×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

الطريق إلى المهدي المنتظر (ع) / الصفحات: ٦١ - ٨٠

(أي حكما مقدرا بتقدير الله وفرضه وقسمه، فهو - تعالى - عليم بظواهر الأمور وبواطنها، وبمصالح عباده في ما يقوله ويفعله ويشرعه ويحكم به) (١).

والمسيرة قد اجتهدت تحت سقف الامتحان والابتلاء، ولكن أحاديث الإخبار بالغيب، وحركة التاريخ، تثبت أن بعض هذه الاجتهادات انتهت في نهاية المطاف إلى دائرة لا تحقق الأمان بصورة من الصور، قد تكون بيوت المال قد امتلأت بالذهب والفضة عند المقدمة، ولكن عند النتيجة نرى أن تفضيل هذا عن ذاك في القسمة، أدى إلى الصراع القبلي بين ربيعة ومضر، وبين الأوس والخزرج (٢)، وأشعل الصراع العنصري بين العرب والعجم، والصريح والموالي (٣)، كما أدى الاجتهاد في الخمس إلى اختلاف الأمة في من هم عشيرة النبي الأقربون؟ ومن هم أهل بيته وعترته؟ وأدى الاجتهاد في الأربعة أخماس الخاصة بالجنود، إلى استيلاء الأمراء في الأمصار على معظم هذه الأموال، وكان لهذا أثر سيئ على امتداد المسيرة، وأدى الاجتهاد في سهم المؤلفة، إلى استواء ضعيف الإيمان مع قويه، وأدى إلى تهييج النفوس على الانتقام بأي وسيلة، لأن الصدقة من خصائصها أنها تنشر الرحمة وتورث المحبة، وتؤلف بين القلوب، وتبسط الأمن، فإذا أمسكت - وكان تحت سقف الأمة منافقون، منهم: اثنا عشر رجلا أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، ولن يدخلوا الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط - كان إمساكها سببا في فتح طرق الفساد.

رابعا: من معالم المسيرة

في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة، ثم لم تزل بعد ارتحاله صلى الله عليه وآله وسلم تنقص وتسقط حكما فحكما، يوم فيوما، بيد الحكومات الإسلامية، على امتداد

(١) تفسير ابن كثير: ٢ / ٣٦٦.

(٢) تاريخ اليعقوبي: ٢ / ١٠٦.

(٣) شرح نهج البلاغة: ٨ / ١١١.

٦١
المسيرة كان هناك شبه انفصال بين الشعوب الإسلامية وحكامها، فكثير من الحكومات لم تكن تعبر عن شعوبها، وبينما كان الأمراء وأصحاب المقاعد الأولى في الدولة يضيعون الصلاة ويتبعون الشهوات، كانت الشعوب تختزن بداخلها الفطرة النقية ببركة وجود القرآن الكريم، ونحن في بحثنا هذا في المسيرة الإسلامية، لم نرصد إلا حركة أصحاب المقاعد الأولى ومن دار في فلكهم، أما حركة الأمة الإسلامية ورفضها للانحراف فإن لهذا موضعا آخر.

وحركة الدعوة الخاتمة في اتجاه الشعوب هي حركة المنقذ للفطرة من الانحراف والضلال، ولقد أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفكرة الصحيحة الداعية للفتح الإسلامي، وبين أن الفتح ليس للقتل أو الانتقام، وإنما هو رحمة وشفقة على البلاد المفتوحة، ولتخليصها من نير العبودية، وتطبيق النظام الإسلامي الفطري فيها، ولم تكن الغنائم هي غاية الفتح، فالغنائم ليس لها أهمية تذكر بجانب هدف الفتح الأسمى، فرفع الظلم عن البلد المفتوح هو المقصد، سواء غنم الجيش أو لم يغنم، والإسلام ينظر إلى الغنيمة على أساس أنها من قبيل جوائز التشجيع على القتل في سبيل الله، لأن المقصود من الحرب الظفر على الأعداء، فإن غلبوا فقد حصل المطلوب، وتكون الأموال التي غنمها المقاتلون زيادة على أصل الغرض، ولما كانت الغنيمة حصيلة القتال في سبيل الله، وبما أن الله - تعالى - وضع أحكاما خاصة بالقتال في سبيله، فإنه - تعالى - قسم الغنيمة على الجيش المنتصر لرفع معنوياته، وترغيبا له بالتكرار. وبالجملة، الغنيمة زيادة على أصل الغرض الذي من أجله يقاتل الجيش، وهي ملك لله ورسوله، وتوضع حيثما أراد الله ورسوله.

واجتهد الصحابة في غنائم الحرب، فصب هذا الاجتهاد - في نهاية المطاف - في دائرة التنافس والتحاسد وغير ذلك، ويشهد لذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه في ما رواه مسلم عن عبد الله، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟ قال عبد الرحمن بن عوف: كما أمرنا الله، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أو غير ذلك،

٦٢
تتنافسون، ثم تتحاسدون، ثم تتدابرون، ثم تتباغضون أو نحو ذلك، ثم تنطلقون في مساكن المهاجرين، فتجعلون بعضهم على رقاب بعض) (١). فالفتح أنتج ثقافة لم تكن يوما من أهداف الفتح، وأيقظ غريزة العرب الجاهلية بعد ما سكنت بالتربية النبوية، والطريق الذي انتهى بالتباغض - كما مر في الحديث السابق -، امتد لينتهي بالبغي في حديث آخر يخبر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغيب عن ربه ويقول: (سيصيب أمتي داء الأمم، الأشر والبطر، والتكاثر، والتشاحن، والتباغض، والتحاسد، حتى يكون البغي) (٢).

والطريق إلى البغي كان عليه أمراء لا يمتازون إلا بالسواعد القوية، وروي أن حذيفة قال لعمر بن الخطاب: (إنك تستعين بالرجل الفاجر، فقال له عمر: إني لأستعمله لأستعين بقوته، ثم أكون على قفائه) (٣)، وقال في فتح الباري: (والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط، بل يضم إليه الذي عنده مزيد من المعرفة بالسياسة، فلأجل هذا استخلف معاوية، والمغيرة بن شعبة، وعمروا بن العاص، مع وجود من هو أفضل منهم في أمر الدين والعلم) (٤).

وذكر ابن حجر (أن عمر ولى إياس بن صبيح القضاء في البصرة، وكان إياس من أصحاب مسيلمة الكذاب) (٥)، و (كتب عمر إلى الأمراء أن يشاوروا طليحة بن خويلد، وكان طليحة قد أسلم ثم ارتد ثم أسلم، وكان قد ادعى النبوة) (٦)، وروي أن (ابن عدي الكلبي قال لعمر: أنا امرؤ نصراني، فقال

(١) رواه مسلم، الصحيح: ١٨ / ٩٧.

(٢) رواه الحاكم وصححه، كنز العمال: ٣ / ٥٢٦.

(٣) رواه أبو عبيد، كنز العمال: ٥ / ٧٧١.

(٤) فتح الباري: ١ / ١١٦.

(٥) الإصابة: ١ / ١٢٠.

(٦) البداية والنهاية: ٧ / ١٣٠.

٦٣
عمر: فما تريد؟، قال أريد الإسلام، فعرضه عمر عليه، ثم دعا له برمح، فعقد له على من أسلم، وقال عوف بن خارجة: ما رأيت رجلا لم يصل صلاة أمر على جماعة من المسلمين قبله) (١).

وإذا كان طريق البغي من علاماته التنافس والتحاسد والتدابر والتباغض، فإنه يختزن في أحشائه معالم الضلال، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا، حتى نشأ فيهم المولدون، وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا) (٢)، فأبناء الأمم إذا لم يجدوا الرعاية والتربية الصحيحة، أصبحوا من العوامل التي تساعد على الهدم، وهؤلاء ترعرعوا في المسيرة الإسلامية تحت سقف الدولة الأموية، ثم امتدوا بامتداد المسيرة، وذكر الطبري: (إن أول سبي قدم المدينة من العجم كان في عهد أبي بكر) (٣)، وذكر البلاذري: (إن معاوية حاصر قيسارية حتى فتحها فوجد من المرتزقة سبعمائة ألف، ومن السامرة ثلاثين ألفا، ومن اليهود مائتي ألف) (٤)، فبعث إلى عمر عشرين ألفا من السبي (٥).

فالطريق كان عليه ضعيف الإيمان، وكان عليه أبناء الأمم، وكان عليه أمراء التنافس والتحاسد، والتدابر، والتباغض، والبغي، وكان عليه المنافقون، ومنهم اثنا عشر رجلا حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا، وعلى طريق كهذا، لا نستبعد أن تضيع الصلاة، وقد سجل حذيفة البادرة الأولى قبل وفاته، فقال: (ابتلينا، حتى جعل الرجل منا لا يصلي إلا سرا) (٦)، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أخبر بالغيب عن ربه، أن الصلاة في طريقها إلى الضياع، فعن

(١) الإصابة: ١ / ١١٦.

(٢) رواه الطبراني، كنز العمال: ١ / ١٨١.

(٣) تاريخ الأمم: ٤ / ٢٧.

(٤) فتوح البلدان، ص: ١٤٧.

(٥) البداية والنهاية: ٧ / ٥٤.

(٦) المصدر نفسه.

٦٤
أبي ذر قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا ذر، أمراء يكونون بعدي يميتون الصلاة فصل الصلاة لوقتها...) (١)، قال النووي: (أي يجعلونها كالميت الذي خرجت روحه) (٢).

وروي أن الوليد بن عقبة - وكان أخا عثمان لأمه - حين كان واليا لعثمان ابن عفان على الكوفة أخر الصلاة، فقام عبد الله بن مسعود فصلى بالناس، فأرسل إليه الوليد وقال له: ما حملك على ما صنعت؟ أجاءك من أمير المؤمنين أمر أم ابتدعت؟ فقال: لم يأتني من أمير المؤمنين أمر ولم أبتدع، ولكن أبى الله - عز وجل - علينا ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن ننتظرك بصلاتنا وأنت في حاجتك (٣).

وبينما كان الإمام يؤدي الصلاة، كانت الصلاة تؤدى بروحها خلف علي بن أبي طالب، روى مسلم عن مطرف قال: (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما انصرفنا من الصلاة، أخذ عمران بيدي ثم قال: صلى بنا هذا صلاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (٤)، وفي رواية: قال عمران: قد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وروي أن عمران بن حصين مات سنة اثنتين وخمسين هجرية (٥) ولما كان حذيفة قد صلى سرا، ولما كان ابن مسعود قد شهد تأخير الصلاة، فإن أبا الدرداء قد شهد شيئا آخر، فعن أم الدرداء قالت: (دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: من أغضبك؟ قال: والله لا أعرف فيهم من أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا) (٦)، ومات أبو الدرداء في خلافة عثمان.

(١) رواه مسلم والترمذي وصححه، تحفة الأحوازي: ١ / ٥٢٤.

(٢) المصدر نفسه.

(٣) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ١ / ٣٢٤.

(٤) رواه مسلم، باب: قراءة الفاتحة، الصحيح: ٢ / ٨.

(٥) الإصابة: ٥ / ٢٦.

(٦) رواه أحمد وإسناده جيد، الفتح الرباني: ١ / ٢٠٠.

٦٥
ثم جاء عام ستين، وهو العام الذي حمل الصبيان أعلامه، وفيه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تعوذوا بالله من رأس الستين ومن إمارة الصبيان) (١)، وقال:

(ويل للعرب من شر قد اقترب على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، والصدقة غرامة، والشهادة بالمعرفة، والحكم بالهوى) (٢)، فرأس الستين تطوير للعربة التي تنطلق بوقود الرأي، ورأس الستين هو الوعاء الذي يصب فيه إماتة الصلاة من العهود التي سبقته، وينطلق منه وقود إضاعة الصلاة، وقراءة القرآن بلا تدبر، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر بالغيب عن ربه: (يكون خلف بعد ستين سنة، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق، وفاجر) (٣)، وعن أبي سعيد قال: (المنافق كافر به، والفاجر يتأكل منه، والمؤمن يؤمن به) (٤).

ومن الدلائل على أن جيل الستين أخذ وقوده ممن سبقه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر في حديث آخر بأن كثرة المال هي الخلفية الأساسية التي يتم عليها تفريخ هؤلاء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (مما أتخوف على أمتي أن يكثر فيهم المال حتى يتنافسوا فيقتلون عليه، وإن مما أتخوف على أمتي أن يفتح لهم القرآن، حتى يقرأه المؤمن والكافر والمنافق) (٥).

فالمال أنتج التنافس، والتحاسد والتدابر، والتباغض، والبغي، وفتح القرآن أمام العامة - مع عدم وجود العالم به - أدى إلى ترتيله في زحام الأسواق، حيث لا مستمع ولا منصت، ومن الأصاغر أخذ العلم الذي أدى

(١) رواه أحمد وأبو يعلى، كنز العمال: ١١ / ١١٩.

(٢) رواه الحاكم وصححه المستدرك: ٤ / ٤٨٣.

(٣) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٦ / ٢٣١، وقال ابن كثير: رواه أحمد وإسناده على شرط السنن، البداية: ٦ / ٢٢٨، التفسير: ٣ / ١٢٨ ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم وصححه، والبيهقي، كنز: ١١ / ١٩٥، المستدرك: ٤ / ٥٠٧.

(٤) رواه الحاكم وصححه، وأقره الذهبي، المستدرك: ٤ / ٥٠٧.

(٥) رواه الحاكم وصححه، كنز: ١٠ / ٢٠٠.

٦٦
إلى ضياع الصلاة، ولقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أشراط الساعة، فقال:

(إن من أشراطها أن يلتمس العلم عند الأصاغر)، قال ابن المبارك: (الأصاغر الذين يقولون برأيهم) (١)، وعن ابن مسعود قال: (لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإن أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا) (٢)، وعن أنس قال: (قيل: يا رسول الله، متى ندع الائتمار بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: إذا ظهر فيكم ما ظهر في بني إسرائيل، إذا كانت الفاحشة في كباركم، والملك في صغاركم، والعلم في رذالكم) (٣).

وإذا كان أبو الدرداء قد شهد قبل وفاته أنه لا يعرف في الناس من أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيئا إلا أنهم يصلون جميعا، فإن أنس بن مالك شهد عام ستين، حيث مقدمة الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، روى البخاري عن الزهري قال: (دخلت على أنس فوجدته يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قال: ما أعرف شيئا مما أدركت، إلا هذه الصلاة، وهذه الصلاة قد ضيعت) (٤)، ومات أنس سنة ثلاث وتسعين، وكان يقول: (لم يبق أحد صلى القبلتين غيري) (٥).

وفي الخلف الذين يضيعون الصلاة بعد أنبياء الله، يقول تعالى:

(أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا * فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا) (مريم: ٥٨ - ٥٩)، قال المفسرون: ذكر الله حزب السعداء،

(١) رواه ابن عبد البر، جامع العلم: ١ / ١٩٠.

(٢) المصدر نفسه: ١ / ١٩٢.

(٣) قال البوصيري: رواه ابن ماجة وإسناده صحيح، ورواه أحمد، الفتح الرباني: ١٩ / ١٧٧.

(٤) رواه البخاري، الفتح الرباني: ١ / ٢٠٠.

(٥) الإصابة: ١ / ١٧١.

٦٧
وهم الأنبياء ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره، المؤدين فرائض الله، ثم ذكر - سبحانه - الخلف: أي البدل السيئ، وقوله تعالى: (فخلف من بعدهم)، أي قام مقام أولئك الذين أنعم الله عليهم، وكانت طريقتهم الخضوع والخشوع لله بالتقدم إليه بالعبادة، قوم سوء أضاعوا الصلاة، وضياع الشئ: فساده أو افتقاده، ومعنى أنهم أضاعوا الصلاة: أي أفسدوها بالتهاون فيها والاستهانة بها، حتى تنتهي إلى أمثال اللعب بها والتغيير فيها والترك لها، فإذا كانوا قد فعلوا هذا بالصلاة فإنهم لما سواها من الواجبات أضيع، لأنها عماد الدين وقوامه، ثم أخبر - سبحانه - بأن القوم السوء الذين أضاعوا الصلاة، وهي الركن الأصيل في العبودية، واتبعوا الشهوات، هؤلاء سيلقون غيا: أي خسارة، وهذه العقوبة سنة ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، يعاقب الله بها كل خلف طالح، وذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية، أن هذا الخلف في هذه الأمة أيضا (١) والخسارة التي توعد الله بها الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، يحمل أسبابها أمراء السوء وسبايا السوء الذين تربوا على القصص، وتسربت إليهم روح الأمم المستعلية الجبارة، فهؤلاء وغيرهم فتحوا أبواب القتال من أجل الملك، وعند نهاية القتال، وفي نهاية المسيرة كانت الخسارة عنوانا رئيسيا لكل شئ في عالم الاستدراج.

أما القتال على الملك، فيشهد به أبو برزة الأسلمي، روى البخاري عن أبي المنهال قال: (لما كان ابن زياد ومروان بالشام، ووثب ابن الزبير بمكة، ووثب القراء بالبصرة، انطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي، فقال أبي: يا أبا برزة، ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فقال: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم - يا معشر العرب - كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة، وإن الله أنقذكم بالاسلام وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم،

(١) تفسير ابن كثير: ٣ / ١٢٨.
٦٨
حتى بلغ ما ترون، وهذه الدنيا أفسدت بينكم، إن ذاك الذي بالشام - والله - إن يقاتل إلا على الدنيا، وإن هؤلاء الذين بين أظهركم - والله - إن يقاتلون إلا على الدنيا، وإن ذاك الذي بمكة - والله - إن يقاتل إلا على الدنيا) (١).

ونتيجة القتال على الملك، أنه لم تستطع الدولة البقاء تحت حكم إدارة مركزية واحدة، فعند بداية المسيرة اتسعت الدولة من شواطئ المحيط الأطلسي في المغرب إلى نهر السند في الشرق، ومن بحر مازندران في الشمال إلى منابع النيل في الجنوب، وكما توسعت الدولة بسرعة، تجزأت بسرعة أيضا، فإذا نظرنا على امتداد المسيرة لنرصد معالم الاختلاف والتفريق على الأرض، نجد أن عبد الرحمن الداخل، وهو أحد أفراد الأسرة الأموية، قد أسس دولة مستقلة في إسبانيا سنة ١٣٨ ه‍، ورفع يد الحاكم العباسي عن ذلك الجزء من الدولة العباسية، ثم ظهر الأدارسة وأسسوا دولتهم، ثم جاء الأغالبة واستولوا على بقية مناطق إفريقيا عام ١٨٤ ه‍، ثم ظهر ابن طولون في مصر والشام وفصلهما عن الدولة، وعند حلول سنة ٣٢٣ ه‍ أسس الأخشيد حكمه في مصر، ولم يبق تحت نفوذ الدولة العباسية السياسي من بلاد المغرب سوى رمزها.

أما في المشرق، فتم تأسيس الدولة الطاهرية بخراسان عام ٢٠٤ ه‍، وتتابع ظهور الدويلات الصغيرة بعد ذلك شرق إيران، كالصغاريين والسامانيين والغزنويين، ثم قامت الدولة البويهية في الجزء المتبقي لهم في إيران، ثم جاء المغول عام ٣٣٤ ه‍ وأنزل الستار على الدولة العباسية، وكان للدولة فرع يحكم رمزيا في مصر، قضى عليه سليم الأول من سلاطين آل عثمان، بعد استيلائه على مصر عام ٩٢٢ ه‍.

وعلى امتداد المسيرة كانت الأصابع اليهودية تعمل في الخفاء، كانت تثقب في الجدار بواسطة أبناء الأمة، وتحطم الأقفال بواسطة الحروب

(١) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ٢٣٠.
٦٩
الصليبية المتعددة الأشكال، حتى جاء اليوم الذي طبقت فيه اتفاقية سايكس بيكو على الشام، وفرض الانتداب الفرنسي على شمال هذه البلاد، وقسم إلى كيانين هما: سوريا، ولبنان، وفرض الانتداب البريطاني على جنوبها، وقسم إلى كيانين هما، الأردن، وفلسطين، وفي عام ١٩١٧ م صدر وعد بلفور، الذي يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وفي عام ١٩٦٧ م بسط اليهود أيديهم على ما حلموا به طيلة حياتهم، بسطوا أيديهم على الأرض الواسعة، التي يحيط بها غثاء من كل مكان.

لقد بدأ الطريق من عند البحث عن الدرهم والدينار، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر عن ربه جل وعلا، فقال: (كيف أنتم إذا لم تجبوا دينارا ولا درهما؟

قالوا: ولم ذاك؟ قال: تنتهك ذمة الله وذمة رسوله، فيشد الله قلوب أهل الذمة فيمنعون ما بأيديهم) (١)، وقال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: يا رسول الله، فمن قلة بنا يومئذ؟ قال:

لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم، لحبكم الدنيا وكراهيتكم الموت) (٢)، وقال صاحب عون المعبود: (أي يدعو بعضهم بعضا لمقاتلتكم وسلب ما ملكتموه من الديار والأموال، ولقد وصفهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغثاء السيل، لقلة شجاعتهم ودناءة قدرهم، وغثاء السيل: أي كالذي يحمله السيل من زبد ووسخ) (٣).

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن فتنة أمته في المال، وأن الدرهم والدينار سيهلكهم كما أهلك الذين من قبلهم، وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم موضع كل مال في الإسلام، وأمر الأمة بأن تتمسك بالكتاب والعترة، وأن تأخذ بأسباب الحياة التي تحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، فيأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، ولكن القافلة تركت الأمراء الصبيان يعبثون بكل شئ،

(١) رواه البخاري ومسلم وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ٣٦.

(٢) رواه أحمد بسند جيد، الفتح الرباني: ٢٤ / ٣٢، وأبو داود.

(٣) عون المعبود: ١١ / ٤٠٥.

٧٠
خوفا من الجوع والفقر، وفي نهاية المطاف وقف الحاضر أمام الماضي على رقعة واحدة، يدوي فيها صوت النبي الأعظم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، النبي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقول: (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم) (١).

(١) رواه مسلم، الصحيح: ١٨ / ٢٠، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٤ / ٣٧.
٧١

الفصل الثالث
فجر الضمير

٧٢
٧٣

أولا: الظلم والجور

الظلم هو: وضع الشئ في غير موضعه، وقال في لسان العرب: ومن أمثال العرب في الشبه: من استرعى الذئب فقد ظلم، وأصل الظلم الجور ومجاوزة الحد، ومنه حديث الوضوء: (فمن زاد أو نقص، فقد أساء وظلم)، أي أساء الأدب بتركه السنة والتأدب بأدب الشرع، وظلم نفسه بما نقصها من الثواب من ترداد المرات في الوضوء، وفي التنزيل: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن) (الأنعام: ٨٢)، قال ابن عباس: أي لم يخلطوا إيمانهم بشرك، والظلم: الميل عن القصد. والعرب تقول: إلزم هذا الصوب ولا تظلم عنه، أي لا تجر عنه، وقوله تعالى: (إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: ١٣)، يعني أن الله - تعالى - هو المحيي المميت، الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به غيره، فذلك أعظم الظلم، لأنه جعل النعمة لغير ربها (١).

وبينت الدعوة الخاتمة أن الافتراء على الله كذبا، والتكذيب بآياته أو الإعراض عنها، والصد عن سبيله - سبحانه - من أعظم الظلم، لأن الظلم يعظم بعظمة من يتعلق به، وإذا اختص بجنب الله كان أشد الظلم، وأخبر - سبحانه - في كتابه بأنه أهلك القرون الأولى لما ظلموا، ووعد - سبحانه - رسله بهلاك الظالمين، قال تعالى: (فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم) (إبراهيم: ١٣ - ١٤).

وبالنظر إلى المسيرة البشرية، تجد أن الظلم، في نهاية المطاف، تدثر بأكثر من دثار من حرير وزخرف، وأصبح له عقائد وثقافات وقوانين، تشرف عليها حكومات وهيئات وجمعيات، والخارج عن هذه العقائد والقوانين هو

(١) لسان العرب، مادة: ظلم، ص: ٢٧٥٧.
٧٤
في نظر هذه الدول والمؤسسات، خارج عن الحق، يستحق التأديب بواسطة الأساطيل أو السجون، أو بالتجويع تارة وبالتخويف تارة أخرى.

وبالنظر إلى مسيرة الشعوب في عصرنا هذا، نجد للوثنية أعلاما، وهذه الوثنية استترت وراء التقدم العلمي والاختراعات الحديثة، وقد يكون التقدم مفيدا في عالم المادة، ولكن إذا كان للدنيا عمل، فلا بد أن يستقيم هذا العمل مع الزاد الفطري، ولقد ذم القرآن الكريم الذين لا يذعنون بيوم الحساب، ويعملون للدنيا بسلوكهم الطريق الذي يغذي التمتع بالدنيا المادية فحسب، قال تعالى:

(ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون) (هود: ١٨ - ١٩)، فالآية فسرت من هم الظالمون، وبينت أنهم الذين يصدون عن الدين الحق ولا يتبعون ملة الفطرة، وبالآخرة هم كافرون، وهذه الوثنية لها جماعاتها ومؤسساتها وبنوكها التي تمول مخططاتها.

وبالنظر إلى مسيرة بني إسرائيل، نجد أنها أنتجت في عصرنا الحاضر عنكبوتا ضخما تختفي وراء خيوطه العديد من مؤسسات الظلم والجور، التي تعمل على امتداد التاريخ من أجل تغذية الأمل، الذي حلم به بنو إسرائيل ليلا طويلا، وهو مملكة داود، وعاء العهد الابراهيمي، وراء هذه الخيوط تختفي جمعيات مسيحية تعمل من أجل ذات الهدف، نظرا لأن المسيحية الحاضرة خرجت من تحت عباءة بولس، الذي ادعى أنه أوحي إليه، وهو لم ير المسيح، ولم يكن من تلاميذه، ولقد وضعه القرآن وأمثاله تحت سقف الظلم، في قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) (الأنعام: ٩٣)، وهذه الجمعيات التي تعمل ظاهرة أو من وراء ستار، لها مؤسساتها وبنوكها وأساطيلها التي تمول وتحمي مخططاتها وأهدافها.

وبالنظر إلى المسيرة الخاتمة، نجد أن الظالمين فيها قد أخذوا بذيول الذين من قبلهم واتبعوهم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، ومن اتبع أحدا يصل معه إلى حيث يصل، وما الله بظلام للعبيد.

٧٥
وفي ما يلي سنلقي ضوءا على جذور بعض الحركات وفروعها، التي عليها بصمة الظلم والجور، لتظهر جذورها الفكرية والعقائدية، ومواقع انتشارها ونفوذها، ويرى الحاضر كيف يتقدم الظالم إلى الخلف من أجل تنفيذ أهداف ما أنزل الله بها من سلطان.

١ - مسيرات وثنية

أ - البوذية

أسسها سدهار تاجوتاما الملقب ببوذا (٥٦٠ - ٤٨٠ ق. م)، ونشأ بوذا في بلدة على حدود نيبال، ويعتقد البوذيون أن بوذا هو ابن الله، وهو المخلص للبشرية من مآسيها وآلامها، وأنه يتحمل عنهم جميع خطاياهم، ويعتقدون أن تجسد بوذا كان بواسطة حلول روح القدس على العذراء مايا، ويعتقدون أن بوذا سيدخلهم الجنة، وأنه صعد إلى السماء بجسده بعد أن أكمل مهمته على الأرض، ويؤمنون برجعة بوذا ثانية إلى الأرض ليعيد السلام والبركة إليها، ويعتقدون أنه ترك فرائض ملزمة للبشر إلى يوم القيامة، والصلاة عندهم تؤدي إلى اجتماعات يحضرها عدد كبير من الأتباع، والديانة البوذية منتشرة بين عدد كبير من الشعوب الآسيوية، وهي مذهبان كبيران المذهب الشمالي، وقد غالى أهله في بوذا حتى ألهوه، والمذهب الجنوبي، وهؤلاء معتقداتهم أقل غلوا في بوذا، وكتبهم منسوبة إلى بوذا أو حكايات لأفعاله سجلها بعض أتباعه (١).

ب - الهندوسية

الهندوسية: ديانة وثنية يعتنقها معظم أهل الهند، لا يوجد لها مؤسس معين، ولا يعرف لمعظم كتبها مؤلفون معينون، فقد تم تشكيل الديانة، وكذلك الكتب، عبر مراحل طويلة من الزمن، وقيل: إن الآريين الغزاة الذين

(١) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ١١٠.
٧٦
الطريق إلى المهدي المنتظر لـ سعيد أيوب (ص ٧٧ - ص ٩٧)
٧٧
ومؤسس السيخية الأول ناناك، ولد سنة ١٤٦٩ م في قرية بالقرب من لاهور، وكان محبا للإسلام من ناحية، مشدودا إلى تربيته وجذوره الهندوسية من ناحية أخرى، مما دفعه لأن يعمل على التقريب بين الديانتين، ويقال إن ناناك لم يكن الأول في مذهبه السيخي هذا، وإنما سبقه إليه شخص آخر اسمه كبير (١٤٤٠ - ١٥١٨ م)، درس الدين الإسلامي والهندوكي، وكان حلقة اتصال بين الدينين، وكان كبير يتساهل في قبول كثير من العقائد الهندوكية ويضمها إلى الإسلام شريطة بقاء التوحيد، لكنه لم يفلح إذ انقرض مذهبه بموته مخلفا مجموعة أشعار تظهر تمازج العقيدتين المختلفتين الهندوسية والاسلامية، مرتبطتين برباط صوفي يجمع بينهما.

وللسيخ بلد مقدس يعقدون فيه اجتماعاتهم المهمة، وهو مدينة أمرتيسار من أعمال البنجاب، وقد دخلت عند التقسيم في أرض الهند، وأكثرية السيخ تقطن البنجاب، إذ يعيش فيها ٨٥ % منهم، ولهم لجنة تجتمع كل عام منذ سنة ١٩٠٨ م، تنشئ المدارس، وتعمل على إنشاء كراسي في الجامعات لتدريس ديانة السيخ ونشر تاريخها، ويقدر عدد السيخ حاليا بحوالي ١٥ مليون نسمة داخل الهند وخارجها (١).

د - الكونفوشيوسية

الكونفوشيوسية: ديانة أهل الصين، يعتبر الكونفوشيوس (٥٥١ ق. م) المؤسس الحقيقي لهذه العقيدة، ويعتقدون بالإله الأعظم، أو إله السماء، ويتوجهون إليه بالعبادة، وتقديم القرابين إليه مخصوصة بالملك أو بأمراء المقاطعات، ويعتقدون أن للأرض إليها، يعبده عامة الصينيين، ويعتقدون أن لكل من الشمس والقمر والكواكب والسحاب والجبال إلها، وعبادتها وتقديم القرابين إليها مخصوصة بالأمراء، كما أنهم يقدسون الملائكة

(١) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٢٨٩.
٧٨
ويقدمون إليها القرابين، ويقدسون أرواح أجدادهم الأقدمين، ويعتقدون ببقاء الأرواح، والقرابين عبارة عن موائد يدخلون بها السرور على تلك الأرواح بأنواع الموسيقى، ويوجد في كل بيت معبد لأرواح الأموات ولآلهة المنزل، وتنتشر الكونفوشية في الصين، وزالت هذه الديانة عام ١٩٤٩ م عن المسرحين السياسي والديني، لكنها ما تزال كامنة في روح الشعب الصيني، لأمر الذي يؤدي إلى تغيير ملامح الشيوعية الماركسية في الصين، وما تزال الكونفوشية ماثلة في النظم الاجتماعية في فرموزا (الصين الوطنية)، وانتشرت - كذلك - في كوريا واليابان، وهي من الأسس الرئيسية التي تشكل الأخلاق في معظم دول شرقي آسيا وجنوبها الشرقي في العصرين الوسيط والحديث (١).

٢ - مسيرات عنكبوتية

خلفت المسيرة الإسرائيلية من ورائها، أبشع بيوت الظلم والجور، وهذه البيوت خرج منها الوقود الذي أشعل معظم الصراعات التي دارت على امتداد عصرنا الحديث وغذاها، ونذكر من هذه البيوت:

أ - الماسونية

والماسونية لغة معناها: البناؤون الأحرار، وهي في الاصطلاح: منظمة يهودية سرية إرهابية غامضة، محكمة التنظيم، يهدف إلى ضمان سيطرة اليهود على العالم، وتدعوا إلى الإلحاد والإباحية والفساد، جل أعضائها من الشخصيات المرموقة في العالم، يوثقهم عهد بحفظ الأسرار، ويقومون بما يسمى بالمحافل للتجمع والتخطيط والتكليف بالمهام (٢).

واختلف في تاريخ ظهور الماسونية لتكتيمها الشديد، والراجح أنها ظهرت سنة ٤٣ م، وسميت (القوة الخفية)، وهدفها التنكيل بالنصارى

(١) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٤٢٥.

(٢) المصدر نفسه، ص: ٤٤٩.

٧٩
واغتيالهم وتشريدهم، ومنع دين المسيح من الانتشار (١)، وكانت تسمى في عهد التأسيس القوة الخفية، ومنذ بضعة قرون تسمت بالماسونية، لتتخذ من نقابة البنائين الأحرار لافتة تعمل من خلالها، وأهم أفكارهم ومعتقداتهم:

أنهم يكفرون بالله ورسله وكتبه وبكل الغيبيات، ويعملون على تقويص الأديان، وإسقاط الحكومات الشرعية، وإلغاء أنظمة الحكم الوطنية في البلاد المختلفة، والسيطرة عليها، وإباحة الجنس، واستعمال المرأة كوسيلة للسيطرة، والعمل على تقسيم غير اليهود إلى أمم متنابذة تتصارع بشكل دائم، وبث سموم النزاع داخل البلد الواحد، وإحياء روح الأقليات الطائفية والعنصرية، والعمل على السيطرة على رؤساء الدول لضمان تنفيذ أهدافهم التدميرية، والسيطرة على الشخصيات البارزة في مختلف الاختصاصات لتكون أعمالهم متكاملة، والسيطرة على أجهزة الدعاية والصحافة والنشر والإعلام، واستخدامها كسلاح فتاك شديد الفاعلية، والسيطرة على المنظمات الدولية، كمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمات الأرصاد الدولية، ومنظمات الطلبة والشباب والشابات في العالم.

والماسونية لها محافل في كل العالم تقريبا، وبيدها أكثر موارد الاقتصاد ووسائل الانتاج في العالم، ولهم عصابات إرهابية لتنفيذ العمليات الإجرامية للتخلص من كل من يقف في طريقهم عن قصد أو عن غير قصد (٢)، ويتبع الماسونية مجموعة نواد ذات طابع خيري اجتماعي في الظاهر، لكنها لا تعدو أن تكون واحدة من المنظمات العالمية التابعة للماسونية التي تديرها أصابع يهودية، بغية إفساد العالم والسيطرة عليه، ومن هذه النوادي الليونز، وله نواد في أمريكا وأوروبا وكثير من بلدان العالم،

(١) أنظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة، والندوة العالمية للشباب، ط. الرياض، ص: ٤٥١.

(٢) المصدر نفسه، ص: ٤٥٢.

٨٠