×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أجوبة مسائل جار الله / الصفحات: ٢١ - ٤٠

الصفحة: ٢١ فارغة
الساحقة، ولا سيما علماؤهم وعظماؤهم حملة الآثار النبوية، وسدنة الأحكام الالهية (وأولئك لهم الخيرات وألئك هم المفلحون أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم) وهم في غنى عن مدحة المادحين بمدحة الله تعالى، وثنائه عليهم في الذكر الحكيم، وحسبهم تأييد الدين، ونشر الدعوة إلى الحق المبين.

على أنا نتولى من الصحابة كل من اضطر إلى الحياد ـ في ظاهر الحال ـ عن الوصي؛ أو النجأ إلى مسايرة أهل السلطة بقصد الاحتياط على الدين، والاحتفاظ بشوكة المسلمين، وهم السواد الاعظم من الصحابة رضي الله عنهم اجمعين فإن مودة هؤلاء لازمة والدعاء لهم فريضة (ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنو ربنا انك رؤوف رحيم) .

(المسألة الثانية)

قال: وللشيعة في تكفير الاول والثاني صراحة شديدة ومجازفات طاغية، إلى آخر ارجافه.

(المسألة الثالثة)

زعم أن لهم في لعنهما عبارات ثقيلة شنيعة، إلى آخر عدوانه.

فأقول: ليس هذا الرجل أول من رمى الشيعة بهاتين المسألتين، ولا نحن أول من ناقش في ذلك، وقد أكل الدهر على هذه الامور وشرب، فالتحريش بمثل هذه المسائل ليس إلا إيقاظاً للفتنة الراقده، وإيقاداً للحرب الخامدة، (وتفريقاً بين المؤمنين، وارصاداً لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفنَ إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد انهم لكاذبون) وأي فائدة للأمة في هذا البوق يجأر فيه المرجف بأنكر الاصوات؟ وأي عائدة من هذا الطنبور ونغمه المزعج، وقد تقطعت أوتاره بتقادم عهده؟ وطول ما وقعت عليه اجيال المرجفين، وقد كان لبني أبي سفيان وبني مروان وأوليائهم قدم في هذه الدعاية وهم أهل السطوة، وأهل الحول والقوة، وأهل الطول والثروة، وأهل المكر والنكرة، وأهل الخداع والحيلة، وقد سخروا كل ما ليدهم في تعريض هذه المسائل وتطويلها (فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) والشيعة كانوا حيال ذلك كالجبل الأشم لا يحفل بالعواصف، ولا يأبه بالقواصف، هذا والعصر مظلم، والحياة مهددة، أما اليوم فنور وحرية يأبيان ذلك كل الاباء، وما على الشيعة لو جابهت النواصب بالحقيقة الناصعة، وأدلتها القاطعة، ولعل النواصب يضطروننا إلى هذا.

رأيت الحلم دل علي قومي * وقد يُجهل الرجل الحليم

أستغفر الله، إن المسلمين إلى المسالمة أحوج منهم إلى الملاكمة، وما أغنانا عن استعراض مثل هذه المسائل المثيرة عونا في المعارك الفكرية التي لا تحمد عقباها، وقد اعذر من أنذر.

على أن هاتين المسألتين ـ مسألتي التكفير واللعن ـ مما لا وزن له عند أهل السنة لو رجعوا إلى اصول مذهبهم الاشعري، لأن الايمان عندهم عقد بالقلب لا ينافيه شيء مما يلفظه اللسان، حتى شتم الله تعالى ورسوله، كما نص عليه ابن حزم في ص٢٠٤ من الجزء ٤ من كتابه الفِصَل حيث نسب إلى إمام أهل السنة ابي الحسن بن اسماعيل الاشعري واصحابه القول: بأن الايمان عقد بالقلب، وإن أعلن الفكر

٢٢
بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الاسلام، وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الاسلام، ومات على ذلك فهو مؤمن كامل الايمان عند الله ولي لله من أهل الجنة، هذا كلامه بعين لفظه، وقال في اول ص٢٠٦ من الجزء ٤ من فِصَله ايضاً: وأما الأشعرية فقالوا: إن شتم من أظهر(١) الاسلام لله تعالى ولرسوله بأفحش ما يكون من الشتم وإعلان التكذيب بهما باللسان بلا تقية ولا حكاية، والاقرار بأنه يدين بذلك ليس شيء من ذلك كفراً، انتهى بعين لفظه.

نقل في الصفحة نفسها عن الأشاعرة القول بأن من عرف الحق من اليهود والنصارى المعاصرين لرسول الله فأعتقد بأنه رسول الله حقا، ثم كتم ذلك وتمادى في الجحود، واعلان الكفر، فحارب النبي في خيبر وغيرها فهو مؤمن عند الله، ولي لله تعالى من أهل الجنة(٢) .

(١) اظن الصواب في هذه العبارة ان يقال: ان شتم من ابطن الاسلام كمالا يخفي ولعل الغلط من الناسخ

(٢) كان احمد بن زاهر السرخسي وهو اجل اصحاب الامام الاشعري يقول ـ فيما نقله الشعراني عنه في اواخر المبحث ٥٨ من يواقيته ـ: لما حضرت الشيخ ابا الحسن الاشعري الوفاة بداري في بغداد امرني بجمع اصحابه فجمعتهم له فقال: اشهدوا علي اني لا اكفر احدا من اهل القبلة بذنب لأني رأيتهم كلهم يشيرون الي معبود واحد، والاسلام يشملهم ويعمهم، هذا كلام امام السنيين وكفى به دحضا لا رجاف المرجفين.

٢٣

قلت: ما عسى بعد هذا أن يقول المرجف بالشيعة مع علمه بما انعقدت عليه قلوبهم واعتقدته ضمائرهم، ولهجت به السنتهم ونبضت به شرايينهم، فخالط دمهم ومخهم، ونبت عليه لحمهم، واشتد عظمهم ودانت به جوارحهم من الايمان بالله وحده، والتصديق بما جاءت به رسله، وهبطت به ملائكته ونزلت به كتبه، ولو فرض أن في الشيعة جماعة يُكفرون أو يلعنون الذين ذكرهم هذا المرجف فإنهم انما نزلوا في ذلك علي حكم الادلة الشرعية، وهبها شبهاً لكنها توجب العذر لمن غلبت عليه، لأنها لا تعدو الكتاب والسنة، وقد أو جبت لهم القطع الجازم لما صاروا اليه، فهم معذورون ومأجورون بحكم ما سمعته(١) من النص والفتوى، وقد قال ابن حزم ـ في ص ٢٢٧ من الجزء الثالث من الفصل ـ ما هذه لفظه: وأما من سب أحداً من الصحابة فان كان جاهلا فمعذور، وإن

(١) في خطبة هذه الرسالة فراجع منها الصفحة ٨ والتي بعدها
٢٤

قامت عليه الحجة فتمادى غير معاند فهو فاسق كمن زنى أو سرق، وإن عاند الله في ذلك ورسوله فهو كافر (قال): وقد قال عمر بحضرة النبي عن حاطب، وحاطب مهاجري بدري: دعني اضرب عنق هذا المنافق. فما كان بتكفيره حاطباً كافراً، بل كان مخطئاً متأولا.

قلت: هذا رأي من لا تزدهفه العاطفة، ولا يستخفه في هذه المسألة غضب، من كل عالم معتدل لا يؤثر على اتباع الأدلة شيئاً، وابن حزم لم يكن من هؤلاء المنصفين، لكن الله عز وجل غالب على أَمره، والحق ينطق منصفاً وعنيداً. إن أدلة العقل والنقل، وشواهد الطبع والوضع لتثبت معذرة المتأولين في هاتين المسألتين وامثالهما كما فصلناه في فصولنا المهمة(١) .

(١) راجع منها الفصل ٢ المعقود لبيان معني الاسلام والايمان، والفصل ٣ المختص باحترام أهل القبلة، والفصل ٥ المختص بنجاتهم، والفصل ٦ المنعقد لبيان فتاوى علماء أهل السنة بايمان أهل القبلة كافة واحترامهم ونجاتهم جميعاً والفصل ٧ المختص ببشائر السنة والشيعة، والفصل ٨ المختص بمعذرة المتأولين والفصل ٩ المشتمل على الفتوى بكفر الشيعة وتفصيل ما استدل به المفتي بذلك والرد عليه بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة فحقيق بكل بحاثة أن يقف علي تلك الفصول.
٢٥

وهو الذي صرح مجتهدو الامة(١) . وقد كان الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتنازعون ويتشاتمون فلم يؤثر عنه في حقهم شيء سوى الصلح بينهم. وقد تشاتموا مرة امامه وتضاربوا بالجرائد والأيدي والنعال(٢) فأصلح صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، وتقاتل الاوس والخزرج على عهده صلى الله عليه وآله وسلم واخذوا السلاح واصطفوا للقتال(٣) فلم يروَ عنه صلى الله عليه وآله وسلم إلا اصلاح ذات البينهم. وتشاتم عمار بن ياسر وخالد بن الوليد بين يديه صلى الله عليه وأله وسلم فأغلظ عمار لخالد فغضب خالد وقال: يا رسول الله اتدع هذا العبد يشتمني؟ فو الله لولا أنت ما شتمني، فقال رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم: يا خالد كف عن عمار، فإنه من يسب

(١) كما بيناه في الدليل الخامس من الأدلة علي عدم كفر المتأولين في السب والتكفير ص١٤٨ من الطبعة الثانية من فصولنا المهمة في تأليف الأمة.

(٢) هذا ثابت في الصحيحين فراجعه في أوائل كتاب الصلح من صحيح البخاري ص ٧٤ من جزئه الثاني، وفي أواخر باب دعاء النبي إلى الله من كتاب الجهاد من صحيح مسلم.

(٣) رواه جميع أهل الأخبار وحسبك مافي آخر ص١٠٧ من الجزء الثاني من السيرة الحلبية.

٢٦
عماراً يسبه الله، ومن يبغض عماراً يبغضه الله، الحديث(١) وشتم رجل أبا بكر، والنبي جالس فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعجب ويبتسم، فلما أكثر الشتم رد عليه ابو بكر بعض قوله فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقام منصرفاً من المجلس، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس؟ فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت، الحديث(٢) وليس فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعل مع ذلك الرجل او قال له شيئاً اصلا. وتسور على مقام ابي بكر أيام خلافته بالشتم رجل

(١) أخرجه المحدثون وذكره المفسرون في تفسير قوله تعالي من سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ، وأورده الامام الواحدي في تفسير هذه الآية ص١١٨ من كتابه أسباب النزول.

(٢) أخرجه الامام أحمد من حديث أبي هريرة ص٤٣٦ من الجزء الثاني من مسنده ـ ورواه الشيخ نصر السمرقندي في باب كظم الغيظ من كتابه ـ تنبيه الغافلين بأحاديث خاتم النبيين ـ ص٧١.

٢٧
آخر فقال ابو برزة الاسلمي(١) : يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه، فقال: اجلس ليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا حكم أبي بكر فيمن واجهه بالسب وتسور علي مقامه بالشتم، فمن اين نحكم بعده بالتكفير، او نفتي بالتعزيز؟؟ واقتدى به في ذلك عمر بن عبد العزيز إذ كتب اليه عامله بالكوفة يستفتيه في قتل رجل سب عمر بن الخطاب، فكتب اليه(٢) : لا يحل قتل امرء مسلم بسب أحد من الناس، إلا رجلا

(١) كما أورده القاضي عياض في الباب الأول من القسم الرابع من كتابه ـ الشفا ـ وأخرج نحوه الامام احمد من حديث ابي بكر في ص٩ من الجزء الأول من مسنده.

وكذا الحاكم في ص ٣٥٥ وفي ص٣٥٤ من الجزء الرابع من المستدرك بالسند الصحيح على شرط الشيخين واورده الذهبي في التلخيص معترفاً بصحته على شرطهما.

(٢) كما في الباب الأول من القسم الرابع من كتاب ـ الشفا ـ واخرج محمد بن سعد في احوال عمر بن عبدالعزيز ص٢٧٩ من الجزء الخامس من طبقاته بسنده إلى سهيل بن ابي صالح قال: ان عمر بن عبدالعزيز قال: لا يقتل أحد في سب أحد إلا في سب نبي ا هـ.

٢٨
سب رسول الله فمن سبه صلى الله عليه وأله وسلم حل دمه.

وأنت إذا نظرت في أحوال الصحابة بعد رسّول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدت حروبا تشب، وغارات تشن، وحرمات مهتوكة ودماء مسفوكة، وشتماً وضربا، وهضما وسلباً، وحسبك: اقتلوا نعثلا فقد كفر، فحوصر وقتل، ثم كانت وقعة الجمل الاصغر فوقعة الجمل الأكبر فصفين، ثم كان معاوية وأوليائه ما كان مما طار في الأجواء، وطبق الأرض والسماء، فلينظر ناظر بعقله هل كان بين هؤلاء وبين الله عز وجل قرابة فيحابيهم بها؟ كلا ما كان الله ليثيب قوماً بأمر يعاقب عليه آخرين، إن حكمه في الأولين والآخرين لواحد، وما بينه عز وجل وبين أحد من خلقه هوادة في إباحة حمى حرمه على العالمين، فإذا كان التأول عذراً للأولين فهو عذر للآخرين (ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) .

فصل

إن في سيرة الصحابة نوادر تؤيد ما قلناه، من أن الصحبة بمجردها ليست بعاصمة، وحسبك ما كان من قدامة بن مظعون

٢٩
الصحابي إذ شرب الخمر على عهد الخليفة الثاني، وشهد عليه بذلك أبو هريرة الدوسي، والجارود العبدي، وهما يعلمان أنه أحد السابقين الأولين، وانه ممن هاجر الهجرتين، وانه من أهل بدر، فلم تمنعهما صحبته، ولا سابقته من الشهادة عليه ولا كان شيء من ذلك وازعاً للخليفة عن إقامة الحد عليه إذ جلده ثمانين(١) .

وشهد أبو بكرة وهو من فضلاء الصحابة، ونافع بن الحرث وهو من الصحابة أيضاً، وشبل بن معبد(٢) وزياد بن عبيد ـ وهم اخوة لأم ـ شهدوا جميعاً عند الخليفة الثاني على المغيرة بن شعبة بالزنى، في محصنة الحجاج بن عتيك الجشمي؛

(١) راجع ترجمة قدامة بن مظعون من كل من الاستيعاب والاصابة وغيرهما تجد القضية مفصلة وقد أخرجها الحاكم في ص ٣٧٦ من الجزء ٤ من المستدرك ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وصححه الذهبي إذ أورده في تلخيصه.

(٢) ذكره العسقلاني في القسم الثالث من اصابته، وذكر الشهادة منه ومن اخوته على المغيرة.

٣٠
وهي أم جميل بنت عمرو، في قضية ثابتة(١) هي من أشهر الوقائع التاريخية، فما أنكر عليهم أحد بشهادتهم على الصحابي بالفاحشة ولا رد الخليفة شهادتهم من حيث انها توجب رجم الصحابي، وحين تلكأ الشاهد الرابع وهو زياد أمر الخليفة بجلد كل من الشهود الثلاثة، ثمانين جلدة، ولم تكن صحبة أبي بكرة ونافع وازعة للخليفة عن جلدهما حدّ القذف.

وقال عمر لأبي هريرة مرة: يا عدو الله، وعدو كتابه سرقت مال الله، قال أبو هريرة: فقلت ما أنا بعدو الله، ولا عدُو كتابه ولكني عدو من عاداهما، ولا سرقت مال الله، قال: فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قال. قلت خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق، قال: فأمر بها أمير المؤمنين فقبضت. الحديث، أخرجه ابن سعد في ترجمة أبي هريرة من طبقاته.

وقال ابن عبد ربه المالكي في أوائل الجزء الأول من عقده

(١) فصلها ابن خلكان في أواخر ترجمة يزيد بن زياد الحميري. وأشار اليها كل من ترجم أبا بكرة ونافعا وشبلا والمغيرة بن شعبة وهي من حوادث سنة ١٧ للهجرة المشهورة لا يخلو منها كتاب يشتمل على حوادث تلك السنة.
٣١
الفريد(١) : دعا عمر أبا هريرة فقال له: هل علمت أني استعملتك على البحرين، وانت بلانعلين، ثم بلغني انك ابتعت أفراساً بألف دينار وستمائة دينار، قال: كان لنا أفراس تناتجت، وعطايا تلاحقت قال: قد حسبت لك رزقك ومؤنتك، وهذا فضل فأده، قال: ليس لك ذلك، قال: بلى والله أوجع ظهرك، ثم قام إليه بالدرة حتى أدماه، ثم قال: إئت بها، قال: احتسبتها عند الله قال: ذلك لو أخذتها من حلال، وأديتها طائعاً، آجئت من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا الله ولا للمسلمين، مارجّعت(٢) بك اميمة إلا لرعية الحمر، قال ابن عبد ربه وأميمة ام ابي هريرة، قال: وفي حديث ابي هريرة: لما عزلني عمر عن البحرين قال لي: يا عدو الله، وعدو كتابه سرقت مال الله، قال: فقلت: ما انا عدو الله، ولا عدو كتابه، ولكني عدو من عاداك، وما سرقت مال الله، قال:

(١) حديث ذكر ما يأخذ به السلطان من الحزم والعزم.

(٢) الرجع والرجيع. الروث والمعنى ما روثت بك امك لتكون والياً واميراً وإنما تغوطت بك لترعي الحمير ثم عزله.

٣٢
فمن أين اجتمعت لك عشرة آلاف؟ قلت خيل تناتجت، وعطايا تلاحقت، وسهام تتابعت، قال فقبضها مني فلما صليت الصبح استغفرت لأمير المؤمنين، قال لي بعد ذلك: اتعمل؟ قلت: لا، قال: قد عمل من هو خير منك يوسف عليه السلام، قلت: يوسف نبي، وانا ابن اميمة اخشى ان يشتم عرضي، ويضرب ظهري، وينزع مالي، اهـ.

قلت: لو كان أَمر الصحابة كما تعتقده العامة ما ضرب عمر ظهره، ولا شتم عرضه، ولا اخذ ماله. وقتل خالد بن الوليد مالك بن نويرة وهما صحابيان، ونكح خالد من ليلته(١) زوجة مالك ام تميم بنت المنهال، وكانت من اجمل نساء العرب ثم رجع إلى المدينة وقد غرز في عمامته اسهما، فقام إليه عمر فنزعها وحطمها، وقال له ـ كما في تاريخ ابن الأثير وغيره ـ قتلت امرءاً مسلماً ثم نزوت عن امرأته والله لأرجمنك بأحجارك ثم قال لأبي بكر ـ كما في ترجمة وثيمة بن موسى من وفيات ابن خلكان ـ: إن خالداً قد زنى فارجمه، قال: ما كنت

(١) كما اعترف به ابن حجر الهيثمي وارسله ـ في ص٢١ من صواعقه ـ ارسال المسلمات والقضية مشهورة مسلمة.
٣٣
لأرجمه، فإنه تأول فأخطأ، قال: انه قتل مسلماً فاقتله به، قال ماكنت لأقتله به، إنه تأول فأخطأ، و ودى مالكا من بيت المال، وفك الاسرى والسبايا من آله(١) .

وإن هذه العجالة لتضيق عن استقصاء ما كان من هذا القبيل من الحوادث الدالة على ان الصحابة لم يثبتوا لأنفسهم من المنزلة ما أثبته لهم المجازفون.

(المسألة الرابعة)

نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن باسقاط كلمات

(١) هذه الواقعة من المسلمات، لا ريب في صدورها من خالد، وقد ذكرها محمد بن جرير الطبري في تاريخه، وابن الاثير في كامله، و وثيمة بن موسى بن الفرات والواقدي في كتابيهما، وسيف بن عمر في كتاب الردة والفتوح، والزبير بن بكار في الموفقيات، وثابت بن قاسم في الدلائل وابن حجر العسقلاني في ترجمة مالك من اصابته، وابن الشحنة في روضة المناظر، وابو الفداء في المختصر، وخلق كثير من المتقدمين والمتأخرين.
٣٤
وآيات الخ.

فأقول: نعوذ بالله من هذا القول، ونبرأ إلي الله تعالى من هذا الجهل، وكل من نسب هذا الرأي إلينا جاهل بمذهبنا أو مفتري علينا، فإن القرآن العظيم، والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته، وسائر حروفه وحركاته وسكناته، تواتراً قطعياً من أئمة الهدىمن اهل البيت عليهم السلام، لا يرتاب في ذلك إلا معتوه، وأئمة أهل البيت كللهم أجمعون رفعوه إلى جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى، وهذا أيضاً مما لا ريب فيه، وظواهر القرآن الحكيم ـ فضلاً عن نصوصه ـ أبلغ حجج الله تعالى، وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولية من مذهب الامامية، وصحاحهم في ذلك متواترة من طريق العترة الطاهرة، ولذلك تراهم يضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار، ولا يأبهون بها عملا بأوامر أئمتهم عليهم السلام.

وكان القرآن مجموعاً آيام النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما هو عليه الآن من الترتيب والتنسيق في آياته وسوره، وسائر كلماته وحروفه بلا زيادة ولا نقصان، ولا تقديم وتأخير، ولا تبديل ولا تغيير

٣٥
وصلاة الامامية بمجردها دليل علي ذلك، لأنهم يوجبون بعد فاتحة الكتاب ـ في كل من الركعة الأولى والركعة الثانية من الفرائض الخمس ـ سورة واحدة تامة غير الفاتحة من سائر السور(١) ولا يجوز عندهم التبعيض فيها، ولا القران بين سورتين على الأحوط، وفقههم صريح بذلك، فلولا ان سور القرآن بأجمعها كانت زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما هي الآن عليه من الكيفية والكمية ما تسنى لهم هذا القول، ولا أمكن ان يقوم لهم عليه دليل.

اجل ان القرآن عندنا كان مجموعاً علي عهد الوحي والنبوة مؤلفاً على ماهو عليه الآن، وقد عرضه الصحابة علي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتلوه عليه من اوله إلى آخره، وكان جبرائيل عليه السلام يعارضه صلى الله عليه وآله وسلم بالقرآن في كل عام مرة، وقد عارضه به عام

(١) ولا يجوز في ضيق الوقت قراءة مايفوت الوقت بقراءته من السور الطوال، كما لا يجوز قراءة إحدى سورالعزائم الاربع لا ستلزامها زيادة سجدة في الصلاة أو المخالفة بترك سجود التلاوة، والأقوى اتحاد سورتي الضحى وألم نشرح وكذا الفيل وقريش عندنا.
٣٦
وفاته مرتين، وهذا كله من الأمور الضرورية لدى المحققين من علماء الامامية، ولا عبرة ببعض الجامدين منهم، كما لا عبرة بالحشوية من اهل السنة القائلين بتحريف القرآن والعياذ بالله فإنهم لا يفقهون، نعم لا تخلو كتب الشيعة وكتب السنة من احاديث ظاهرة بنقص القرآن، غير انها مما لا وزن لها عند الأعلام من علمائنا اجمع، لضعف سندها ومعارضتها بما هو اقوى منها سنداً، واكثر عدداً، واوضح دلالة، على انها من اخبار الآحاد، وخبر الواحد إنما يكون حجة إذا اقتضى عملا، وهذه لا تقتضي ذلك، فلا يرجع بها عن المعلوم المقطوع به، فليضرب بظواهرها عرض الحائط، ولا سيما بعد معارضتها لقوله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ومن عرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حكمته البالغة ونبوته الخاتمة، ونصحه الله ولكتابه ولعباده، وعرف مبلغ نظره في العواقب، واحتياطه على امته في مستقبلها، يرَ أن من المحال عليه ان يترك القرآن منشوراً مبثوثا، حاشا هممه وعزائمه، وحكمه المعجزة من ذلك، وقد كان القرآن زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلق عليه الكتاب قال الله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)
٣٧
وهذا يشعر بأنه كان مجموعاً ومكتوبا، فإن ألفاظ القرآن إذا كانت محفوظة ولم تكن مكتوبة لا تسمى كتابا، وإنما تسمى بذلك بعد الكتابة كما لا يخفى، وكيف كان فإن رأي المحققين من علمائنا ان القرآن العظيم إنما هو ما بين الدفتين الموجود في ايدي الناس، والباحثون من اهل السنة يعلمون منا ذلك، والمنصفون منهم يصرحون به، وحسبك ممن صرح بهذا إمام اهل البحث والتتبع الشيخ رحمة الله الهندي فإنه نقل كلام كثير من عظماء علماء الامامية في هذا الموضوع بعين الفاظهم فراجع ص ٨٩ من النصف الثاني من سفره الجليل ـ إظهار الحق ـ فإن هناك كلام المعروفين من متقدمي علماء الامامية ومتأخريهم منقولا عن كتبهم المشهورة المنشورة التي يمكنكم بعد مراجعة إظهار الحق ان تراجعوها أيضاً بأنفسكم لتزدادوا بصيرة فيما نقول، وسترون هذا الشيخ الجليل بعد نقله كلام علماء الشيعة حول هذا الموضوع قد علق عليه كلمة تبين كنه مذهبهم فيه، حيث قال ما هذا لفظه: «فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الامامية الاثني عشرية ان القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين وهو ما في ايدي الناس ليس
٣٨
بأكثر من ذلك، وانه كان مؤلفاً في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحفظه ونقله الوف من الصحابة، وجماعة من الصحابة كعبدالله بن مسعود، وابي بن كعب، وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدة ختمات، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الامام الثاني عشر رضي الله عنه (قال): والشرذمة القليلة منهم التي قالت بوقوع التغيير فقولهم مردود عندهم ولا اعتداد به فيما بينهم (قال): وبعض الاخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته (قال): وهو حق لأن خبر الواحد إذا اقتضى علماً ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده على ما صرح به ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى بمبادىء الوصول الى علم الاصول وقد قال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون) (قال): ففي تفسير الصراط المستقيم الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة أي إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان» انتهى كلامه بعين لفظه.

ونحن تعرضنا للبحث عن هذا الموضوع في الفصل ١١ من

٣٩
فصولنا المهمة وفاتنا ثمة النقل عن كتاب كشف الغطاء وهو من أجل الكتب الفقهية المشهورة المنشورة لمؤلفه امام المتبحرين وعيلم علوم المتقدمين والمتأخرين شيخنا الاكبر الشيخ جعفر رضي الله عنه فراجع منه كتاب القرآن تجده يقول في المبحث السابع من مباحثه: لا زيادة في القرآن من سورة ولا آية من بسملة وغيرها ولا كلمة ولا حرف، وجميع ما بين الدفتين مما يتلى كلام الله بالضرورة من المذهب بل الدين واجماع المسلمين واخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الطاهرين عليهم السلام. وقال في المبحث الثامن: لا ريب في أن القرآن محفوظ من النقصان بحفظ الملك الديان كما ذل عليه صريح الفرقان واجماع العلماء في جميع الأزمان (قال): ولا عبرة بالنادر وما ورد من أخبار النقيصة تمنع البديهة من العمل بظاهرها، إلى آخر كلامه، زاد الله في شرف مقامه.

هذا رأي علماء الشيعة في القرآن، من الصدر الأول إلى الآن، أخذوه ـ وهو عين الصواب ـ عن أئمتهم ـ وعن اعدال الكتاب ـ وقد شذ بعض الجامدين من الشيعة فقالوا بنقصان القرآن، محتجين بظواهر بعض الأحاديث التي لم

٤٠