، ولهم في الآخرة مغفرة توجب فتح أبواب الجنة أمامهم، وبعقيدة المرجئة اشتد الساعد بعد أن ارتدى قفازا من حرير في الوقت الذي يحتفظ فيه بقبضته الحديدية، وملئت الأرض ظلما وجورا.

٢ - مخالفة السنة النبوية في قسمة الأموال

أ - مخالفة الأمر النبوي في الأموال

قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال) (١)، ولما كانت فتنة الأمة في المال، بينت الشريعة الخاتمة موضع الرحاب الآمن، وشاء الله أن يكون الأمن في فعل الرسول، بمعنى أن النجاة لن تكون في منع الرواية عن الرسول، لأن الله - تعالى - بين موضع كل مال وقسمه بين عباده تقسيما حقا بوضع قوانين عادلة تقضي على منابت الفساد، وهذه القسمة وهذه القوانين نفذها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، وفي الوقت الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقيم الحجة، كان يخبر بالغيب عن ربه ويقول: (إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من قبلكم وهما مهلكاكم) (٢)، وأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأوامر تدفع هذا الهلاك، ومنها إعطاء الصدقة، لأن من خاصتها أنها تنمي المال، لأنها تنشر الرحمة وتورث المحبة، وتؤلف بين

(١) رواه الترمذي وصححه، الجامع: ٤ / ٥٦٩.

(٢) رواه أبو داود عن أبي موسى، كنز: ٣ / ١٩١، والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود، كنز: ٣ / ١٩١.

٥١
القلوب وتبسط الأمن، وتصرف القلوب عن أن تهم بالغضب والاختلاس والفساد والسرقة، وتدعو إلى الاتحاد والمساعدة والمعونة، وبذلك يقضى على أغلب طرق الفساد، وحذر - عليه الصلاة والسلام - من التعامل بالربا، لأن الربا من خاصته أنه يمحور المال ويفنيه تدريجيا، من حيث أنه ينشر القسوة والخسارة، ويورث البغض والعداوة وسوء الظن، ويفسد الأمن والاستقرار، ويهيج النفوس على الانتقام بأي وسيلة أمكنت، ويدعوا إلى التفرق والاختلاف والفساد، كما يؤدي إلى زوال المال ولأن المجتمع في نظر الشريعة ذو شخصية واحدة، له كل المال الذي أقام به صلبه وجعله له معاشا، فإن الشريعة ألزمت المجتمع بأن يدير المال ويصلحه ويعرضه معرض النماء، ويرتزق به ارتزاقا معتدلا مقتصدا، ويحفظه من الضياع والفساد، ومن مجملات القرآن التي تتعلق بالأموال، وبينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستقيم حال المجتمع، قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (الأنفال: ١)، والمعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن هذه الغنائم التي غنمتها، فقل: هي لله والرسول، يحكم فيها الله بحكمه ويقسمها الرسول. وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما أنا قاسم وخازن، والله يعطي) (١)، وقال: (ما أعطيكم ولا أمنعكم أنا قاسم أضع حيث أمرت) (٢)، وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم حكم الله في الغنيمة، قال تعالى: (واعلموا أنما غنمتم عن شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله...) (الأنفال.. ٤١)، وبين الرسول حكم الخمس وحكم الأربعة أخماس، وعلموا حق الذين حرمت عليهم الصدقة من ذي القربى، وحق الجنود.

وقال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من

(١) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ١٩٠.

(٢) المصدر نفسه: ٢ / ١٩٢.

٥٢
الطريق إلى المهدي المنتظر لـ سعيد أيوب (ص ٥٣ - ص ٧٦)
٥٣
روى البخاري ومسلم عن عائشة (أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سألت أبا بكر بعد وفاة رسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا نورث ما تركناه صدقة فغضبت فاطمة فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرة له حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستة أشهر، فكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، فأبى أبا بكر ذلك..) (١).

وروى الإمام أحمد أنه: (لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسلت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: أأنت ورثت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم أهله؟ فقال: بل أهله، قالت: فأين سهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله - عز وجل - إذا أطعم نبيا طعمة ثم قبضه جعله للذي يقوم من بعده، فرأيت أن أرده على المسلمين) (٢).

ولقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن أبا بكر أبى أن يعطي فاطمة - رضي الله عنها ما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة، وذلك لما عنده من حديث لم يروه غيره. وفي عهد عمر روى البخاري ومسلم أن صدقة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة دفعها عمر إلى علي بن أبي طالب والعباس، وأمسك خيبر وفدكا (٣)، وذلك أيضا لما عنده من حديث، وروي أن أهل البيت ردوا إلى عمر ما دفعه إليهم لأنهم وجدوه دون حقهم الذي بينه رسول الله لهم، فعن يزيد بن هرمز أن نجدة الحروري أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول: لمن تراه؟ فقال ابن عباس: لقربى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا فرددناه عليه، وأبينا أن نقبله (٤).

(١) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ١٨٦، وأحمد ومسلم والبيهقي، كنز: ٧ / ٢٤٢.

(٢) رواه أحمد بإسناد صحيح، الفتح الرباني: ٢٣ / ٦٣.

(٣) رواه البخاري ومسلم وأحمد والبيهقي، كنز: ٧ / ٢٤٢.

(٤) رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي، الفتح الرباني: ١٤ / ٧٧.

٥٤
وكان القرار منع ميراث الرسول وصدقته آثار جانبية منها: التعتيم على أهل البيت، لأن خروجهم من تحت سقف ما كتبه الله لهم، وهم الذين حرمت عليهم الصدقة، يجعلهم كغيرهم من الناس، ولم يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا في حياته، وإنما كان يضع الناس في مواضعهم التي حددها الله تعالى، فعن جبير بن مطعم قال: (مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلنا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شئ واحد) (١)، وفي رواية: (إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شئ واحد، وشبك بين أصابعه) (٢).

أما في ما يختص بحقوق الجنود، فقد بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سئل: ما تقول في الغنيمة؟ قال: (لله خمس، وأربعة أخماس للجيش) (٣)، لكن عمر بن الخطاب اجتهد في هذا، وأمر بوضع جميع الغنائم في بيت المال، ثم قام بتقسيم هذه الغنائم وفقا بما يراه، ودون على ذلك الدواوين، وعدم قسمة عمر للغنائم يشهد به ما روي عن إبراهيم أنه قال: لما افتتح المسلمون السواد قالوا لعمر اقسمها بيننا فإنا فتحناها، فأبى عمر وقال: فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟ (٤) وقال عمر: (لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها سهمانا كما قسم رسول الله خيبر سهمانا، ولكني أردت أن يكون جزية تجري على المسلمين، وكرهت أن يترك آخر المسلمين لا شئ لهم) (٥)، وفي رواية قال: (ولكني أتركها خزانة لهم) (٦).

(١) رواه البخاري، الصحيح: ٢ / ١٩٦.

(٢) رواه أحمد، الفتح الرباني: ١٤ / ٧٦، وأبو داود حديث رقم ٢٩٨٠.

(٣) رواه البغوي، كنز العمال: ٤ / ٣٧٥.

(٤) رواه أبو عبيد وابن زنجويه، كنز: ٤ / ٥٧٤.

(٥) رواه أحمد والبخاري وابن خزيمة في صحيحه وابن الجارود والطحاوي وأبو يعلى وابن أبي شيبة وأبو عبيد، كنز: ٤ / ٥٥٥.

(٦) رواه البخاري وأبو داود، كنز: ٤ / ٥١٤.

٥٥
ويشهد التاريخ أن هذه الخزانة أضرت أكثر مما نفعت، فبعد أن بسط بنو أمية أيديهم على بيوت المال التي تركها عمر بن الخطاب، اتخذوا دين الله دغلا، ومال الله دولا، وعباد الله خولا، واستمرت بيوت المال على امتداد المسيرة يشتري بها الحكام الذمم ويسفكون بها الدم الحرام.

وكان هناك العديد من الصحابة الذين عارضوا سياسة عدم قسمة الغنائم على سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، منهم الزبير بن العوام، فعن سفيان بن وهب قال:

(لما فتحنا مصر بغير عهد، قام الزبير فقال: اقسمها يا عمرو بن العاص، فقال: لا أقسمها، فقال الزبير: والله لتقسمنها كما قسم رسول الله خيبر، فقال: والله لا أقسمها حتى أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب عمر إليه: أقرها حتى تغزوا منها حبل الحبلة) (١)، قال المفسرون في رد عمر: (يريد حتى يغزوا أولاد الأولاد ويكون عاما في الناس)، وقيل: (أو يكون أراد المنع من القسمة حيث علقه على أمر مجهول).

ويشهد التاريخ أن عمرو بن العاص بسط يده على مصر كلها، وكان خراجها له طيلة حياته في عهد معاوية بن أبي سفيان، وذلك عندما تكاتف عمرو مع معاوية على علي بن أبي طالب، فكافأه معاوية بأن تكون مصر له طعمة، ومن الذي اعترضوا على قرار عمر: بلال بن رباح، فقد قال لهم عندما افتتحوا أرضا: اقسمها بيننا وخذ خمسها، فقال عمر: لا، هنا عين المال، ولكني أحبسه فيئا يجري عليهم وعلى المسلمين، فقال بلال وأصحابه:

اقسمها بيننا، فقال عمر: اللهم اكفني بلالا وذويه. قال راوي الحديث: فما حال الحول ومنهم عين تطرف (٢)، أي: ماتوا بفضل دعاء عمر.

وكان بلال كثير الاعتراض على سياسة عمر، عن ابن أبي حازم قال:

(جاء بلال إلى عمر حين قدم الشام، وعنده أمراء الأجناد، فقال: يا عمر،

(١) رواه الشيخان وابن عساكر وابن زنجويه وأبو عبيد، كنز: ٤ / ٥٥٧.

(٢) المغني، لابن قدامة: ٢ / ٧١٦.

٥٦
إنك بين هؤلاء وبين الله، وليس بينك وبين الله أحد، فانظر من بين يديك ومن عن يمينك ومن عن شمالك، فإن هؤلاء الذين جاؤوك (أي أتباع بلال)، والله لم يأكلوا إلا لحوم الطير (أي لم يصل إليهم من الأمر شئ)، فقال عمر للأمراء: لا أقوم من مجلسي هذا حتى تكفلوا لي لكل رجل من المسلمين بمديت (١) بر وحظهما من الخل والزيت، قالوا: تكفلنا لك يا أمير المؤمنين (٢).

أما قسمة عمر بن الخطاب بين الناس، فلقد فضل عمر المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الأنصار كافة، وفضل العرب على العجم، وروي أنه قال: (من أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني له خازنا وقاسما، ألا وإني بادئ بالمهاجرين الأولين أنا وأصحابي فمعطيهم، ثم بادئ بالأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان فمعطيهم، ثم بادئ بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمعطيهن)، وفي رواية: (ففرق لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا جويرية وصفية وميمونة: فقالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يعدل بيننا، فعدل بينهن عمر)، ثم قال عمر: (من أسرعت به الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ به عن العطاء، فلا يلومن أحدكم إلا مناخ راحلته) (٤).

وبالجملة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أيما قرية افتتحها الله ورسوله فهي لله ورسوله، وأيما قرية افتتحها المسلمون عنوة، فخمسها لله ولرسوله وبقيتها لمن قاتل عليها) (٥)، كان صلى الله عليه وآله وسلم يسوي بين الجنود في القسمة، ولم يخص أحدا بشئ دون الآخر (٦)، ولقد أخبر بالغيب عن ربه بما سيحدث من بعده،

(١) مكيال معروف بالشام.

(٢) رواه أبو عبيد، كنز العمال: ٤ / ٥٧٥.

(٣) رواه البيهقي، كنز العمال: ٤ / ٥٧٨.

(٤) رواه أبو عبيد وابن شيبة والبيهقي وابن عساكر، كنز: ٤ / ٥٥٦.

(٥) رواه البخاري ومسلم، كنز العمال: ٤ / ٣٧٨.

(٦) أنظر: الفتح الرباني: ١٣ / ٧٢، كنز العمال: ٤ / ٣٧٥.

٥٧
وقال لأبي ذر: (كيف أنت وأئمة من بعدي يستأثرون بهذا الفئ، اصبر حتى تلقوني) (١)، وقال: (خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا كان إنما هو رشى فاتركوه، ولا أراكم تفعلون، يحملكم على ذلك الفقر والحاجة، ألا وإن رحى بني مرج قد دارت، وإن رحى الإسلام دائرة، وإن الكتاب والسلطان سيفترقان، فدوروا مع الكتاب حيث دار..) (٢).

وذا كان الاجتهاد قد أخرج أهل البيت والجنود الذين شاركوا في المعارك من قسمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الاجتهاد قد أخرج المؤلفة قلوبهم من القسمة التي قسمها الله تعالى.

ولقد ذكرنا من قبل أن الله - تعالى - هو الذي قسم الصدقات، بين حكمها، وتولى أمرها بنفسه، ولم يكل قسمتها إلى أحد غيره، وجزأها - سبحانه - ثمانية أجزاء، لا تقبل تغيير المغير، قال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله) (التوبة: ٦٠)، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى المؤلفة قلوبهم، وهم صنفان: صنف كفار، وصنف أسلموا على ضعف، وذلك ليأمن شرهم وفتنتهم، لأن من شأن الصدقة أنها تؤلف بين القلوب وتبسط الأمن، وظل النبي (ص يعطي هذا السهم للمؤلفة قلوبهم ليعاونوا المسلمين أو ليقوى إسلامهم، حتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم.

وكان أبو سفيان (٣) وابنه معاوية (٤) من الذين أعطاهم النبي من سهم المؤلفة قلوبهم، وروي (أن عمرو بن العاص حين جزع عن موته، فقيل له:

قد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدينك ويستعملك، فقال: أما - والله - ما أدري أحبا

(١) رواه أحمد وأبو داود وابن سعد، كنز العمال: ٤ / ٣٧٣، ٣٧٤.

(٢) رواه الطبراني عن معاذ، وابن عساكر عن ابن مسعود، وأبو داود عن أبي مطير باختصار، كنز ١ / ٢١٦، وأبو داود حديث رقم ٢٩٥٨.

(٣) أنظر: صحيح مسلم: ٧ / ١٥٦، البداية والنهاية: ٤ / ٣٥٩، كنز العمال: ٩ / ١٧٦.

(٤) أنظر: البداية والنهاية: ٤ / ٣٥٩.

٥٨
كان ذلك أم تألفا يتألفني؟) (١)، وعلى الرغم من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يعطي أبا سفيان من سهم المؤلفة، إلا أن الصحابة كانوا يختلفون في تحديد موقعه، روي (أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر، فقالوا: والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك، فأتاهم أبو بكر، فقال: يا إخوتاه أغضبتكم، قالوا: يغفر الله لك يا أخي) (٢)، قال النووي:

(هذه فضيلة ظاهرة لسلمان ورفقته هؤلاء) (٣)، وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى قريشا حين أفاء الله عليه أموال هوازن، فقال الناس من الأنصار: يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فعندما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمقالتهم، أرسل إلى الأنصار فجمعهم ولم يدع أحدا غيرهم، فقال: (إني لأعطي رجالا حدثاء عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون برسول الله إلى رحابكم؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، قالوا:

أجل يا رسول الله قد رضينا، فقال لهم: إنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني فرطكم على الحوض) (٤).

لقد كان في سهم المؤلفة امتحان وابتلاء، ولكن الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجتهدوا فيه.

وروي (أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصين، وكانا من المؤلفة قلوبهم، جاءا يطلبان أرضا من أبي بكر، فكتب بذلك خطا، فمزقه عمر بن الخطاب، وقال: هذا شئ كان يعطيكموه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأليفا لكم، فأما

(١) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، الفتح الرباني: ٢٢ / ٣١٠، الزوائد:

٩ / ٣٥٣، وابن سعد، الطبقات: ١ / ٢٦٣.

(٢) رواه مسلم، الصحيح: ١٦ / ١٦.

(٣) رواه مسلم، شرح النووي: ١٦ / ١٦.

(٤) رواه البخاري ومسلم وأحمد، الفتح الرباني: ١٤ / ٨٩.

٥٩
اليوم فقد أعز الله الإسلام وأغنى عنكم، فإن ثبتم على الإسلام، وإلا فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلك لنا الخط ومزقه عمر، فقال أبو بكر، هو إن شاء الله، ووافق عمر) (١).

وعن الشعبي أنه قال: (كنت المؤلفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما ولي أبو بكر انقطعت) (٢)، واعترض ابن قدامة على انقطاع سهم المؤلفة وقال: إن الله - تعالى - سمى المؤلفة في الأصناف الذين سمى الصدقة لهم والنبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء)، وكان - عليه الصلاة والسلام - يعطي المؤلفة كثيرا في أخبار مشهورة، لم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم إن النسخ إنما يكون في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لأن النسخ إنما يكون بنص ولا يكون النص بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانقراض زمن الوحي، ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بقرآن، وليس في القرآن نسخ لذلك ولا في السنة، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم، أو بقول صحابي أو غيره؟ (٣).

والخلاصة، ختم الله - تعالى - آية الأنفال بقوله: (وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين) (الأنفال: ١)، وفي هذا تحذير من الاختلاف، وإخبار بأن طاعة الرسول طاعة لله، وختم - سبحانه - آية الخمس بقوله: (إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) (الأنفال: ٤١،) قال ابن كثير: (أي امتثلوا ما شرعنا لكم من الخمس في الغنائم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وما أنزلنا على الرسول في القسمة) (٤)، وختم سبحانه آية الزكاة بقوله: (فريضة من الله والله عليم حكيم) (التوبة: ٦٠)، قال ابن كثير:

(١) الفتح الرباني: ٩ / ٦٢، الدر المنثور: ٢ / ٢٥٢، تفسير المنار: ١٠ / ٤٩٦، فقه السنة، سيد سابق: ١ / ٤٢٥.

(٢) رواه ابن أبي شيبة والطبراني، تحفة الأحوازي: ٣ / ٣٣٥.

(٣) المغني، ابن قدامة: ٢ / ٦٦٦.

(٤) تفسير ابن كثير: ٢ / ٣١٣.

٦٠