×
المركز
الأسئلة العقائدية
المكتبة العقائدية
المستبصرون
الشيعة والتشيع
الندوات العقائدية
سجل الزوار
{sitename}
الآراء الواردة في موقع مركز الأبحاث العقائدية لاتمثل بالضرورة رأي سماحة السيد السيستاني (دام ظله)

العبادات بين المذاهب والحكام / الصفحات: ٢١ - ٤٠

فقال عمر: أولاً تبعثون رجلاً ينادى بالصلاة ؟

فقال رسـول الله (ص) : يا بلال . قم فنادى بالصلاة ..(٤)

ويروى عن عبد الله بن زيد قال : لما أمر رسول الله (ص) بالناقـوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بى وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً فى يده فقلت : يا عبد الله أتبيع الناقوس ؟

قال : وما تصنع به ؟

فقلت : ندعو به إلى الصلاة ..

قال : أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك .. ؟

فقلت له : بلى ..

٢١
فقال تقول : الله أكبر . الله أكبر ……… نص الآذان ..

فلما أصبحت أتيت رسول الله (ص) فأخبرته بما رأيت ..

فقال : إنها لرؤية حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق ما رأيت فليؤذن به ..(٥)

وفى رواية أخرى أن زيداً لما أخبر النبى (ص) برؤياه وأمر بلال أن يؤذن بها ، سمع عمر ابن الخطاب الصوت فخرج فقال للرسول : والله لقد رأيت مثل الذى رأى ..(٦)

وقال الزهرى : وزاد بلال فى نداء صلاة الغد : الصلاة خير من النوم فأقرها الرسول .

قال عمر : يا رسول الله قد رأيت مثل الذى رأى ولكنه سبقنـى ..(٧)

وعن انس قال : ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى ـ أى الصحابة ـ فأمر ـ أى الرسول ـ بلال أن يشفع الآذان وأن يوتر الإقامة ..(٨)

٢٢
ويروى عمر ابن الخطاب أنه كان يكبر فى النداء ثلاثاً. ويتشهد ثلاثاً . وكان أحياناً إذا قال ـ أى المؤذن ـ حى على الفلاح. قال على أثرها : حى على خير العمل ..(٩)

وعن أبى مخدورة أن نبى الله (ص) علمه هذا الآذان : الله أكبر. الله اكبر . أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن لا أله إلا الله . أشهد أن محمدًا رسول الله . اشهد أن محمدًا رسول الله . ثم يعود فيقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أن محمدًا رسول الله . اشهد أن محمدًا رسول الله . حى على الصلاة مرتين. حى على الفلاح مرتين . زاد إسحق الله أكبر لا إله إلا الله ..(١٠)

وفى رواية أخرى أن أبا مخدورة قال أن رسول الله (ص) علمه الآذان تسع عشر كلمة والإقامة سبع عشر كلمة ..(١١)

ويروى أن أبا مخدورة كان فى نفر بطريق حنين فأذن مؤذن رسول الله (ص) بالصلاة فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون فظلنا نحكية ونهزأ به فسمع رسول الله الصوت فأرسل إلينا ولما وقفنا بين يدية .

قال : أيكم الذى سمعت صوته قد ارتفع ؟

فأشار القوم إلى . فأرسلهم كلهم وحبسنى .

٢٣
وقال قم فآذن ، فقمت ولا شئ أكره إلى من سول الله (ص)، فألقى على التأذين هو بنفسه، ثم دعانى حين قضيت التأذين فأعطانى حدة فيها شئ من الفضة وأذن لى بالآذان فى مكة ..(١٢)

مناقشة الروايات :

أول ما يلفت النظر فى الروايات السابقة هو أن الآذان تم تشريعه عن طريق رؤية منامية لواحد من الأنصار وهو عبد الله بن زيد ..

وعندما يبنى التشريع على منامات لأشخاص خارج دائرة العصمة فهذا يقود إلى الشك فى هذا التشريع ويقود من جهة إلى الشك فى شخص الرسول (ص) ودوره ..

إن شخصية الرسول ودوره قد حددتها النصوص القرآنية الصريحة وحصرنها فى دائرتين أثنين :

الأولى : دائرة التبيين ..

الثانية : دائرة التبليغ ..

٢٤
ولم يحدث أن تجاوز الرسول هذا الدور وتقمص غير شخصية المعصومة المقيدة بحدود الوحى ..(١٣)

يقول سبحانه : (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منهم باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين) (الحاقة /٤٤:٤٧) ..

ويقول : (قل إنما اتبع ما يوحى إلى من ربى ..) (الأعراف /٢٠٣)

ويقول : (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ..) (النجم /٣)

وعلى أساس هذا النصوص تنتفى قضية الشورى فى محيط التشريع فلا مجال للتشاور فى أمور الشرع ولما كان الآذان بخصوصه لا أن يتشاور مع صحابته بشأنه ويطرح عليه البوق والدف والنار ثم يأمر بالناقوس ثم يرجع عنه ثم تتملكه الحيرة ويحاصره الهم حتى يأتى عبد الله بن زيد فيخرجه من هذا المأزق برؤية منامية ينازعه فيها عمر فيتلقفها تلقف الملهوف ويأمر بلال بتنفيذها على الفور وكأنه ليس برسول ولا ينتظر وحياً ..

ومثل هذا التصور إنما يضرب المعتقد الإسلامى فى الصميم ويفتح باب الشك فى تشريعات الإسلام ويضع العبادات فى صورة مهزوزة فى عين المسلم المتلقى ..

إن العبادة إنما هى قضية نصية لا اجتهادية ، والرسول إنما يبلغ ويبين تشريعات توحى إليه لا علم مسبق له بها .

٢٥
وثانى ما يلفت النظر فى هذه الروايات تناقضها وتضاربها ..

فروايات البخارى ومسلم لم تذكر شيئاً عن رؤية عبد الله بن زيد ، بل أشارت أن عمر هو الذى أشار على الرسول بالآذان ، بينما أشارت كتب السنن الأخرى إلى أن عبد الله بن زيد هو صاحب المنام الذى جاء بنص الآذان ..

وجاءت روايات أخرى لتجعل من عمر شريكاً فى منامه ورؤياه التى لم يبلغها للرسول (ص) وسبقه إليه عبد الله بن زيد ..

فأيهما نصدق رأى عمر أم رؤية عبد الله بن زيد ؟

أيهما نصدق البخارى ومسلم أم كتب السنن .. ؟

ومن جانب فإن روايات كتب السنن الخاصة برؤية الرسول(ص)أمراً بلالاً بالنداء عند الفجر وقت أن قص ابن زيد عليه رؤياه ولم يكن عمر حينئذ موجوداً أو قد سمع الآذان وهو فى بيته وجاء مهرولاً نحو الرسول ليؤكد مشاركته لابن زيد فى رؤياه.

فكيف يمكن الجمع بين هذه وتلك ؟ كيف يمكن الجمع بين رأى عمر ورؤياه .. ؟

٢٦
ورواية ابن زيد لم تشر إلى نص الصلاة خير من النوم بل أشارت إليه روايات أبو مخدوره. فهل كانت رؤية ابن زيد ناقصة؟

وكيف كان لبلال أن يزيد فى الآذان الصلاة خير من النوم ويقره الرسول على ذلك ؟

وكيف لعمر أن يدعى أنه رأى مثل الذى رأى بلال . وهل كانت رؤياه السابقة ناقصة .. ؟

وإذا اعتبرنا أن نص الصلاة خير من النوم إنما هو وليد عصر الرسول حسب الروايات التى ذكرناها . فما هو الموقف من رواية مالك فى الموطأ والتى نصت على أن عمر هو الذى جعل هذا النص فى نداء الصبح ..(١٤)

ومن الواضح أن أمر عمر هذا إنما كان فى فترة حكمة فلم يكن ليستطيع أن يصدر حكمه هذا فى وجود الرسول ..

ومن غرائب الروايات أن بعضها أشار إلى أن أبا بكر كان من بين الصحابة الذين رأوا فى منامهم رؤيا الآذان بالإضافة إلى آخرين ذكرتهم روايات أخرى..(١٥) وفى رؤية ابن عمر التى يقول فيها حى على خير العمل عقب حى على الفلاح دليل على التيه والتخبط حول نص الآذان. فإن الإشارة إلى حى على خير العمل دلالة على وجود نصوص أخرى تتعلق بالآذان كانت متداولة فى عصر الرسول والعصور اللاحقة ، كما أن الإشارة إليه ينفى تهمة الاختلاق عن الشيعة الذين جعلوا هذا النص فى آذانهم ..(١٦)

ومن جانب آخر فإن تشهد عمر عقب الآذان ثلاثاً يتناقض مع الروايات الأخرى التى تشير إلى أن التشهد عقب الآذان مثنى مثنى..

٢٧
وفى رواية مسلم التى ختمها بزيادة اسحق على نص الآذان: الله أكبر. لا إله إلا الله دليل آخر على هذا التيه والتخبط حول تحيـد النص الكامل للآذان والعجيب أن روايات الآذان تنحصر فى شخصين :

الأول : هو عبد الله بن زيد الأنصارى ..

الثانى : أبو مخدوره المكى ..

الأول جاء بنص الآذان ..

والثانى جاء بالتطبيق العملى ..

أما بقية الصحابة فلم يكن لهم دور فى الأمر، وكيف يكون لهم دور والرسول ذاته لم يكن له دور فى الأمر كله .. ؟

٢٨
وأما عبد الله بن زيد فقد قال فيه الحاكم : إنما نزل الشيخان ـ البخارى ومسلم ـ حديث عبد الله بن زيد فى الآذان والرؤيا لتقدم موت عبد الله ـ أى موته قبل تشريع الآذان ..(١٧)

وأبو مخدورة هذا كان من المؤلفة قلوبهم وقد أشارت الروايات إلى موقفة العدائى من الإسلام والرسول ، وأن موقفة العدائى هذا سرعان ما تغير بمجرد وأن تسلم صرة الفضة من الرسول ..

فهل يعقل أن يتلقى المسلمون دينهم من أمثال هذا .. ؟

إن من الممكن القبول بتلقى الطلقاء والمؤلفة قلوبهم مالاً من الرسول (ص) لكننا لا نقبل أن يتلقى المؤلفة مالاً من أجل استثمار صوته وليكون معلماً للمسلمين فى أمور دينهم . وهل وجد حكم المؤلفة قلوبهم لهذا العرض ..(١٨)

وفيما يتعلق بسند الروايات فهناك الكثير من التجاوزات التـى تتعلق برواتها والذين وضعوا فى دائرة التجريح من قبل فقهاء الحديث ..(١٩)

ولقد خاص الفقهاء كعادتهم فى استنباط الأحكام والتشريعات من خلال نص الآذان دون البحث فى متنه وسنده للوصول إلى مدى صلاحية النص للاستدلال والاعتماد عليه فى الاستنباط ..(٢٠)

٢٩
والنتيجة الطبيعية لهذه المناقشة تقودنا فى النهاية إلى أن الآذان لابد وأن يكون قد شرع من خلال الطريق الطبيعى للتشريع وهو الوحى ..

وهذا ما تؤكده النصوص القرآنية ..

يقول سبحانه: (يا أيها الذين أمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ..) (الجمعة /٩)

ويقول : (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً) (المائدة /٥٨)

وهذه النصوص تشير فى دلالة قاطعة إلى أن نداء الصلاة كان موجودًا فكيف غاب ذلك عن الرسول؟ وكيف برزت هذه الروايات المتناقضة مع بعضها ومع القرآن .. ؟

٣٠

ثانيا ـ الطهارة :

جاء القرآن بنص صريح يحدد لنا الطهارة الواجبة على المسلم لدخول الصلاة وفى حالة الجنابة وفى حالة المرض والسفر ووقوع النجاسة وفقدان الماء وذلك من باب النعمة والتيسير على العباد ..

يقول سبحانه : (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين . وإن كنتم جنباً فاطهروا . وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) (المائدة /٦ ) ..

وعلى الرغم من وضوح هذا النص فقد جاء الفقهاء فطوقوه بالروايات والاجتهادات والتأويلات وذهبوا به مذاهب شتى ..

وسوف نورد هنا بعض هذه الروايات وتأويلات الفقهاء ليتبين لنا مدى التناقض بينها وبين النص القرآنى ..

يروى أن عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلها ثم أدخل يمينه فى الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهة ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات . ثم مسح برأسه ثم غسل رجليه ثلاث مرات إلى إلى الكعبين . ثم قال :

قال رسول الله (ص) : من توضأ نحو وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه ..(٢١)

٣١
ويروى أن عبد الله بن زيد سئل عن وضوء النبى (ص) فدعا بتنور من الماء . فتوضأ لهم وضوء النبى فأكفأ على يده فغسل يديه ثلاثاً . ثم أدخل يده فغسل يديه ثلاثاً . ثم أدخل يده فمضمض واستنشق واستنشر بثلاث عزفات . ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً. ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين . ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة ثم غسل رجليه إلى الكعبين ..(٢٢)

وعن أبى هريرة أن النبى (ص) توضأ مرتين مرتين ..(٢٣)

ويروى عن ابن عباس قال : ألا أخبركم بوضوء رسول الله (ص) ؟

فتوضأ مرة مرة ..(٢٤)

وروى أن النبى (ص) توضأ مرة مرة . ومرتين . وثلاثاً ..(٢٥)

وروى أن النبى (ص) توضأ ومسح على خفية ثم صلى ..(٢٦)

٣٢
وروى أن الرسول (ص) مسح على العمامة ..(٢٧)

وروى أن الرسول (ص) مسح الأذنين .. (٢٨)

ويظهر من هذا الكم من الروايات الخاصة بالوضوء تصادمها مع النص القرآنى الذى يحدد الوضوء فى دائرة الأعضاء الأربعة: الوجه واليدين والراس والرجلين .

الوجه واليدين بالغسل ..

والرأس والرجلين بالمسح .

ومن الواضح أن الروايات أضافت فوق القرآن فضلاً عن كونها خالفت النص فى أمر المسح وقالت بالغسل ..

أضافت المضمضة والاستنشاق وغسل الأذنين ..

٣٣
وأضافت المسح على الخفين والعمامة ..

وهذه المخالفات والإضافات منسوبة إلى الرسول (ص) .

فهل يجوز للرسول مخالفة القرآن .. ؟

لقد أوقعت هذه الروايات الفقهاء فى حرج وحيرة ولم يكن أمامهم من سبيل فى مواجهتها سوى التأويل ..

قال النووى : اختلاف الأحاديث فى أنه مرة ومرة ومرتين مرتين وثلاثاً ثلاثاً ما يدل على الجواز والتسهيل على الأمة وهذا مما لا شك فيه ، وأما بيان المخالفة فيما بين الأعضاء فى الوضوء الواحد ففيه أيضاً دلالة على جواز ذلك ..؟ (٢٩)

إن المتأمل فى كم الروايات المذكورة يصل إلى نتيجة مفادها أن هذه الروايات دليل على التصعيب والتضليل على الأمة . إذ كيف يبسط القرآن الوضوء إلى هذا الحد وتأتى الروايات وتدخل المسلم فى هذه المتاهات ..؟

كيف يقول القرآن بالمسح وتأتى الروايات لتقول بالغسل .. ؟

٣٤
كيف يحدد القرآن أجزاء الوضوء فى أربعة وتأتى الروايات لتزيدها إلى سبعة ؟

وكيف يحدد القرآن الأعضاء الأربعة بالملامسة وتأتى الروايات لتضع عازل بين اليد والأعضاء يحول دون وصول الماء إليها كالعمامة والنعلين ؟

وما هى فائدة الوضوء إذن إذا كان الماء لا يصل إلـى العضـو .. ؟

وقد استعرض القرطبى للخلاف السائد بين الذين يقولون بغسل الرجلين مستندين إلى الروايات . وبين الذين يقولون بالمسح استناداً إلى القرآن ..

قال القرطبى وأرجلكم ـ بنى على أن الفرص فـى الرجليـن الغسل دون المسح وهذا مذهب الجمهور والكافة من العلماء وهو الثابت من فعل النبى(ص)، ومن قرأ بالحفص ـ أى بالكسرـ قال المسح.

وقد روى عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان.

٣٥
وقال : ليس فى الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح .

وقال عامر الشعبى : نزل جبريل بالمسح .

وقال قتادة : افترض الله غسلتين ومسحتين .

وذهب ابن جرير الطبرى إلى أن فرضهما التخير بين الغسل والمسح.

قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه أن المسح والغسل واجبان وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح فى الرجلين هو الغسل.

قلت ـ رأى القرطبى ـ وهو الصحيح فإن لفظ المسح مشترك. يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل ، وروى أن المسح فى كلام العرب يكون غسلاً ويكون مسحاً ..(٣٠)

ويظهر أن القرطبى وهو يحاول إنكار المسح وتأكيد الغسل قد أكد المسح وهو لا يدرى إذ ذكر عدد من الروايات لعدد من الصحابة والتابعين الذين يقولون بالمسح مما ينقص فكرة الإجماع على الغسل التى ذكرها ..

٣٦
ويروى أن عبد الله بن عمر قال : تخلف عنا النبى (ص) فى سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته : ويل للأعقاب من النار . مرتين أو ثلاثاً .. (٣١)

وفى مواجهة هذه الرواية يطرح السؤال التالى : هل يمكن أن يرى الرسول صحابته يلتزمون بالقرآن فينهاهم عن ذلك ؟

أو السؤال بصيغة أخرى : هل يمكن أن يرى الرسول الصحابة يمسحون فيأمرهم بالغسل مخوفاً إياهم بالنار ؟ وهل يخوف بالنار من يتبع القرآن ؟

بالطبع لا يجوز هذا فى حق الرسول . والرأى هو أن الجزء الأخير من الرواية من اختراع الرواة كى يموهوا على حقيقة الرواية ومضمونها ..

ويروى أن رسول الله (ص) توضأ ومسح علـى نعليـه وقدميـه ..(٣٢)

ويروى عن على قوله : كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهر هما حتى رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهرهما ..(٣٣)

ويروى عن ابن عبد خير عن أبيه قال: رأيت علياً توضأ فغسل ظاهر قدميه.(٣٤)

ويروى عن على قوله : لو كان الدين بالرأى لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما ..(٣٥)

٣٧
والظاهر من الروايات أنها تؤكد المسح الذى ينفيه الفقهاء بروايات أخرى ، وهى تؤكد من جانب آخر أنه لا مجال للرأى فى حدود التشريعات وإنما الواجب هو الالتزام بالنص سيراً مع القاعدة الفقهية : لا اجتهاد مع النص ..

إلا أن القوم خالفوا هذه القاعدة متحصنين بروايات ظنيـة فـى مواجهة نص قرآنى قطعى وتاه المسلم بين تأويلاتهم ورواياتهم التى سادت واقع المسلمين بفعل السياسة طوال القرون الماضية وراح ضحيتها القرآن ..(٣٦)

ويبدو أن القوم حوصروا بهذه الروايات فاخترعوا فى مواجهتها روايات أخرى على لسان على تحمل نفس النص مع استبدال القدمين بالخفين ..

روى عن على قوله : ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظهر خفيه ..(٣٧)

وروى عنه : لو كان الدين بالرأى لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه . وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهر خفيه ..(٣٨)

وروى عنه : لو كان الدين بالرأى لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما وقد مسح النبى (ص) على ظهر خفيه ..(٣٩)

والمتأمل فى هذه الروايات يرى مدى تناقضها مع بعضها وعدم ترابط معانيها فالرواية الأولى تتحدث عن باطن القدمين ثم تختم بالخف . وكان الأولى أن تتحدث عن باطن الخفين حتى يستقيم المعنى .

٣٨
أما الرواية الثانية فتتحدث عن الخفين وهى وضعت لمحاكاة النص السابق .

والثالثة وقعت فى نفس تناقض الأولى .

ثم أنه لا توجد حكمة من وراء مسح الخفين أما الحكمة من مسح الكعبين فهى ظاهرة على الأقل فى حدود النظافـة أو هـى حكمة مجهولة لنا إلا أننا فى النهاية ملزمون بالنص القرآنى دون إعمال الرأى فيه وكما ذكر على لسان الإمام على .. وجاء الرواة لنا بروايات أخرى منسوبة إلى الرسول (ص) تقول ببطلان وضوء من أكل مما مسته النار ..

يروى عن عائشة قالت : قال رسول الله (ص) : توضئوا مما مست النار ..(٤٠)

وعن أبى هريرة أن النبى (ص) قال : توضئوا مما غيرت النـار ..(٤١)

وسئل رسول الله (ص) عن الوضوء من لحوم الإبل. فقال : توضئوا منها .

وسئل عن لحوم الغنم فقال : لا تتوضئوا منها ..(٤٢)

٣٩
وعلى أساس هذه الروايات يكون الماء الساخن والأطعمة الساخنة وكذلك المشروبات الساخنة كل ذلك ينقض الوضوء وهذا ما لا يقول به عقل وحاشا لله أن يكون الرسول (ص) قد قال مثل هذا الكلام ..

إن مثل هذه الروايات أقل ما يمكن أن تؤدى إليه هو الشك فى روايات الوضوء السابقة والتى تخالف النص القرآنى ..

إلا أن الأعجب من ذلك هو ورود روايات أخرى تبطل هذا الحكم وتقول بجواز الوضوء مما مست النار ..

يروى عن ابن عباس أن رسول الله(ص) أكل جنب شاه ثم صلى ولم يتوضأ..(٤٣)

وشهد عدد من الصحابة على رسول الله (ص) أنه أكل طعاماً مما غيرت النار ولم يتوضأ ..(٤٤)

ولقد أوقعت هذه الروايات الفقهاء فى حالة تيه وارتباك ولم يجدوا أمامهم من مخرج سوى أن يقولوا ببطلانها أو يقولوا بنسخها لبعضها ، وقد اختاروا الأمر الثانى بالطبع فاختيار الأول يوقعهم فى مأزق عقائدى فقهى ينتهى بتدمير مذاهبهم التى تقوم على الروايات وكيف يمكن تحقيق الناسخ والمنسوخ فى حدود الروايات إذا كان من الصعب تحقيقه فى مجال الآيات القرآنية فضلاً عن كون فكرة الناسخ والمنسوخ فكرة محل نظر وأخذ ورد ..(٤٥)

وروى عن الرسول (ص) قوله : من مس ذكره فليتوضأ.(٤٦) وأجمع الفقهاء على أن مس الذكر من نواقض الوضوء على أساس هذه الرواية وهو ما عليه المذاهب الأربعة ..(٤٧)

إلا أن هناك رواية تنقض هذا الإجماع لم يأخذ بها الفقهاء بالطبع ..

٤٠