×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أجوبة مسائل جار الله / الصفحات: ١ - ٢٠

الصفحات: ١ - ٤ فارغة
كتاب أجوبة مسائل جار الله لسماحة الامام شرف الدين الموسوي (ص ١ - ص ٤٠)
[image] - مركز الأبحاث العقائدية

(الخطبة)

وكفى بها جوابا عن مسائل موسى جارالله، ورداً
على كل مشاغب
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله على هدايته لدينه، والتوفيق لما دعا إليه من سبيله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلّم عبده ورسوله جاء بالحق من عنده وصدّق المرسلين.

وبعد فقد وردت عليّ مسائل موسى جارالله كما رُفعتْ إلى غيري من علماء الإمامية بواسطة جمعية الرابطة العلمية الأدبية النجفية أعزها الله تعالى مؤرخة في ٢١ ذي القعدة سنة ١٣٥٣ ووردت عليّ من طريق آخر أيضاً. فما وقفت عليها حتى أوجست من مغازيها خيفة على الوحدة الإسلامية أن تنفصم عروتها، وتتفرق جماعتها، إذ وجدتُ فيها من نبش الدفائن وإثارة الضغائن ما يشق عصا المسلمين ويمزقهم تمزيقاً،

٥
والدور عصيب، والظروف حرجة، لا تسع النقض والإبرام ولا المشادَّة والمنافثة، فضلاً عن هذه المحاربة، التي ليس بعدها مصاحبة. وكان الواجب ترك هذه الغارات، ولا سيما بعد أن تركتنا فرائس الحشرات، فحتى مَ هذا الارجاف؟ وفيم هذا الاجحاف؟ أليس الله عز وجل وحده لا شريك له ربنا جميعاً؟ والاسلام ديننا؟ والقرآن الحكيم كتابنا؟ وسيد النبيين وخاتم المرسلين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلّم نبينا؟ وقوله وفعله وتقريره سنتنا؟ والكعبة مطافنا وقبلتنا؟ والصلوات الخمس، وصيام الشهر، والزكاة الواجبة، وحج البيت فرائضنا؟ والحلال ما أحله الله ورسوله والحرام ما حرماه، والحق ما حقّقاه، والباطل ما أبطلاه، وأولياء الله ورسوله أولياؤنا وأعداء الله ورسوله أعداؤنا، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (ليجزي الذين أساؤوا بما علموا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى) أليس الشيعيون والسنيون شرعاً في هذا كله سواءاً؟ (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)
٦

والنزاع بينهما في جميع المسائل الخلافية صغروي في الحقيقة ولا نزاع بينهما في الكبرى عند أهل النظر أبداً، الا تراهما إذا تنازعا في وجوب شيء أو حرمته، أو في استحبابه أو في كراهته أو في اباحته، أو تنازعا في صحته وبطلانه، أو في جزئيته أو في شرطيته أو في مانعيته، أو في غير ذلك، كما لو تنازعا في عدالة شخص أو فسقه أو إيمانه أو نفاقه أو وجوب موالاته أو وجوب معاداته، فإنما يتنازعان في ثبوت ذلك بالأدلة الشرعية، وعدم ثبوته فيذهب كل منهما إلى ما تقتضيه الادلة الاسلامية، ولو علموا بأجمعهم ثبوت الشيء في دين الاسلام، أو علموا جميعاً عدم ثبوته في الدين الاسلامي، أو شك الجميع في ذلك لم يتنازعوا ولم يختلف فيه منهم شخصان(١) وقد أخرج البخاري في صحيحه(٢) عن كل من أبي سلمة

(١) بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين وسلام على عباده الذين اصطفى، هذا الكلام بمجرده كاف للرد على موسى جارالله وامثاله ممن يبتغي السوء بالمؤمنين ويريد أن يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم كما لا يخفى

(٢) راجع باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ وهو في أواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة قبل كتاب التوحيد بأقل من ورقتين تجد الحديث ص ١٧٧ من الجزء الرابع من الصحيح.

٧

وأبي هريرة وعمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر، اهـ.

ولذا قال العلامة الشيخ جمال الدين القاسمي الدمشقي المعاصر في رسالته ـ الجرح والتعديل ـ بعد ذكر الشيعة واحتجاج مسلم بهم في صحيحه ما هذا لفظه: لأن مجتهدي كل فرقة من فرق الاسلام مأجورون أصابوا أم أخطأوا بنص الحديث النبوي ا هـ.

وقال الشيخ رشيد رضا ـ في ص٤٤ من المجلد ١٧ من مناره ـ: إن من أعظم ما بليت به الفرق الاسلامية رمي بعضها بعضهم بالفسق والكفر مع أن قصد كل الوصول إلى الحق بما بذلوا جهدهم لتأييده واعتقاده والدعوة اليه، فالمجتهد وإن أخطأ معذور ـ وقد اطال في اثبات ذلك حتى بلغ ص ٥٠ ـ وقال ابن حزم حيث تلكم فيمن يكفر ولا يكفر في ص٢٤٧ من الجزء الثالث من كتابه ـ الفِصَل في الملل والنحل ـ ما هذا نصه: وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاده أو فُتياً وان كل من اجتهد

٨
في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال ان أصاب فأجران وإن أخطأ فأجر واحد (قال): هذا قول ابن أبي ليلى وابي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي وهو قول كل من عرفنا له قولا في هذه المسألة من الصحابة لا نعلم منهم خلافاً في ذلك أصلا إلى آخر كلامه. والذين صرّحوا بهذا ونحوه من أعلام الامة كثيرون فلاوجه إذن لهذا المشاغبات والله عز وجل يقول: (إنما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: ذمة المسلمين واحدة يسعى بها ادناهم. وهم يد على سواهم، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين.

كنت أرى أن الاقتصار على هذا المقدار في جواب مسائل موسى جارالله أولى من الاستقصاء في ردها، والامعان في مناقشته عليها، فإن هذا أقرب إلى السلام، وأبقى للوئام ولكنني رأيته يلح في تفصيل الجواب، حتى طرق في ذلك كل باب(١) فلم يبق بُدّ من إجابته، ولاسيما بعد أن كلفني

(١) اذ رفع مسائله هذه إلى علمائنا الأعلام في إيران، وفي البصرة ثم رفعها إلى اعلام المجتهدين في الكاظمية المقدسة، ثم إلى شيوخ الاسلام في النجف الاشرف ثم الينا بواسطة الرابطة العلمية الأدبية النجفية كما بينا وكلف الجميع بالجواب.
٩
بها من لا تسعني مخالفتهم من الأجلاء وأفاضل العلماء، وقد رأيت أن أضرب صفحاً عن كلماته الجارحة، ولا اناقشه بشيء من مجازفاته الفاضحة، وما أولانا بالاعراض عن نحو قوله: إن جميع كتب الشيعة اجمعت على امور لا تحتملها الامة واتفقت على أشياء كثيرة لا ترتضيها الائمة، وقوله إنها جازفت في مسائل منكرة مستبعدة ما كان ينبغي وجودها في كتب الشيعة، إلى آخر ما جازف به من الأقاويل، التي لا يمكن أن يقوم عليها دليل، ونحن لا نأبه بما لا دليل عليه، وما أشد تهافته في الغرور إذ يقول: أما الامور التي أعُدّها منكرة لا تحتملها الامة، ولا ترتضيها الأئمة فهي مسائل عديدة، ثم استرسل في غروره فجاء بعشرين مسألة رغب في الجواب عنها فبلغ الغاية في ذلك، وأنا أذكرها في هذه العجالة مع ما لدي من الجواب عنها مسألة مسألة، ومن الله استمد الهداية إلى الصواب، واياه أرجو حسن المآب، واليه ارغب أن يكون عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وان يهديني فيه الصراط المستقيم صراط
١٠
الذين انعم الله عليهم (غير المغضوب عليهم ولا الظالين) .

(المسألة الاولى)

قال: كتُبٌُ الشيعة تكفِر عامة الصحابة كافة إلى آخر هذيانه في عدوانه.

فأقول: نعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ومن كل معتد أثيم، ونبرأ اليه تعالى من تكفير المؤمنين؛ والسلف الصالح من المسلمين. لعل رأى في كتب الشيعة سنناً لم يفقهها، وحديثاً متشابهاً لم يعرف مرماه؛ فاضطره الجهل إلى هذا الارجاف وما أظن الذي رآه في جميع كتب الشيعة من تلك السنن إلا دون ما هو في صحيح البخاري وحده منها، فلِمَ يصم أهلُ السنة كتب الشيعة بهذا دون الصحاح الستة وغيرها؟ ولِمَ لم يتعذروا عن كتبنا بما اعتذروا به عن كتبهم؟ فإن الاشكال واحد، والجواب هو الجواب. واليك ما أخرجه البخاري في باب الحوض وهو آخر كتاب الرقاق ص ٩٤ من الجزء الرابع من صحيحه بالاسناد إلى أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال: بينا انا قائم فإذا زمرة حتى إذا

١١
عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم(١) قلت: اين؟ قال: إلى النار والله، قلت وما شأنهم، قال: انهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، قال: هلم، قلت: اين؟ قال: إلى النار والله، قلت: وما شأنهم؟ قال انهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقرى؛ فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم(٢) واخرج في آخر الباب المذكور عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: أني على الحوض حتى أنظر من يرد عليّ منكم، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: يا رب مني ومن أمتي؟ فيقال: هل شعرت ما عملوا بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم، فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهم أنا نعوذبك أن نرجع على اعقابنا أو نفتن عن ديننا.

وأخرج في الباب المذكور ايضاً عن ابن المسيب انه كان

(١) هلم في لغة اهل الحجاز يستوي فيها المفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنت نقول هلم يازيد وهلم يازيدان وهلم يازيدون وهلم ياهند وهلم ياهندات فهي اسم فاعل وفاعله ضمير مستتر تقديره في هذا الحديث انتم لأن المخاطبين بها إنما هم الزمرة.

(٢) قال السندي في تعليقته على صحيح البخاري همل النعم بفتح الهاء والميم الابل بلا راع اي لا يخلص منهم من النار إلا قليل

١٢
يحدث عن اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أن النبي قال: يرد علي الحوض رجال من أصحابي فيحلاءون عنه فأقول: يا رب اصحابي، فيقول: انك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى.

وأخرج في الباب المذكور عن سهل بن سعد، قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: إني فرطكم على الحوض، من مر علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردن عليّ اقوام اعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن ابي عياش، فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم فقال: اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها، فأقول: انهم مني، فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فأقول: سحقاً سحقاً لمن غير بعدي(١) .

واخرج في الباب المذكور ايضاً عن أبي هريرة أنه كان يحدث ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلاءون على الحوض، فأقول: يا رب

(١) قال القسطلاني في شرح هذه الكلمة من ارشاد الساري ما هذا لفظه: لمن غير اي دينه لانه لا يقول في العصاة بغير الكفر سحقاً سحقاً بل يشفع لهم ويهتم بأمرهم كما لايخفي.
١٣
اصحابي، فيقول: انك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى.

واخرج في أول الباب المذكور عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال: أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن رجال منكم ثم ليختلجُن دوني، فأقول: يا رب أصحابي فيقال: انك لا تدري ما أحدثوا بعدك، قال البخاري: تابعه عاصم عن ابي وائل وقال حصين: عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم)

واخرج أيضاً في باب غزوة الحديبية ص ٣٠ من الجزء الثالث من صحيحه عن العلاء بن المسيب عن أبيه، قال: لقيت البراء بن عازب، فقلت له: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وبايعته تحت الشجرة، فقال: ياابن اخي انك لا تدري ما أحدثنا بعده.

واخرج ايضاً في اول باب قوله تعالى (واتخذ الله ابراهيم خليلا) من كتاب بدء الخلق ص١٥٤ من جزئه الثاني، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم قال من حديث: وان اناساً من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابي أصحابي فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم الحديث.

١٤

هذا بعض ما وجدناه في صحيح البخاري. اما ماهو من هذا القبيل في بقية الصحاح وسائر السنن فكثير وكثير جدا، ومن تتبعه وجده لا يقل عما هو في حديث الشيعة، وحسبك ما أخرجه الامام احمد من حديث ابي الطفيل في آخر الجزء الخامس من مسنده فليراجعه كل مناصب للشيعة، وليت موسى جارالله تدبر القرآن العظيم ليعلم ان كتب الشيعة التي انتقدها إنما تستقي من سائغ فراته، ولا تستضيء إلا بمصباح مشكاته (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا) (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) نعوذ بالله من الجهل والغرور.

(فصل)
(رأي الشيعة في الصحابة اوسط الآراء)

إن من وقف على رأينا في الصحابة علم انه اوسط الآراء إذ لم نفرط فيه تفريط الغلاة الذين كفروهم جميعاً، ولا افرطنا افراط الجمهور الذين وثقوهم اجمعين، فإن الكاملية ومن كان

١٥
في الغلو على شاكلتهم، قالوا: بكفر الصحابة كافة، وقال أهل السنة: بعدالة كل فرد سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلّم أورآه من المسلمين مطلقاً، واحتجوا بحديث كل من دب أو درج منهم اجمعين اكتعين ابصعين، أما نحن فإن الصحبة بمجردها وان كانت عندنا فضيلة جليلة؛ لكنها ـ بما هي ومن حيث هي ـ غير عاصمة، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول، وهم عظماؤهم وعلماؤهم، وأولياء هؤلاء وفيهم البغاة؛ وفيهم أهل الجرائم من المنافقين، وفيهم مجهول الحال، فنحن نحتج بعدولهم ونتولاهم في الدنيا والآخرة، اما البغاة على الوصي، وأخي النبي، وسائر أهل الجرائم والعظائم كابن هند، وابن النابغة، وابن الزرقاء(١) وابن عقبة، وابن ارطاة، وامثالهم فلا كرامة لهم، ولا وزن لحديثهم، ومجهول الحال نتوقف فيه حتى نتبين أمره، هذا رأينا في حملة الحديث من

(١) هي الزرقاء بنت موهب مروان بن الحكم لأبيه وكانت من ذوات الرايات التي يستدل بها على ثبوت البغاء فلذا كان الحكم وبنوه يذمون بها نص على هذا كله ابن الاثير حيث ذكر صفة مروان ونسبه واخباره في حوادث سنة ٦٥ للهجرة ص ٥٧ من الجزء الرابع من تاريخه الكامل ـ وصرح به غير واحد من أهل الأخبار.
١٦
الصحابة وغيرهم، والكتاب والسنة بينتنا على هذا الرأي؛ كما هو مفصل في مظانه من اصول الفقه، لكن الجمهور بالغوا في تقديس كل من يسمونه صحابياً حتى خرجوا عن الاعتدال فاحتجوا بالغث منهم والسمين واقتدوا بكل مسلم سمع النبي أو رآه صلى الله عليه وآله وسلّم اقتداء اعمى، وانكروا على من يخلفهم في هذا الغلو، وخرجوا في الانكار على كل حد من الحدود، وما أشد انكارهم علينا حين يروننا نرد حديث كثير من الصحابة مصرحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال، عملا بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينية، والبحث عن الصحيح من الآثار النبوية، وبهذا ظنوا بنا الظنونا، فاتهمونا بما اتهموتا، رجما بالغيب؛ وتهافتا على الجهل، ولو ثابت اليهم احلامهم، ورجعوا إلى قواعد العلم، لعلموا ان اصالة العدالة في الصحابة مما لا دليل عليه، ولو تدبروا القرآن الحكيم لوجدوه مشحونا بذكر المنافقين منهم، وحسبك من سُوَره، التوبة، والاحزاب، وإذا جاءك المنافقون، ويكفيك من آياته المحكمة (الاعراب اشد كفراً ونفاقا وأجدر ان لا يعلموا حدود ما أنزل الله على
١٧
رسوله) (ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم(١) نحن نعلمهم) (لقد ابتغو الفتنة من قبل وقلبوا لك الامور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون) (وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) فليتني أدري أين ذهب المنافقون بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقد كانوا جرعوه الغصص مدة حياة، حتى دحرجوا الدباب(٢)

(١) من يتدبر هذه الآية وغيرها من امثالها يحصل له العلم الاجمالي بوجود المنافقين في غير معلومي الايمان. وحيث ان الشبهة محصورة كان الاجتناب من حديث الجميع واجبا حتى يثبت الايمان والعدالة، ونحن في غنى عن اطراف هذه الشبهة المحصورة بحديث معلومي العدالة من الصحابة وهم عظماؤهم وعلماؤهم وأهل الذكر الذين امر الله بسؤالهم والصادقون الذين امر الله سبحانه بأن نكون معهم على ان في حديث الأئمة من اهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومهبط الوحي والتنزيل كفاية واي كفاية فهم اعدال الكتاب وبهم يعرف الصواب.

(٢) كان قوم من الصحابة دحرجوا الدباب ليلة العقبة لينفروا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ناقته فيطرحوه وكان صلى الله عليه وآله وسلّم إذ ذاك راجعا من وقعة تبوك التي استخلف فيها عليا، وحديث احمد بن حنبل في آخر الجزء الخامس من مسنده عن ابي الطفيل في هذه الطامة طويل وفي آخره ان رهطا من الصحابة لعنهم رسول الله يومئذ وهذا الحديث مشهور مستفيض بين المسلمين كافة.

١٨

وصدوه عن الكتاب، وقد تعلمون أنه صلى الله عليه وآله وسلّم خرج إلى أحد بألف من أصحابه فرجع منهم قبل الوصول ثلاث مئة من المنافقين(١) وربما بقي معه منافقون لم يرجعوا خوف الشهرة أو رغبة بالدفاع عن أحساب قومهم، ولو لم كن في الألف إلا ثلاث مئة منافق، لكفى دليلا على أن النفاق كان زمن الوحي فاشياً، فكيف ينقطع بمجرد انقطاع الوحي ولحوق النبي صلى الله عليه وآله وسلّم بالرفيق الاعلى؟ فهل كانت حياته سبباً في نفاق المنافقين؟ او موته سبباً في إيمانهم وعدالتهم وصيرورتهم أفضل الخلق بعد الانبياء وكيف انقلبت حقائقهم بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلّم فأصبحوا ـ بعد ذلك النفاق ـ بمثابة من الفضل لا يقدح فيها شيء مما ارتكبوه من الجرائم والعظائم، وما المقتضي للالتزام بهذه المكابرات؟ التي تنفر منها الاسماع والأبصار والأفئدة؟ وما الدليل على هذه الدعاوى من كتاب أو سنة أو اجماع أو قياس؟ وما ضرنا لو صدعنا بحقيقة اولئك المنافقين، فإن الامة في غنى عنم بالمؤمنين المستقيمين من الصحابة، وهم أهل السوابق والمناقب، وفيهم الأكثرية

(١) نص على هذا كل من ارخ غزوة احد من اهل السير والأخبار فراجع.
١٩
الصفحة: ٢٠ فارغة