×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

أجوبة مسائل جار الله / الصفحات: ٦١ - ٨٠

على بعض، حتى قال الامام جارالله الزمخشري:

اذا سألوا عن مذهبي لم ابح به * وأكتمه كتمانه ليَ أسلم
فإن حنفيا قلت، قالوا: بأنه * يبيح الطُّلا وهو الشراب المحرم
وان مالكيا قلت، قالوا: بأنني * أبيح لهم أكل الكلاب وهم هم
وإن شافعيا قلت، قالوا: بأنني * ابيح نكاح البنت والبنت تحرم
وإن حنبليا قلت، قالوا: بأنني * ثقيل حلوليّ بغيض مجسم
الابيات(١)

وقد علم المتتبعون ما كان في مرو على عهد السلطان محمود بن سبكتكين، إذ جمع فقهاء الشافعية والحنفية، والتمس الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر.

فكان ماكان ممالست أذكره * فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر(٢)

واذا طرق موسى جارالله باب قول العلماء بعضهم في بعض من كتاب جامع بيان العلم وفضله للامام ابن عبدالبر

(١) راجعها في ترجمة الزمخشري المطبوعة في الجزء الأخير من الكشاف.

(٢) وإن سآلت عنه فراجعه في ترجمة محمود بن سبكتكين من الجزء الثاني من وفيات ابن خلكان تجده منقولا عن كتاب مغيث الخلق في اختيار الأحق لمؤلفه امام الحرمين ابي المعالي عبدالملك الجويني وقد راجعت انا بنفسي الصلاة المنقولة ثمة عن الامام ابي حنيفة فوجدتها في فقه اصحابه بتمامها.

٦١

يجد فيه أقوال الصحابة، وأئمة التابعين بعضهم في بعض، ما ينهنه به عن وجده، ويصغر له قول امامنا في أئمته، على أن ذلك القول غير ثابت عن امامنا عليه السلام، ولو ثبت فإنما هو دون ما تلوناه من الأقوال وأهون مما لم نتله، فإنا تركنا أكداساً كثيرة من مثل هذا الطويل العريض.

وقبل الفراغ من هذه المسألة لابد ان نعلن أنا لم نقصد إلى شيء من نشر هذه الصفحات، لولا ما اضطرنا هذا الرجل إلى ذلك، فان الافاضة بالبحث قد تملك زمام القلم فلا يستطيع الباحث له رداً، ولا سيما إذا كان البحث فقيراً للدفاع بمثل هذا البيان، وعلى كل فإنا نكبر الأئمة الأربعة، ونحترم مذاهبهم ونعرف قدرهم، ونستعظم أمرهم، ونقدر جهودهم وبلاءهم رضي الله عنهم.

(المسألة السابعة)
تتعلق بالجهاد

قال: تعتقد الشيعة أن جهاد الامم الاسلامية لم يكن مشروعاً وهو اليوم غير مشروع، إلى ان قال: الجهاد مع

٦٢
غير الامام المفترض طاعته حرام عند الشيعة مثل حرمة الميتة، وحرمة الخنزير الى آخر كلامه.

(والجواب): أن هذا الرجل في كل ما ينقله عن الشيعة كراكب عمياء، في ليلة ظلماء، فان الجهاد ينقسم من جهة اختلاف متعلقاته خمسة اقسام.

احدها الجهاد لحفظ بيضة الدين إذا أراد أعداء الله مسّها بسوء، وهموا بأن يجعلوا كلمتهم أعلا من كلمة الايمان بالله، وان يكون الشرع باسمهم مناقضاً لدين الله عز وجل.

ثانيها الجهاد لدفع العدو عن التسلط على دماء المسلمين بالسفك واعراضهم بالهتك.

ثالثها الجهاد للدفاع عن طائفة من المسلمين التقت مع طائفة من الكفار فخيف من استيلائهم عليها.

رابعها الجهاد لدفعهم عن ثغور المسلمين وقراهم وأرضهم أو لا خراجهم منها بعد تسلطهم عليها بالجور، أو لجبر بيضة المسلمين بعد كسرها، واصلاحها بعد فسادها، والسعي في انقاذ المسلمين وبلادهم من أيدي الكفرة بالله عز وجل.

ويجب الجهاد في هذه الأقسام الاربعة ـ باجماع الشيعة ـ

٦٣
وجوبا كفائياً على معنى انه يجب على الجميع، إلى أن يقوم به منهم من فيه الكفاية، فيسقط عن الباقين سقوطاً مراعى باستمرار القائم به، إلى أن يحصل الغرض المطلوب شرعاً، وتختلف الكفاية بحسب الحاجة، بسبب كثرة العدو وقلته، وضعفه وقوته. ومن قتل في كل من هذه الأقسام الأربعة من المؤمنين فهو من الشهداء السعداء، وله في الآخرة ـ مع الاخلاص في النية ـ ما أعده الله للشهداء بين يدي خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله وسلم من الدرجات الرفيعة، والمساكن الطيبة والحياة الدائمة والرضوان الخالد، ويسقط عن الأحياء وجوب تغسيله وتحنيطه وتكفينه، إذا لم يكن عاريا فيدفن في ثيابه ودمائه، ولا ينزع عنه شيء سوى الفرو والجلد، وما كان بقاؤه عليه مضراً في حال الوراث، هذا إذا قتل في المعركة، ولم يدركه المسلمون وفيه رمق من الحياة. ولا فرق في وجوب الجهاد في كل هذه الأقسام الأربعة، بين حضور الامام وغيبته، و وجود المجتهد وعدم وجوده، فيجب على الحاضرين من المسلمين والغائبين ـ إن لم يكونوا مرابطين في الثغور ـ أن ينفروا للجهاد تاركين عيالهم وأشغالهم وسائر مهماتهم، ويجب على من كان
٦٤
ذا مال أو جاه أو سلاح أو رأي أو تدبير أو حيلة أن يبذل مالديه من ذلك، وتجب في هذا المقام طاعة الرئيس الناهض بهذه المهمة، العارفب بتسريب العساكر وتدريب الحرب، وإن لم يكن اماماً، ولا نائباً خاصاً، ولا مجتهداً ـ لتعذر رياستهم في هذه الأيام ـ وله أن يأخذ من أموال المسلمين ما يتوقف عليه الأمر؛ ويجب القيام بهذه الرئاسة على كل من له الأهلية لها، وجوبا عينياً إذا انحصر الأمر فيه، وإلا كان الوجوب عليه كفائياً، وفقه الامامية، وحديثهم صريحان بهذا كله(١) .

الخامس من أقسام الجهاد، ابتداء الكفار بجهادهم في سبيل دعوتهم إلى الإيمان بالله عز وجل، وغزوهم لأجل ذلك في عقر ديارهم، وبحبوحة قرارهم، وهذا المقام عندنا من خواص النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الامام النائب عن رسول الله نيابة صحيحة، أو المنصوب الخاص من احدهما فلا يتولاه

(١) من اراد التفصيل فعليه بمباحث الجهاد من كتاب كشف الغطاء لامام الطائفة وشيخها الأكبر الشيخ جعفر وغيرها من الكتب الفقية وهي اكثر من ان تحصى.
٦٥
المجتهدون النائبون عن الامام أيام غيبته ولا عيرهم. وقد اختلط الأمر على موسى جارالله فلم يعلم ان الممنوع من الجهاد عندنا في هذه الأيام إنما هو القسم الخامس دون الأربعة فانها واجبة، بحكم الضرورة من الدين الاسلامي، والمذهب الامامي، وجوبا كفائياً كما سمعت.

والحرب قد بانت لها الحقائق * وظهرت من بعدها مصادق

وشهدت يوم دارت رحاها العالمية، بآن علماء الامامية، كانوا في ساحتها من أرسخ المجاهدين قدماً، واعلاهم همما، وأمضاهم عزيمة وأشدهم شكيمة؛ قد لبسوا يوم القرنة في العراق لحرب لا متها وادّرعوا لها بدرعها، وكان في مقدمتهم الامامان المجاهدان الشيخ فتح الله المدعو شيخ الشريعة الاصفهاني، والشريف الوحيد السيد محمد سعيد الحبوبي الحسيني، وهما يومئذ من أجل مجتهد الشيعة في العراق، ومن أكبر شيوخ الاسلام على الاطلاق، وكان الشيخ قد أربى على الثمانين، والسيد قد ذرف عليها، فلم يمنعهما ضعف الشيخوخة؛ ودقة عظمها، ورقة جلدها، عن قيادة ذلك الجيش اللهام، المحتشد من العلماء الاعلام، والفضلاء الكرام، والأبرار الأخيار

٦٦
من أهل السوابق في نصرة الاسلام، وقد أبلوا في الجهاد بلاء حسناً لم يكن له نظير، حتى جاءهم من العدو مالا قِبَل لهم به، فتحرّفوا للقتال، وتحيزوا إلى فئتهم يستنفرونها للكفاح؛ فكان ما كان من سقوط العثمانيين وانجلائهم عن العراق، فقضى الشيخ والسيد نحبهما أسفاً ولهفا، وماتا وجداً وكمداً، فلحقا بالشهداء، وكانا من السعداء في دار البقاء، رفع الله درجتهما كما شرف خاتمتهما.

(المسألة الثامنة)
تتعلق بحديث أئمة العامة وحاله عند أئمتنا

قال: ادعت كتب الشيعة أن الأئمة كانت تنكر كل حديث يرويه إمام من أئمة العامة، وأن موسى بن جعفر قد أنكر كل حديث رواه مالك إمام المذهب، إلى أن قال: وكان الصادق يأمر بما خلاف أهل السنة والجماعة الخ.

(الجواب): أن الشيعة ترى أن الكذب على أئمة أهل البيت كالكذب على الله ورسوله، موبقة توجب دخول النار وهو عندهم من مفطرات الصائم في شهر رمضان، وحديثهم

٦٧
وفقههم صريحان بذلك، فثقاتهم لاُيتّهمون في النقل عن ائمتهم أبداً، على أن فيهم من الورع والعبقرية ما يسمو بهم عن كل دنية، إذا كانت أئمة العترة الطاهرة تنكر حديث من ذكرهم موسى جارالله فما ذنب الشيعة؟ وقد بلغه القدح في أئمته عن كثير من سلفه الصالح(١) فلم يره شيئاً نكراً، بل لعله بوسع الجارحين عذرا، فلما بلغه بعض الشيء عن أئمة أهل البيت مزّق كل فروة، وجبّ كل ذروة.

والامام الكاظم أعرف الناس بمالك، كانا في بلد واحد، وعصر واحد، وقد انتهى اليه ميراث السنن عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتصافق الناس على علمه و ورعه، وزهده وكظمه الغيظ، وتجاوزه عمن أساء اليه، وانقطاعه إلى الله مخلصاً له في العبادة، ناصحاً لعباده في الارشاد والافادة، فكان الواجب ان يستغرب الناس من الامام مالك عدم سماعه منه، فإن الموطأ خلو من حديثه عليه السلام(٢) وأغرب من هذا ان مالكا

(١) كما بيناه مفصلا في جواب المسألة السادسة فراجع من هذه الرسالة ص٤٨ وما بعدها.

(٢) والامام الشافعي كان أيضاً معاصراً للكاظم فلم يرو عنه، ومسنده كموطأ مالك خلو من حديثه عليه السلام.

٦٨
كان لا يروي عن الام الصادق على ما قيل(١) حتى يُضم اليه أحد، والشيخان كلاهما لم يخرجا شيئا عن الكاظم، ولا عن الرضا، ولا عن الجواد، ولا عن الهادي، ولا عن الزكي الحسن العسكري(٢) ولا عن الحسن بن الحسن، ولا عن الشهيد زيد بن علي بن الحسين، ولا عن يحيى بن زيد، ولا عن النفس الزكية محمد بن عبدالله الكامل بن الحسن الرضا بن الحسن السبط، ولا عن أخيه ابراهيم بن عبدالله، ولا عن الحسين شهيد فخ، ولا عن يحيى بن عبدالله بن الحسن، ولا عن أخيه ادريس ابن عبدالله، ولا عن محمد بن جعفر الصادق، ولا عن محمد بن ابراهيم بن اسماعيل بن ابراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا، ولا عن اخيه القاسم الرسي، ولا عن محمد بن محمد بن زيد بن علي، ولا عن محمد بن القاسم بن علي بن عمر الأشرف ابن زين العابدين صاحب الطالقان المعاصر للبخاري، ولا عن غيرهم من أعلام العترة الطاهرة، كعبدالله بن الحسن،

(١) راجع أحوال جعفر الصادق من ميزان الذهبي. اما البخاري فلم يرو في صحيحه عن الصادق شيئا.

(٢) وكان معاصراً للبخاري وقد توفي عليه السلام بعد وفاة البخاري بأربع سنين.

٦٩
وعلي بن جعفر العريضي، واخرجه اسماعيل بن جعفر واسحاق ابن جعفر، وغيرهما من ثقل رسول الله، وبقيته في امته، صلى الله عليه وآله وسلم، حتى انهما لم يرويا شيئا من حديث سبطه الأكبر وريحانته من الدنيا الامام أبي محمد الحسن المجتبى سيد شباب أهل الجنة.

نعم رووا أباطيل مختلقة افتراء على الامام زين العابدين وسيد الساجدين عن ابيه سيد الشهداء وخامس أصحاب الكساء وأنا أتلو عليك ما أخرجه البخاري من ذلك، فأقول: أخرج هذا الشيخ(١) عن الزهري من طريقين، قال: أخبرني علي ابن حسين، أن حسين بن علي؛ أخبره أن علي بن أبي طالب، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طرقه وفاطمة، فقال لهم: الا تصلون؟ فقال علي: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال له ذلك ولم يرجع اليه شيئا، ثم سمعه وهو مدبر يضرب فخذه، وهو يقول: وكان الانسان أكثر شيء جدلا، واخرج

(١) في باب قوله تعالى: وكان الانسان اكثر شيء جدلا من أواخر كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة قبل انتهائه بورقتين تقريباً فراجع ص١٧٦ من الجزء الرابع من الصحيح.
٧٠
الشيخ البخاري عن الزهري أيضاً(١) قال: أخبرنا علي بن حسين، أن حسين بن علي، أخبره أن عليا قال: كان لي شارفان من نصيبي من المغنم يوم بدر، فلما أدرت أن أبتني بفاطمة عليهما السلام واعدتُ رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بأذخر فأردت أن أبيعهما من الصواغين فنستعين بذلك على وليمة عرسي، فبينا أنا أجمع لشارفيّ من الأقتاب والغرائر والحبال، وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار، حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشارفيّ قد أجِبّت أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأيت المنظر، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: حمزة وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار، عنده قينة وأصحابه، فقالت القينة وأصحابه، فقالت القينة في غنائها: ألا ياحمز للشرف النواء، فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، قال علي. فانطلقت حتى دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده زيد بن حارثة، وعرف النبي الذي لقيتُ فقال: مالك؟ فقلت: يارسول الله ما رأيت كاليوم عدا حمزة

(١) في كتاب المغازي ص٨ من الجزء الثالث من صحيحه.
٧١
كتاب أجوبة مسائل جار الله لسماحة الامام شرف الدين الموسوي (ص ٧٢ - ص ١٠٢)
٧٢
من الخوارج(١) ويحتج بأكثر من مئة مجهول(٢) ويعتمد على كثيرين ممن سبق الطعن بهم(٣) كعكرمة البربري الخارجي، واسماعيل بن أويس؛ وعاصم بن علي، وعمرو ابن مرزوق، وأمثالهم ويصحح حديث المرجئة والقدرية، ولاتأخذه لومة لاثم في الاحتجاج بمروان بن الحكم، والمغيرة ابن شعبة، ومعاوية الاموي، وعمرو بن العاص، وأمثالهم ولا يخجل من الاحتجاج بعمران بن حطان داعية الخوارج وزعيمهم، وهو القائل في شقيق عاقر الناقة أشقى الآخرين ابن ملجم المرادي، وضربته لأخي النبي و وليه، ومن كان منه يمنزلة هارون من موسى:

يا ضربة من تقي ما أراد بها * إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

(١) كما نص عليه سيدنا الامام ابو محمد الحسن بن الهادي الصدر الموسوي العاملي الكاظمي في كتابه نهاية الدراية وتصدى لذلك ابن حجر صاحب المصالت وعبد الحق الدهلوي شارح مشكاة المصابيح وغيرهما من اعلام اهل السنة.

(٢) نص على ذلك ابن يسع في كتابه معرفة اصول الحديث وهو من فحول علماء اهل السنة.

(٣) نص على ذلك من اهل السنة ابن الصلاح في مقدمته المعروفة بأصول الحديث.

٧٣

اني لأذكره يوماً فأحسبه * أوفى البرية عندالله ميزانا

ثمُ يعرض عن سبط رسول الله الأكبر، وريحانته من الدنيا الحسن بن علي امام الامة وسيد شباب اهل الجنة، وعن الصادقين من أهل البيت، وهم أعدال الكتاب، وسفينة النجاة وباب حطة وامان هذه الامة(١) .

لكم ذخركم إن النبي وآله * وحزبهم ذخري إذا التمس الذخر

وأما قول هذا الرجل: وكان الصادق يأمر بما فيه خلاف أهل السنة والجماعة. فجوابه: أنه عليه السلام إذا استفتاه من يعرفه بالعمل بهديه يفتيه بما عنده من ذلك، وإذا استفتاه من يعرفه باتباع غيره أجابه بما جاء عنهم، وإذا سأله من لا يعرفه، قال في الجواب: جاء عن فلان كذا، وعن فلان كذا، فيذكر في الأثناء مذهب أهل البيت في المسألة. هذه طريقته، وربما كانت طريقة غيره من أئمة أهل البيت، وقد قال عليه السلام لمعاذ بن مسلم الهراء(٢) «بلغني أنك تقعد في

(١) لنا هنا كلام لا يستغني عنه المدققون اودعناه في كتابنا تحفة المحدثين.

(٢) هو ابو مسلم النحوي الكوفي واضع علم الصرف كان من اصحاب الصادق المبرزين في شيعته ذكره ابن خلكان فقال: قرأ عليه الكسائي وروى عنه وحكيت عنه في القراآت حكايات كثيرة وصنف في النحو كثيراً وكان يتشيع قلت: وقد ذكرنا احواله على سبيل التفضيل في كتابنامختصر الكلام في مؤلفي الشيعة من صدر الاسلام.

٧٤
الجامع فتفتي الناس، قال: نعم وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج إني أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فاذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون، ويجيء الرجل أعرفه بمودتكم وحبكم فأخبره بماجاء عنكم، ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأدخل قولكم فيما بين ذلك، فقال لي: اصنع كذا فاني كذا أصنع. ا هـ.

قلت: وحيث كان من سيرته عليه السلام هذا الصنع روى الناس عنه في اللمسائل الخلافية أحكاماً متعارضة، فالتبست بعد ذلك على أوليائه فسألوه عنها، فكان مضمون جوابه: أن ماكان منها موافقا للعامة فانما قلته له كي يأخذوا بمذهبهم، وما كان منه مخالفا لهم فانما قلته بيانا للحقيقة كي يأخذبه المقتدون بنا.

وهذا كل ما عندنا من العمل بالأخبار المتعارضة الصحيحة إذا لم يكن شيء منها مؤيداً بآية من كتاب الله عز وجل، وفيه من احترام مذاهب المسلمين كافة ما لا يخفى على أولي

٧٥
الألباب، لكن منينا بموسى جارالله وأضرابه ممن لا يفقهون، فانا لله وإنا اليه راجعون.

لا اشك أن موسى جارالله رأى عمر بن قيس ـ وهو من أعلام أهل السنة وأعيان التابعين ـ يقول(١) : من أراد الحق فليأت الكوفة فلينظر ما قال أبو حنيفة وأصحابه فليخالفهم. ا هـ. أو رأى عمار بن زريق ـ وهو من أعلام التابعين وشيوخ أهل السنة أيضا ـ يأمر أبا الجواب فيقول له: خالف أبا حنيفة فانك تصب. ا هـ. أو رأى عمار بن زريق المذكور يقول: إذا سئلت عن شيء فلم يكن عندك شيء، فانظر ما قال ابو حنيفة فخالفه، فانك تصب. ا هـ. أو رأى ابن عمار يقول: إذا شككت في شيء فنظرت إلى ما قال أبو حنيفة فخالفه، كان هو الحق فان البركة في خلافه، أو رأى غيرهم من أمثالهم، ينسجون في هذا القول على منوالهم، فظن ان الصادق عليه السلام إنما يرمي إلى هذا الغرض (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس) .

(١) فيما اخرجه عنه الخطيب في ترجمة ابي حنيفة ص٤٠٧ من المجلد ١٣ من تاريخ بغداد فراجعه وراجع هناك ما اخرجه عن عمار بن زريق وابنه وغيرهما.
٧٦

(المسألة التاسعة)
تتعلق بتنزيل بعض الآيات وتأويلها

قال: في كتب الشيعة أبواب في آيات نزلت في الأئمة والشيعة؛ وآيات نزلت في كفر فلان وفلان؛ وكفر من اتبعهما، والآيات تزيد على مئة، ثم سأل عن رأينا في تنزيلها وفي تأويلها(١)

(فأقول): أما ما نزل في فضل الأئمة من أهل البيت وشيعتهم فمسلم بحكم الضرورة من علم التفسير بالمأثور من السنن، وبحكم ما ثبت في السنة المقدسة من أسباب النزول، وقد قال

(١) نحيله في الجواب على كتاب مجمع البيان في تفسير القرآن للامام الطبرسي الامامي فكل ما ينقله عن الشيعة في تنزيل الآيات وتأويلها حق، وقد طبع هذا السفر الجليل مرارا في ايران، وطبع في مطبعة العرفان بصيدا، فشكر الله العارف جهوده في سبيل نشره وطوبى لمن أنعم الله عليه بنسخة منه فان فيه علوماً جمة ولعمري إنه من أفضل ما أخرجته أقلام هذه الامة وقد نفدت نسخه وفي عزمه اعادة طبعه بمعونة الله تعالى.
٧٧

ابن عباس: نزل في علي (وحده) ثلاث مئة آية(١) وقال غيره نزل فيهم ربع القرآن، ولا عجب فانهما الثقلان لا يفترقان ومن آثر التفصيل فعليه بكتاب غاية المرام المنتشر في بلاد الاسلام(٢) وحسبه المراجعة ١٢ من مراجعاتنا، ويكفيه الفصل الأول من الباب ١١ من الصواعق المحرقة لا بن حجر، ومن كان في قلبه مرض فعليه، بكلمتنا الغراء فانها الشفاء من كل داء.

وأما نزول شيء من القرآن في كفر فلان وفلان، فانه مما نبرأ إلى الله منه، والبلاء فيه انما جاء من بعض غلاة المفوضة، وربما كان في كتبهم فرآه هذا الرجل فيها فرمى البريء بحجر المسيء، شأن الجهال، بحقائق الأحوال، ومن تدبر آيات المنافقين في الذكر الحكيم وجدها تعطفهم على الكفار وتارة نحو قوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) وتعطف الكفار

(١) اخرجه ابن عساكر عن ابن عباس كما في الفصل ٣ من الباب ٩ من الصواعق المحرقة لابن حجر ص٧٦.

(٢) ونسأل الله التوفيق لنشر كتابنا الآيات الباهرة في فضل العترة الطاهرة فان فيه التفصيل.

٧٨
عليهم تارة أخرى، نحو قوله عز اسمه (وعد الله المنافقين والمنافقات نار جهنم خالدين فيها)(١) وهذا يشعر بتغايرهما، فالقرآن إذن لا يكفر المنافقين مع ما كانوا عليه من الايذاء لرسول الله، والسعي في اطفاء نور الله، وقد صدع بذمهم ولعنهم و وعيدهم، ومع هذا كله فقد فتح لهم بابا(٢) إلى رحمته الواسعة إذ قال عز من قائل (ويعذب اللمنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفوراً رحيماً)(٣) .

(المسألة العاشرة)
في التقية

قال: ولكتب الشيعة في حيلة التقية غرام قد شغفها حبا الخ.

(فاقول): ان اخواننا من أهل السنة ـ اصلح الله شؤونهم ـ يستفظعون أمر التقية، وينددون بها، ويعدونها وصمة في الشيعة، مع أن العمل بها عند الخوف على النفس أو

(١) هذه الآية والتي قبلها في سورة التوبة.

(٢) هو باب التوبة التي دعاهم في هذه الآية اليها.

(٣) هذه الآية في سورة الأحزاب.

٧٩
العرض أو المال مما حكم بوجوبه الشرع والعقل، واتفقت عليه كلمة اولي الألباب من المسلمين وغيرهم، فالتقية غير خاصة بالشيعة وإن توهم ذلك بعض الجاهلين، وقد هبط بها الروح الأمين، على قلب سيد النبيين والمرسلين صلى الله عليه وآله وسلم فتلا عليه(١) (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا آن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه والى الله المصير) وتلا عليه مرة أخرى(٢) (من كفر بالله من بعد إيمانه إلامن أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب الله ولهم عذاب عظيم) .

والصحاح الحاكمة بالتقية عند الاضطرار اليها متواترة، ولا سيما من طريق العترة الطاهرة، وحسبك ماصح على شرط الشيخين، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن ابيه(٣)

(١) من سورة آل عمران.

(٢) من سورة النحل.

(٣) فيما اخرجه الحاكم في تفسير الآية من سورة النحل من صحيحه المستدرك ص٣٥٧ من جزئه الثاني وصرح بأنه صحيح على شرط الشيخين وأورده الذهبي في تلخيصه مصرحاً بصحته على شرطهما أيضاً.

٨٠